[٤٩] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو ياسر أحمد بُنْدَارِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخُو شَيْخِنَا ثَابِتٍ -رَحِمَهُمَا اللَّهُ- بِقِرَاءَةِ أَبِي نَصْرٍ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بن بكير١ النجار المقري، أنا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ عمر
_________________
(١) الكامل لابن عدي "٤/ ١٥٤٧" - في ترجمة عبد الله بن كيسان أبو المجاهد المروزي - من طريق القاسم بن محمد بن عباد، عن محمد بن عبد العزيز به. قال ابن عدي: ولعبد اللَّهِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عن ابن عباس أحاديث غير ما أمليت غير محفوظة غير ما ذكرت. الضعفاء للعقيلي "٢/ ٢٩١" في ترجمة عبد الله بن كيسان، قال: وحدث عن محمد بن واسع، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة بأحاديث لا يتابع عليها، وعن عكرمة عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- سمى سجدتي السهو: المرغمتين. ١ له ترجمة في تاريخ بغداد "٣/ ٣٩" قال الخطيب: كتبت عنه، وكان شيخًا مستورًا ثقة من أهل القرآن. ولد سنة ٣٤٦. وتوفي سنة ٤٣٢. وفيه: "محمد بن عمر بن بكر".
[ ٩٥ ]
ابن خَفِيفٍ١، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمة، نا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- سَمَّى سَجْدَتَيِ السَّهْوِ: المرغِمَتَين٢.
حَسَنٌ مَشْهُورٌ.
[٥٠] أَخْبَرَنَا أَبُو يَاسِرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ٣ قِرَاءَةً فِي سَنَةِ إِحْدَى
_________________
(١) ١ له ترجمة في تاريخ بغداد "١١/ ٣٥٠" قال الخطيب: وكان ثقة. توفي سنة "٣٦١". ٢ في الأصل و"ب": المرغمتان. وعليها علامة تمريض، وما أثبتناه من كتب التخريج. ومعناها -كما جاء في بعض الأحاديث- ترغم أنف الشيطان في كيده للمصلي، فيبطل هذا الكيد. ٣ انظر موضع ترجمته في التعليق على الحديث السابق.
(٢) م "٤/ ٢٠٧٤" "٤٨" كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - "١١" باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر - من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح به في حديث طويل: هذا جزء منه، ولفظه: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر عن معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه". هذا الحديث -كما قال الإمام النووي ﵀: حديث عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب. ولهذا سنقدم له شرحًا وافيًا لابن رجب -رحمه الله تعالى- كما جاء متنه عند مسلم -﵀- "جامع العلوم والحكم ٤٠٩-٤٢٣". قال حول رواياته: هذا الحديث خرجه مسلم من رواية الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. واعترض عليه غير واحد من الحفاظ في تخريجه؛ منهم: الفضل الهروي والدارقطني، فإن أسباط بن محمد رواه عن الأعمش. قال: حُدِّثنا عن أبي صالح، فتبين أن الأعمش لم يسمعه من أبي صالح ولم يذكر من حدثه عنه، ورجح الترمذي وغيره هذه الرواية، وزاد بعض أصحاب الأعمش في متن الحديث: "ومن أقال لله مسلمًا أقال الله عثرته يوم القيامة". وخرجه في الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي -ﷺ- قال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة". وخرج الطبراني من حديث كعب بن عُجزة عن النبي -ﷺ- قال: "من نفَّس عن =
[ ٩٦ ]
وثلاثين وأربعمائة، أنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، نا حَامِدٌ، نا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حماد،
_________________
(١) = مؤمن كربة من كربه نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنَ كرب يوم القيامة، ومن ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته، ومن فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه كربته". وخرج الإمام أحمد من حديث سلمة بن مخلد عن النبي -﵌- قال: "من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن نجى مكروبًا فك الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته".
(٢) "من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة": هذا مما تكاثرت النصوص بمعناه. وخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس عن النبي -﵌- قال: "من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته". وخرج الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر سمع النبي -﵌- يقول: "من ستر على المؤمن عورته ستره الله يوم القيامة". وقد رُوي عن بعض السلف أنه قال: أدركت قومًا لم يكن لهم عيوب، فذكروا عن عيوب الناس فذكر الناس لهم عيوبًا، وأدركت قومًا كانت لهم عيوب، فكفوا عن عيوب الناس فنسيت عيوبهم، أو كما قال. وشاهد هذا الحديث حديث أبي بردة عن النبي -﵌- أنه قال: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته" خرجه الإمام أحمد وأبو داود. وخرج الترمذي معناه من حديث ابن عمر. واعلم أن الناس على ضربين: أحدهما: من كان مستورًا لا يعرف بشيء من المعاصي، فإذا وقعت منه هفوة أو زلة؛ فإنه لا يجوز هتكها ولا كشفها ولا التحدث بها؛ لأن ذلك غيبة محرمة، وهذا هو الذي وردت فيه النصوص، وفي ذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ والمراد: إشاعة الفاحشة على المؤمن فيما وقع منه واتهم به مما هو بريء منه كما في قضية الإفك. قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمر بالمعروف: اجتهد أن تستر العصاة، فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام، وأولى الأمور ستر العيوب، ومثل هذا لو جاء تائبًا نادمًا وأقر بحده لم يفسروه ولم يستفسر؛ بل يؤمر أن يرجع ويستر نفسه، كما أمر النبي -﵌- ماعزًا والغامدية، وكما لم يستفسر الذي قال: "أصبت حدًّا فأقمه عليَّ". ومثل هذا لو أوخذ بجريمته ولم يبلغ الإمام فإنه يشفع له ما لا يبلغ الإمام. وفي مثله جاء في الحديث عن النبي ﵌: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" خرَّجه أبو داود والنسائي من حديث عائشة. والثاني: من كان مشتهرًا بالمعاصي معلنًا بها ولا يبالي بما ارتكب منها ولا بما قيل له هذا هو الفاجر المعلن، وليس له غيبة، كما نص على ذلك الحسن البصري وغيره، ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره لتقام عليه الحدود. وصرح بذلك بعض أصحابنا، واستدل بقول النبي ﵌: "واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها". ومثل هذا لا يشفع له إذا أخذ ولو لم يبلغ السلطان؛ بل يترك حتى يقام عليه الحد؛ ليكشف ستره ويرتدع به أمثاله. قال مالك: من لم =
[ ٩٧ ]
نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ محمد بن وساع وَأَبِي سَوْدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، عن
_________________
(١) = يعرف منه أذى للناس، وإنما كانت منه زلة، فلا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام. وأما من عرف بشر أو فساد فلا أحب أن يشفع له أحد؛ ولكن يترك حتى يقام عليه الحد، حكاه ابن المنذر وغيره. وكره الإمام أحمد رفع الفساق إلى السلطان بكل حال، وإنما كرهه لأنهم غالبًا لا يقيمون الحدود على وجوهها؛ ولهذا قال: إن علمت أنه يقيم عليه الحد فارفعه، ثم ذكر أنهم ضربوا رجلًا فمات؛ يعني: أنه لم يكن قتله جائزًا، ولو تاب أحد من الضرب الأول كان الأفضل له أن يتوب فيما بينه وبين الله تعالى ويستر على نفسه. وأما الضرب الثاني فقيل إنه كذلك، وقيل: بل الأولى له أن يأتي الإمام ويقر على نفسه بما يوجب الحد حتى يظهره.
