تكلم بعض العلماء في الإمام الحاكم من جهة مذهبه العقائدي، وأنه كان متشيعًا أو شيعيًا، فمن ذلك:
١ - ما ذكره أبو ذَرّ عبد بن أحمد بن عُفَير الهَرَوي أنهم كانوا في حلقة الحاكم أبي عبد الله بن البيع الحافظ بنيسابور إذا أخرج عن السُّدِّي في الصحيح يتغامَزُون عليه، وذلك أنه روى حديثَ الطَّير، ولم يتابعه أحدٌ عليه، قال: وكان يُنسَبُ إلى التشيع (^٣).
قلنا: ذلك أن السُّدِّي - واسمه إسماعيل بن عبد الرحمن - اتهم بالتشيع (^٤). لكن حديثَ الطير هذا له طرق ولم ينفرد به السُّدِّي، كما سيأتي بيانه في موضعه من الكتاب، فلا حجة في قول أبي ذر هذا.
٢ - وكذلك ذكر الخطيب البغدادي: أن الحاكم كان يميل إلى التشيع، معتمدًا في ذلك على ما حدثه به أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأُرْموي بنيسابور -قال: وكان شيخًا صالحًا فاضلًا عالمًا- قال: جمع الحاكم أبو عبد الله أحاديث زعم أنها صحاح على شرط البخاري ومسلم، يلزمهما إخراجها في صحيحيهما، منها حديث الطائر، و"من كنت مولاه فعليٌّ مولاه" فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك، ولم يلتفتوا فيه إلى قوله، ولا صوبوه في فعله (^٥).
_________________
(١) "المستدرك" (٥٧٥).
(٢) "الحاوي الكبير" لأبي الحسن الماوردي ٢/ ٢٥٠.
(٣) "معجم السَّفَر" لأبي طاهر السلفي (٧٨٢).
(٤) "الضعفاء الكبير" للعقيلي ١/ ٢٤٦.
(٥) "تاريخ بغداد" ٣/ ٥١٠ - ٥١١.
[ ١ / ٩٢ ]
قال ابن السُّبكي: الخطيب ثقة ضابط، فتأملت مع ما في النفس من الحاكم من تخريجه حديث الطير في "المستدرك"، وإن كان خَرّج أشياء غير موضوعة لا تعلّق لها بتشيع ولا غيره، فأوقع الله في نفسي أن الرجل كان عنده ميلٌ إلى عليّ ﵁ يزيد على الميل الذي يُطلب شرعًا، ولا أقول: إنه ينتهي به إلى أن يضع من أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ولا إنه يفضل عليًا على الشيخين، بل أستبعد أن يفضّله على عثمان ﵄، فإني رأيته في كتابه "الأربعين" عقد بابًا لتفضيل أبي بكر وعمر وعثمان، واختصهم من بين الصحابة، وقدّم في "المستدرك" ذِكرَ عثمان على عليّ ﵄. وروى فيه من حديث أحمد بن أخي ابن وهب حدثنا عمي حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قالت: أول حَجَرٍ حمله النبي ﷺ لبناء المسجد، ثم حمل أبو بكر، ثم حمل عمر حجرًا، ثم حمل عثمان حجرًا، فقلت: يا رسول الله، ألا ترى إلى هؤلاء، كيف يُسعدونك؟ فقال: "يا عائشة، هؤلاء الخلفاء من بعدي". فمن يُخرِّج هذا الحديث الذي يكاد يكون نصًا في خلافة الثلاثة، مع ما في إخراجه من الاعتراض عليه، يُظن به الرفض؟!
