فعند تصحيحه الحديث على شرط الشيخين أو أحدهما ويكون رجال إسناده من رجالهما حقيقةً، فإنه لا يتقيّد بما إذا خرجا لأولئك الرجال احتجاجًا أو في المتابعات والشواهد، أو مقرونين أو في التعاليق، مع ضبطه لذلك ومعرفته، فإن للحاكم عنايةً خاصةً بـ "الصحيحين"، فقد قال وهو يتحدث عن "صحيح البخاري": جمعتُ هذا الكتاب أربع مرات، صنفته أولًا على الرجال من الصحابة، ثم نقلتُ الرقاع، ثم هذبتُه على الرجال، ثم رتبته وأمليته (^١).
ثم إن له عنايةً ببيان مَن خَرّج له الشيخان احتجاجًا ومن خرجا له في المتابعات والشواهد وغير ذلك، كما بيّن ذلك في "المدخل إلى الصحيح"، حيث عقد بابًا في ذكر مشايخ روى لهم البخاري في المتابعات والشواهد وعقد بابًا آخر في الرواة الذين عيب على مسلم إخراج أحاديثهم والإجابة عنه، مبينًا أن أكثرهم ممن أخرج لهم مسلم استشهادًا أو متابعةً لا في الأصول (^٢)، فهذا يدلّ على أن الحاكم على دراية تامة بما يقوله، والصحيح أن يقال: إنه ذهب في شرط الشيخين إلى ما هو أوسع وأبعد مما قيَّده به كثيرون ممن جاؤوا بعده.
وهذا ما ظهر لنا من خلال عملنا في هذا الكتاب واستقرائنا لأحكامه على الأحاديث بالصحة على شرط الشيخين أو أحدهما؛ حيث يُدخِلُ في شرط الشيخين كلَّ راوِ رويا له في كتابيهما، بغضّ النظر عن هيئة روايات أولئك الرواة، من حيث صيغ تحملهم وأدائهم، وبغضّ النَّظَر كذلك عمّن رويا له في المتابعات والشواهد منهم، ومما يدل على صحة ذلك قوله - مثلًا - بإثر عدد من الأحاديث التي يرويها من طريق
_________________
(١) "مقدمة كتابه فضائل فاطمة الزهراء" ص ٣١.
(٢) "المدخل إلى الصحيح" ٤/ ١٩ و٩٥.
[ ١ / ١٢٤ ]
الحسين بن واقد: صحيح على شرط الشيخين (^١)، وربما اقتصر على ذكر شرط مسلم فقط (^٢)، مع أن البخاري إنما خَرج للحسين بن واقد تعليقًا، ومسلم إنما خرج له حديثًا في المتابعات والشواهد.
وكذلك قال في حديث يرويه عن عبد الله بن عمر العُمري عن أخيه عُبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فإنهما قد احتجا بعبد الله بن عمر العُمري في الشواهد (^٣).
وقوله أيضًا في حديث البسملة في أول التشهد، وأسنده الحاكم بإسنادين عن أيمن بن نابل عن أبي الزبير عن جابر، فقال عنه: صحيح على شرط البخاري (^٤).
كذا قال، مع أن البخاري روى لأبي الزبير مقرونًا بغيره، كما بين ذلك الحاكم نفسه في "المدخل إلى الصحيح" (^٥).
وقوله أيضًا بإثر حديث من رواية الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين (^٦). كذا قال، مع أنه ذكر أبا سفيان طلحة بن نافع في كتاب "المدخل إلى الصحيح" في باب من روى لهم البخاري في المتابعات والشواهد (^٧).
ومن ذلك قوله بإثر حديث رابعٍ: هو صحيح على شرط مسلم بن الحجاج، فقد
_________________
(١) "المستدرك" (٤٢٠) و(٩٢٠) و(١١٩٣).
(٢) "المستدرك" (١٠٧١) و(٢٢١٣) و(٢٤٠١).
(٣) "المستدرك" (٤٣٧٩). كذا قال بأنهما احتجا بعبد الله بن عمر العمري في الشواهد، مع أن البخاري لم يذكر لعبد الله بن عمر العمري شيئًا، وعلى كلّ فالمثال يدل على منهج الحاكم في أن من خرّج له الشيخان في الشواهد يدخل في شرطهما عنده.
(٤) "المستدرك" بين يدي الحديث (٩٩٦).
(٥) "المدخل إلى الصحيح" ٤/ ٣٨.
(٦) "المستدرك" (١٧٩٧).
(٧) "المدخل إلى الصحيح" ٤/ ٢٨.
[ ١ / ١٢٥ ]
استشهد بأحاديثَ للقعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة، ومحمد بن عمرو، وقد احتج بمحمد بن عجلان (^١).
وقوله بإثر حديثٍ خامسٍ: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد استَشهَدَ بقرة بن عبد الرحمن في موضعين من كتابه (^٢).