(٢) "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة": هذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل، وقد تكاثرت النصوص بهذا المعنى؛ كقوله ﵌: "إنما يرحم الله من عباده الرحماء"، وقوله: "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا". والكُرْبَة: هي الشدة العظيمة التي توقع صاحبها في الكرب، وتنفيسها أن يخفف عنه منها، مأخوذ من تنفس الخناق كأنه يرخى له الخناق حتى يأخذ نفسًا، والتفريج أعظم من ذلك، وهو أن يزيل عنه الكربة فتفرج عنه كربته ويزول همه وغمه، فجزاء التنفيس التنفيس، وجزاء التفريج التفريج، كما في حديث ابن عمر، وقد جمع بينهما في حديث كعب بن عجرة. وخرج الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "إيما مؤمن أطعم مؤمنًا على جوع أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة، وأيما مؤمن سقى مؤمنًا على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن كسا مؤمنًا على عري كساه الله من خضر الجنة". وخرجه الإمام أحمد بالشك في رفعه، وقيل: إن الصحيح رفعه. وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال: "يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط، وأجوع ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، وأنصب ما كانوا قط، فمن كسا لله كساه لله، ومن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقى لله سقاه الله، من عفى لله أعفاه الله". وخرج البيهقي من حديث أنس مرفوعًا: "أن رجلًا من أهل الجنة يشرف يوم القيامة على أهل النار، فيناديه رجل من أهل النار: يا فلان، هل تعرفني؟ فيقول: لا والله ما أعرفك، من أنت؟ فيقول: أنا الذي مررت به في دار الدنيا فاستسقيتني شربة من ماء فسقيتك، قال: قد عرفت، قال: فاشفع لي بها عند ربك، قال: فيسأل الله تعالى فيقول: شفعني فيه فيأمر به فيخرجه من النار". وقوله: "كربة من كرب يوم القيامة" ولم يقل: من كرب الدنيا والآخرة كما قيل في التيسير والستر. وقد قيل في مناسبة ذلك: إن الكرب هي الشدائد العظيمة، وليس كل أحد يحصل له ذلك في الدنيا، بخلاف الإعسار والعورات المحتاجة إلى الستر، فإن أحدًا لا يكاد يخلو من ذلك ولو بتعسر الحاجات المهمة. وقيل: لأن كرب الدنيا بالنسبة إلى كرب الآخرة كلا شيء، فادخر الله جزاء تنفيس الكرب عنده لينفس به كرب الآخرة. ويدل على ذلك قول النبي ﵌: "يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي وينفذهم =
[ ٩٨ ]
أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ سَتَرَ أخاه المسلم ستره
_________________
(١) = البصر وتدنو الشمس منهم، فيبلغ الناس من الكرب والغم ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس بعضهم لبعض: ألا ترون ما بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم عند ربكم" وذكر حديث الشفاعة، خرجاه بمعناه من حديث أبي هريرة، وخرجاه من حديث عائشة عن النبي -﵌- قال: "تحشرون حفاة عراة غرلًا"، قالت: فقلت: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم بعضًا؟ فقال: "الأمر أشد من أن يهمهم ذلك". وخرجه من حديث ابن عمر عن النبي -﵌- في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: "يقوم أحدهم في الرشح إلى أنصاف أذنيه". وخرجاه من حديث أبي هريرة عن النبي -﵌- قال: "يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا، ويلجمهم حتى بلغ آذانهم" ولفظه للبخاري. ولفظ مسلم: "إن العرق ليذهب في الأرض سبعين ذراعًا، وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس أو إلى آذانهم". وخرج مسلم من حديث المقداد عن النبي -﵌- قال: "تدنو الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق قدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا". وقال ابن مسعود: الأرض كلها يوم القيامة نار، والجنة من ورائها ترى أكوابهاوكواعبها، فيعرق الرجل حتى يرشح عرقه في الأرض قدر قامة، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه وما مسه الحساب، قال: فممَّ ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ما يرى الناس ما يصنع بهم. وقال أبو موسى: الشمس فوق رءوس الناس يوم القيامة، فأعمالهم تظلهم أن تصحبهم. وفي المسند من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس".
(٢) قوله ﵌: "من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة": هذا أيضًا يدل على أن الإعسار قد يحصل في الآخرة، وقد وصف الله يوم القيامة بأنه عسير وأنه على الكافرين غير يسير، فدل على أن يسره على غيرهم، وقال: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ والتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال يكون بأحد أمرين: إما بإنظاره إلى الميسرة، وذلك واجب كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، وتارة بالوضع عنه إن كان غريمًا، وإلا فبإعطائه ما يزول به إعساره. وكلاهما له فضل عظيم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وآله سلم- قال: "كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لصبيانه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه". وفيهما عن حذيفة وأبي مسعود الأنصاري سمعا النبي -صلى الله عليه وآله سلم- يقول: "مات رجل فقيل له: بِمَ غفر الله لك؟ فقال: كنت أبايع الناس فأجاوز عن الموسر وأخفف عن المعسر" وفي رواية قال: "كنت أنظر المعسر وأتجوز في السكة -أو قال: في النقد- فغفر له". وخرجه مسلم من حديث أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله سلم. وفي حديثه: "قال الله: نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه". وخرج أيضًا من حديث أبي قتادة عن النبي -صلى الله عليه وآله سلم- قال: "من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه". وخرج أيضًا من حديث أبي اليسر عن النبي -﵌- قال: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله". وفي المسند عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وآله سلم- قال: "من أراد أن تستجاب دعوته أو تكشف كربته فليفرج عن معسر". =
[ ٩٩ ]
اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ نفَّس عَنْ أَخِيهِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنَ الآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عون أخيه".
