مما جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي
[ ١ / ٦٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم عليه توكلت، وإليه أنيب
ومن الفتوة أن لا يغفل عن إخوانه في وقت من الأوقات. قال أبو محمد الجريري: الوفاء هو إقامة السر عن رقدة الغفلات، وفراغ الهم عن فضول الآفات.
ومن الفتوة الاستغناء عن الناس، وأن لا يذل لهم بسبب طمع. لذلك قال معاوية بن أبي سفيان ﵀: من قبل صلتك فقد باعك مروءته، وأذل لقدرتك عزه. أنشدني القاضي أبو علي الحسين بن أحمد البيهقي لمحمد بن حازم:
للبس ثوبين باليين وطي يومٍ وليلتين
أهون من منة لقومٍ أغض منها جفون عين
وإني وإن كنت ذا عيالٍ قليل مالٍ كثير دين
لمستعف برزق ربي حوائجي بينه وبين
ومن الفتوة السرور بلقاء الإخوان. قال إسماعيل بن أمية: لقاء الإخوان وإن كان يسيرًا غنمٌ كثيرٌ. وقال ابن المبارك ﵀: لقاء الإخوان عونٌ على الدين
[ ١ / ٦٧ ]
ومسلاةٌ للهموم. وقال سفيان الثوري ﵀: لم يبق في الدنيا شيء أستلذ به إلا لقاء الإخوان.
ومن الفتوة الابتداء بالصنيعة قبل المسألة. قال سعيد بن العاص ﵀: أحسن المعروف ما كان ابتداء من غير مسألة، فأما إذا أتاك يدور دمه في وجهه، لا يدري أتعطيه أم تمنعه، فوالله لو خرجت له عن جميع ملكك، ما كان مكافأة لذلك. أنشدني أبو ذر المنذر بالكوفة لبعضهم:
لعن الله نائلًا أرتجيه من يدي من أريد أن أقتضيه
ومن الفتوة البدار إلى قضاء حوائج الإخوان. قال سفيان الثوري ﵀: ليس من أخلاق الكرام التواني عن قضاء حوائج الإخوان إذا استمكن منها. وقال المأمون للفضل بن الربيع: اغتنم قضاء حوائج من رفع إليك حاجة، فإن الدهور أجور، والفلك أدور، والعمر أقصر من أن يتم حال أو يدوم سرور.
ومن الفتوة التلطف بالفقراء والحياء من الأشراف. قال الأعمش: كان إبراهيم ﵇ إذا [أتاه] الرجل الضعيف، أقبل عليه، وإذا أتاه الشريف استحيى منه.
[ ١ / ٦٨ ]
ومن الفتوة الحلم عن السفيه، والصفح عن المسيء. أخبرنا أبو بكر المفيد إجازة، حدثنا محمد بن عيسى القرشي، سمعت أبي يقول: أوصى رجل ابنه فقال: يا بني، احلم عمن سفه عليك، واصفح عمن أساء إليك، ودع للصلح موضعًا لديك، ليسلم لك أصدقاؤك، ويستحي منك أعداؤك.
ومن الفتوة أن لا يمل إخوانه. ويثبت على مودته. سمعت الشيخ أبا سهل محمد بن سليمان يقول: أنشدنا ابن الأنباري، قال: أنشدنا أحمد بن يحيى:
وليس خليلٌ بالملول ولا الذي إذا غبت عنه باعني بخليل
ولكن خليلٌ من يدوم وصاله ويحفظ سري عند كل دخيل
سمعت أبا الفتح القواس الزاهد ببغداد يقول: من مل إخوانه بلا سبب، فاعلم أن مودته لم تكن إلا لطمع.
ومن الفتوة أن يكون العبد شريف الهمة في أمر دينه ودنياه. سمعت محمد ابن عبد الله الرازي يقول: سمعت جعفر بن محمد الخواص يقول: سمعت الجنيد ﵀ يقول: قيمة كل امرئ همته فمن كانت همته الدنيا، فقيمته لا شيء، ومن كانت همته الآخرة، فقيمته جنةٌ عرضها السموات والأرض، ومن كانت همته رضا الله تعالى، فلا قيمة له في السموات والأرضين غير الرضوان. قال الله ﵎: ﴿ورضوانٌ من الله أكبر﴾ . قال أبو الطيب الشيرازي: قلت لأبي بكر الطمستاني ﵀ وقت مفارقته: أوصني. فقال: الهمة الهمة.
