ولا بد لنا في هذا المجال أن ننبه إلى أمرٍ غاية في الأهمية مما يتعلق بالتزام الحاكم بشرطه في كتابه، وهو أنه كان يخرج عن شرطه في الكتاب أحيانًا، غير أنه كان ينبه إلى سبب ذلك ولا يُهمله، ليبيّن لمن قد يعترض عليه بأنه ليس على غفلة وذهول من ذلك، ومن الأمثلة التي وقفنا عليها:
١ - ترخصه في قسم التاريخ وسير الصحابة ومناقبهم بنزوله فيه إلى أخبار الواقدي ونظرائه، كما صرّح الحاكم نفسه بذلك في بداية كتاب معرفة الصحابة، فقال: أما الشيخان فإنهما لم يزيدا على المناقب، وقد بدأنا في أول ذكر الصحابي بمعرفة نسبه ووفاته، ثم بما يصحُّ على شرطهما من مناقبه مما لم يخرجاه، فلم أستغن عن ذكر محمد بن عمر الواقدي وأقرانه في المعرفة (^١).
ولكن إيراده لأخبار الواقدي في هذا الباب لا يغضُ من شأنه بحال، لأن معنى كلامه الذي ذكرناه عنه أنه يُسند عن الواقدي من أقواله ما يتعلق بتراجم الصحابة وأنسابهم ووفياتهم، وليس في الروايات المرفوعة في ذكر مناقبهم، التي اشترط هو نفسه فيها صحة الإسناد على شرط الشيخين، ولهذا نجده لا يَعُدُّ الواقدي من شرط كتاب "المستدرك"، كما صرّح به في قوله بين يدي حديثٍ يرويه من طريقه ذَكَرَه شاهدًا: وله شاهد آخر من حديث الواقدي، وليس من شرط هذا الكتاب (^٢).
قلنا: وإذا كان النقل عن الواقدي دائرًا بين تراجم الصحابة وأنسابهم وتواريخ وَفَيَاتهم، فالواقدي في تلك الأمور إمام جليل القدر؛ لا يُنكر معرفته وتقدمه في هذا الميدان أحدٌ من ذوي النَّصَفة.
على أنه في الرواية كذلك ليس متهمًا بوضع أو كذب، إلا أنه لا يحتج به فيما
_________________
(١) "المستدرك" بين يدي الخبر (٤٤٥١).
(٢) "المستدرك" (٦٩٥).
[ ١ / ١٣٥ ]
ينفرد به من الحديث، وأعدل الأقوال فيه ما قاله الذهبي بعد عرضه لأقوال الموثقين له والقادحين فيه: إنه يُحتاج إليه في الغزوات والتاريخ، قال: ووزنه عندي أنه مع ضعفه يُكتب حديثه ويُروى، لأني لا أتهمه بالوضع، وقولُ من أَهدَرَه فيه مجازفة من بعض الوجوه (^١).
وقال الذهبي فيه أيضًا: جَمَعَ فأوعى، وخَلَط الغَثَّ بِالسَّمِين، والخَرَز بالثّمين، فاطرحوه لذلك، ومع هذا فلا يُستغنى عنه في المغازي وأيام الصحابة وأخبارهم (^٢).
كما ترخص الحاكم في هذا القسم بذكر عدة روايات بإسناد فيه رجال من الأعراب لا يُعرفون بجرح ولا تعديل، وهذا الإسناد هو أبو الشكين زكريا بن يحيى الطائي، حدثنا عمُّ أبي زَحْرُ بن حِصْن، قال: حدثني جدّي حُميد بن مُنهِب. وقال الحاكم بإثر أحد رواياته مبينًا سبب إيراده هذا الإسناد مع إقراره بتفرد رواته بما فيه: هذا حديث تفرد به رواتُه الأعراب عن آبائهم، وأمثالهم من الرواة لا يُضعفون (^٣).
٢ - تَرخُصه في الشواهد ما لا يترخص في غيرها، ومن ذلك:
أ- أورد خبرًا فيه عمرو بن ثابت بن أبي المقدام، قال الحاكم فيه: عمرو بن ثابت هذا هو ابن أبي المقدام الكوفي، وليس من شرط الشيخين، وإنما ذكرته شاهدًا، ورواية عبد الله بن المبارك عنه حتى حتّني على إخراجه، فإني قد عَلَوتُ فيه من وجه لا يُعتمد، حدثنا علي بن حمشاذ العدل، ثنا محمد بن غالب، ثنا عبد الصمد بن النعمان، ثنا عمرو بن ثابت، فذكره بنحوه. وعبد الصمد بن نعمان ليس من شرط هذا الكتاب (^٤).