_________________
(١) = ٤- "وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كان العبد في عون أخيه": وفي حديث ابن عمر: "ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته". وخرَّج الطبراني من حديث عمر مرفوًعا: "أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن: كسوت عورته، أو أشبعت جوعته، أو قضيت حاجته". وبعث الحسن البصري قومًا من أصحابه في قضاء حاجة لرجل وقال لهم: مروا بثابت البناني فخذوه معكم، فأتوا ثابتًا فقال: أنا معتكف، فرجعوا إلى الحسن فأخبروه فقال: قولوا: يا أعمش، أما تعلم أن مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجة بعد حجة؟ فرجعوا إلى ثابت، فترك اعتكافه وذهب معهم. وخرج الإمام أحمد من حديث بنت لخباب بن الأرت قالت: خرج خباب في سرية، فكان النبي -صلى الله عليه وآله سلم- يتعاهدنا حتى يحلب عنزة لنا في جفنة لنا فتمتلئ حتى تفيض، فلما قدم خباب حلبها فعاد حلابها إلى ما كان. وكان أبو بكر الصديق -﵁- يحلب للحي أغنامهم، فلما استخلف قالت جارية منهم: الآن لا يحلبها، فقال أبو بكر: بلى وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله، أو كما قال. وإنما كانوا يقومون بالحلاب؛ لأن العرب كانت لا تحلب النساء منهم وكانوا يسقبحون ذلك، وكان الرجال إذا غابوا احتاج النساء إلى من يحلب لهن. وقد رُوي عن النبي -﵌- أنه قال لقوم: "لا تسقوني حلب امرأة". وكان عمر يتعاهد الأرامل يستقي لهن الماء بالليل، ورآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة، فدخل إليها طلحة نهارًا، فإذا هي عجوز عمياء مقعدة فسألها: ما يصنع هذا الرجل عندكِ؟ قالت: هذا مذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة، أعورات عمر تتبع؟ وكان أبو وائل يطوف على نساء الحي وعجائزهن كل يوم فيشتري لهن حوائجهن وما يصلحهن. وقال مجاهد: صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني. وكان كثير من الصالحين يشترط على أصحابه أن يخدمهم في السفر. وصحب رجل قومًا في الجهاد فاشترط عليهم أن يخدمهم، وكان إذا أراد أحد منهم أن يغسل رأسه أو ثوبه قال: هذا من شرطي فيفعله، فمات فجردوه للغسل فرأوا على يده مكتوبًا: من أهل الجنة، فنظروا فإذا هي كتابة بين الجلد واللحم. وفي الصحيحين عن أنس قال: كنا مع النبي -﵌- في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلًا في يوم حار أكثرنا ظلا صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوَّام وقام المفطرون وضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر". ويروى عن رجل من أسلم: أن النبي -﵌- أُتي بطعام في بعض أسفاره، فأكل منه وأكل أصحابه، وقبض الأسلمي يده، فقال له رسول الله ﷺ: "ما لك؟ " قال: إني صائم، قال: "فما حملك على ذلك؟ " قال: كان معي ابنان يرحلان لي ويخدماني، فقال: "ما زال لهم الفضل عليك بعد". وفي مراسيل أبي داود عن أبي قلابة أن ناسًا من أصحاب رسول الله -﵌- قدموا يثنون على صاحب لهم خيرًا. قالوا: ما رأينا مثل فلان قط، ما كان في =
[ ١٠٠ ]
_________________
(١) = مسير إلا وكان في قراءة، ولا نزلنا منزلًا إلا كان في صلاة، قال: "فمن كان يكفيه ضيعته"، حتى ذكر: "ومن كان يعلف جمله أو دابته؟ " قالوا: نحن، قال: "فكلكم خير منه".
(٢) "ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة": وقد روى هذا المعنى أبو الدرداء عن النبي -﵌- وسلوك الطريق لالتماس العلم يدخل فيه سلوك الطريق الحقيقي، وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلماء، ويدخل فيه سلوك الطرق المعنوية المؤدية إلى حصول العلم مثل حفظه ومدارسته ومطالعته وكتابته والتفهم له، ونحو ذلك من الطرق المعنوية التي يتوصل بها إلى العلم. وقوله صلى الله عليه وآله سلم: "سهل الله له طريقًا إلى الجنة" قد يراد بذلك أن الله يسهل له العلم الذي طلبه وسلك طريقه وييسره عليه، فإن العلم طريق يوصل إلى الجنة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ . وقال بعض السلف: هل من طالب علم فيعان عليه. وقد يراد أيضًا أن الله ييسر لطالب العلم إذا قصد بطلبه وجه الله تعالى والانتفاع به والعمل بمقتضاه فيكون سببًا لهدايته ولدخول الجنة بذلك. وقد ييسر الله لطالب العلم علومًا أخر ينتفع بها وتكون موصلة إلى الجنة، كما قيل: من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، وكما قيل: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها. وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ . وقد يدخل في ذلك أيضًا تسهيل طريق الجنة الحسنى يوم القيامة وهو الصراط وما قبله وما بعده من الأهوال فييسر ذلك، وعلى طالب العلم للانتفاع به؛ فإن العلم يدل على الله من أقرب الطريق إليه، فمن سلك طريقه ولم يعوج عنه وصل إلى الله تعالى وإلى الجنة من أقرب الطرق وأسهلها، فسهلت عليه الطرق الموصلة إلى الجنة كلها في الدنيا والآخرة، فلا طريق إلى معرفة الله وإلى الوصول إلى رضوانه والفوز بقربه ومجاورته في الآخرة إلا بالعلم النافع الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، فهو الدليل عليه، وبه يهتدى في ظلمات الجهل والشبه والشكوك؛ ولهذا سمى الله كتابه نورًا يهتدى به في الظلمات، قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . ومثل النبي -﵌- حملة العلم الذي جاء به بالنجوم التي يهتدى بها في الظلمات؛ ففي المسند عن أنس عن النبي -﵌- قال: "إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة". وما دام العلم باقيًا في الأرض فالناس في هدى، وبقاء العلم ببقاء حملته، فإذا ذهب حملته ومن يقوم به وقع الناس في الضلال، كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﵌: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس؛ ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضَلُّوا وأَضَلُّوا". وذكر النبي -﵌- يومًا رفع العلم، فقيل له: كيف يذهب العلم وقد قرأنا القرآن وأقرأناه نساءنا أوبناءنا؟ فقال النبي ﵌: "هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم". فسئل عبادة بن الصامت عن هذا الحديث فقال: لو شئت أخبرتك بأول علم يرفع =
[ ١٠١ ]
_________________
(١) = من الناس: الخشوع. وإنما قال عبادة هذا لأن العلم قسمان؛ أحدها: ما كان ثمرته في قلب الإنسان، وهو العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله المقتضي لخشيته ومهابته وإجلاله والخضوع له ومحبته ورجائه ودعائه والتوكل عليه ونحو ذلك، فهذا هو العلم النافع، كما قال ابن مسعود: إن أقوامًا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم؛ ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع. وقال الحسن: العلم علمان: علم على اللسان، فذاك حجة الله على ابن آدم، كما في الحديث: "القرآن حجة لك أو عليك"، وعلم في القلب، فذاك العلم النافع. والقسم الثاني: العلم الذي على اللسان وهو حجة لك أو عليك، فأول ما يرفع من العلم العلم النافع وهو الباطن الذي يخالط القلوب ويصلحها، ويبقي علم اللسان حجة فيتهاون الناس به ولا يعملون بمقتضاه لا حملته ولا غيرهم، ثم يذهب هذا العلم بذَهَاب حملته فلا يبقى إلا القرآن في المصاحف، وليس ثم من يعلم معانيه ولا حدوده ولا أحكامه، ثم يسرى به في آخر الزمان فلا يبقى في المصاحف ولا في القلوب منه شيء بالكلية وبعد ذلك تقوم الساعة، كما قال ﵌: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس". وقال: "لا تقوم الساعة وفي الأرض أحد يقول: الله الله".