قال: وخَرّج أيضًا في فضائل عثمان حديث: "لينهض كل رجل منكم إلى كُفئه" فنهض النبي ﷺ إلى عثمان، وقال: "أنت وليّي في الدنيا والآخرة" وصححه، مع أن في سنده مقالات، وأخرج غير ذلك من الأحاديث الدالة على أفضلية عثمان، مع ما في بعضها من الاستدراك عليه، وذكر فضائل طلحة والزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص، فقد غَلَب على الظنّ أنه ليس فيه - ولله الحمد - شيءٌ مما يستنكر عليه، إفراطٌ في ميل لا ينتهي إلى بدعة.
ثم قال: أنا أجوِّز أن يكون الخطيب إنما يعني بالميل إلى ذلك، ولذلك حكم بأن الحاكم ثقة، ولو كان يعتقد فيه رفضًا لجَرَحه به، لا سيما على مذهب من يرى ردّ رواية المبتدع مطلقًا، فكلام الخطيب عندنا يقرب من الصواب (^١).
_________________
(١) "طبقات الشافعية الكبرى" ٤/ ١٦٧ - ١٦٨.
[ ١ / ٩٣ ]
وبعد أن نقل الزركشي قول الخطيب البغدادي عقَّبه بقوله: وقد كان عند الحاكم ميل إلى علي، ونعيذه بالله من أن يبغض أبا بكر أو عمر أو عثمان ﵃ (^١).
قلنا: ما اعتمد عليه الخطيب من قول الأُرمَوي في نسبة الحاكم للتشيع لمجرد إخراجه حديث الطير وحديث "من كنت مولاه فعليٌّ مولاه"، وزعمه بأنه لما أخرجهما في "مستدركه" لم يلتفت أصحابُ الحديث إلى قوله، فلا حجة فيه لمجرد ذلك، وسيأتي في موضعهما من الكتاب بيان عدم تفرد الحاكم بهما، وأن لهما طرقًا أخرى غير طريق الحاكم، وأنه صححهما -سوى الحاكم- غيرُ واحد من أهل المعرفة بالحديث، فبطل زعم الأرموي، ثم لم يذكر لنا الأرموي من هم أصحاب الحديث الذين أنكروا على الحاكم ذلك ولم يلتفتوا إلى قوله!
٣ - وذكر محمد بن طاهر المقدسي: أنه سأل أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي عن الحاكم أبي عبد الله، فقال: ثقة في الحديث، رافضيٌّ خبيثٌ (^٢).
وقد ردّ عليه الذهبي بقوله: كذا قال شيخ الإسلام الأنصاري، ولم يُصِب، فإن الحاكم ليس برافضي، بل هو شيعي مُعظِّم للشيخين بيقينٍ، ولذِي النُّورَين، وإنما تكلّم في معاويةَ ﵁ فأُوذِي (^٣).
وقد نقل في بعض كتبه بسند جيد عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: دخلتُ على أبي عبد الله الحاكم وهو في داره لا يُمكنه الخروج إلى المسجد من أصحاب أبي عبد الله بن كَرّامٍ، وذلك أنهم كسروا مِنبرَه ومنعوه من الخروج، فقلت له: لو خرجت وأمليتَ في فضائل هذا الرجل -يعني معاوية بن أبي سفيان- حديثًا لاسترحت من هذه المحنة! فقال: لا يجيء من قلبي، لا يجيء من قلبي (^٤).
_________________
(١) "النكت على مقدمة ابن الصلاح" ١/ ١٩٧.
(٢) رواه عنه الذهبي في "تاريخ الإسلام" ٩/ ٩٨.
(٣) "معجم الشيوخ" ١/ ٢٨١.
(٤) رواه عنه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ١٧٥، و"تاريخ الإسلام" ٩/ ٩٨.
[ ١ / ٩٤ ]
وقال في موضع آخر: ما كان الرجل رافضيًا، بل كان شيعيًا ينال من الذين حاربوا عليًا ﵁، ونحن نترضى عن الطائفتين، ونحبُّ عليًا أكثر من خُصومه (^١).