ب - وأخرج خبرًا آخر فيه عمرو بن الحصين ومحمد بن علاثة، فقال: ليسا من
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" ٩/ ٤٦٩.
(٢) المصدر السابق ٩/ ٤٥٤ - ٤٥٥.
(٣) "المستدرك" (٥٥٠٤).
(٤) "المستدرك" (٣٠٨ - ٣٠٩).
[ ١ / ١٣٦ ]
شرط الشيخين، وإنما ذكرتُ هذا الحديث شاهدًا مُتعجبًا (^١).
ج- وقال في خبر ثالث: هذا حديث مُفسِّرٌ، وإنما ذكرته شاهدًا؛ لأن سليمان بن أرقم ليس من شرط هذا الكتاب، وقد اشترطنا إخراج مثله في الشواهد (^٢). وقوله: اشترطنا، أي: تَرخَّصْنا.
د - وكذلك قال في خبر رابع: لستُ ممن يخفى عليه أن الفُرات بن السائب ليس من شرط هذا الكتاب، وإنما أخرجته شاهدًا (^٣).
٣ - ترخُّصه في أخبار الترهيب من فعل معيَّن، كما فعل بعد إيراده عدة أخبار في التحذير من الاحتكار ورفع السعر على الناس، ثم قال بإثرها: هذه الأحاديث الستة طلبتها وخرّجتها في موضعها من هذا الكتاب؛ احتسابًا لما فيه الناسُ من الضّيق، والله يَكشِفُها، وإن لم تكن من شرط هذا الكتاب (^٤).
٤ - ترخصه بذكر الخبر المُخرّج في "الصحيحين"، مع اعترافه أنه فيهما، وليس من شرطه تخريج ما خرّجاه، لكنه خرّجه ليبيّن أنَّ عنده في الباب زيادةً على ما عندهما، أو للتنبيه على أمر يريده من لفظ ذلك الحديث، أو لأنه لم يجد في الباب غيره وهو محتاجٌ إليه، ومن ذلك:
أ- تخريجه لحديث الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا مئة إلا واحدة، من أحصاها دخل الجنة، إنه وتر يحب الوتر، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القُدُّوس السلام المؤمن المهيمن … " الحديث بطوله في سرد الأسماء الحسنى. قال الحاكم: هذا حديث قد خرَّجاه في "الصحيحين" بأسانيدَ
_________________
(١) "المستدرك" (٦٣٥).
(٢) "المستدرك" (٦٤٦).
(٣) "المستدرك" (١٤٤٠).
(٤) "المستدرك" (٢١٩٨).
[ ١ / ١٣٧ ]
صحيحة دون ذكر الأسامي فيه، والعِلَّة فيه عندهما أنَّ الوليد بن مسلم تفرد بسياقتِه بطوله وذِكْر الأسامي فيه ولم يذكرها غيره، وليس هذا بعِلَّة، فإني لا أعلمُ اختلافًا بين أئمة الحديث أنَّ الوليد بن مسلم أوثق وأحفظ وأعلم وأجل من أبي اليَمَان وبِشر بن شعيب وعلي بن عياش وأقرانهم من أصحاب شُعيب (^١).
ب- تخريجه حديث حذيفة بن اليمان، يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني وفيه قول حذيفة للنبي ﷺ: فما تأمرني إن أدركتُ ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم".
قال الحاكم: هذا حديث مخرّج في "الصحيحين" هكذا، وقد خرَّجاه أيضًا مختصرًا من حديث الزهري عن أبي إدريس الخولاني، وإنما خرجته في كتاب العلم لأني لم أجد للشيخين حديثًا يدل على أنَّ الإجماع حجة غير هذا، وقد خرجتُ في هذه المواضع من أحاديث هذا الباب ما لم يخرجاه (^٢).
ج- وتخريجه حديث عبد الرحمن بن قُرْط، قال: دخلت المسجد فإذا حَلْقةٌ كأنما قُطعت رؤوسهم، وإذا رجلٌ يحدثهم، فإذا هو حذيفة، قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، وذكر الحديث بطوله.
قال الحاكم: متن هذا الحديث مخرَّج في الكتابين، وإنما خرَّجتُه في هذا الموضع للإصغاء إلى المحدّث وكيفية التوقير له، فإنَّ هذه اللفظة لم يخرجاها في الكتابين (^٣).