(٢) "ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده": هذا يدل على استحباب الجلوس في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته، وهذا إن حمل على تعلم القرآن وتعليمه فلا خلاف في استحبابه. وفي صحيح البخاري عن عثمان عن النبي -﵌- قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وقال أبو عبد الرحمن السلمي: فذلك الذي أقعدني في مقعدي هذا، وكان قد علم القرآن في زمن عثمان بن عفان حتى بلغ زمن الحجاج بن يوسف، فإن حمل على ما هو أعم من ذلك دخل فيه الاجتماع في المسجد على دراسة القرآن مطلقًا. وقد كان النبي -﵌- أحيانًا يأمر من يقرأ القرآن ليسمع قراءته، كما كان ابن مسعود يقرأ عليه، وقال: "إني أحب أن أسمعه من غيري". وكان عمر يأمر من يقرأ عليه وعلى أصحابه وهم يستمعون، فتارة يأمر أبا موسى، وتارة يأمر عقبة بن عامر. وسئل ابن عباس: أي العمل أفضل؟ قال: ذكر الله، وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتعاطون فيه كتاب الله فيما بينهم ويتدارسونه إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها، وكانوا أضياف الله ما داموا على ذلك حتى يخوضوا في حديث غيره، ورُوي مرفوعًا والموقوف أصح. ورَوى يزيد الرقاشي عن أنس قال: كانوا إذا صلوا الغداة قعدوا حلقًا حلقًا يقرءون القرآن ويتعلمون الفرائض والسنن ويذكرون الله تعالى. وروى عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي -﵌- قال: "ما من قوم صلوا صلاة الغداة ثم قعدوا من مصلاهم يتعاطون كتاب الله ويتدارسونه إلا وكل الله بهم ملائكة يستغفرون لهم حتى يخوضوا في حديث غيره". وهذا يدل على استحباب الاجتماع بعد صلاة الغداة لمدارسة القرآن، ولكن عطية فيه ضعف. وقد روى حرب الكرماني بإسناده عن الأوزاعي أنه سئل عن الدراسة بعد صلاة الصبح فقال: أخبرني حسان بن عطية أن أول من أحدثها في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل المخزومي في خلافة عبد الملك بن مَرْوان فأخذ الناس بذلك. وذكر حرب أنه رأى أهل دمشق وأهل حمص وأهل مكة وأهل البصرة يجتمعون =
[ ١٠٢ ]
_________________
(١) = على القرآن بعد صلاة الصبح؛ ولكن أهل الشام يقرءون القرآن كلهم جملة من سورة واحدة بأصوات عالية، وأهل البصرة وأهل مكة يجتمعون فيقرأ أحدهم عشر آيات والناس ينصتون، ثم يقرأ آخر عشر آيات حتى يفرغوا. قال حرب: وكل ذلك حسن جميل. وقد أنكر مالك ذلك على أهل الشام. قال زيد بن عبيد الدمشقي: قال لي مالك بن أنس: بلغني أنكم تجلسون حلقًا تقرءون، فأخبرته بما كان يفعل أصحابنا، فقال مالك: عندنا كان المهاجرون والأنصار ما نعرف هذا، قال: فقلت: هذا طريف، قال: وطريف رجل يقرأ ويجتمع الناس حوله، فقال: هذا من غير رأينا. قال أبو مصعب وإسحاق بن محمد الفروي: سمعنا مالك بن أنس يقول: الاجتماع بكرة بعد صلاة الصبح لقراءة القرآن بدعة، ما كان أصحاب رسول الله -﵌- ولا العلماء بعدهم على هذا، كانوا إذا صلوا يخلو كل بنفسه ويقرأ ويذكر الله تعالى، ثم ينصرفون من غير أن يكلم بعضهم بعضًا اشتغالًا بذكر الله، فهذه كلها محدثة. وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: لم تكن القراءة في المسجد من أمر الناس القديم، وأول من أحدث في المسجد الحجاج بن يوسف. قال مالك: وأنا أكره ذلك الذي يقرأ في المسجد في المصحف. وقد روى هذا كله أبو بكر النيسابوري في كتاب مناقب مالك ﵀. واستدل الأكثرون على استحباب الاجتماع لمدارسة القرآن في الجملة بالأحاديث الدالة على استحباب الاجتماع للذكر، والقرآن أفضل أنواع الذكر. ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي -﵌- قال: "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تعالى تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم هو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟ " قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا والله ما رأوك، فقال: كيف لو رأوني؟ فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأكثر لك تحميدًا وتمجيدًا وأكثر لك تسبيحًا، فيقول: فما يسألوني؟ قالوا: يسألونك الجنة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا رب ما رأوها، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد حرصًا عليها وأشد لها طلبًا وأشد فيها رغبة، قال: فممَّ يتعوذون؟ فيقولون: من النار، قال: فيقول: هل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا رب ما رأوها، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد منها فرارًا وأشد لها مخافة، فيقول الله تعالى: أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجته، قال: هم الجلساء لا يشقى جليسهم". وفي صحيح مسلم عن معاوية أن رسول الله -﵌- خرج على حلقة من أصحابه فقال: "ما أجلسكم؟ " قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده لما هدانا للإسلام ومنَّ علينا به، فقال: "آلله ما أجلسكم إلا ذلك"، قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: "أما إني لم أستحلفكم لتهمة لكم؛ ولكن أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة". وخرج الحاكم من حديث معاوية قال: كنت مع النبي -﵌- يومًا فدخل المسجد فإذا هو بقوم في المسجد قعود، فقال النبي ﵌: "ما أقعدكم؟ " =
[ ١٠٣ ]
_________________
(١) = فقالوا: صلينا الصلاة المكتوبة ثم قعدنا نتذاكر كتاب الله وسنة نبيه، فقال رسول الله ﵌: "إذا ذكر شيء تعاظم ذكره". وفي المعنى أحاديث أخر متعددة. وقد أخبر ﵌ أن جزاء الذين يجلسون في بيت الله يتدارسون كتاب الله أربعة أشياء؛ أحدها: تنزل السكينة عليهم. وفي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منه، فلما أصبح أتى النبي -﵌- فذكر ذلك له، فقال: "تلك السكينة تنزل للقرآن". وفيهما أيضًا عن أبي سعيد أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده إذ جالت فرسه فقرأ، ثم جالت أخرى فقرأ، ثم جالت أيضًا، قال أسيد: فخشيت أن يطأ يحيى -يعني ابنه- قال: فقمت إليها فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها مثل أمثال السُّرُج عرجت في الجو حتى ما أراها، فغدا على النبي -﵌- فذكر ذلك له، فقال: "تلك الملائكة كانت تسمع لك، ولو قرأت لأصبحت تراها الناس ما تستتر منهم" واللفظ لمسلم فيهما. وروى ابن المبارك عن يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زَحْر عن سعد بن مسعود: أن رسول الله -﵌- كان في مجلس فرفع بصره إلى السماء ثم طأطأ بصره ثم رفعه، فسئل رسول الله -﵌- عن ذلك فقال: "إن هؤلاء القوم كانوا يذكرون الله تعالى -يعني أهل مجلس أمامه- فنزلت