وإذا كان ما تقدم ذكره مما ترخص فيه الحاكم لا يتوجه عليه فيه اعتراض؛ لكونه بين العِلّة في خروجه فيه عن شرطه الذي اشترطه في هذا الكتاب، فإنه قد وقع منه ما يتوجّه الاعتراض عليه فيه مما لا حجة تدفعه، بل هو داخل في حكم ما ينتاب البشر من الغفلة والسهو والنسيان، ولا سيما أنه صنف هذا الكتاب في آخر سِنِي حياته كما يظهر من تاريخ إملائه للكتاب حيث شرع فيه سنة ٣٩٣ هـ، وكان عمره إذ ذاك اثنتين وسبعين سنةً، واستمر فيه إلى ما بعد الثمانين من عمره، وقد سُجِّل له آخرُ إملاء بعد منتصف الكتاب بقليل سنة ثلاث وأربع مئة (انظر الحديث: ٤٩٦١)، أي: قبل وفاته بسنتين (^٢)، وترك بقيّته مسودًا، فأجاز به تلامذته.
وقد أشار إلى ذلك البيهقي الذي يُعد من أكثر تلامذة الحاكم له ملازمةً في غير موضع من كُتبه، وهو مما يُعتذر به عن الحاكم فيما وقع له في كتابه هذا من أوهام، حيث كان البيهقي يقول: أخبرنا الحاكم فيما لم يُمل من كتاب "المستدرك"، أو
_________________
(١) "المستدرك" (٥٨٤٧).
(٢) وقد وقع على حاشية النسخة الأزهرية وحدها مقابل الحديث (٦٢٤٦) نقلًا عن أصلها المنسوخ عنه ما يفيد أنه آخر ما أملاه الحاكم من "المستدرك"، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ١٤٤ ]
فيما أجازه من كتاب "المستدرك" (^١)، وهذا يفيد أنه ترك منه قسمًا مُسوَّدًا لم يُراجعه ولم يُنقّحه، لأنَّ الحاكم على عادة المحدّثين في مجالس الإملاء لما كان يريد إملاء قسم من الكتاب على تلامذته كان يراجع ذلك القسم الذي ينوي إملاءه، ولكنه حال دون إتمام إملائه أمرٌ ما، فترك قسمًا منه، وأجاز به تلامذته، ومنهم البيهقي، فظهر فيه ما ظهر؛ مما عَجِل فيه الحاكم في حُكمه، أو مما نسيه من أحوال الرجال بحُكم كبر سنه، أو مما يكون قد نقله من بعض كتبه فسبَقَ قلمه بنقل خاطئ، إلى غير ذلك من الاحتمالات.
وهذا ما أشار إليه الحافظ ابن حجر حين قال معتذرًا عن الحاكم فيما وقع له من أوهام: وإنما وقع للحاكم التساهل لأنه سَوّد الكتاب ليُنقّحه فأعجلته المَنيّةُ، قال: وقد وجدتُ في قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من "المستدرك": إلى هنا انتهى إملاء الحاكم، قال: وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخَذُ عنه إلا بطريق الإجازة، فمن أكبر أصحابه وأكثر الناس له ملازمةً البيهقي، وهو إذا ساق عنه من غير المُملى شيئًا لا يذكره إلا بالإجازة، قال: والتساهل في القدر المُملَى قليل جدًا بالنسبة إلى ما بعده (^٢).
وقد نوَّه البيهقي في مواضع من كتبه إلى بعض أخطاء شيخه الحاكم وأوهامه في كتابه "المستدرك" (^٣).
ومن هذه الاعتراضات تصحيحه أحاديثَ قوم ضعفهم هو، بل أحاديثَ قومٍ آخرين أطلق عليهم الكذب:
فقد صحح ﵀ لقوم تكلَّم فيهم هو في كتابه "المدخل إلى الصحيح"، مع أنه قال في مقدمة كتاب "المدخل": وأنا مبين - بعون الله وتوفيقه - أسامي قوم من
_________________
(١) انظر "السنن الكبرى" ٨/ ٢٧٢ و١٠/ ١٩٦، و"البعث والنشور" (٤٦٥).
(٢) نقله عنه تلميذه البرهان البقاعي في "النكت الوفية بما في شرح الألفية" ١/ ١٤٢.
(٣) انظر "المدخل إلى السنن الكبرى" (٤٢٣ - ٤٢٤)، و"السنن الكبرى" ٦/ ٢٧٩ و٣٢٢.
[ ١ / ١٤٥ ]
المجروحين، ممن ظهر لي جرحهم اجتهادًا ومعرفةً بجرحهم، لا تقليدًا فيه لأحد من الأئمة، وأتوهم أن رواية أحاديث هؤلاء لا تَحِلُّ إلا بعد بيان حالهم.