د- تخريجه لحديث كعب بن عُجْرة قال: سألنا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإنَّ الله قد علَّمنا كيف نسلّم عليكم؟ قال: "قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد" … الحديث. قال الحاكم: وقد روى هذا
_________________
(١) "المستدرك" (٤١).
(٢) "المستدرك" (٣٩١).
(٣) "المستدرك" (٤٢٢).
[ ١ / ١٣٨ ]
الحديثَ بإسناده وألفاظه حَرْفًا بعد حَرْف الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عن موسى بن إسماعيل في "الجامع الصحيح"، وإنما خرجتُه ليَعلَم المستفيدُ أنَّ أهلَ البيت والآل جميعًا هُم (^١).
هـ - تخريجه لحديث أبي سلمة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أصابت أحدَكُم مصيبةٌ فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي". قال الحاكم: حديث مخرّج في "الصحيحين"، وإنما خرجته لأني لم أجد لأبي سلمة عن رسول الله ﷺ حديثًا مسندًا غير هذا (^٢).
٥ - ترخصه بذكر تفسير آية أو خبرٍ من مناقب الصحابة عن التابعي من قوله، أو من مُرسَله عن النبي ﷺ، وليس ذلك من شرطه، لكنه يترخّص بذلك إذا لم يجد في الباب غيره، ومن ذلك:
أ - تخريجه لتفسير قول الله ﷿: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ عن أبي إسحاق السبيعي وعمرو بن ميمون الأودي، وهما تابعيان، قال الحاكم: لم أجد فيه حرفًا مسندًا، ولا قولًا للصحابة، فذكرتُ فيه حرفين للتابعين (^٣).
ب- تخريجه لتفسير قوله تعالى في سورة القارعة: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ عن الحسن البصري عن النبي ﷺ. قال الحاكم: هذا حديث مرسل صحيح الإسناد، لم أجد لهذه السورة تفسيرًا على شرط الكتاب، فأخرجته إذ لم أستجز إخلاءه من حديث (^٤).
وذلك أن شرط الحاكم في التفسير أن يذكر تفسير النبي ﷺ موصولًا، أو تفسير الصحابي، لأنه كان يرى أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل حديث
_________________
(١) "المستدرك" (٤٧٦١).
(٢) "المستدرك" (٦٧٨٧).
(٣) "المستدرك" (١٩٩١) و(٣٩٩٢).
(٤) "المستدرك" (٤٠١٢).
[ ١ / ١٣٩ ]
مسندٌ (^١).
ج- ولما لم يجدِ الحاكم في مناقب سلمة بن سلامة بن وَقْش غير مرسل عروة ابن الزبير أتى به من طرق عن عروة، ثم بيّن بأنه صحيح الإسناد إلى عروة، فقال: صحيح الإسناد وإن كان مرسلًا. ثم ذكر مسوّغ ذكره له، فقال: وفيه منقبة شريفة لسلمة بن سلامة (^٢).
٦ - ترخصه بذكر الحديث الذي فيه انقطاع أو راو ضعيف أو راو مجهول في نقده هو، وذلك ليس من شرط كتابه، لكنه خرّجه لوجود أصل لذلك الحديث من وجه آخر، أو وجود متابعات له سواء كانت تلك المتابعات تامةً أو قاصرةً، أو وجود شاهد صحيح، فمن ذلك:
أ- لما خرج حديث أبي هريرة في سؤالهم النبي ﷺ عن الوضوء بماء البحر، فقال لهم النبي ﷺ: "هو الطَّهُورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتَتُه"، من رواية سعيد بن سلمه مولى لآل الأزرق أنَّ المغيرة بن أبي بردة -رجل من بني عبد الدار- أخبره أنه سمع أبا هريرة. ثم أورد متابعات لسعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة، ثم قال: مثل هذا الحديث لا يُعلَّل بجهالة سعيد بن سَلَمة والمغيرة بن أبي بُرْدة، على أنَّ اسم الجهالة مرفوع عنهما بهذه المتابعات (^٣).
ب - ولما خرّج حديث محمد بن سليمان العَيْذي عن هارون بن سعد عن عمران بن ظبيان عن أبي تَحْيى سمع عليًّا يحلفُ: لأنزَلَ اللهُ تعالى اسم أبي بكر من السماء صِدِّيقًا. قال: لولا مكان محمد بن سليمان العيذي من الجهالة لحكمتُ لهذا
_________________
(١) "المستدرك" بإثر (٣٠٥٨). وقد تقدم بيانه موضحًا في الفرع العاشر.
(٢) "المستدرك" بإثر (٥٨٧٦).