[ ١ / ٦٩ ]
أنشدني أبو علي الجعفري البصري، قال: أنشدني إسماعيل بن عباد لنفسه:
وقائلة لم علتك الهموم وأمرك ممتثلٌ في الأمم
فقلت: ذريني في غصتي فإن الهموم بقدر الهمم
سمعت أبا أحمد الحيري يقول: سمعت أبا علي الثقفي يقول: كن شريف الهمة، فإن الهمم كحملة الأشياء لا النفوس، وأنشد:
حملتم القلب ما لا يحمل البدن والقلب يحمل ما لا يحمل البدن
ومن الفتوة أن يحفظ العبد على نفسه هذه ستة الأشياء، ولا يخل بواحدة منها: الأمانة، والصيانة، والصدق، والصبر، والأخ الصالح، وإصلاح السريرة. فمن ضيع واحدة منها، فقد خرج عن حدود اليقين.
قال بعض الحكماء: من وجدت منه هذه ستة الأشياء، فاحكم له بالفتوة التامة، وهو أن يكون شاكرًا بقليل النعمة، صابرًا على كثير الشدة، يداري الجاهل بحلمه، ويؤدب البخيل بسخاوته، ولا يزيد فيما يعمله لمحمدة الناس، ولا ينقص مما كان يعمل من قبل مذمتهم. وقال يحيى بن معاذ رحمة الله: الفتوة الصفاء، ثم السخاء، ثم الوفاء، ثم الحياء.
وقال أبو الحسين بن سمعون ﵀: الفتوة أن لا تعمل عملًا في السر تستحي منه في العلانية. وقال أبو الحسين المالكي ﵀: الفتوة كرم الأخلاق،
[ ١ / ٧٠ ]
وصفاء الأسرار. وقال أبو عمرو الدمشقي ﵀: الفتوة النظر إلى الخلق بعين الرضا، وإلى نفسك بعين السخط، ومعرفة حقوق من هو فوقك، ودونك، ومثلك، وأن لا تعرض عن إخوانك بزلة أو جفوة أو بلاغ كذب، فمن أحب أخًا من إخوانه، يجب عليه أن يرى جفاءه وفاءً، وإعراضه إقبالًا، ولا يسخط منه حالًا، ولا خلقًا، فإذا لم يكن هكذا، كانت محبته مدخولة. أنشدنا أبو سعيد الرازي، قال: أنشدنا ابن الأنباري:
سألزم نفسي الصفح عن كل مجرمٍ وإن كثرت منه علي الجرائم
فما الناس إلا واحدٌ من ثلاثة شريفٌ، ومشروفٌ، ومثل مقاوم
فأما الذي فوقي فأعرف قدره وألزم نفسي الحق، والحق لازم
وأما الذي مثلي فإن زال أو هفا علمت بأن الحكم للفضل حاكم
وأما الذي دوني فإن قال، صنت عن مقالته عرضي وإن لام لائم
ومن الفتوة أن يكافئ بالمودة مثله. لأنه لا جزاء للمودة إلا المودة. أخبرنا أبو بكر المفيد إجازة، حدثنا الحسين بن إسماعيل الربعي، حدثنا الفهري، عن ابن المبارك ﵀، قال: من جمع لك مع المودة الصافية رأيًا حسنًا، فاجمع له مع المودة الخالصة طاعة لازمة.