ولهذا اقتصر الذهبي في بعض المواضع التي ترجم فيها للحاكم على قوله: يتشيّع (^٢). وقوله في ترجمته لأبي عمرو محمد بن أحمد بن حمدان بن علي الحيري: تشيُّعه خفيف كالحاكم (^٣).
٤ - ووصف ابن طاهر المَقدِسي أيضًا أبا عبد الله الحاكم بأنه كان شديد التعصُّب للشيعة في الباطن، وكان يُظهِر التّسنن في التقديم والخلافة، وأنه كان غاليًا منحرفًا عن معاوية وآله، يتظاهر بذلك ولا يعتذر منه (^٤).
وقد ردَّ عليه الذهبي بقوله: أما انحرافه عن خُصوم عليّ فظاهرٌ، وأما أمرُ الشَّيخَين فمُعظِّمٌ لهما بكل حال، فهو شيعيٌّ لا رافضيٌّ (^٥).
وقال ابن السبكي في الرد عليه أيضًا: ثم أنّى له اطّلاعٌ على باطن الحاكم، حتى يقضي بأنه كان يتعصب للشيعة باطنًا (^٦).
- ومما يجدر ذكره بصدد الردّ على اتهام الحاكم بالرفض؛ عدة أمور تدلُّ على براءته من ذلك ﵀، منها:
١ - أن الحاكم تكلّم في جماعةٍ من الرافضة، وفي آخرين من غُلاة الشيعة، ولو كان الحاكم رافضيًا لما أقدم على ذلك، ومن هؤلاء:
أ - تليد بن سُليمان، وكان رجل سُوء؛ يشتم أبا بكر وعمر وعثمان (^٧)، وقد قال
_________________
(١) "المعجم المختص بالمحدثين" ص ٣٠٣.
(٢) "المغني في الضعفاء" (٥٧٠٠).
(٣) "سير أعلام النبلاء" ١٦/ ٣٥٨.
(٤) رواه عنه الذهبي في "تاريخ الإسلام" ٩/ ٩٨.
(٥) "تذكرة الحفاظ" ٣/ ١٠٤٥.
(٦) "طبقات الشافعية" ٤/ ١٦٤.
(٧) "تهذيب الكمال" للمزي ٤/ ٣٢٢.
[ ١ / ٩٥ ]
عنه الحاكم: رديء المذهب، منكر الحديث، روى عن أبي الجَحّاف أحاديث موضوعةً، كذبه جماعةٌ من أئمتنا (^١). كذا قال فيه الحاكم، مع أن الإمام أحمد بن حنبل قال عنه في رواية أبي بكر المَرُّوذي: كان مذهبه التشيع. ولم ير به بأسًا (^٢)، وروى أبو بكر الأثرم عن الإمام أحمد قوله: كتبتُ عنه حديثًا كثيرًا عن أبي الجحاف (^٣). قلنا: فلو كان الحاكم رافضيًا، لتشبّث بقولي الإمام أحمد هذين في حق هذا الرجل، ولكن الحاكم ما كان ليدع قول أئمة الحديث الذين تبين لهم من حال تليد هذا ما يوجب التنكب عن حديثه، فهو بريءٌ من الرفض بلا شكٍّ.
وقد خَرّج الحاكم لتليد هذا في "المستدرك" (^٤) حديثًا من رواية الإمام أحمد بن حنبل عنه، وحسّنه؛ لأجل رواية الإمام أحمد بن حنبل له عن تليد، وقد أودعه الإمام أحمد في "مسنده" (^٥)، فكأن أحمد انتخبه له دون سائر رواياته، وكذلك فعل الحاكم، فلا اعتراض عليه، وروى له الحاكم حديثًا آخر في "فضائل فاطمة الزهراء" (^٦) فيه ذمُّ الرافضة، وقد ترجّح لدى الحاكم صحة رواية تليد لذلك الخبر، لأنه روى خبرًا يخالف مُعتقده، ولأجل ذلك خرج حديثه، ولم يُخرّج له غير ذينك الحديثين، وهذا من تمام تحقيق الحاكم وتمحيصه واحتياطه لحديث رسول الله ﷺ، وإلا فهو يرى رداءة مذهب تليد في الجملة كما ذكرنا عنه.
