ومع كل ما سبق مما اعترض به على الحاكم في "مستدركه"، فإنَّ لهذا الكتاب عند العلماء أهمية واضحة، فلذا أولَوْه عنايةً خاصةً؛ اختصارًا له، وبيانًا لزوائده، وتعليقًا عليه، وبيانًا لأحوال رجال أسانيده، واستنباطًا لمنهج الحاكم فيه، إلى غير ذلك من الدراسات التي يستحقها مثله من الدواوين المهمة التي اشتملت على الأحاديث النبوية الصحيحة، فكان من أبرز العلماء الذين اعتنوا به قديمًا:
١ - الحافظ الذهبي، الذي قام بتلخيصه، والحكم على بعض أحاديثه في أثناء ذلك، ولكنه لم يستوفِ الحُكم عليها، ولذلك قال وهو يتحدث عن الكتاب: هو كتاب مفيد، قد اختصرته، ويُعوِزُ عملًا وتحريرًا. قلنا: كأن الذهبي عمل ذلك المختصر لنفسه في بداية الطلب على عادته في اختصار الكتب، إذ كان يفعل ذلك من أجل أن يسهل عليه مطالعتها واستظهارها، لكنه وجد الكتاب بحاجة إلى تحرير فأرجأ ذلك لوقت آخر، فشَغَله عنه تصنيفه لغيره من الكتب المهمة، فنبه على حاجة الكتاب للعمل والتحرير، ليتصدَّى لذلك من يأنس من نفسه الأهلية والكفاية للقيام بذلك العمل والتحرير، والله أعلم.
ويمكن النظر في أقوال الذهبي من خلال بقية كتبه حول كثير من أحاديث "المستدرك" التي سكت عنها في "التلخيص"، ولا سيما "ميزان الاعتدال"، فيمكن أن تضاف تلك الأقوال إلى "تلخيصه" إتمامًا لعمله، على أن الذهبي - كما ظهر لنا- قد يتغير اجتهاده في بعض أحكامه التي في "التلخيص"، وبخاصة في كتبه التي صنفها مؤخرًا بعد أن تقدّم سنه وعلا كعبه في العلم، وأصبح ذا ملكة راسخة في التحقيق في علمي الحديث والرجال، كـ "سير أعلام النبلاء" و"تذكرة الحفاظ".
وصنف الذهبي أيضًا جزءًا مفردًا جمع فيه "موضوعات المستدرك"، وقد أشار إليه وهو يتحدث عن الكتاب بقوله: وفي غضون ذلك أحاديثُ نحو المئة يشهد القلب
[ ١ / ١٤٨ ]
ببطلانها، كنت قد أفردت منها جزءًا، وحديث الطير بالنسبة إليها سماء (^١). وقد طبع هذا الجزء.
٢ - الإمام سراج الدين ابن الملقن، الذي قام بجمع واختصار استدراك الذهبي على "المستدرك"، وقد سماه ابن الملقن نفسه لما سرد أسماء مصنفاته بـ "الاعتراضات على المستدرك" (^٢)، ووقع مسمّى في بعض أصوله الخطية بـ "مختصر استدراك الحافظ الذهبي على مستدرك الحاكم"، وبهذا الاسم طبع. وسمي في بعض الأصول): "النُّكَت اللطاف في بيان الأحاديث الضِّعاف المُخرَّجة في مستدرك الحاكم النيسابوري"، وقد زاد ابن الملقن فيه بعض التعليقات من قوله هو، وقال في مقدمة كتابه "البدر المنير": قد أفردتُ ما ردّ به الذهبي على الحاكم أبي عبد الله في "تلخيصه لمستدركه" بزيادات ظَفِرتُ بها، فجاءت سبعة كراريس.
ثم قال: واعلم أيها الناظر في هذا الكتاب (يريد كتابه "البدر المنير") إذا رأيتنا نقلنا عن الحاكم تصحيحًا لحديث وسكتنا عليه، فشُدّ على ذلك يديك، فإنا سَبَرْنا إسناده، ويكون الأمر كما قاله، وما لم يكن كذلك، فإنا نَشفَعُه بالاعتراض عليه إن شاء الله تعالى (^٣). قلنا: وعلى هذا فيمكن تجريد ما تكلم به ابن الملقن في "البدر المنير" عن أحاديث الحاكم ليتمم به ما لم يُعلّق عليه في "اختصاره" لـ "تلخيص الذهبي".
وقد ذكر ابن حجر لابن الملقن كتابًا في رجال أحمد وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم سماه "إكمال تهذيب الكمال"، قال السخاوي: قد رأيت منه مجلدًا وأمره فيه سهل (^٤).
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ١٧٥ - ١٧٦.
(٢) "العقد المذهب في طبقات حملة المذهب" ص ٤٣٣.
(٣) "البدر المنير" ١/ ٣١٧.
(٤) "الضوء اللامع" ٦/ ١٠٢، وهو الذي نقل عن ابن حجر قوله في ذكر الكتاب.
