لقد تبوَّأ أبو عبد الله الحاكم المكانة العالية والمنزلة الرفيعة بين علماء عصره، حتَّى شهد له بالتقدُّم شيوخُه قبل تلامذتِه، ثم مِن بعدهم العلماءُ الكبارُ الذين ترجموا له، ولا عجب في ذلك؛ فرجُلٌ مثلُ أبي عبد الله له الرحلةُ الواسعةُ، والشيوخ الكُثُر المشهود لهم بالتقدُّم والمعرفة، لا شكَّ أن ذلك مما يزيد في مخزونه العلمي، وتنوُّع علومه ومعارفه، هذا بالإضافة إلى ما كان يتحلّى به من كريم الخِصال، ويتجلّى فيه من أصيل الخِلال، بما جعله بحقٍّ متميّزًا على سائر أقرانه، بل متفوّقًا على كثير من شيوخه أيضًا، ومهما قلنا في حقِّ هذا الإمام، فإننا قد لا نَقدُرُه قَدْرَه، ولكن كما يقال: ما لا يُدرَك كلُّه لا يُترَك جُلُّه، ويكفينا في هذا المقام أن نُورد ما قاله جِلَّةُ أهل العلم في حقِّه؛ مُثنِين عليه، مُنوِّهين بفضله، وأنه بلغ في علم الحديث مبلغًا لا يُجارَى، ويحسُن بنا أن نبتدئ برأي شيوخه فيه، ولا سيما الكبار منهم، بما يدلُّ على نُبُوغ الحاكم المُبكِّر قبل أن تتقدم سِنُّه ويقصده الطَّلبَة:
فمن ذلك أن شيخه إمامَ وقتِه أبا بكر محمد بن إسحاق بن أيوب الصِّبْغيّ كان يُراجعه في السؤال عن الجرح والتعديل وعلل الحديث، ويُقدِّمه على أقرانه، وكان يعتمد عليه في أمور مدرسة دار السُّنة، وفوّض إليه توليةَ أوقافه، وكان يستظلُّ برأيه في أموره؛ اعتمادًا على حُسن ديانته ووُفُور أمانتِه (^١).
وقال أبو حازم العَبدَوي: سمعتُ مشايخنا يقولون: كان الشيخ أبو بكر بن إسحاق وأبو الوليد يَرجِعان إلى أبي عبد الله في السؤال عن الجرح والتعديل وعلل الحديث وصحيحه وسقيمه (^٢).
وقال أبو حازم أيضًا: أقمتُ عند الشيخ أبي عبد الله العُصْمي قريبًا من ثلاث سنين، ولم أرَ في جملة مشايخنا أتقنَ منه ولا أكثر تَنقيرًا، فكان إذا أَشكَل عليه
_________________
(١) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١٦.
(٢) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٩.
[ ١ / ٥٨ ]
شيءٌ أمرني أن أكتب إلى الحاكم أبي عبد الله، فإذا ورد جوابُ كتابِه حَكَم به، وقطع بقوله (^١).
قال: وسمعت أبا أحمد الحاكم يقول: إن كان رجلٌ يعقُد مكاني فهو أبو عبد الله (^٢).
قلنا: يعني في مجلس التدريس.
وقال عبد الغفار الفارسي: سمعتُ مشايخَنا يذكرون أيامَه، ويحكُون أن مُقدَّمِي عصرِه، مثل الإمام أبي سهل الصُّعلُوكي، والإمام ابن فُورَك، وسائر الأئمة يُقدِّمونه على أنفسهم، ويُراعُون حقَّ فضلِه، ويعرفون له الحُرمةَ الأكيدة (^٣).
وقال الحاكم في "تاريخه" في ترجمة شيخه الحافظ أبي علي النيسابوري: تَذاكَرنا يومًا ما روى سليمانُ التّيميُّ عن أنس، فمررتُ أنا في الترجمة، وكان بحضرة أبي علي وجماعةٍ من المشايخ، إلى أن ذكرتُ حديثَ "لا يزني الزاني وهو مؤمن"، فحَمَل بعضُهم عليَّ، فقال أبو علي له: لا تفعل؛ فما رأيتَ أنتَ ولا نحنُ في سنِّه مثلَه، وأنا أقول إذا رأيتُه: رأيتُ ألفَ رجلٍ من أصحاب الحديث (^٤).