ومن الفتوة الشفقة على الإخوان في كل الأحوال، كذلك سئل الجنيد ﵀ عن الشفقة على الخلق، فقال: أن تعطيهم من نفسك ما يطلبون، ولا تحملهم ما لا يطيقون، ولا تخاطبهم بما لا يعلمون. وسئل بعضهم: كيف شفقتك
[ ١ / ٧١ ]
على إخوانك؟ فقال: إن الذباب ليسقط على وجهه، فأجد لذلك ألمًا. وأنشدت في معناه:
وأشفق أن تمشي على الأرض غيرة فليتك خدي ما حييت وطيتا
سئل رويم ﵀: كيف شفقتك على إخوانك؟ فقال: يا أخي، اعلم أنه ما سرني شيء في الدنيا إلا سرور إخواني، ولا أحزنني منها شيء إلا ما حزنوا عليه. وسئل بعض الفتيان، كيف محبتك لإخوانك؟ وكيف شفقتك عليهم؟ فقال: أحسد عيني إذا أبصرتم. كيف لا تكون جوارحي كلها عيونًا فتبصرهم؟! وأحسد سمعي إذا سمع كلامهم كيف لا تكون جوارحي كلها سمعا، فيسمع كلامهم! قال: وكنت ليلة عند الخضري ﵀، فغنى قوالٌ:
غنت فلم تبق في جارحةٌ إلا تمنيت أنها أذن
فقال له الشيخ: ما للأحباب والتمني! قل: إلا تحققت أنها أذن. وأنشدت لبعضهم في قريب من هذا:
وفي الإشفاق إني لأحسد ناظري عليك حتى أغض إذا نظرت إليك
وأراك تخطر في شمائلك التي هي فتنتي، فأغار منك عليك
من فرط إشفاقي ودقة غيرتي أني أغار عليك من ملكيك
[ ١ / ٧٢ ]
ولو استطعت جرحت لفظك عامدًا إني أراه مقبلًا شفتيك
وسئل بعضهم: كيف شفقتك ومحبتك لصديقك؟ فقال: أشتهي إذا رأيته أن لا أرى شيئًا سواه حتى أراه. وإذا سمعت كلامه أشتهي أن لا أسمع شيئًا حتى أسمعه. وأنشدت في هذا المعنى:
ولو أني استطعت غمضت عيني فلم أبصر بها حتى أراكا
وقال بعضهم: أضمني سرهم أيام فرقتهم هل كنت تعرف سرا يورث الصمما
ومن الفتوة أن يتعهد الإنسان حال من ولاه الله أمرهم، ويهمل تعهد نفسه. روي عن عبد الله بن عمر ﵄: أنه كان يشبع عبيده ويجوع، ويكسوهم ويعرى، ويؤثرهم بأسباب الإرفاق، ويقول: أهون شيء على نفسي لما اتيقن من شرها.
ومن الفتوة أن يجتنب الإنسان الغضب جملة. حكي عن معاوية بن أبي سفيان ﵀ أنه قال: ما غضبي على ما أملكه، وما غضبي على من لا أملكه. إن كنت مالكًا، فإني قادرٌ على الانتقام، فلم ألزم نفسي الغضب، وإن كنت غير مالك فلا يضره غضبي، فلم أدخل الغضب على نفسي.
ومن الفتوة أن يحفظ عليه آداب الأوقات. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت جعفر الخلدي يقول: سمعت الجنيد يقول: أرفع الأعمال حفظ آداب الأوقات، وهو أن لا يطالع العبد غير حده، ولا يقارن غير وقته، ولا يواقف غير ربه. وقال محمد بن علي الترمذي ﵀: ما أحدٌ قام بحفظ الأدب في كل الأوقات
[ ١ / ٧٣ ]
والأحوال إلا المصطفى ﷺ، قال في الدنيا: «أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك» . وقال: «أعوذ بك منك» . وأما حين كان في الحضرة فأخبر الله تعالى عنه: فحلاه ربه ﷿ إذ ذاك بأحسن حلية، وهو قوله مثنيًا عليه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ .
ومن الفتوة أن يرى العبد الخير كله في إخوانه. ويبرئ نفسه منه لما يعلم من شرها. سمعت جدي ﵀ يقول: سمعت أبا عبد الله السجزي يقول: لك فضل ما لم تر فضلك، وإذا رأيت فضلك فلا فضل لك. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت أبا علي الأنصاري يقول: سمعت الشاه بن شجاع الكرماني ﵀ يقول: لأهل الفضل فضلٌ ما لم يروه، فإذا رأوه فلا فضل لهم. ولأهل الولاية ولايةٌ. ما لم يروها، فإذا رأوها فلا ولاية لهم. وقال الشاه لأبي حفص رحمهما الله: ما الفتوة؟ قال: استعمال الأخلاق.