(٣) "المستدرك" (٤٩٥ - ٥٠٤). ويناقش الحاكم في حكمه بجهالة الرجلين المذكورين، وقد وثقهما النسائي وغيره وروى عنهما جماعةٌ، وعلى كلّ فهو يصلح مثالًا على منهجه في ذكر الحديث الذي فيه راو مجهول نظرًا لوجود متابعات له.
[ ١ / ١٤٠ ]
الإسناد بالصحة، وله شاهدٌ مِن حديث النزال بن سَبْرة عن عليٍّ ﵇ (^١).
ج- ولما خرّج حديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: حدثت عن زينب بنت رسول الله ﷺ، قالت: بينما أنا أتجهز بمكة إلى أبي تبعتني هند بنت عتبة بن ربيعة … فذكرت قصة هجرتها. قال: هذا حديث فيه إرسال بين عبد الله بن أبي بكر وزينب ﵃، ولولاه لحكمت على شرط مسلم، وقد روي بإسناد صحيح على شرط الشيخين مختصرًا، فذكر نحوه من حديث عروة بن الزبير عن عائشة (^٢).
د- وعندما خرّج حديث إسحاق بن بَزُرْج عن زيد بن الحسن بن علي عن أبيه قال: أمرنا رسول الله ﷺ في العيدين أن نلبس أجود ما نَجِد، وأن نتطيَّب بأجود ما نجد، وأن نُضحي بأسمن ما نجد، البقرة عن سبعة، والجَزُور عن عشرة، وأن تُظهِرَ التكبير، وعلينا السَّكينة والوقارُ. قال: لولا جهالة إسحاق بن بَزُرْج لحكمتُ للحديث بالصحة. وقد أتى الحاكم به بعد حديث ابن عباس الذي صححه على شرط البخاري في إجزاء البَدَنة عن عشرة في النحر (^٣)، فهذا موضع شاهده.
هـ - ولما خرج خبر عُمارة بن غَزِيّة: أن أبا أيوب الأزدي مرَّ على معاوية، فذكر الحديث الذي تقدم لأبي أيوب الأنصاري بطوله. قال: هذا حديث مرسل؛ فإن بين عمارة بن غزية وبين أبي أيوب ومعاوية مفازةً، وحديث أبي أيوب الأنصاري متصل مسند (^٤).
وانظر أيضًا ما تقدم آنفًا من المراسيل التي أوردها في "المستدرك"، مع أنه يذهب إلى عدم الاحتجاج بالمرسل، وما ذلك إلا ترخصًا لبعض الأسباب المذكورة.
_________________
(١) "المستدرك" (٤٤٨٣).
(٢) "المستدرك" (٧٠٠٦) و(٧٠٠٧).
(٣) "المستدرك" (٧٧٥٠) و(٧٧٥١).
(٤) "المستدرك" (٦٠٦٣).
[ ١ / ١٤١ ]
٧ - ترخُّصه بذكر الحديث الذي ليس على شرطه لتداول العلماء أو الفقهاء له مع وجود متابعة أو شاهد له، ومن ذلك:
أ- تخريجه لحديث أبي صالح عن ابن عباس، قال: لَعَنَ رسول الله ﷺ زائراتِ القبور والمتَّخِذِين عليها المساجد والسُّرُج. قال الحاكم: أبو صالح هذا ليس بالسمان المُحتجّ به، إنما هو باذان، ولم يَحتج به الشيخان، لكنه حديث متداول فيما بين الأئمة، ووجدتُ له متابعًا من حديث سفيان الثوري في متن الحديث فخرجته (^١).
ب - ولما خرج حديث مالك عن صفوان بن سُلَيم عن سعيد بن سلمة مولى لآل الأزرق أنَّ المغيرة بن أبي بردة - رجلٌ من بني عبد الدار- أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجلٌ رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونَحمِلُ معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله: "هو الطَّهُورُ ماؤُه، الحِلَّ مَيْتتُه" أورد الحاكم بعده متابعين لمالك ليسا على شرطه، وهما عبد الرحمن بن إسحاق وإسحاق بن إبراهيم المُزَنِي، ثم قال الحاكم: قد رَوَيتُ في متابعات الإمام مالك بن أنس في طرق هذه الحديث عن ثلاثة ليسوا من شرط هذا الكتاب: وهم عبد الرحمن بن إسحاق وإسحاق بن إبراهيم المُزَني وعبد الله بن محمد القُدَامي، وإنما حَمَلَني على ذلك أن يعرف العالم أنَّ هذه المتابعات والشواهد لهذا الأصل الذي صَدَّرَ به مالك كتاب "الموطأ"، وتداوَلَه فقهاء الإسلام ﵃ من عصره إلى وقتنا هذا، وأنَّ مثل هذا الحديث لا يُعلَّل بجهالة سعيد بن سَلَمة والمغيرة بن أبي بردة، على أنَّ اسم الجهالة مرفوع عنهما بهذه المتابعات (^٢).