عليهم السكينة تحملها الملائكة كالقبة، فلما دنت منهم تكلم رجل منهم بباطل فرفعت عنهم"، وهذا مرسل. والثاني: غشيان الرحمة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ . وخرج الحاكم من حديث سلمان أنه كان في عصابة يذكرون الله تعالى، فمر بهم رسول الله -﵌- فقال: "ما كنتم تقولون، فإني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأردت أن أشارككم فيها". وخرج البزار من حديث أنس عن النبي -﵌- قال: "إن لله سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا إليهم حفوا بهم ثم بعثوا رائدهم إلى السماء إلى رب العزة تعالى فيقولون: ربنا أتينا على عباد من عبادك يعظمون آلاءك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك ويسألونك لآخرتهم ودنياهم، فيقول الله تعالى: غشوهم برحمتي، فيقولون: ربنا إن فيهم فلانًا الخطاء إنما اعتنقهم اعتناقًا، فيقول تعالى: غشوهم برحمتي". والثالث: أن الملائكة تحف بهم، وهذا مذكور في الأحاديث التي ذكرناها. وفي حديث أبي هريرة المتقدم: "فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا". وفي رواية الإمام أحمد: "علا بعضهم على بعض حتى يبلغوا العرش". وقال خالد بن معدان يرفع الحديث: "إن ملائكة في الهواء يسيحون بين السماء والأرض يلتمسون الذكر، فإذا سمعوا قومًا يذكرون الله تعالى قالوا: رويدًا زادكم الله، فينشرون أجنحتهم حولهم حتى يصعد كل منهم إلى العرش" خرجه الخلال في كتاب السنة. والرابع: أن الله يذكرهم فيمن عنده، وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي -﵌- قال: "يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم". وهذه الخصال الأربع لكل مجتمع على ذكر الله تعالى، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد كلاهما عن النبي -﵌- قال: "إن لأهل ذكر الله تعالى أربعًا: تنزل عليه السكينة، وتغشاهم الرحمة، وتحف بهم الملائكة، ويذكرهم الرب فيما عنده"، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، وذِكْرُ الله لعبده هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى بين ملائكته ومباهاته به =
[ ١٠٤ ]
_________________
(١) = وتنويهه بذكره، قال الربيع بن أنس: إن الله ذاكر من ذكره وزائد من شكره ومعذب من كفره. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ وصلاة الله على عبده ثناؤه عليه بين ملائكته وتنويهه بذكره، كذا قال أبو العالية، ذكره البخاري في صحيحه، وقال رجل لأبي أمامة: رأيت في المنام كأن الملائكة تصلي عليك كلما دخلت وكلما خرجت وكلما قمت وكلما جلست، فقال أبو أمامة: وأنتم لو شئتم صلت عليكم الملائكة، ثم قرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ خرجه الحاكم.
(٢) "ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه": معناه أن العمل هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخرة، كما قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾، فمن أبطأ به عمله أن يبلغ به المنازل العالية عند الله لم يسرع به نسبه فيبلغه تلك الدرجات؛ فإن الله تعالى رتب الجزاء على الأعمال لا على الأنساب، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقد أمر الله تعالى بالمسارعة إلى مغفرته ورحمته بالأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ . قال ابن مسعود: يأمر الله بالصراط فيضرب على جهنم، فيمر الناس على قدر أعمالهم زمرًا زمرًا، أوائلهم كلمح البرق ثم كمر الريح ثم كمر المطر ثم كمر البهائم حتى يمر الرجل سعيًا حتى يمر الرجل مشيًا وحتى يمر آخرهم يتلبط على بطنه، فيقول: يا رب، لم أبطأت بي؟ فيقول: إني لم أبطئ بك إنما أبطأ بك عملك. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌ "حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: "يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا. يا صفية -عمة النبي ﵌- لا أغني عنك من الله شيئًا. يا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا". وفي رواية خارج الصحيحين: "إن أوليائي منكم المتقون تأتي الناس بالأعمال وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون: يامحمد يا محمد، فأقول: قد بلغت". وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة عن النبي -﵌- قال: "إن أوليائي المتقون يوم القيامة، وإن كان نسب أقرب من نسب يأتي الناس بالأعمال وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون: يا محمد يا محمد، فأقول: هكذا وهكذا فأعرض في كلا عطفيه". وخرج البزار من حديث رفاعة بن رافع أن النبي -﵌- قال لعمر: "اجمع لي قومك" يعني قريشًا، فجمعهم، فقال: "إن أوليائي منكم المتقون، فإن كنتم أولئك فذاك وإلا فانظروا، يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتوني بالأثقال فيعرض عنكم". وخرجه الحاكم مختصرًا وصححه. وفي المسند عن معاذ بن جبل أن النبي -﵌- لما بعثه إلى اليمن خرج معه يوصيه، ثم التفت وأقبل بوجهه إلى المدينة فقال: "إن أولى الناس بي المتقون من كانوا حيث كانوا". وخرجه =
[ ١٠٥ ]
[٥١] أَخْبَرَنَا أَبُو ياسرٍ، أنا أَبُو بَكْرٍ، أنا أَبُو عَمْرٍو، نا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، نا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَفْصٍ، نا خَلادُ بْنُ يَحْيَى، نا يَاسِينُ الزَّيَّاتُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: "لا تَحَاسَدُوا ١، وَلا تَبَاغَضُوا ٢، ولا تدابروا ٣، ولاتناجشوا ٤،
_________________
(١) = الطبراني وزاد فيه: "إن أهل بيتي هؤلاء يرون أنهم أولى الناس بي وليس كذلك، إن أوليائي منكم المتقون من كانوا وحيث كانوا"، ويشهد لهذا كله ما في الصحيحين عن عمرو بن العاص: أنه سمع النبي -﵌- يقول: "إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، وإنما وليي الله وصالحو المؤمنين" يشير إلى أن ولايته لا تنال بالنسب وإن قرب؛ وإنما تنال بالإيمان والعمل الصالح، فمن كان أكمل إيمانًا وعملًا فهو أعظم ولاية له، سواء كان له نسب قريب أو لم يكن، وفي هذا المعنى يقول بعضهم: لعمرك ما الإنسان إلا بدينه فلا تترك التقوى اتكالا على النسب لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الشرك النسيب أبا لهب