ومن الفتوة أن يخلص لإخوانه ظاهرًا وباطنًا ومغيبًا ومشهدًا. سمعت الحاكم أبا أحمد الحافظ يقول: قال بعض الحكماء: إن من مواجب الإخوة على الفتيان، مودة الأخ لأخيه بقلبه خالصًا، وتزينه بلسانه، ورفده بماله، وتقويمه بأدبه، وحسن الذب عنه في غيبته.
[ ١ / ٧٤ ]
ومن الفتوة أن يصحب الإنسان من فوقه في الدين، ومن دونه في الدنيا. قال عثمان بن حكيم: اصحب من هو فوقك في الدين، ومن هو دونك في الدنيا، فإن صحبة من فوقك في الدين تصغر في نفسك طاعاتك، وصحبة من دونك في الدنيا تعظم في عينك نعم الله تعالى. وقال داود الطائي ﵀: اصحب المتقين فإنهم أيسر أهل الدنيا عليك مؤونة، وأكثرهم لكل معونة.
ومن الفتوة أن يثق العبد بربه في كل أحواله. قال سفيان بن عيينة: قيل لأبي حازم: ما مالك؟ فقال: لي مالان: الثقة بالله، والإياس مما في أيدي الناس.
ومن الفتوة أن تكون شفقة العبد على أصدقائه أكثر من شفقته على أقاربه. سمعت الحسين بن يحيى الشافعي يحكي عن جعفر بن محمد الصادق قال: من لم يكن لأخيه كما يكون لنفسه لم يعط الإخوة حقها، ألا ترى كيف حكى الله تعالى في كتابه، أن في [يوم] القيامة يفر الابن من أبيه، والأخ من أخيه، ثم ذكر في ذلك الموقف شفقة الأصدقاء بقوله تعالى: ﴿فما لنا من شافعين ولا صديق حميم﴾ .
ومن الفتوة حفظ الجوارح ظاهرًا وباطنًا. سئل أبو الحسن البوشنجي: ما
[ ١ / ٧٥ ]
الفتوة؟ فقال: أن لا تعمل شيئًا تستحي من كرام الكاتبين في ذلك. وقال حذيفة المرعشي ﵀: إنما الفتوة حفظ أربعة أشياء: عينك ولسانك وقلبك وهواك، فالزم عينك أن لا تنظر إلى ما لا يحل لها، وانظر لسانك لا تقل به إلا ما وافق الصواب والحق. وانظر قلبك لا يكون فيه على مسلم غش وحقد. وانظر هواك لا يهوى شيئًا من الشر.
ومن الفتوة ما سألت عنها أبا الحسين بن سمعون ﵀. فقال: هي خصال أحدها قلة الخلاف، وحسن الإنصاف، وإسقاط طلب العثرات، وتحسين ما يبدو من العثرات، والتماس المعذرة، واحتمال الأذى، والرجوع باللائمة على النفس، وطلاقة الوجه للصغير والكبير، وبذل المعروف والنصيحة للخلق، وقبول النصيحة منهم، ومؤاخاة الأولياء، ومداراة الأعداء. هذه ظواهرها إلى أن نتكلم في حقائقها.
ومن الفتوة أن يستوي سر العبد وعلانيته، فقد حكى أبو دجانة عن ذي النون المصري ﵏، أنه قال: من عمل في السر عملًا يستحي منه في العلانية، فليس لنفسه عنده خطر ولا قدر.
ومن الفتوة تجريد السر عن الأكوان، ومن فيها وما فيها. قال أبو العباس ابن عطاء: من لم يتجرد عن الدنيا بسره، ولم يتخلى عن الخلق بسره، ولم
[ ١ / ٧٦ ]
عن نفسه بسره كيف يتفرد لمولاه؟! فمن تجلى بسره عما سواه، وتفرد بسره مع مولاه، كشفت له الغطاء، فيميز بين ما يرضي مولاه وما يسخطه.
ومن الفتوة أن يعتمد الإنسان فمخالفته على ربه دون غيره، فإن بعض السلف قال لرجل من العقلاء: لو اتخذت ضيعة، فادخرتها لعيالك وأولادك. فقال: بئس ما أشرت به علي، بل أدخرها عند ربي لنفسي، وأدخر لعيالي وأولادي ربي.