_________________
(١) "المستدرك" (١٤٠٠). وباذان هذا متفق على ضعفه.
(٢) "المستدرك" (٤٩٥ - ٤٩٦) وقوله هذا الذي قاله هو بإثر (٥٠٤). ويناقش الحاكم هنا في أمرين: أولهما: في إشارته إلى رواية القدامي، مع أنه لم يذكر روايته في "المستدرك"، وثانيهما: أن الحاكم كأنه ظنّ عبد الرحمن بن إسحاق هو الواسطي الضعيف، وبنى عليه أن روايته ليست على شرطه، =
[ ١ / ١٤٢ ]
ج- وعندما خرّج حديث عبد الله بن عُمر: أنَّ رسول الله ﷺ كان يُكبِّر يومَ الفطر من حين يخرجُ من بيته حتى يأتي المصلَّى. قال بإثره: هذا حديث غريب الإسناد والمتن، غير أن الشيخين لم يحتجا بالوليد بن محمد الموقري، ولا بموسى ابن عطاء البَلْقاوي، وهذه سنة تداولها أئمة أهل الحديث، وصحت به الرواية عن عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة (^١).
٨ - ترخصه بتخريج الحديث الذي ليس من شرط الكتاب، استغرابًا وتعجبًا من متنه أو من زيادة فيه غريبةٍ ليبين غرابتها، ومن ذلك:
أ- تخريجه لحديث نُعيم بن حماد عن ابن لهيعة عن عبد الوهاب بن حسين عن محمد بن ثابت البناني عن أبيه عن الحارث عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "خروجُ الدابَّة بعد طلوع الشمس من مغربها، فإذا خَرَجَت قَتَلَت إبليس وهو ساجدٌ" قال الحاكم بين يدي هذا الحديث: حديث إسناده خارج شرط الكتب الثلاث، أخرجته تعجبًا إذ هو قريب مما نحن فيه (^٢).
ب - تخريجه لحديث الجَرّاح بن المنهال عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف: أنَّ عامر بن ربيعة رجلًا من بني عدي بن كعب، رأى سهل بن حنيف مع رسول الله ﷺ يغتسل بالخَرّار، فقال: والله ما رأيتُ كاليوم قط، ولا جِلدَ مُخبأة، فلُبِط سهلٌ وسقط، فقيل: يا رسول الله، هل لك في سهل بن حنيف؟ فدعا رسول الله ﷺ عامر بن ربيعة، فتغيظ عليه، وقال: "لِمَ يقتل أحدكم أخاه -أو صاحبه- ألا يدعو بالبركة، اغتسل له"، فاغتسل له عامر، فراح سهل وليس به بأس. والغسل أن يُؤتَى بقَدَح فيه ماءٌ فيُدخِل يديه في القدح جميعًا، ويُهريقُ على وجهه من القدح، ثم يغسل
_________________
(١) = والصحيح أن عبد الرحمن بن إسحاق هذا هو المدني، الصدوق، وقد احتج به الحاكم في مواضع عديدة من "المستدرك".
(٢) "المستدرك" (١١١٧).
(٣) (المستدرك" (٨٨٠٣).
[ ١ / ١٤٣ ]
فيه يده اليمنى، ويغتسل من فيه في القدح، ويدخل يده فيغسل ظهره، ثم يأخذ بيده اليسار فيفعل مثل ذلك، ثم يغسل صدرَه في القدح، ثم يغسل ركبته اليمنى في القدح، وأطراف أصابعه، ويفعل ذلك بالرجل اليسرى، ويُدخل داخل إزاره، ثم يغطي القدح قبل أن يضعه على الأرض فيحثو منه، ويتمضمض ويُهرِيق على وجهه، ثم يصُبُّ على رأسه، ثم يلقي القدح من ورائه.
قال الحاكم: أما الجَرّاح بن المنهال فإنه أبو العطوف الجَزَري، وليس من شرط الصحيح، وإنما أخرجتُ هذا الحديث لشرح الغسل كيف هو، وهو غريب جدًا مسندًا عن رسول الله ﷺ (^١).