(٢) خ "٤/ ١٠٣" "٧٨" كتاب الأدب - "٥٨" ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا﴾ - من طريق عبد الله بن يوسف، عن مالك بن عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "إياكم الظن فإنه الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا". م "٤/ ١٩٨٥" "٤٥" كتاب البر والصلة والآداب - "٩" باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوها - من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن الأعمش به. وليس فيه: "ولا يغتب بعضكم بعضًا". ١ "لا تحاسدوا" يعني: لا يحسد بعضكم بعضًا، والحسد مركوز في طباع البشر، وهو أن الإنسان يكره أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من الفضائل، ثم ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام؛ فمنهم من يسعى في زوال نعمة المحسود بالبغي عليه بالقول والفعل، ثم منهم من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه، ومنهم من يسعى في إزالة نعمته عن المحسود فقط من غير نقل إلى نفسه وهو شرهما وأخبثهما، وهذا هو الحسد المذموم المنهي عنه، وهو كان ذنب إبليس حيث حسد آدم ﵇؛ لما رآه قد فاق على الملائكة بأن الله خلقه بيده وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأسكنه في جواره، فما زال يسعى في إخرجه من الجنة حتى أخرج منها، ويروى عن ابن عمر أن إبليس قال لنوح: اثنتان أهلك =
[ ١٠٦ ]
_________________
(١) = بهما بني آدم الحسد وبالحسد لعنت شيطانًا رجيمًا، والحرص، أبيح لآدم الجنة كلها فأصبت حاجتي منه بالحرص. خرجه ابن أبي الدنيا. وقد وصف الله اليهود بالحسد في مواضع من كتابه "القرآن" كقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ وقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ . وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث الزبير بن العوام عن النبي ﵌: "دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء: هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم". وخرج أبو دواد من حديث أبي هريرة عن النبي -﵌- قال: "إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" أو قال: "العشب". وخرج الحاكم وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي -﵌- قال: "سيصيب أمتي داء الأمم"، قالوا: يا نبي الله، وما داء الأمم؟ قال: "الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا، والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج". وقسم آخر من الناس إذا حسد غيره لم يعمل بمقتضى حسده ولم يبغِ على المحسود بقول ولا بفعل. وقد روي عن الحسن أنه لا يأثم بذلك، وروي مرفوعًا من وجوه ضعيفه، وهذا على نوعين؛ أحدهما: ألا يمكنه إزالة ذلك الحسد عن نفسه، ويكون مغلوبًا على ذلك، فلا يأثم به. والثاني: من يحدث نفسه بذلك اختيارًا ويعيده ويبدئه في نفسه مستروحًا إلى تمني زوال نعمة أخيه، فهذا شبيه بالعزم المصمم على المعصية، وفي العقاب على ذلك اختلاف بين العلماء؛ لكن هذا يبعد أن يسلم من البغي على المحسود بالقول فيأثم؛ بل يسعى في اكتساب مثل فضائله، ويتمنى أن يكون مثله، فإن كانت الفضائل دنيوية فلا خير في ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾، وإن كانت فضائل دينية فهو حسن، وقد تمنى النبي -﵌ الشهادة في سبيل الله، وفي الصحيحين عنه -ﷺ- قال: قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار". وهذا هو الغبطة، وسماه حسدًا من باب الاستعارة. وقسم آخر إذا وجد في نفسه الحسد سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى المحسود بإبداء الإحسان إليه والدعاء له ونشر فضائله، وفي إزالة ما وجد له في نفسه من الحسد حتى يبدله بمحبته أن يكون المسلم خيرًا منه وأفضل، وهذا من أعلى درجات الإيمان، وصاحبه هو المؤمن الكامل الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه. "جامع العلوم والحكم ص٣٩٦-٣٩٨". ٢ "ولا تباغضوا" نهى المسلمين عن التباغض بينهم في غير الله تعالى؛ بل على أهواء النفوس، فإن المسلمين جعلهم الله إخوة، والإخوة يتحابون بينهم ولا يتباغضون. وقال النبي ﵌: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم" خرجه مسلم، وقد ذكرنا فيما تقدم أحاديث في النهي عن =
[ ١٠٧ ]
_________________
(١) = التباغض والتحاسد. وقد حرم الله على المؤمنين ما يوقع بينهم العداوة والبغضاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، وامتن على عباده بالتأليف بين قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ . ولهذا المعنى حرم المشي بالنميمة لما فيها من إيقاع العداوة والبغضاء، ورخص في الكذب في الإصلاح بين الناس، ورغب الله في الإصلاح بينهم، كما قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي الدرداء عن النبي -﵌- قال: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة". وخرج الإمام أحمد وغيره من حديث أسماء بنت يزيد عن النبي -﵌- قال: "ألا أنبئكم بشراركم؟ " قالوا: يا رسول الله، قال: "المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون البراء العيب". وأما البغض في الله فهو من أوثق الإيمان عرى، وليس داخلًا في النهي، ولو ظهر لرجل من أخيه شر فأبغضه عليه وكان الرجل معذورًا فيه في نفس الأمر أثيب المبغض له وإن عذر أخوه كما قال عمر: "إنا كنا نعرفكم إذ رسول الله -﵌- بين أظهرنا، وإذ ينزل الوحي، وإذ ينبئنا الله من أخباركم، ألا وإن رسول الله -﵌- قد انطلق به وانقطع الوحي، وإنما نعرفكم بما نخبركم، ألا من أظهر منكم لنا خيرًا ظننا به خيرًا وأحببناه عليه، ومن أظهر منكم شرًّا ظننا به شرًّا وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم تعالى". وقال الربيع بن خثيم: لو رأيت رجلًا يُظهر خيرًا ويسر شرًّا أحببته عليه آجرك الله على حبك الخير، ولو رأيت رجلًا يظهر شرًّا ويسر خيرًا بغضته عليه، آجرك الله على بغضك الشر. ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين وكثر تفرقهم كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم، وكل منهم يظهر أنه يبغض لله، وقد يكون في نفس الأمر معذورًا، وقد لا يكون معذورًا؛ بل يكون متبعًا لهواه مقصرًا في البحث عن معرفة ما يبغض عليه، فإن كثيرًا من البغض كذلك إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا الحق، وهذا الظن خطأ قطعًا، وإن أريد أنه لا يقول إلا الحق فيما خولف فيه، فهذا الظن قد يخطئ ويصيب، وقد يكون الحامل على الميل مجرد الهوى والألفة أو العادة، وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله، فالواجب على المؤمن أن ينصح لنفسه ويتحرز في هذا غاية التحرز، وما أشكل منه فلا يدخل نفسه فيه خشية أن يقع فيما نهي عنه من البغض المحرم. "جامع العلوم والحكم ص٣٩٩-٤٠١". ٣ قوله: "ولا تدابروا" قال أبو عبد الله: التدابر: المصارمة والهجران، مأخوذ من أن يولي الرجل صاحبه دبره ويُعرض عنه بوجهه، وهو التقاطع. وخرج مسلم من حديث أنس عن النبي -صلى الله =
