[ ٦٢ ]
٢٣ - سَأَلت أَبَا الْحسن الحطابي عَن خَبره وَكَانَت تمسه مِنْهُ ولادَة من قبل بَنَاته فَكتب لي بِخَطِّهِ وَقَالَ فِيهِ ذكر بعض أَهله
[ ٦٤ ]
أَنه لما اشْتَدَّ طلب الْحجَّاج لعمران وأخاف قومه وداعهم بِسَبَبِهِ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ وَذكروا لَهُ خوف عبد الْملك وعماله وَالْحجاج وَغَيره فَارق قومه وتنقل من حَيّ إِلَى حَيّ إِلَى أَن نزل ب روح بن زنباع الجذامي فَبينا روح ذَات لَيْلَة فِي سمر عبد الْملك إِذْ قَالَ عبد الْملك هَل تَدْرُونَ من يَقُول هَذَا الْبَيْت:
وفيمن قيل أكْرم بِقوم بطُون الطير أقبرهم … لم يخلطوا دينهم بغيا وعدوانا
هَل تَدْرُونَ من قَالَه وَهل أحد مِنْكُم يزيدنا عَلَيْهِ أبياتا فَقَالُوا لَا قَالَ فَمن أَتَانِي بِعلم ذَلِك فَلهُ عِنْدِي مَا سَأَلَ بعد الأشطط بن فَخرج روح حَتَّى أَتَى منزله فَقَالَ عمرَان يَا عبد الله هَل تَدْرِي من يَقُول هَذَا الشّعْر وَأَعَادَهُ فَقَالَ عمرَان بن حطَّان وَأنْشد القصيدة بِطُولِهَا
[ ٦٥ ]
فَلَمَّا غَدا روح على عبد الْملك أنْشدهُ
الشّعْر الَّذِي أنْشدهُ عمرَان فَقَالَ لَهُ عبد الْملك من أَيْن أصبت هَذَا الشّعْر فَقَالَ
[ ٦٦ ]
من ضيف لي مَا رَأَيْت أحفظ مِنْهُ بشئ قطّ مَا رويت لَهُ شَيْئا إِلَّا وسابقني هَذِه إِلَيْهِ وَزَادَنِي مِنْهُ مَا لَا أعرفهُ وَرَأَيْت نَعته نَعته ونعته وَرَأَيْت رجلا عابدا كثير الصَّلَاة وَإِنِّي لأظنه من الحرورية أهل الْعرَاق قَالَ عبد الْملك يَا غُلَام ائْتِنِي بطوماد سنة الْحجَّاج فَأتي بِهِ فَإِذا رقْعَة فَقَرَأَ حليته فَإِذا حلية عمرَان فَقَالَ عبد الْملك فَانْطَلق فأتني بضيفك وأعلمه أَنه آمن ليحدثني مَجْلِسا وَاحِدًا فَلَمَّا رَجَعَ روح إِلَى منزله قَالَ لَهُ أَيهَا الشَّيْخ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ استزارك فزره فَقَالَ مَالِي وللأمير قَالَ إِنَّه قد أحب ذَاك قَالَ فَخذ لي كتاب أَمَان بِخَط يَده أسكن إِلَيْهِ قَالَ نعم ثمَّ اتى روح عبد الْملك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه قد أحب أَن يكون مَعَه كتاب أَمَان بِخَط يدك وخاتمك
[ ٦٧ ]
قَالَ عبد الْملك هَذِه بعض خدع أهل الْعرَاق ذهب الرجل وتركك أما أَنِّي أَرَاك سترجع وَلَا تَجدهُ فَانْصَرف روح إِلَى منزله وَقد خرج عمرَان وَخلف فِي منزله رقْعَة فِيهَا أَبْيَات شعر وَهِي:
يَا روح كم من أخي مثوى نزلت بِهِ … قد ظن ظَنك من لخم وغسان
حَتَّى إِذا خفته زايلت منزله … من بعد مَا قيل عمرَان بن حطَّان
قد كنت ضيفك حينا لَا يؤرقني … فِيهِ طوارق من إنس وَمن جَان
[ ٦٨ ]
حَتَّى أردْت بِي الْعُظْمَى فأوحشني … مَا يوحش النَّاس من جود ابْن مَرْوَان
فاعذر أَخَاك ابْن زنباع فَإِن لَهُ … فِي الحادثات هَنَات ذَات ألوان
يَوْمًا يمَان إِذا لاقيت ذَا يمن … وَإِن لقِيت معديا فعدناني
لَو كنت مُسْتَغْفِرًا يَوْمًا لطاغية … كنت الْمُقدم فِي سري وإعلاني
لَكِن أَبَت لي آيَات مقطعَة … عَنْك الْوُلَاة فِي طه وَعمْرَان
وَسَار حَتَّى أَتَى زفر بن الْحَارِث الْكلابِي فَأَقَامَ عِنْده زَمَانا وَهُوَ ينتسب إِلَى الأوزاع حَيّ من الْيمن وهم أخوال زفر وَقدم رجل مِمَّن كَانَ فِي ضِيَافَة روح إِلَى زفر فَلَمَّا رَأْي عمرَان عرفه فَقَالَ لَهُ زفر أتعرف هَذَا الرجل قَالَ نعم
