تنازع أهل العلم في فهمهم لمراد الحاكم من شرطه في "المستدرك" بإخراج أحاديث رواة قد احتج بمثلها الشيخان:
أ- فذهب قوم إلى أنه قصد أعيانَ الرجال الذين خرج لهم الشيخان، وممن ذهب إلى ذلك:
١ - ابن الصلاح، حيث قال في حديثه عن "المستدرك": أودعه ما ليس في واحدٍ من "الصحيحين" مما رآه على شرط الشيخين، قد أخرجا عن رواته في كتابيهما (^٢).
٢ - النووي، حيث قال: المراد بقولهم: على شرطهما في كتابيهما، أن يكون رجال إسناده في كتابيهما، لأنه ليس لهما شرط في كتابيهما ولا في غيرهما (^٣).
٣ - ابن دقيق العيد، فإنه ينقل عن الحاكم تصحيحه لحديث على شرط البخاري مثلًا، ثم يعترض عليه بأن فيه فلانًا، ولم يُخرج له البخاري (^٤).
٤ - الحافظ الذهبي، كما يظهر ذلك من "مختصره للمستدرك"، حيث كان يتعقب الحاكم فيما يصححه على شرط الشيخين أو أحدهما بقوله: فيه فلان، ولم يخرج له مَن صححه على شرطه.
٥ - ابن حجر العسقلاني، حيث ذكر حديثًا في "المستدرك" قال فيه الحاكم: هذا
_________________
(١) "الحطة في ذكر الصحاح الستة" ص ١١٧.
(٢) "مقدمة ابن الصلاح" ص ٨٨.
(٣) نقله عنه الزركشي في "النكت على مقدمة ابن الصلاح" ١/ ١٩٨.
(٤) نقله عنه الزركشي أيضًا ١/ ١٩٨.
[ ١ / ١٢٠ ]
حديث صحيح الإسناد، وأبو عثمان هذا ليس هو النَّهْدي، ولو كان هو النهدي لحكمتُ بالحديث على شرط الشيخين. قال ابن حجر: فدل هذا على أنه إذا لم يخرجا لأحد رواة الحديث لا يحكم به على شرطهما، وهو عَين ما ادْعَى ابنُ دقيق العيد وغيره، وإن كان الحاكم قد يَغفُل عن هذا في بعض الأحيان، فيصحح على شرطهما بعض ما لم يخرجا لبعض رواته، فيُحمل ذلك على السهو والنسيان، ويتوجه به حينئذ عليه الاعتراض (^١).
ب- وقال آخرون: إنه قصد المِثْلية في الثقة وليس أعيان الرواة، ومن هؤلاء:
١ - بدر الدين الزركشي، حيث قال: ما ذكره ابن الصلاح في شرطه، قد تبعه عليه النووي وابن دقيق العيد وغيرهما، وكأنهم لم يَقِفُوا على شرط الحاكم، والذي في خطبة "المستدرك" ما نصه: وأنا أستعينُ الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما، انتهى.
وعلى هذا عمل الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وكذلك فعل الحافظ الذهبي في "مختصر المستدرك"، وليس ذلك منهم بحَسَن، لما ذكرنا من كلام الحاكم في خطبته أنه لم يشترط نفس الرجال المخرج لهم في الصحيح، بل اشترط رواةً احتج بمثلهم الشيخان أو أحدهما، وإنما ينبغي منازعته في تحقيق المماثلة بين رجاله ورجال "الصحيحين".
نعم، القومُ مَعذُورون؛ فإنه قال عقب أحاديث أخرجها: هي صحيح على شرط مسلم فقد احتج بفلان وفلان، يعني المذكورين في سنده، فهذا منه جنوح إلى إرادة نفس رجال الصحيح، وهو يخالف ما ذكره في مقدمة كتابه، ثم إنه خالف الاصطلاحين في أثناء كتابه، وقال لما أخرج التاريخ والسير: ولا بد لنا من نقل كلام ابن إسحاق والواقدي.
_________________
(١) "النكت على كتاب ابن الصلاح" ١/ ٣٢٠ - ٣٢١. وقد نقل عنه تلميذه البقاعي الرأي الآخر كما سيأتي في آخر هذا الفرع.
[ ١ / ١٢١ ]
واعلم أن ما اعتمده في تخريجه أن يرى رجلًا قد وثِّق وشُهد له بالصدق والعدالة أو حديثه في الصحيح، فيجعل كل ما رواه هذا الراوي على شرط الصحيح، فإنه إنما يكون على شرط الصحيح إذا انتفت عنه العلل والشُّذوذ والنكارة، وتُوبع عليه، فأما مع وجود ذلك أو بعضه، فلا يكون صحيحًا، ولا على شرط الصحيح (^١).