ب - أبو الصَّلْت عبد السلام بن صالح الهروي، الذي قال عنه الذهبي: شيخ الشيعة، فقد قال عنه الحاكم: روى عن حماد بن زيد وأبي معاوية وعباد بن العوام
_________________
(١) "المدخل إلى الصحيح" ١/ ١٥٤ ترجمة (٢٩).
(٢) "العلل ومعرفة الرجال" رواية المَرُّوذي وغيره ترجمة (١٨٩).
(٣) "تهذيب الكمال" ٤/ ٣٢٢.
(٤) "المستدرك" (٤٧٦٤).
(٥) "المسند" ١٥ / (٩٦٩٨).
(٦) "فضائل فاطمة الزهراء" (٢٢٨).
[ ١ / ٩٦ ]
وغيرهم أحاديثَ مناكير (^١). وبيَّن ابن عدي أن مناكيره في أحاديث يرويها في فضل أهل البيت (^٢). هذا مع أن ابن معين كان يذهب إلى توثيقه، فلو كان أبو عبد الله الحاكم رافضيًا، لتمسّك بقول ابن معين هذا وأطلق توثيقه، لكنه لم يخرج له سوى حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "أنا مدينةُ العلم وعليٌّ بابُها" (^٣)، وذلك لأنَّ يحيى بن معين قد ثبّته في هذا الحديث فيما رواه عنه الحاكم نفسه.
ج- إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، فقد روى الحاكم عن يحيى بن معين قوله فيه: كان جَهميًا رافضيًا (^٤). ثم ذكر الحاكم أن إبراهيم هذا ليس بالقوي عندهم (^٥).
كذلك قال فيه، مع أن الإمام الشافعي كان حسن الرأي فيه، ووثقه، فلو كان الحاكم رافضيًا لتشبث بقول الشافعي في حقِّ هذا الرجل، وذهب فيه مذهبَه، ولكن الحاكم ما كان ليذر قول أئمة الحديث الطاعنين في ابن أبي يحيى الأسلمي هذا، لما تبيَّن لهم من حاله ما لم يتبين للإمام الشافعي، فدل ذلك على إنصاف الحاكم واحتياطه لحديث رسول الله ﷺ، وأنه ليس برافضي كما انّهم بذلك.
د -أبو بكر أحمد بن محمد بن السَّرِيّ بن يحيى بن أبي دارم، وهذا شيخ الحاكم، لكن قال فيه: رافضيٌّ غير ثقة (^٦)، هكذا قدَّم وصفه بالرفض على سبيل الذّمِّ له، فدل ذلك على أن الحاكم لا يرتضي الرفض، فضلًا عن أن يكون هو رافضيًا.
وقد خرج له في "المستدرك" أحاديث صححها، وأغلبها مما لم ينفرد بها ابن أبي دارم، فكثيرًا ما يقرنه الحاكم - بحسب استقرائنا - بغيره ليؤكد على عدم تفرده
_________________
(١) "المدخل إلى الصحيح" ١/ ١٩٧ ترجمة (١٣٩).
(٢) "الكامل في الضعفاء" ٥/ ٣٣١.
(٣) "المستدرك" (٤٦٨٧).
(٤) "معرفة علوم الحديث" ص ١٠٧.
(٥) "سؤالات السجزي للحاكم" (٢٦٢).
(٦) نقله عنه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٥٧٨.
[ ١ / ٩٧ ]
برواياته تلك، وأنه لا نكارة فيها.