[ ١٠٨ ]
_________________
(١) = عليه وآله وسلم- قال: "لا تَحَاسَدُوا وَلا تَبَاغَضُوا وَلا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانًا كما أمركم الله تعالى". وخرجه أيضًا بمعناه من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌. وفي الصحيحين عن أبي أيوب عن النبي -﵌- قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام". وخرج أبو داود من حديث أبي خراش السلمي عن النبي -﵌- قال: "من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه". وكل هذا في التقاطع للأمور الدنيوية، فأما لأجل الذين فتجوز الزيادة على الثلاثة، نص عليه الإمام أحمد، واستدل بقصة الثلاثة الذين خلفوا، وأمر النبي -﵌- بهجرانهم لما خاف منهم النفاق، وأباح هجران أهل البدع المغلظة والدعاة إلى الأهواء. وذكر الخطابي أن هجران الوالد لولده والزوج لزوجته ما كان في معنى ذلك تأديبًا تجوز الزيادة فيه على الثلاث؛ لأن النبي -﵌- هجر نساءه شهرًا. واختلفوا: هل ينقطع الهجران بالسلام؟ فقالت طائفة: ينقطع بذلك. وروي عن الحسن ومالك في رواية ابن وهب وقاله طائفة من أصحابنا. وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌: "لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنًا فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه، فإن رد ﵇ فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم وخرج المسلم من الهجر". ولكن هذا فيما إذا امتنع الآخر من الرد عليه، فأما مع الرد إذا كان بينهما قبل الهجر مودة ولم يعودا إليها ففيها نظر. وقد قال أحمد بن رواية الأثرم: وسئل عن السلام يقطع الهجران فقال: قد يسلم عليه وقد صد عنه، ثم قال: قال النبي ﵌: "يلتقيان فيصد هذا"، فإذا كان قد عوده أي: أن يكالمه أو يصافحه. وكذلك روي عن مالك أنه قال: لا يقطع الهجران بدون العودة إلى المودة. وفرق بعضهم بين الأقارب والأجانب؛ فقال في الأجانب: يزول الهجر بينهم بمجرد السلام، بخلاف الأقارب؛ وإنما قال هذا لوجوب صلة الرحم. "جامع العلوم والحكم ص٤٩٩-٤٠٢". ٤ "ولا تناجشوا" فسره كثير من العلماء بالنجش في البيع، وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها إما لنفع البائع لزيادة الثمن له، أو بإضرار المشتري بتكثير الثمن عليه. وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﵌: "أنه نهى عن النجش". وقال ابن أبي أوفى: "الناجش آكل ربا خائن" ذكره البخاري. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن فاعله عاص لله تعالى إذا كان بالنهي عالمًا. واختلفوا في البيع؛ فمنهم من قال: إنه فاسد، وهو رواية عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه، ومنهم من قال: إن كان الناجش هو البائع أو مَن واطأه البائع على النجش فقد فسد؛ لأن النهي هنا يعود إلى العاقد نفسه، وإن لم يكن كذلك لم يفسد؛ لأنه يعود إلى أجنبي، وكذا حُكي عن الشافعي أنه علل صحة البيع بأن البائع غير الناجش، وأكثر الفقهاء على أن البيع صحيح مطلقا، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى في رواية عنه، إلا أن مالكًا وأحمد أثبتا للمشتري الخيار إذا لم يعلم بالحال وغبن غبنًا فاحشًا يخرج عن العادة، وقد رواه مالك وبعض أصحاب أحمد =
[ ١٠٩ ]
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا١، وَكُونُوا عباد الله أخوانًا"٢.
_________________
(١) = بثلث الثمن، فإن اختار المشتري حينئذ الفسخ فله ذلك، وإن أراد الإمساك فإنه يحط ما غبن به من الثمن، ذكره أصحابنا. ويحتمل أن يفسر التناجش المنهي عنه في هذا الحديث بما هو أعم من ذلك، فإن أصل النجش في اللغة: إثارة الشيء بالمكر والحيلة والمخادعة، ومنه من سمى الناجش في البيع ناجشًا، ويسمى الصائد في اللغة: ناجشًا؛ لأنه يصيد بحيلته علية وخداعه له، وحينئذ فيكون المعنى: لا تخادعوا ولا يعامل بعضكم بعضًا بالمكر والاحتيال، وإنما يراد بالمكر والمخادعة إيصال الأذى إلى المسلم إما بطريق الاحتيال وإما اجتلاب نفعه بذلك، ويلزم منه وصول الضرر إليه ودخوله عليه، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ . وفي حديث ابن مسعود عن النبي ﵌: "من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار". وقد ذكرنا فيما تقدم حديث أبي بكر الصديق المرفوع: "ملعون من ضار مسلمًا أو مكر به" خرجه الترمذي. فيدخل على هذا التقدير في التناجش المنهي عنه جميع أنواع المعاملات بالغش ونحوه؛ كتدليس العيوب وكتمانها، وغش المبيع الجيد بالرديء، وغبن المسترسل الذي لا يعرف المماكسة، وقد وصف الله تعالى في كتابه الكفار والمنافقين بالمكر بالأنبياء وأتباعهم، وما أحسن قول أبي العتاهية! ليس دنيا إلى بدين وليـ ـس الدين إلا مكارم الأخلاق إنما المكر والخديعة في النار هما من خصال أهل النفاق وإنما يجوز المكر بمن يجوز إدخال الأذى عليه وهم الكفار والمحاربون كما قال النبي ﵌: "الحرب خَدْعة". "جامع العلوم والحكم ص٣٩٨، ٣٩٩". ١ "ولا يغتب بعضكم بعضًا" في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي -﵌- أنه سئل عن الغيبة، فقال: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما يقول، قال ﷺ: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته". وأصل البهت: أن يقال له الباطل في وجهه، وهما حرام؛ ولكن تباح الغيبة لستة أسباب: أحدها: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني فلان، أو فعل بي كذا. الثاني: الاستغاثة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب، فيقول: لمن يرجو قدرته: فلان يعمل كذا فازجره عنه، ونحو ذلك. الثالث: الاستفتاء، بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان أو أبي أو أخي أو زوجي بكذا، فهل له ذلك، وما طريقي في الخلاص منه، ودفع ظلمه عني، ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، والأجود أن يقول في رجل أو زوج أو والد وولد كان من أمره كذا، ومع ذلك فالتعيين جائز لحديث هند وقولها: إن أبا سفيان رجل شحيح. الرابع: تحذير المسلمين من الشر، وذلك من وجوه؛ منها: جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين، وذلك جائز بالإجماع؛ بل واجب صونًا للشريعة. ومنها: الإخبار بعيبه عند المشاورة في مواصلته. ومنها: إذا رأيت من يشتري شيئًا معيبًا أو عبدًا سارقًا أو زانيًا أو شاربًا أو نحو ذلك تذكره للمشتري إذا لم يعلمه نصحية لا بقصد الإيذاء والإفساد. ومنها: إذا رأيت =
[ ١١٠ ]
أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الأَعْمَشِ.