وإنما فعل الحاكم ذلك - فيما يغلب على ظننا - لأنه كان يذهب إلى أن جميع أولئك الرواة ثقات ما دام الشيخان قد أوردا رواياتهم في "الصحيحين"، سواء في الأصول أو في المتابعات أو في الشواهد، بغض النظر عن مرتبتهم في الثقة، ولذلك نجده يقول في "المدخل إلى كتاب الإكليل" بعد أن ذكر أقسام الحديث الصحيح المتفق عليها والمختلف فيها: فليعلم طالبُ هذا العلم أن أكثر الرواة للأخبار ثقات، وأن الدرجة الأولى منهم محتجٌّ بهم في الكتابين الصحيحين للوجوه التي قدمنا ذكرها، لا لجرح فيهم (^٣).
فكأنَّ الحاكم يرى أنه ليس بالضرورة أن يكون أولئك الرجال ضعفاء في نقد الشيخين، ومما يمكن أن يُحتج به للحاكم في هذا المذهب: أنه قد ثبت عن البخاري تحسينه الرأي في بعض الرواة، ومع ذلك فلم يخرج لهم في "الصحيح" إلا متابعةً أو استشهادًا، ومن ذلك قوله - مثلًا، فيما نقله عنه الترمذي - في الوليد بن رباح المدني: حسن الحديث، ومع ذلك لم يخرج له في "الصحيح"، إلا استشهادًا، وقوله أيضًا في عبد الله بن عبد القدوس التميمي: صدوق، ومع ذلك لم يرو له في "الصحيح" إلا تعليقًا.
ومن جهة أخرى فإن الشيخين قد احتجا بمن هم دون هؤلاء في الثقة، ممن حسّنا الرأي فيهم، وخالفهم الجمهور، كحال عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار
_________________
(١) "المستدرك" (٢).
(٢) "المستدرك" (٩٣٨).
(٣) "المدخل إلى كتاب الإكليل" ٤/ ١٩.
[ ١ / ١٢٦ ]
المدني وفُليح بن سليمان اللذين احتج بهما البخاري، وكإسماعيل بن أبي أويس الذي احتج به الشيخان البخاري ومسلم، فقد رويا لمثل هؤلاء احتجاجًا وليس متابعةً ولا استشهادًا، لأنهما حسّنا الرأي فيهم، وربما رويا لبعضهم احتجاجًا أحيانًا، وفي المتابعات والشواهد أحيانًا أخرى، فكأنَّ الحاكم لما رأى ذلك أدخل الفريق الأول الذين روى لهم الشيخان في المتابعات الشواهد في شرط الصحيح، ولم يَرَ إخراجهم من شرط الصحيح لمجرّد أنهما لم يخرجا لهم إلَّا في المتابعات والشواهد لأسباب رآها الشيخان، لا لجرح فيهم.
وكأنَّ الحاكم يرى أيضًا أنه لو فُرِض أن الشيخين لم يخرجا لبعض الرواة احتجاجًا، وإنما أخرجا لهم في المتابعات والشواهد والتعاليق لكونهم ضعفاء عندهما، فلا يلزم منه أن يكون إخراج أحاديثهم تلك ليس على شرطهما، فلربما كانا يريان ضعف بعض الرواة ممن أخرجا لهم في المتابعات والشواهد، ولكنهم إذا ما توبعوا أو جاء ما يشهد لرواياتهم ارتقت رواياتهم إلى درجة القبول والصحة، فالشيخان إنما انتقيا لأولئك الرواة من رواياتهم ما ثبت لديهما صحتها بقرائن نقدية معينة، ومن ذلك: متابعة غيرهم لهم، أو وجود شواهد لرواياتهم، ومن ذلك أيضًا صحة رواية بعض الرواة عن شيوخ بأعيانهم مع ضعفهم في غيرهم، إلى غير ذلك من القرائن المعتبرة، فيذهب الحاكم إلى أن إخراج حديث مثل هؤلاء على هذه الصفة، لا بد أن يكون على شرطهما أيضًا؛ يعني بالانتقاء لهم بالقرائن، فكأنَّ الحاكم لما خرّج لمثل هؤلاء مصححًا لأحاديثهم على شرط الشيخين أو أحدهما، يرى أنه مشى على شرطهما في الانتقاء بالقرائن الدالة على صحة رواياتهم تلك. فمن هاهنا كان شرط الشيخين عند الحاكم أوسع مما حدده كثيرون (^١)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) بعد كتابتنا لهذه السطور وقفنا على كلام جيد للشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني ﵀ في "التنكيل" ٢/ ٦٩١ - ٦٩٢ بنحو بعض هذا الذي قلناه من سبب توسع الحاكم في شرط الشيخين، وهو كلام مفيدٌ؛ فيُرجع إليه.
[ ١ / ١٢٧ ]