هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حَمْدَوَيهِ بن نُعيم بن الحَكَم، الضَّبِّي الطَّهْماني، أبو عبد الله الحافظ، الحاكم، النَّيسابُوري، المعروف بابن البَيِّع (^١).
ولد بنيسابور صبيحة يوم الاثنين، الثالث من شهر ربيع الأول، سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة (^٢). وكان هو نفسُه يصرِّح بولادته في تلك السنة، كما في ترجمته لأبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد الجَوْزَقي (^٣).
وقد كان أبوه عبد الله بن محمد بن حَمدَويه مؤذِّنًا، أذَّن ثلاثًا وثلاثين سنة، وغزا اثنتين وعشرين غَزاة، وكان يُديم الصلاة بالليل، وأنفق على العلماء والزهاد
_________________
(١) يقال له: الضَّبِّي، لأن جدَّ جدته: هو عيسى بن عبد الرحمن بن سليمان الضَّبِّي، وأم عيسى بن عبد الرحمن: هي متويه بنت إبراهيم بن طَهْمان الزاهد الفقيه، فلذلك يقال له: الطُّهْماني. "المنتخب من كتاب السياق التاريخ نيسابور" لأبي إسحاق الصَّرِيفيني ص ١٥. ويقال له: ابن البَيِّع، بفتح الباء الموحدة وكسر الياء المشددة آخر الحروف، وفي آخرها العين المهملة، هذه اللفظة لمن يتولى البِيَاعةَ والتوسُّطَ في الخانات بين البائع والمشتري من التجار للأمتعة. "الأنساب" للسمعاني رسم (البيّع). وعُرف بالحاكم لتقلُّده القضاء بنَسَا كما في "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر ص ٢٢٩، وليس بنيسابور كما وقع في "وفيات الأعيان" لابن خلكان ٤/ ٢٨١!
(٢) "تاريخ بغداد" للخطيب ٣/ ٥٠٩، و"كتاب الأربعين المرتبة على طبقات الأربعين" لعلي بن المفضَّل المقدسي ص ٤٠٦، و"تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام الأشعري" لابن عساكر ص ٢٢٧، و"وفيات الأعيان" لابن خلكان ٤/ ٢٨١.
(٣) "الأنساب" للسمعاني نسبة (الجوزقي).
[ ١ / ١٩ ]
مئة ألف درهم، وقد رأى عبدَ الله بن أحمد، ومسلمَ بن الحجّاج، وروى عن ابن خُزيمة وغيره، وتوفي سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة (^١). وهذا يعني أنه توفي ولابنه أبي عبد الله من العُمر ست عشرة سنة.
وكان لأبي عبد الله الحاكم أخٌ أكبر منه اسمه محمد أيضًا، ذكره الحاكم في "تاريخه"، وذكر أنه سمع الكثير من الحافظ أبي محمد جعفر بن أحمد الحَصِيري، وأن الحَصِيري هذا هو جدُّ أخيه (^٢). قلنا: يعني جدَّه لأمه، فهو إذًا أخوه من أبيه.
وكان لأخيه هذا ابنٌ اسمه محمد كذلك، وكنيته أبو سهل، وهو أكبر من أبي عبد الله الحاكم، قال عنه الحاكم: سمع الكثير قبلي ومعي، وكتب بخطه جملةً، وحدّث، وكان أكبرَ مني بخمس عشرة سنة. توفي سنة اثنتين وتسعين في جمادى الآخرة، وله سبع وثمانون سنة ﵀ (^٣). فإذا كان ابن أخي الحاكم يكبره بخمس عشرة سنة، فهذا يدل على أن أخاه محمدًا أكبر منه بكثير، وأن الحاكم من أصغر إخوته، وأن والدهما تزوَّج بأكثر من امرأةٍ.
وذكر الحاكم في "تاريخه" في الطبقة السادسة من شيوخه الذين أدركَهم ورُزق السماعَ منهم بنيسابور: عبدَ الله بنَ محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم أبا الحسن، الضَّبيِّ النَّيسابوري (^٤). وهذا يُحتمل أن يكون أخًا آخرَ للحاكم، أو ابنًا لأخيه محمدٍ الذي قدَّمنا ذِكرَه، والله أعلم.
وكان لأبي عبد الله الحاكم خالٌ من أهل الفضل، وهو أبو علي محمد بن علي بن محمد بن نَصْرويه المقرئ المؤذِّن النَّصرويّ، ذكره الحاكم في "تاريخه" فقال:
_________________
(١) "المنتظم" لابن الجوزي ١٤/ ٧٣. وقد ذكر أبو عبد الله الحاكم والدَه في كتاب "تارخ نيسابور" كما في "تلخيصه" للخليفة النيسابوري ص ٩١.
(٢) "سير أعلام النبلاء" ١٤/ ٢١٨. وانظر "الروض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم" لنايف بن صلاح المنصوري ١/ ٣٢.