وقال أبو عبد الرحمن السُّلَميّ: كتبتُ على ظهر جُزءٍ من حديث أبي الحسين الحجَّاجي: الحافظ، فأخذ القلمَ، وضربَ على الحافظ، وقال: أيشٍ أحفَظُ أنا، أبو عبد الله بن البَيّاع أحفَظُ مني، وأنا لم أرَ من الحُفّاظ إلَّا أبا علي الحافظ وابنَ عُقْدة (^٥).
قال السُّلميّ: سألت الدارقطني: أيُّهما أحفَظُ: ابن مَنْدَهُ أو ابن البَيِّع؟ فقال: ابن البيِّع أتقنُ حفظًا (^٦).
_________________
(١) المصدر السابق ص ٢٣٠.
(٢) المصدر السابق ص ٢٢٩.
(٣) نقله عنه الذهبي في "تاريخ الإسلام" ٩/ ٩٥.
(٤) المصدر السابق ٩/ ٩٩.
(٥) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٩ - ٢٣٠.
(٦) المصدر السابق ص ٢٣٠.
[ ١ / ٥٩ ]
وذكر العبدَوي: أن الحاكم لما قُلِّد القضاء بنَسَا سنة تسع وخمسين في أيام السامانيّة ووزارة العُتْبي، دخل الخليل بن أحمد السِّجزي القاضي على ابن أبي جعفر العُتبي يومَ الثاني من مُفارَقتِه الحضرةَ، فقال: هنَأ الله الشيخَ، فقد جَهَّز إلى نَسَا ثلاثَ مئة ألف حديثٍ لرسول الله ﷺ، فتهلَّل وجهُه (^١).
وقد أثنى عليه شيوخه أيضًا بتحقيقه وتثبُّته في الحديث عن رسول الله ﷺ، فمن ذلك ما ذكره الحاكم، فقال: حضرتُ أبا علي الرَّفّاء سنة اثنتين وأربعين، وقرئ عليه عن علي بن عبد العزيز، عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، عن الزبير بن عَديّ، عن أنس قال: "لا يأتي عليكم زمانٌ إلَّا والذي بعده شرٌّ منه"، سمعنا ذلك من نبيكم. فقلتُ للقارئ عليه: من أين كتبتَ هذا الحديث؟ قال: من كتاب أحمد السَّرّاج، وكان غلامًا، كتبتُ عنه بَهراةَ الكثيرَ، فدعوتُ بالسَّرّاج، فقلت له: أين كتابُك بحديث شعبة؟ فأخرج إليَّ على ظهر جُزءٍ له.
وكان شيخُنا أبو إسحاق المُزَكّي عَزَم على أن يحجّ في تلك السنة، فسألني أن أكتب طَبَقًا من حديث أبي عليٍّ ليُقرأ عليه ببغداد، فكتبتُ بخطِّي طَبَقًا من سؤالاته، وحملها أبو إسحاق معه، فلما انصرف قال لي: قُرئ عليه هذا الطَّبقُ بحضرة أبي بكر بن الجِعابي وأبي الحسين المُظفَّر والحفاظِ فاستحسَنُوه، ثم قال أبو الحُسين: لو كان لحديث شُعبة عن الزبير بن عَديّ أصلٌ، لكان أبو عبد الله (يعني الحاكم) يكتبه في أول هذا الطَّبَق.
قال الحاكم: فدخلتُ يومًا على الحاكم أبي القاسم بشر بن محمد بن ياسين، فأخرج كتابًا من أبي عليَّ الرَّفّاء إليه يسألُه أن يَعرضَه على أبي الحسين الحَجّاجي وعليَّ، وفيه: وتُخبِرُهما أني طلبتُ حديثَ شعبة عن الزبير بن عَدِيّ، ولم أجده في كُتبي، فأنا راجعٌ عنه، فأعجَبَني هذا من أبي عليٍّ وإتقانه (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق ص ٢٢٩.