قال الزركشي: صحح في "المستدرك" أحاديث جماعةٍ، وأخبر في كتاب "المدخل" أنهم لا يُحتج بهم، وأطلق الكذب على بعضهم، هذا مع أن مستند تصحيحه ظاهرُ السَّنَد، وأنَّ رواته ثقات، ولهذا يقول: صحيح الإسناد، وصحة الإسناد شرط من شروط [صحة] الحديث، وليست مُوجبةً لصحته، بل في "المستدرك" أحاديث مسكوت عنها، وأسانيدها صحيحةٌ أو حسنةٌ أو ضعيفةٌ، فيُحكم عليها بما يقتضيه حال أسانيدها (^١).
فهذا غريب من الحاكم حقًا، اللهم إلا أن يكون الجرح في بعضهم خاصًا بحالة التفرُّد، إما لسوء الحفظ أو لمذهب غير محمود؛ كالرفض مثلًا، ويكون تصحيحُ الحاكم لمثل هؤلاء إما لمتابعة الثقات لهم على مثل رواياتهم، بما يدل على أنهم أصابوا فيها، أو لكونهم رَوَوا ما يُخالف مذاهبهم، فيُظَنُّ عند ذلك الصدق، فمِثلُ هذا ممكن، وأما ما عداه فتصرُّفٌ غريب منه، لكن يبقى احتمال أن يكون اجتهاده قد تغيّر فيمن صحح له منهم، والله تعالى أعلم.
على أنه كان يَنصُّ على كثيرٍ منهم بأنهم ليسوا من شرط كتابه، ويروي لهم في الشواهد، كما في الأمثلة التي سبق ذكرها في الفرع العاشر من المطلب الثاني.
ونحن وإن كنا نوافقه فيمن يمكن انجبار روايته منهم بالمتابعات والشواهد، فإننا لا نوافقه الرأي فيمن أطلق عليه الكَذِب منهم، أو أنه روى نسخة موضوعةً، ومن أمثلة ذلك:
أ- ما قاله في حق حسين بن عُلوان في "المدخل": شيخ من أهل مكة، روى عن هشام بن عروة أحاديث أكثرها موضوعة (^٢)، ثم يروي له عن هشام بن عروة عن أبيه
_________________
(١) "النكت على مقدمة ابن الصلاح" ١/ ٢٢٦.
(٢) "المدخل إلى الصحيح" ١/ ١٥٨ ترجمة (٣٨).
[ ١ / ١٤٦ ]
عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "ادْعُوا لي سيّد العرب" فقلتُ: يا رسول الله، ألستَ سيدَ العرب؟ قال: "أنا سيد ولد آدم، وعليٌّ سيد العرب"، ويَعُدُّ روايته هذه شاهدًا (^١)، فمثل هذا لا يُقبل من الحاكم البتة، ويُستنكر عليه إخراجه أشدَّ النَّكير.
ب- وأعجبُ منه قوله في "المدخل" في حق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: روى عن أبيه أحاديث موضوعةً، لا تخفى على من تأمّلها من أهل الصنعة أن الحَمْل فيها عليه (^٢). ثم يروي له عن أبيه عن جده عن عُمر بن الخطاب قال: قال رسول الله: "لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا ربِّ، أسألك بحقِّ محمدٍ لما غَفَرتَ لي، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمدًا ولم أخلُقه؟ قال: يا ربِّ، لأنك لما خلقتني بيدك ونفخْتَ فِيَّ من رُوحِك رفعت رأسي فرأيتُ على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمتُ أنك لم تُضِف إلى اسمِك إلَّا أحبَّ الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم، إنه لأحبُّ الخلق إليَّ، وإذ سألتني بحقّه فقد غفرت لك، ولولا محمدٌ ما خَلَقتُك". وصحح إسناده (^٣)! فلو أنه اقتصر على إيراد روايته هذه لكان ذلك أمرًا منكرًا منه، أما أن يصحح الإسناد فهذا أشد نكارةً.
ج- وكذلك قال في حقِّ شيخه أبي أحمد علي بن محمد بن عبد الله المروزي، ونسبه مرةً: الحَمّادي (^٤)، ومرة: الأزرقي (^٥)، حيث صحح له حديثين، مع أنه قال فيه: يكذب مثل السُّكَّر (^٦)، وقال عنه مرة لما سأله تلميذه الخليلي: هو أشهر في اللين من أن تسألني عنه (^٧).
_________________
(١) "المستدرك" (٤٦٧٦).
(٢) "المدخل إلى الصحيح" ١/ ١٨٠ ترجمة (٩٧).
(٣) "المستدرك" (٤٢٧٤).
(٤) "المستدرك" (٤٣١٢).
(٥) "المستدرك" (٨٦٩١).
(٦) "سؤالات السجزي للحاكم" ترجمة (٣٠).
(٧) "الإرشاد" للخليلي ٣/ ٩٠٦.
[ ١ / ١٤٧ ]