[٥٢] أَخْبَرَنَا أَبُو ياسرٍ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْمُقْرِي، نا محمد
_________________
(١) = متفقهًا يتردد إلى فاسق أو مبتدع يأخذ عنه علمًا وخفت عليه ضرره فعليك نصحيته ببيان حاله قاصدًا النصحية. ومنها: أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهليته أو لفسقه، فيذكره لمن له عليه ولاية؛ ليستدل به على حاله فلا يغتر به ويلزم الاستقامة. الخامس: أن يكون مجاهرًا بفسقه أو بدعته؛ كالخمر ومصادرة الناس وجباية المكوس وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ولا يجوز بسبب آخر. السادس: التعريف، فإذا كان معروفًا بلقب كالأعمش والأعرج والأزرق والقصير والأعمى والأقطع ونحوها جاز تعريفه به، ويحرم ذكره به تنقصًا ولو أمكن تعريفه بغيره كان أولى. والله أعلم. "شرح مسلم للنووي ١٦/ ٣٧٩". ٢ "وكونوا عباد الله إخوانًا" هكذا ذكره النبي -﵌- كالتعليل لما تقدم، وفيه إشارة إلى أنهم إذا تركوا التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر وبيع بعضهم على بعض كانوا إخوانًا، وفيه أمر باكتساب ما يصير المسلمون به إخوانًا على الإطلاق، وذلك يدخل فيه أداء حقوق المسلم على المسلم من رد السلام وتشميت العاطس وعيادة المريض وتشييع الجنازة وإجابة الدعوة والابتداء بالسلام عند اللقاء والنصح بالغيب". وفي الترمذي عن أبي هريرة عن النبي -﵌- قال: "تهادوا؛ فإن الهدية تذهب وحر الصدر". وخرجه غيره ولفظه: "تهادوا تحابوا". وفي مسند البزار عن أنس عن النبي -﵌- قال: "تهادوا فإن الهدية تسل السخيمة". ويروى عن عمر بن عبد العزيز يرفع الحديث قال: "تصافحوا فإنه يذهب الشحناء وتهادوا". وقال الحسن: المصاحفة تزيد في المودة. وقال مجاهد: بلغني أنه إذا تراءى المتحابان فضحك أحدهما إلى الآخر وتصافحا تحاتت خطاياهما كما يتحات الورق من الشجر، فقيل له: إن هذا ليسير من العمل، قال: تقولون: يسير، والله يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . جامع العلوم "ص٤٩٤، ٤٩٥".
(٢) م "٤/ ٢١٦٧" "٥٠" كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - "١٧" باب تحريش الشيطان، وبعثه سراياه لفتنة الناس، وأن مع كل إنسان قرينًا - من طريق عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن منصور به، عن ابن مسعود، ولفظه: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن" قالوا: وإياك يا رسول الله! قال: "وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم؛ فلا يأمرني إلا بخير". رقم "٦٩/ ٢٨١٤". ومن طريق ابن المثنى وابن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور به عن ابن مسعود، وفيه: "وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة". وفي مسلم عن عائشة زوج النبي -﵌- حدثته أن رسول الله -ﷺ- خرج من عندها ليلًا قالت: فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال: "ما لك يا عائشة أغرت"، فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك، فقال رسول الله ﷺ: "أقد جاءك شيطانك"، قالت: يا رسول الله، أومعي شيطان؟ قال: "نعم"، قلت: ومع كل إنسان؟ قال: "نعم"، قلت: ومعك يا رسول الله، قال: "نعم؛ ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم".
[ ١١١ ]
ابن الحسن بْنِ بُدَيْنَا، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عماَرَ الْمَوْصِلِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ١، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَقَدْ وُكِّل بِهِ قَرِينٌ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ".
قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ: "وَإِيَّايَ، إِلا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ" ٢.
حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَمِثْلَهُ عن الْبُخَارِيِّ فِي مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
_________________
(١) ١ كذا في الأصل، وفي "ب": "أبي مسعود"، والصحيح "ابن مسعود" كما يتبين من التخريج. والله تعالى أعلم. ٢ قوله: "فأسلم" برفع الميم وفتحها، وهما روايتان مشهورتان، فمن رفع قال: معناه أسلم أنا من شره وفتنته، ومن فتح قال: إن القرين أسلم من الإسلام وصار مؤمنًا لا يأمرني إلا بخير، واختلفوا في الأرجح منهما، فقال الخطابي: الصحيح المختار الرفع، ورجح القاضي عياض الفتح، وهو المختار لقوله ﷺ: "فلا يأمرني إلا بخير"، واختلفوا على رواية الفتح؛ قيل: أسلم بمعنى استسلم وانقاد، وقد جاء هكذا في غير صحيح مسلم: فاستسلم، وقيل: معناه صار مسلمًا مؤمنًا، هذا هو الظاهر. قال القاضي: واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي -﵌- من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه. وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه، فأعلمنا بأنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان. "شرح مسلم ١٧/ ١٦٣، ١٦٤".
[ ١١٢ ]