[ ١ / ١٤٩ ]
٣ - الحافظ زين الدين العراقي، الذي أملى على "المستدرك" في سبعة مجالس استدراكات وتعقُّبات على بعض الأحاديث التي أوردها الحاكم فيه، بعد أن رواها العراقي بإسناده مُستخرجًا إياها على الكتاب، ولهذا سماه: "المُستخرج على المستدرك" (^١). وهو مطبوع.
٤ - برهان الدين إبراهيم بن محمد الحلبي، المعروف بسبط ابن العَجَمي، له "تلخيص المستدرك" (^٢)، وسُمّي في أصل خطيٍّ منه ذكره الدكتور نور الدين العتر والدكتور محمود ميرة "حواشي سبط ابن العجمي" (^٣).
٥ - الحافظ ابن حجر العسقلاني، الذي شرع بالتعليق على "المستدرك"، كما ذكر تلميذه الحافظ السخاوي في ترجمته لدى حديثه عن مصنفاته (^٤).
وله أيضًا تجريدٌ لأطراف "المستدرك" ضمن كتابه "إتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة"، وكان له تعقّباتٌ على بعض أحاديث الحاكم، لكنه لم يقصد إلى ذلك، فلم يستوف التعليق على جميع أحاديثه.
٦ - الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه "توضيح المُدرَك في تصحيح المستدرك"، ذكره السيوطي لما ترجم لنفسه، وذكر مصنفاته (^٥).
ثم تصدى للكتابة حول الحاكم و"مستدركه" ثلّةٌ من أهل العلم والمعرفة من الفضلاء المعاصرين، فممن وقفنا عليه.
١ - الدكتور محمود ميرة، له كتاب "الحاكم النيسابوري وكتابه المستدرك"، وهو رسالة علمية، ويعدُّ كتابه هذا من أوائل ما كُتب في هذا الموضوع.
_________________
(١) كما في كتابه الآخر "ذيل ميزان الاعتدال" في ترجمة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ص ١٤٢ (٥٠٧).
(٢) "الرسالة المستطرفة" لمحمد بن جعفر الكتاني ص ٢٢.
(٣) قال ذلك الدكتور محمود ميرة في "الحاكم النيسابوري وكتابه المستدرك" ص ٤٦٩.
(٤) "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" ٢/ ٦٦١.
(٥) "حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة" ١/ ٣٤٠.
[ ١ / ١٥٠ ]
٢ - صلاح الدين السنكاوي، له كتاب "الإمام الحاكم وما استدركه على الصحيحين"، وهو رسالة علمية.
٣ - مقبل بن هادي الواعي، له كتاب "رجال الحاكم في المستدرك".
٤ - عبد الله مراد علي البلوشي الباكستاني، له كتاب "تعليقات على ما صححه الحاكم في المستدرك ووافقه الذهبي".
٥ - رمضان أحمد علي، له كتاب "تنبيه الواهم على مستدرك الحاكم"، قام الباحث فيه بالتعليق على تصحيحات الحاكم، وتعقبه في كثير منها، اعتمد في أكثر تعقباته على كتب المحدّث الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ وغيره، وقد بلغت هذه التعليقات والتعقبات ألفًا وخمس مئة وواحدًا وسبعين.
٦ - الدكتور عبد السلام علوش، خرّج أحاديث "المستدرك"، وسمى تخريجه "الدرك بتخريج المستدرك"، ومعه "الاستدراك على المستدرك"، و"المدخل إلى المستدرك".
وله أيضًا كتاب "المعلم بما استدركه الحاكم وهو في البخاري ومسلم"، و"زوائد المستدرك على الكتب الستة".
٧ - الدكتور خالد بن منصور الدريس، له كتاب "الإيضاح الجلي في نقد مقولة صححه الحاكم ووافقه الذهبي".
٨ - الدكتور عادل حسن علي، له كتاب "الإمام الحاكم النيسابوري وكتابه المستدرك مع العناية بكتاب التفسير".
٩ - الدكتور عزيز رشيد الدايني، له كتاب "تصحيح أحاديث المستدرك بين الحاكم النيسابوري والحافظ الذهبي"، وهو رسالة علمية.
١٠ - محمد محمود عطية، له كتاب "الانتباه لما قال الحاكم: ولم يخرجاه وهو في أحدهما أو روياه".
١١ - نايف بن صلاح المنصوري، له كتاب "الروض الباسم بتراجم شيوخ
[ ١ / ١٥١ ]
الحاكم"، ولخّص أحكامه أبو الحسن المأربي السليماني.
١٢ - صالح أحمد الشامي، له كتاب "زوائد ابن خزيمة وابن حبان والمستدرك على الكتب التسعة".
١٣ - أحمد أبو المعاطي خشوعي، له "تحقيق ودراسة كتاب المستدرك على الصحيحين للإمام أبي عبد الله الحاكم" من كتاب معرفة الصحابة، من أول باب ذكر مناقب عبد الله بن مسعود.
١٤ - عطية بن نوري الفقيه، له "المستدرك على الصحيحين للإمام الحاكم دراسة وتحقيقًا" من حديث "إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله" إلى نهاية حديث "مراء بالقرآن كفر".
وهناك رسائل علمية أخرى في جامعة الأزهر وجامعة أم القرى في تحقيق الكتاب.
[ ١ / ١٥٢ ]