[ ١٧٥ ]
١٧٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أبنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أبنا الشَّافِعِيُّ قَالَ: " لَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُوَلِّيَ الْحُكْمَ أَحَدًا، وَلَا لِمُوَلَّى الْحُكْمِ أَنْ يَقْبَلَهُ، وَلَا لِلْوَالِي أَنْ يُوَلِّيَ أَحَدًا، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ حَتَّى يُجْمَعَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا عِلْمَ الْكِتَابِ، وَعِلْمَ نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَخَاصَّهِ وَعَامَّهِ، وَفَرْضِهِ وَأَدَبِهِ، وَعَالِمًا بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَقَاوِيلِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَعَالِمًا بِلِسَانِ الْعَرَبِ، عَاقِلًا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمُشْتَبِهِ وَيَعْقِلُ الْقِيَاسَ، فَإِنْ عَدِمَ وَاحِدَةً مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ قِيَاسًا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَالِمًا بِالْأُصُولِ، غَيْرُ عَاقِلٍ لِلْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ الْفَرْعُ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ لِرَجُلٍ: قِسْ، وَهُوَ لَا يَعْقِلُ الْقِيَاسَ، وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا لِلْقِيَاسِ، وَهُوَ مُضَيِّعٌ لَعِلْمِ الْأُصُولِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ لَهُ: قِسْ عَلَى مَا لَا تَعْلَمُ. وَاعْتُبِرَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مَعَ هَذَا عَدْلًا، وَاعْتُبِرَ فِي الْقَدِيمِ مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا كَيْفَ يَأْخُذُ الْأَحَادِيثَ مُصَحِّحًا لِأَخْذِهَا لَا يَرُدُّ مِنْهَا ثَابِتًا، وَلَا يُثْبِتُ ضَعِيفًا
[ ١٧٥ ]
١٨٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، أبنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ، ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ فَيُقْبَضَ الْعِلْمُ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ هِشَامٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي ⦗١٧٦⦘ أُسَامَةَ
[ ١٧٥ ]
١٨١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أبنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ، ثنا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنِي أُبَيٌّ، ثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي نُعَيْمَةَ رَضِيعِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَ امْرَأَ صِدْقٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَالَ عَلِيَّ مَا لَمْ أَقَلْ فَلْيتَبَوَّأْ بَيْتًا فِي جَهَنَّمَ، وَمَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ، وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ»
١٨٢ - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو
[ ١٧٦ ]
١٨٣ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدانَ، أبنا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، ثنا الدِّينُورِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ، ثنا سَعِيدٌ يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ، عَنْ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ، ثنا أَبُو هَاشِمٍ قَالَ: لَوْلَا حَدِيثُ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقُلْنَا إِنَّ الْقَاضِي إِذَا اجْتَهَدَ فَلَا شَيْءٌ عَلَيْهِ وَلَكِنْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ، فَجَارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ، فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ، فَهُوَ فِي النَّارِ
[ ١٧٧ ]
١٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ، أبنا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ، ثنا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، وَأَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو قَالَا: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا ﵁ أَتَى عَلَى قَاضٍ يَقْضِي فَقَالَ: أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ
[ ١٧٧ ]
١٨٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أبنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابٍ، أبنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أبنا سَلَمَةُ بْنُ نُبَيْطٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو الطَّيِّبِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ الطَّالِبِيُّ الْجَعْفَرِيُّ بِالْكُوفَةِ، أبنا أَبُو أَحْمَدَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ أَبِي قُتَيْبَةَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى التَّمِيمِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ، ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ الْأَشْجَعِيِّ، ثنا الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ قَالَ: مَرَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَاضٍ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ يَا قَاضٍ، هَلْ تَعْلَمُ النَّاسِخَ مِنَ ⦗١٧٩⦘ الْمَنْسُوخِ؟ قَالَ: وَمَا النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟ قَالَ: أَوَلَا تَعْرِفُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ لَفْظُ حَدِيثِ جَعْفَرٍ