٢ - برهان الدين الأَبْناسِي، حيثُ قال: الحاكم لم يلتزم أنه لا يُخرج إلَّا عن رجال مسلم والبخاري، بل قال في الخطبة: أخرج أحاديث رواتها ثقات احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما (^٢).
٣ - زين الدين العراقي، حيث قال: إنَّ الحاكمَ صَرَّحَ فِي خُطبة كتابه "المستدرك" بخلاف ما فهموه عنه، فقوله: بمثلها، أي: بمثل رواتها، لا بهم أنفسهم (^٣).
٤ - ابن المُلقن، حيث قال في "البدر المنير": هو صريحٌ في أن مراده بقوله: على شرط الشيخين أو أحدهما: أن رجال إسناده احتجا بمثلهم، لا أن نفس رجاله احتجّا بهم (^٤).
٥ - جلال الدين السيوطي، حيث قال بعد حديث خرجه الحاكم من رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب وصحح إسناده على شرط الشيخين: وهذا يدل على أن الحاكم لا يريد بكونه على شرطهما، أن يكون رجال إسناده في كتابيهما كما ذكره جماعة، لأنه لا يجهل كونَ الشيخين لم يُخرّجا للمُطلب، فدلّ على أن مراده أن يكون راويه في كتابيهما أو في طبقة من أخرجا له (^٥).
قلنا: وقد ظهر لنا من خلال عملنا في الكتاب أن الحاكم تارة يطلق الصحة على
_________________
(١) "النكت على مقدمة ابن الصلاح" ١/ ١٩٧ - ١٩٩.
(٢) "الشذا الفيّاح من علوم ابن الصلاح" ١/ ٨٨.
(٣) "شرح التبصرة والتذكرة" ١/ ١٢٩.
(٤) "البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير" ١/ ٣١٢.
(٥) "حاشية السيوطي على سنن النسائي" ٥/ ١٨٨.
[ ١ / ١٢٢ ]
شرط الشيخين أو أحدهما مع وجود نفس رجالهما حقيقةً، وتارةً أخرى يطلق الصحة على شرط الشيخين أو أحدهما مع وجود غير رجالهما، فلا يتوجه الاعتراض عليه فيما ذكره الزركشي، من كونه يقول عقب أحاديث أخرجها: صحيح على شرط مسلم فقد احتج بفلان وفلان؛ يعني المذكورين في سنده، ولا الاعتراض عليه في قوله في المثال الذي ذكره ابن حجر بأنه لو كان أبو عثمان الذي في إسناد الحديث المذكور هو النَّهدي لحكمتُ به على شرط الشيخين، وأن هذا جُنوحٌ منه إلى إرادة نفس رجال الصحيح، وليس ذلك بمعارِض لما قدَّمه الحاكم في المقدمة، لأن عبارة الحاكم يجوز أن تَشمَل رجال الصحيحين أنفسهم ومَن كان مِثلَهم في الثقة، ونحن وجدناه أطلق شرط الشيخين على أحاديث لرجالهما وعلى أخرى فيها غيرُ رجالهما، وهذا يدل على أنه أراد الأمرين كليهما، ولذلك فإننا نرى وجاهة ما نقله السخاوي عما أفاده شيخه ابن حجر العسقلاني - وكأنّ هذا هو ما انتهى إليه ابن حجر أخيرًا - من أن المثلية أعم من أن تكون في الأعيان أو الأوصاف، لا انحصار لها في الأوصاف، لكنها في أحدهما حقيقةً، وفي الآخر مجازٌ، فاستعمَل المَجازَ حيث قال عقب ما يكون عن نفس رواتهما: على شرطهما، والحقيقة حيث قال ذلك عقب ما هو عن أمثال رواتهما (^١).
وكذلك قال ابن حجر أيضًا فيما نقله عنه تلميذه برهان الدين البقاعي: إن مراده بالمثل في قوله: خَرَّج لمثلها الشيخان، أعمُّ من العين والشَّبَه، وصنيعه يوضّح ذلك؛ فإنه إذا روى حديثًا بإسناد خرّج لرواته البخاري، قال: صحيح على شرط البخاري، ولو كان مراده بالمثل معناه الحقيقي، لَزِمه في كلِّ إسنادٍ جمع شرط البخاري أن يقول: إنه على شرطهما؛ لأن شرطه أصعب من شرط مسلم (^٢).
_________________
(١) "فتح المغيث بشرح ألفية الحديث" ١/ ٧٠.
(٢) "النكت الوفية بما في شرح الألفية" ١/ ١٤٢.
[ ١ / ١٢٣ ]