ومن الفتوة إيثار موافقة الأصدقاء على موافقة الأقارب و[.. .. ..] . أنشدني علي بن عمر الحافظ ببغداد، قال: أنشدني أبو علي الحافظ، قال: أنشدني بشر ابن موسى لبعضهم.
أميل مع الصديق على ابن أمي وآخذ للصديق من الشقيق
وإن ألفيتني حرًا مطاعًا فإنك واجدي عبد الصديق
أفرق بين معروفي ومني وأجمع بين مالي والحقوق
ومن الفتوة انتباهي في كريمة الإخوان. كذلك ذكر أبو محمد الجريري، قال: دعانا ابن مسروق الله إلى بيته، فاستقبلنا صديقٌ لنا، فسألناه أن يساعدنا إلى بيت الشيخ. وقلنا: نحن في دعوته. فقال: كيف أجيء وهو لم يدعني. ثم قال:
[ ١ / ٧٧ ]
لا أخالف إخواني. فحضر معنا، فلما بلغنا باب الشيخ، أخبرنا الخبر، فقال له الشيخ: جعلت موضعي من قلبك أن تجيء إلى منزلي من غير أن أدعوك. علي كذا وكذا إن مشيت إلى موضع جلوسك إلا على خدي. قال: وألححنا عليه وحلف. فبسطنا له رداءً على الأرض، فوضع عليه خده، وحملنا الفتى بين اثنين يضع قدمه على خده حتى بلغ مجلسه.
ومن الفتوة الصبر على الإخوان وترك الاستبدال بهم. فإنه روي أن داود النبي ﵇ قال لابنه سليمان عليه لسلام: لا تستبدلن بأخ لك قديم، أخًا مستفادًا، استقام لك منه حاله فإنك إن فعلت ذلك تغيرت نعم الله تعالى عليك. ولا تستقل عدوًا واحدًا، ولا تستكثر ألف صديق.
ومن الفتوة الصبر على تدبير الله له، حكي أن رجلًا شكا إلى حكيم فقال: يا أخي أمدبرًا غير الله تعالى تريد؟
وقال بعضهم: من لم يصبر على تدبير الله تعالى له لم يصبر على تدبيره لنفسه. وقال الواسطي ﵀: من رأى نفسه لله ورأى الأشياء لله، استغنى عن جميع الأشياء بالله. وقال أبو العباس الدينوري ﵀: من دبر لنفسه ندم في عواقب أمره، ومن رضي بتدبير الله تعالى له حمد ابتداء أمره وانتهاءه.
ومن الفتوة قيام الأكابر إلى خدمة الأصاغر إذا دعاه أو كان عنده. وترك الأنفة عن القيام إلى خدمة الضيف. أخبرنا علي بن الحسن بن جعفر الرضا الحافظ
[ ١ / ٧٨ ]
ببغداد، حدثنا أحمد بن الحسن دبيس الخياط، حدثنا سليمان بن الفضل البلخي حدثنا ابن أكثم، قال: كانت ليلة عند المأمون أمير المؤمنين ﵀، فعطشت في جوف الليل، فقمت لأشرب، فقال: ما لك يا بني، ليس تنام؟ قلت: أنا والله عطشان يا أمير المؤمنين. فقال: ارجع إلى موضعك. وقام والله إلى البرادة فسقاني كوز ماء، وقال لي: لؤم بالرجل أن يستخدم ضيفه. ألا أخبرك.. .. ألا أطرفك.. .. ألا أحدثك؟ فقال: حدثنا الرشيد، حدثنا المهدي حدثنا المنصور، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: حدثني جرير بن عبد الله ﵃، عن النبي ﷺ، قال: «لؤم بالرجل أن يستخدم ضيفه» .
ومن الفتوة حفظ الوفاء في المودة والأخوة. أخبرنا أبو الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن السكري، حدثنا أبو يعلى، حدثنا الأصمعي، سمعت أعرابيًا يقول: ود أهل الوفاء، وإن كان يسيرًا حظٌ عزيزٌ.