[ ١٧٨ ]
١٨٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أبنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، أبنا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَنَانٍ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «مَنْ أَفْتَى بِفِتْيَا، وَهُوَ يُعْمِي فِيهَا كَانَ إِثْمُهَا عَلَيْهِ»
[ ١٧٩ ]
١٨٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثنا عَلِيُّ بْنُ حَمْشَاذٍ الْعَدْلُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الْجَمَّالُ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: قِيلَ لَهُ: مَتَى يُفْتِي الرَّجُلُ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْأَثَرِ بَصِيرًا بِالرَّأْي
[ ١٧٩ ]
١٨٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ صَالِحِ بْنِ هَانِئٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ مُحَمَّدَ بْنَ شَاذَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا قُدَامَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ: احْفَظْ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ إِمَامًا حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَصِحُّ مِمَّا لَا يَصِحُّ، وَحَتَّى لَا يَحْتَجَّ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَحَتَّى يَعْلَمَ مَخَارِجَ الْعِلْمِ
[ ١٧٩ ]
١٨٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ، أبنا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَنْ تَكَلَّفَ مَا جَهِلَ، وَمَا لَمْ يُثْبِتْهُ مَعْرِفَةً، كَانَتْ مُوَافَقَتُهُ لِلصَّوَابِ وَإِنْ وَافَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْرِفُهُ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ بِخَطَئِهِ غَيْرُ مَعْذُورٍ، إِذَا مَا نَطَقَ فِيمَا لَا يُحِيطُ عِلْمُهُ بِالْفِرْقِ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ فِيهِ
[ ١٨٠ ]
١٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أبنا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ،، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ أَحْدَثَ رَأَيًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَمْ يَمْضِ بِهِ سَنَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَدْرِ عَلَى مَا هُوَ فِيهِ، إِذَا لَقِيَ اللَّهَ ﷿
[ ١٨٠ ]
١٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو، قَالَا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُنَادِي، ثنا شَبَابَةُ، ثنا هِشَامُ بْنُ الْغَازِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَإِنْ رَآهَا النَّاسُ حَسَنَةً»
[ ١٨٠ ]
١٩٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أبنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثنا الْقَعْنَبِيُّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُخَرِّمِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَأَمْرُهُ رَدٌّ» أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ كَمَا مَضَى
[ ١٨٠ ]
١٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أبنا الرَّبِيعُ، أبنا الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ بِالْحُكْمِ الظَّاهِرِ، فَذَكَرَ فَصْلًا طَوِيلًا فِي رَدِّ الِاجْتِهَادِ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، وَذَلِكَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] فَجَعَلَ النَّاسَ تَبَعًا لَهُمَا لَمْ يُهْمِلْهُمْ، وَالِاجْتِهَادُ لَيْسَ عَيْنًا قَائِمَةً، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُحْدِثُهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِاتِّبَاعِ نَفْسِهِ، إِنَّمَا أُمِرَ بِاتِّبَاعِ غَيْرِهِ، فَإِحْدَاثُهُ عَلَى الْأَصْلَيْنِ اللَّذَيْنِ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَوْلَى بِهِ مِنْ إِحْدَاثِهِ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، وَذَكَرَ مِثَالَ ذَلِكَ الْكَعْبَةَ، مَنْ رَآهَا صَلَّى إِلَيْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا تَوَجَّهَ إِلَيْهَا بِالدَّلَائِلِ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، فَإِنْ صَلَّى غَائِبًا عَنْهَا بِرَأْيِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ بِالدَّلَائِلِ عَلَيْهَا، كَانَ مُخْطِئًا، وَكَانَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَقَالَ ﵁: " ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَالْمِثْلُ لِلْمَقْتُولِ، وَقَدْ يَكُونُ غَائِبًا، فَإِنَّمَا يَجْتَهِدُ عَلَى أَصْلِ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ فَيَنْظُرُ إِلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ بِهِ شَبَهًا، فَيُهْدِيهِ، وَمِثْلُ أَذَانِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ، فَلَوْ جَازَ الِاجْتِهَادُ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ كَانَ لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنْ يُؤَذِّنَ بِغَيْرِ إِخْبَارِ غَيْرِهِ لَهُ أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلُعَ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ تَكُنْ فِيهِ آلَةُ الِاجْتِهَادِ عَلَى الْأَصْلِ لَمْ يَجُزِ اجْتِهَادُهُ ⦗١٨٢⦘ حَتَّى يُخْبِرَهُ مَنْ قَدِ اجْتَهَدَ عَلَى الْأَصْلِ، ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَعْدًا أَنْ يَحْكُمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَحَكَمَ بِرَأْيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَافَقْتَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ»، قِيلَ هُوَ مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] عَلَى مَعْنَى اسْتِطَابَةِ أَنْفُسِ الْمُسْتَشَارِينِ أَوِ الْمُسْتَشَارِ مِنْهُمْ، وَالرِّضَى بِالصُّلْحِ عَلَىٍ ذَلِكَ، وَوَضْعِ الْحَرْبِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، لَا أَنَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَاجَةً إِلَى مَشُورَةِ أَحَدٍ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُهُ بِنَصْرِهِ، بَلْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالطَوْلُ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ. فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَهُ «احْكُمْ» عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. أَوْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُنَّةً فِي مِثْلِ هَذَا، فَحَكَمَ عَلَى مِثْلِهَا، أَوْ يَحْكُمُ فَيُوَفِّقُهُ اللَّهُ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَعْرِفُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوَابَ ذَلِكَ، فَيُقِرُّهُ عَلَيْهِ، أَوْ يَعْرِفُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَيعْمَلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ بِطَاعَةِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَكَلُوا الْحُوتَ بِغَيْرِ حُضُورِ النَّبِيِّ ﷺ، بِلَا أَصْلٍ عِنْدَهُمْ، يَعْنِي أَصْحَابَ أَبِي عُبَيْدَةَ، قِيلَ: لِمَوْضِعِ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ إِلَى أَكْلِهِ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى يَقِينٍ مِنْ حِلِّهِ، أَلَا تَرَاهُمْ سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ أَوَ لَا تَرَى أَصْحَابَ أَبِي قَتَادَةَ فِي الصَّيْدِ الَّذِي صَادَهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ بِهِمْ حَاجَةٌ إِلَى أَكْلِهِ، أَمْسَكُوا إِذْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ أَصْلٌ، حَتَّى سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ ﵁ لَهُمْ عِنْدَ هَذَا مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ عُمَّالَهُ وَسَرَايَاهُ وَيأْمُرُ النَّاسَ بِطَاعَتِهِمْ وَقَدْ فَعَلُوا بِرَأْيِهِمْ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ﷿، وَرَسُولِهِ ﷺ وَيأْمُرُ مَنْ أُمِّرَ عَلَيْهِ أَمِيرًا أَنْ يُطِيعُوهُ مَا أَطَاعَ اللَّهَ، فَإِذَا عَصَى اللَّهَ فَلَا طَاعَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ كَرِهَ لَهُمْ كُلَّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ بِرَأْيِ أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْحَرْقِ وَالْقَتْلِ، وَأَبَاحَ لَهُمْ كُلَّ مَا عَمِلُوهُ مُطِيعِينَ فِيهِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَنَا حُجَّةٌ فِي رَدِّ الِاجْتِهَادِ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، إِلَّا مَا احْتَجَجْتُ بِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَرِهَ لَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَنْ كُلِّ أَمَرٍ فَعَلُوهُ بِرَأْيِ أَنْفُسِهِمْ، لَكَانَ فِيهِ كِفَايةٌ
⦗١٨٣⦘
١٩٤ - قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ ﵁: وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الشَّافِعِيُّ ﵁ مُخَرَّجَةٌ فِي كِتَابِ السُّنَنِ فِي مَوَاضِعِهَا،
١٩٥ - وَقَوْلِهِ أَمْسِكُوا يُرِيدُ بِهِ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَ أَبِي قَتَادَةَ
[ ١٨١ ]