(٣) "تاريخ الإسلام" ٨/ ٧٢٠. وانظر "الروض الباسم" ١/ ٣٢.
(٤) "تلخيص تاريخ نيسابور" ص ٩٢. وانظر "الروض الباسم" ١/ ٣٢.
[ ١ / ٢٠ ]
أبو علي المؤذِّن المقرئ، كان من العُباد الصالحين، القاعدين عن التسوُّق والتصرُّف، القانِعين بميراث الآباء، حج وغزا، وأنفق على العلماء الفاضلَ من قُوتِه، وأذَّن نيِّفًا وخمسين سنةً مُحتسِبًا، وتوفي في شعبان سنة تسع وسبعين وثلاث مئة، وصلَّى عليه ابنُه، ودُفِن في مقبرة باب معمر، وتوفي وهو ابن مئةٍ وثلاث سنين (^١).
ولخاله أبي علي بن نصرويه هذا ابنٌ هو عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن نصرويه، أبو محمد النيسابوري، سمع أبا العباس الأصمَّ وأحمد بن إسحاق الصِّبْغي، وحدَّث (^٢).
ولابن خاله هذا ابنٌ اسمه علي بن عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن نصرويه المؤذِّن الورَّاق، أبو الحسن الطَّهماني النَّيسابوري، وُصف بأنه كان محدِّثًا ثقةً من كبار المحدِّثين، كثيرَ الحديث، كثيرَ الشيوخ، وأنه كان يُفيد ويُورِّق ويُسمِع (^٣).
وللحاكم أيضًا ابن خالةٍ اسمه أبو سعد محمد بن عبد الله بن حَمْشَاذَ الحاسِب، من أهل نَيسابور، كان عارفًا بالحِساب، رحل إلى العراق والحجاز وبلاد ما وراء النهر، ذكره الحاكم في "تاريخه"، فقال: أبو سعد الحاسب، وهو ابن خالتي (^٤)، وكان أبوه من أعيان المشايخ والتجار بنيسابور، طلب أبو سعد معنا الحديثَ في صِباهُ من سنة ثلاثين وثلاث مئة إلى سنة سبع وأربعين، ثم أقام ببَلْخ وسمَرْقَند، وذُكِر بعد ذلك بالحِساب، سمع بنيسابور، ورحل معي إلى أبي النضر، ودخل بغداد قبلي، وحدَّث، وتوفي غداة يوم الخميس الثاني والعشرين من ربيع الآخر من سنة ست وثمانين وثلاث مئة، وصلَّى عليه أخوه أبو منصور، ودُفن بجنب أبيه بباب معمر (^٥).
_________________
(١) "الأنساب" نسبة (النصروي) ١٣/ ١١٠.
(٢) "تاريخ الإسلام" ٨/ ٧٤٠.
(٣) "المنتخب من كتاب السياق" ص ٤١٦ الترجمة (١٢٧٤).
(٤) وقع في بعض نسخ "الأنساب" للسمعاني نسبة (الحاسب): ابن خالي. وهو تحريف بيقينٍ، كما يظهر من تسمية خال الحاكم الذي قدَّمنا ذكرَه.
(٥) "الأنساب" للسمعاني نسبة (الحاسب). وانظر "الروض الباسم" ١/ ٣٣.
[ ١ / ٢١ ]
وجدّة أبي عبد الله الحاكم لأمِّه، كان لها أخ اسمه عيسى، وهو أبو العباس عيسى بن محمد بن عيسى بن عبد الرحمن بن سليمان الضَّبّي، وصفه الحاكم بأنه إمام في اللغة والعلم، وأحدُ الأشراف في نفسه وآبائه وأسلافِه، ووصفه السمعاني بأنه كان ثقةً صدوقًا، وقال: مات في صفر سنة ثلاث وتسعين ومئتين (^١). فهذا خال أمُّ أبي عبد الله الحاكم.
ولخال أمه هذا ابنٌ اسمه محمد، وكنيته أبو صالح، ذكره الحاكم في "تاريخه"، فقال: أبو صالح بن عيسى العارض، أحد مشايخ خراسان، ومعتمَد أولياء السلطان، وكان من العقلاء الأدباء، المحبِّين للعلماء والصالحين، المُفضِلين عليهم بماله وجاهِه، وكان يرشَّح للوزارة فيأبَى عليهم، قال الحاكم: وكان أبو صالح ابنَ خال أمي، ولنا به اختصاص القرابة والصحبة، كتبتُ عنه بنيسابور غيرَ مرّة، ثم كتبنا عنه بمَرْو، ونظرتُ في كتبه بها سنة ثلاث وأربعين، وتوفى بمَرْو ليلة الجمعة لخمس بقين من صفر، سنة أربع وأربعين وثلاث مئة (^٢). فهذا ابن خال أمِّه.
إذًا فلقد كان الإمام أبو عبد الله الحاكم من بيت علم وفضل وأدب، من جهة والدَيه كليهما، فرحمهم الله جميعًا.