(٢) نقله عنه الخطيب في "تاريخ بغداد" ٩/ ٤٤.
[ ١ / ٦٠ ]
قلنا: بل العجب من أبي عبد الله الحاكم كيف تنبَّه لهذا الحديث من بين سائر الأحاديث، وتفطَّن إلى عدم ثبوته، مع صغر سن الحاكم إذ ذاك، فقد كان في سن الحادي والعشرين، ومع ذلك أقرَّ له شيوخه هؤلاء بالتحرُّز والتثبُّت.
وإذا كان هذا رأي شيوخه فيه، فكذلك كان رأيُ أقرانه وتلامذته، الذين كانوا يرَونه واحدَ عصرِه، وأجلّ أقرانه، وأنه إليه المَرجِع والمُنتَهى في هذا العلم، فمن ذلك ما قاله عبد الغني بن سعيد المصري؛ قال: لما رَدَدْتُ على الحاكم أبي عبد الله الأوهامَ في "مدخل الصحيح"، بعث إليَّ يشكُرُني ويدعو لي، فعلمتُ أنه رجلٌ عاقلٌ (^١).
وقال تلميذه أبو حازم العبدوي لدى ترجمته له: إمام أهل الحديث في عصره (^٢).
وقال أيضًا: أول من اشتَهَر بحفظ الحديث وعلله بنيسابور بعد الإمام مسلم: إبراهيم بن أبي طالب، وكان يقابلُه النَّسائي وجعفر الفاريابي، ثم أبو حامد بن الشَّرْقي، وكان يقابلُه أبو بكر بن زياد النيسابوري وأبو العباس بن سعيد، ثم أبو علي الحافظ، وكان يقابله أبو أحمد العَسّال وإبراهيم بن حمزة، ثم الشيخان أبو الحسين - يعني الحجّاجي - وأبو أحمد - يعني الحاكم - وكان يقابلهما في عصرهما أبو أحمد بن عديّ وأبو الحسين بن المُظفّر والدارقطني، وتفرد الحاكم أبو عبد الله في عصرنا هذا من غير أن يقابله أحدٌ بالحجاز والشام والعراقَين والجبال والرَّيّ وطَبَرِستان وقُومَس وخُراسان بأسرِها وما وراء النهر (^٣).
وأثنى عليه تلميذه أبو يعلى الخَليلي، فقال: عالم عارف، واسع العلم ذو تصانيف كثيرة، لم أرَ أوفى منه. قال: وهو ثقة واسع العلم، بلغت تصانيفه الكتبَ الطوالَ والأبوابَ، وجمع الشيوخ المُكثِرين والمُقلِّين قريبًا من خمس مئة جزء، ويَستقصي في ذلك؛ يؤلِّف الغَثَّ والسَّمِينَ، ثم يتكلّم عليه فيبيِّنُ ذلك. وقال أيضًا: رأيتُه في كل
_________________
(١) نقله عنه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣٦/ ٣٩٨.
(٢) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٧.
(٣) المصدر السابق ص ٢٣٠.
[ ١ / ٦١ ]
ما أُلقِي عليه بحرًا لا يَعجِزُ عنه. قال: وكنت أسألُه عن الضعفاء الذين نشؤوا بعد الثلاث مئة بنيسابور وغيرها مِن شُيوخ خراسان، وكان يُبيِّن من غير مُحاباة (^١).
وهكذا رأى فيه اللاحقون من العلماء أنه العالمُ الفذُّ الذي لا يُلحَقُ شأوُه، ولا يُشَقُّ غُبارُه، فقد قال عنه الخطيب البغدادي: كان من أهل الفضل والعلم والمعرفة والحفظ (^٢).
وقال شِيرَويه الدَّيلَمي: كان الحاكمُ إمامَ الوقت شَرَفًا، له مصنفات حِسانٌ، ما سَبَق إليها أحدٌ (^٣).
وقال عبد الغافر الفارسي في حقِّه: إمام أهل الحديث في عصره، والعارف به حقَّ معرفتِه (^٤).