[ ٦٩ ]
قَالَ وَأَيْنَ عَرفته قَالَ عِنْد روح بن زنباع قَالَ قَالَ زفر فَمِمَّنْ هُوَ قَالَ رجل من أَزْد شنؤة قَالَ فَإِنَّهُ قد زعم أَنه الأوزاع قَالَ فَنظر إِلَيْهِ زفر مُتَعَجِّبا فَقَالَ أزدي مرّة وأوزاعي عَمْرو مرّة لَو صدقتنا عَن خبرك أخبرنَا مِمَّن أَنْت فَإِن كنت خَائفًا أمناك وَإِن كنت طريدا آويناك قَالَ فَنظر إِلَيْهِ عمرَان فَضَحِك فَقَالَ إِن الله ﷿ هُوَ المؤوي قبل السَّاتِر وأولع بِهِ فتيَان زفر وشباب من بني عَامر وَكَانَ كثير الصَّلَاة وَكَانَ إِذا صلى يهزلون يحيى وَيَقُولُونَ أخبرنَا يَرْحَمك الله فَلَمَّا أَكْثرُوا عَلَيْهِ ارتحل عَنْهُم وَقَالَ
إِن الَّتِي أَصبَحت يعيا بهَا زفر … أعيا عياها على روح بن زنباع
مَا زَالَ يسألني حولا لأخبره … وَالنَّاس مَا بَين مخدوع وخداع
حَتَّى إِذا انجذمت الرَّحْمَن مني حبائله … كف السُّؤَال وَلم يولع بإهلاع
فَاكْفُفْ كَمَا كف روح إِنَّنِي رجل … إِمَّا صريع وَإِمَّا فقعة القاع
واكفف لسَانك عَن شتمي ومنقصتي … مَاذَا تُرِيدُ إِلَى شيخ لأوزاع
[ ٧٠ ]
أكْرم بِروح بن زنباع وأسرته … حَيا إِذا مَا دعاهم للهدى دَاع
جاورتهم سنة فِيمَا ذعرت بِهِ … عرضي صَحِيح ونومي غير تهجاع
أما الصَّلَاة فَإِنِّي لست تاركها … كل امْرِئ بِالَّذِي يعْنى بِهِ ساع
اعْمَلْ فَإنَّك معني بحادثه … حسب اللبيب بِهَذَا الشيب من دَاع
ثمَّ خرج فَنزل بالسراة بحي من الأزد يرَوْنَ رَأْيه فسره مَا رأى عِنْدهم وَقَالَ
نزلت بِحَمْد الله فِي خير أسرة … أسر بِمَا فِيهِ من الْأنس والخفر
نزلت بحي يجمع الله شملهم … فَلَيْسَ لَهُم عود سوى الْحق يعتصر
[ ٧١ ]
من الأزد إِن الأزد أكْرم أسرة … يَمَانِية يَوْمًا إِذا انتسب الْبشر
فَأَصْبَحت فيهم آمنا لَا كمعشر أهل … أَتَوْنِي فَقَالُوا من ربيعَة أَو مُضر
أَو الْحَيّ قحطان وتلكم سفاهه … كَمَا سَأَلَني روح وَصَاحبه زفر
وَنحن بنوا الْإِسْلَام وَالدّين وَاحِد … وَأولى عباد الله بِاللَّه من شكر
وَمَا مِنْهُم إِلَّا يسر بِنِسْبَة … تقربني مِنْهُ وَإِن كَانَ ذَا نفر
وَهَذَا مَا كَانَ من خَبره
٢٤ - حَدثنَا أَبُو طَاهِر السدُوسِي قَاضِي مصر أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن دُرَيْد ثَنَا حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ طرد الْحجَّاج عمرَان بن حطَّان وَكَانَ بِبِلَاد بكر بن وَائِل بَين الْكُوفَة وَالْبَصْرَة يحرض وَلَا يشْهد الْقِتَال فَقدم بريد من الشَّام من عِنْد عبد الْملك يُرِيد الْحجَّاج فصحبه عمرَان بِبَعْض الطَّرِيق فَرَآهُ فصيحا عَالما فأعجب الْبَرِيد فَقَالَ لَهُ إِن لي نَاحيَة من الْأَمِير أَفَلَك حَاجَة أكفيكها وأقوم لَك بهَا قَالَ نعم تبلغه هَذَا الْكتاب واعطاه كتابا فَلَمَّا صَار إِلَى الْحجَّاج وَقضى حَوَائِجه اخبره خبر الرجل وَقَالَ قد حَملَنِي كتاب فَإِذا فِيهِ
[ ٧٢ ]
أَسد عَليّ وَفِي الحروب نعَامَة … فتخاء تفزع من صفير الصافر
هلا برزت إِلَى غزالة فِي الوغى … بل كَانَ قَلْبك فِي جوانح طَائِر
ذعرت غزالة قلبه بفوارس … تركت فوارسه كأمس الغابر
[ ٧٣ ]
فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج أَتَدْرِي من هُوَ قَالَ لَا وَلَكِن أعجبني مَا رَأَيْت من طرفَة قَالَ ذَاك عمرَان بن حطَّان
[ ٧٤ ]