ومن الفتوة العيش بعد مفارقة الإخوان والأحبة. سمعت الحسين بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: رؤي الجنيد ﵀ يومًا جالسًا
[ ١ / ٧٩ ]
متفكرًا مهمومًا، فقيل له: ما الذي أحزنك يا أبا القاسم؟ فقال: فقدت السر في الخلوة، وفقدت الإخوان الذين كنت آنس بهم، ودون هذا مما يهد البدن ويشغل القلب، وأنشد:
ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأقوام
أنشدنا علي بن عمر الحافظ ببغداد، قال: أنشدنا يزدان الكاتب لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
لو أن نفس الحر في كفه رمى بها بعد أحبائه
واسوأتا للمرء في ساعة يعيشها بعد أخلائه
وأنشدنا أيضًا في هذا المعنى:
غابوا فصار الجسم من بعدهم ما تبصر العين لهم فيا
بأي وجه أتلقاهم إذا رأوني بعدهم حيا
واخجلتا منهم ومن قولهم ما ضرك الفقد لنا شيا
سمعت محمد بن الحسن الخالدي البغدادي يقول: سمعت ابن خالويه يقول: قيل لابن جرير: أرأيت قول أبيك: لو كنت أعلم أن آخر عهدهم يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل. ماذا كان يفعل لو علم ذاك؟ فقال: كان يقلع حدقتيه، فلا يرى موقف الفراق. أنشدنا محمد بن طاهر الوزيري، قال: أنشدني سعيد بن عبد الله البغدادي لبعضهم:
[ ١ / ٨٠ ]
ما كنت أعلم ما في البين من حزن حتى تنادوا بأن قد جيء بالسفن
قامت تودعني والدمع يغلبها كما تميل نسيم الريح بالغصن
وأعرضت ثم قالت وهي باكيةٌ يا ليت معرفتي إياك لم تكن
ومن الفتوة إتمام العارفة بمداومتها. ومواصلتها بأعوانها. أخبرنا علي بن عمر الحافظ، أخبرنا الحسن بن إسماعيل القاضي، حدثنا عبد الله بن أبي سعيد، حدثنا هارون بن ميمون، حدثنا أبو خزيمة بن عيسى قال: قال المهدي أمير المؤمنين: ما توسل أحد إلي بوسيلة، ولا تذرع بذريعة هي أقرب إلى ما يحب من تذكيري يدًا أسلفت مني إليه أتبعها بأخرى، وأحسن ربها، لأن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل.
ومن الفتوة الأخذ بهذه الآداب والمواعظ التي أخبرناها أبو عبد الله محمد بن العباس العصمي، حدثنا محمد بن أبي علي الخلادي، حدثنا محمد بن الحسن الرملي. حدثنا علي بن محمد المرهني، عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق العباسي، عن عبد الله بن الحجاج مولى المهدي، عن إبراهيم بن شكلة، قال: إذا آخيت أخًا فلا تشك في أنه يخطئ ويصيب، ويحسن ويسيء، ويحفظ ويضيع. فوطن نفسك على الشكر إذا حفظ، وعلى الصبر إذا ضيع، وعلى المكافأة إذا أحسن، وعلى الإساءة إذا أساء، فإن في معاتبة الصديق استدامة للود. وقد قيل: ظاهر العتاب خير من مكتوم الحقد.
[ ١ / ٨١ ]
ومن الفتوة حفظ عهود الإخوان على القرب والبعد. أخبرنا عمر بن أحمد بن عثمان، قال: سمعت ابن الأنباري، قال أنشدت ليزيد المهلبي:
أن تغيبي عنا فسقيًا ورعيًا أو تحكي بنا فأهلًا وسهلا
لا تخافي إن غبت أن نتناساك ولا إن وصلتنا أن نملا
ومن الفتوة أن لا يسمع مذمة إخوانه بحال. أنشدنا يوسف بن صالح، قال: أنشدنا ابن الأنباري لبعضهم:
لا أعير الدهر سمعي ليعيبوا لي حبيبا
لا ولا أحفظ عندي للأخلاء عيوبا
أحفظ الإخوان كيما يحفظوا عني المغيبا
ومن الفتوة أن لا يعتد بمعروفه ولا يحصيه. أخبرنا أبو أبو عمرو بن مطر، حدثنا جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ، حدثنا علي بن خشرم، حدثنا محمد بن الفضيل، قال: قال ابن شبرمة: لا خير في المعروف إذا أحصى.
ونتلوه إن شاء الله
[ ١ / ٨٢ ]