المرسَلُ: هو الخبر الذي يضيفه التابعي أو من دونه إلى النبي ﷺ مباشرةً دون ذكر الصحابي، ويلحقه كل خبر يحكي فيه التابعي قصة لصحابي لم يدركه، فهذا
_________________
(١) نقله عنه الترمذي في "علله الكبير" (٢٨٩).
(٢) "المدخل إلى كتاب الإكليل" ص ٤٥.
[ ١ / ١٣١ ]
مما يُعِلَّه الحاكم، ولا يعده من شرط كتابه هذا وقد نصَّ الحاكم على عدم الاحتجاج به في "معرفة علوم الحديث" في النوع الثامن من أنواع علوم الحديث، حيث ردَّ على من احتج بهذه المراسيل مُطلَقًا، مُستدلًا بالكتاب والسُّنّة، ثم قال: العلمُ المُحتجّ به هو المسموع غيرُ المُرسَل (^١).
على أن الحاكم قد يذكره في "المستدرك" تَرخُصًا لسبب معين، ومن أمثلة ذلك:
أ- ما نبه عليه لدى تخريجه لمرسَل الحسن البصري، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا مات العبد تلقى روحه أرواحُ المؤمنين، فتقول له: ما فعل فلان؟ فإذا قال: مات، قالوا: ذهب به إلى أُمّه الهاوية، فبئست الأم وبئست المُربّية". حيث قال الحاكم: لم أجد لهذه السورة تفسيرًا على شرط الكتاب فأخرجتُه؛ إذ لم أستجِزْ إخلاءه من حديث (^٢).
ب -ولما ذكر مُرسل الحسن البصري، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من أصحابي أحدٌ إلا ولو شئتُ لأخذتُ عليه في بعض خُلُقه، غير أبي عبيدة بن الجراح"، لم يصححه الحاكم، وإنما قال: هذا مرسل، غريب، ورواته ثقاتٌ (^٣). فلم يحكم بصحته، وإنما اكتفى بالحكم بثقة رجاله، والحاكم يترخص في التفسير والمناقب ما لا يترخص في غير ذلك من الأبواب كما سيأتي بيانه مفصلًا.
لكن إذا كان الإرسال برواية تابعيٍّ عن صحابيٍّ لم يدركه أو لم يسمع منه، فإن الحاكم يشترط صحة إسناده إلى ذلك التابعي، وينبه على إرساله؛ بأن ذلك التابعي لم يسمع أو لم يدرك ذلك الصحابي، ومن ذلك:
أ- أنه خرّج رواية الحسن البصري عن عقبة بن عامر: أنَّ رسول الله ﷺ قال في
_________________
(١) "معرفة علوم الحديث" ص ٢٧.
(٢) "المستدرك" (٤٠١٢).
(٣) "المستدرك" (٥٢٣٨).
[ ١ / ١٣٢ ]
عُهدة الرقيق: "ثلاثُ لَيالٍ"، وذكره أيضًا بلفظ: "لا عُهدة فوق أربع". ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، غير أنه على الإرسال، فإنَّ الحسن لم يسمع من عقبة بن عامر (^١).
ب -ولما خرّج رواية الحسن البصري عن عثمان بن أبي العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وقت للنساء في نفاسهن أربعين يومًا". قال الحاكم: هذه سُنّة عَزيزة، فإن سَلِم هذا الإسنادُ من أبي بلال، فإنه مرسلٌ صحيح، فإن الحسن لم يسمع من عثمان بن أبي العاص (^٢).
ج - ولما خرج كذلك رواية مجاهد عن علي بن أبي طالب: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ قال: هي الزكاة المفروضة يراؤون بصلاتهم ويمنعون زكاتهم. قال الحاكم: هذا إسناد صحيحٌ مرسلٌ، فإن مجاهدًا لم يسمع من عليٍّ (^٣).
د- وما قاله في خبر أبي عمران الجوني، قال: مرَّ عمر بن الخطاب بدير راهب، فناداه: يا راهب يا راهب، قال: فأشرف عليه، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، قال: فقيل له: يا أمير المؤمنين ما يُبكيك من هذا؟ قال: ذكرتُ قول الله ﷿ في كتابه: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾، فذلك الذي أبكاني. حيث قال الحاكم: هذه حكاية في وقتها، فإن أبا عمران الجوني لم يدرك زمان عمر (^٤).
هـ- ولما خَرّج حديث جرير بن عبد الحميد عن منصور عن هلال بن يسافٍ، قال: كنا مع سالم بن عُبيد في سفر، فعَطَس رجلٌ من القوم، فقال: السلام عليكم، فقال سالم: السلام عليك وعلى أمّك، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا عَطَس أحدكم فليحمد الله، وليقُل مَن عندَه: يرحمك الله، وليَرُدَّ عليهم: يَغْفِرُ الله لنا
_________________
(١) "المستدرك" (٢٢٢٩ - ٢٢٣١).
(٢) "المستدرك" (٦٣٤).
(٣) "المستدرك" (٤٠٢١).
(٤) "المستدرك" (٣٩٦٩).
[ ١ / ١٣٣ ]
ولكم". قال الحاكم: الوهم في رواية جريرٍ هذه ظاهرٌ؛ فإن هلال بن يساف لم يدرك سالم بن عُبيد ولم يَرَه (^١).
لكنه يستثني مراسيل سعيد بن المسيب، فيذهب إلى تصحيحها، دون النص على إرسالها، لجلالة سعيد، ولذلك لما خَرّج رواية سعيد بن المسيب، قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: إذا لَهَوتُم فالْهُوا بالرّمي، وإذا تحدّثتُم فتحدّثُوا بالفرائض. قال الحاكم: هذا وإن كان موقوفًا فإنه صحيح الإسناد (^٢).
وهذا بناءً على ما قرّره في "معرفة علوم الحديث" لدى حديثه عن المراسيل، حيث ذكر مراسيل جماعة من التابعين، ثم قال: وأصحها مراسيل سعيد بن المسيب، والدليل عليه أن سعيدًا من أولاد الصحابة، فإن أباه المسيب بن حَزْن من أصحاب الشجرة وبَيْعة الرّضوان، وقد أدرك عمر وعثمان وعليًا وطلحة والزبير إلى آخر العشرة (^٣)، وليس في جماعة التابعين من أدركهم وسمع منهم غير سعيد وقيس بن أبي حازم، ثم مع هذا فإنه فقيه أهل الحجاز ومفتيهم، وأول فقهاء السبعة الذين يَعُدُّ مالك بن أنس إجماعهم إجماع كافة الناس (^٤).
ويلحقُ المرسلَ عند الحاكم المنقطعُ، فيُعِلُّه ولا يَعُدُّه صحيحًا، بل هو أَولَى بالإعلال، فعندما أورد خبر عُمارة بن غَزِيّة: أن أبا أيوب الأزدي مرّ على معاوية … قال الحاكم: هذا حديث مرسل، فإن بين عُمارة بن غزيّة وبين أبي أيوب ومعاوية مَفازة (^٥).
_________________
(١) "المستدرك" (٧٨٩١).
(٢) "المستدرك" (٨١٥١).
(٣) قال النووي في "التقريب والتيسير" ص ٩٤: غلط الحاكم في ابن المسيب، فإنه ولد في خلافة عمر، ولم يسمع أكثر العشرة.
(٤) "معرفة علوم الحديث" ص ٢٥ - ٢٦.
(٥) "المستدرك" (٦٠٦٣).
[ ١ / ١٣٤ ]