وقال أيضًا: من تأمل كلامَه في تصانيفه، وتصرُّفَه في أماليه، ونظَرَه في طرق الحديث، أذعَنَ بفضله، واعترف له بالمَزِيّة على مَن تَقدَّمه، وإتعابِه مَن بعدَه، وتعجيزِه اللاحقين عن بُلوغِ شأوِه، عاش حميدًا، ولم يُخلِّف في وقتِه مثلَه (^٥).
وقال السمعاني: كان من أهل الفضل والعلم والمعرفة والحفظ والفَهم، وله في علوم الحديث وغيرها مصنفات حِسان (^٦).
وقال مجد الدين بن الأثير: من أهل الفضل والعلم والمعرفة في العلوم المتنوّعة، كان فريدَ عصره، ووحيدَ وقته، وخاصة في علوم الحديث، وله فيها المصنفات الكثيرة الغريبة العجيبة (^٧).
_________________
(١) "الإرشاد" ٣/ ٨٥١ - ٨٥٤.
(٢) "تاريخ بغداد" ٣/ ٥٠٩.
(٣) نقله عنه ابن الصلاح في "طبقات الفقهاء الشافعية" ١/ ٢٠٣.
(٤) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١٥.
(٥) نقله عنه الذهبي في "تاريخ الإسلام" ٩/ ٩٥.
(٦) "الأنساب" نسبة (البيع).
(٧) قسم التراجم من "جامع الأصول" ١٢/ ٨٨٣.
[ ١ / ٦٢ ]
وقال علي بن المفضَّل المَقدِسي: الحافظ، المصنِّف في علم الحديث عدة تصانيف لم يُسبَق إليها، والمخصوص من جَوْدة الترتيب بما لم يُوفَّق لغيره عليها (^١).
وقال ابن الصلاح: الحافظ الذي لا يُستغنَى عن تصانيفه في الحديث وعلمه (^٢).
وقال ابن خَلِّكان: إمام أهل الحديث في عصره، والمؤلِّفُ فيه الكتبَ التي لم يُسبَق إلى مثلها، كان عالمًا عارفًا واسع العلم (^٣).
وقال ابن عبد الهادي: الحافظ الكبير، شيخ أهل الحديث في عصره، صاحب التصانيف (^٤).
وقال الذهبي: الحافظ الكبير … بَرَع في معرفة الحديث وفُنونه، وصنّف التصانيفَ الكثيرةَ، وانتهت إليه رئاسة الفَنّ بخُراسان، لا بل في الدنيا (^٥).
وقال أيضًا: انتخب على خَلْقٍ كثيرٍ، وجَرّح وعَدّل، وقُبِل قوله في ذلك لسَعَة علمِه ومعرفتِه بالعلل والصحيح والسقيم (^٦).
وقال ابن السُّبْكي: كان إمامًا جليلًا، وحافظًا حَفِيلًا، اتُّفِق على إمامتِه وجلالتِه وعِظَم قَدْرِه (^٧).
وقال ابن كثير: كان من أهل العلم والحفظ، والأمانة، والدِّيانة، والصِّيانة، والضَّبْط، والثقة، والتحرُّز، والورع (^٨).
وقال ابن المُلقِّن: الرحَّال الإمام الحافظ الكبير .. قام الإجماع على ثقته (^٩).
_________________
(١) "الأربعون على طبقات الأربعين" ص ٤٠٢ ترجمة (٢٩).
(٢) "طبقات الفقهاء الشافعية" ١/ ١٩٨.
(٣) "وفيات الأعيان" ٤/ ٢٨٠.
(٤) "طبقات علماء الحديث" ٣/ ٢٣٧.
(٥) "العبر في خبر من غبر" ٣/ ٩٣ - ٩٤.
(٦) "تاريخ الإسلام" ٩/ ٩٠.
(٧) "طبقات الشافعية الكبرى" ٤/ ١٥٦.
(٨) "البداية والنهاية" ١٥/ ٥٦١.
(٩) "العِقد المُذهَب في طبقات حمَلة المَذهب" ٧٠ - ٧١.
[ ١ / ٦٣ ]
وقال عنه ابن تَغْرِي بَرْدِي: كان أحدَ أركان الإسلام، وسيّد المُحدِّثين وإمامَهم في وقته، والمرجوعَ إليه في هذا الشأن (^١).