هـ - وروى الحاكم عن أبي مسلم البغدادي قوله: عبيد الله بن موسى من المتروكين؛ تركه أبو عبد الله أحمد بن حنبل لتشيُّعه، وقد عُوتب أحمد بن حنبل على روايته عن عبد الرزاق، فذكر أنه رَجَع عن ذلك (^١). قلنا: لم يرو الحاكم مثل هذا إلا وهو يرى أن الغُلوّ في التشيُّع أمر مذموم، إذ كان عُبيد الله بن موسى غاليًا في التشيع، على أن الشيخين البخاري ومسلمًا قد احتجا جميعًا بعبيد الله بن موسى هذا، إذ كان ثقة حافظًا، وتخيَّرا له من حديثه ما لا نكارة فيه، والحاكم كذلك قد احتج بعبيد الله بن موسى، ومع ذلك نقل هذا القول عن الإمام أحمد، فلو كان الحاكم رافضيًا لما نقله، بل يتجاهله ويطوي ذكره، والله تعالى أعلم.
٢ - ما خرَّجه من حديث حذيفة بن اليمان في فضل الصاحبين أبي بكر وعمر ﵄ عن النبي ﷺ، قال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكرٍ وعُمر"، وقوله بعد الحديث: هذا حديث مِن أجلَّ ما رُوي في فضائل الشيخين (^٢). ففي تخريج الحاكم لهذا الحديث الذي يكاد يكون نصًا في خلافة الصاحبين، ثم في قوله هذا الذي ذكره بإثر الحديث، ما يدفع عنه تهمة الرفض دون أدنى شكٍّ.
وكذلك ما ذكره في مناقب عثمان بن عفان ﵁ من أخبارٍ مما يَرُدُّ به أهلُ السُّنة على من يدم عثمان من الشيعة والروافض، ومن ذلك ما رواه عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي من قوله: لما حُصِرَ عثمان بن عفان أشرف عليهم من فوق داره، ثم قال: أُذكِّرُكم الله، هل تعلمون أنَّ رُوْمَةَ لم يكن يشرب منها أحدٌ إلَّا بثمن، فابتعتها من مالي فجعلتُها للغني والفقير وابن السبيل؟ قالوا: نعم. فلا شك أن مَن يُخرج مثل هذا الخبر بريء من تلك التهمة بيقين.
٣ - وكذلك ما ذكره من مناقب الصحابة الذين كانوا يوم الجمل وصفين فيمن
_________________
(١) نقله عنه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣٦/ ١٨٩.
(٢) "المستدرك" (٤٥٠٠ - ٤٥٠٤).
[ ١ / ٩٨ ]
قاتل عليًا رضوان الله تعالى عنهم أجمعين بسبب ما حصل من الفتنة، كعائشة أم المؤمنين وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعمرو بن العاص وابنه عبد الله بن عمرو وحبيب بن مسلمة الفهري والضحاك بن قيس. ومن يذكر مناقب هؤلاء لا شكّ ببراءته ببراءته من تهمة الرفض والغلو في التشيع.
٤ - ولما ذكر الحاكم أبا هريرة الدوسي الذي تبغضه غُلاةُ الشيعة، أثنى عليه ثناء عظيمًا، ووصفه بأحسن وصف، فقال: وأنا ذاكر بمشيئة الله ﷿ في هذا رواية أكابر الصحابة ﵃ أجمعين عن أبي هريرة، فقد روى عنه … وذكرهم، ثم قال: ﵃ أجمعين، فقد بلغ عدد من روى عن أبي هريرة من الصحابة ثمانية وعشرين رجلًا، فأما التابعون فليس فيهم أجلُّ ولا أشهر وأشرفُ وأعلمُ من أصحاب أبي هريرة، وذكرهم في هذا الموضع يَطول لكثرتهم، والله يعصِمُنا من مخالفة رسول رب العالمين، والصحابة المنتجبين، وأئمة الدين من التابعين، ومَن بَعدَهم من أئمة المسلمين ﵃ أجمعين، في أمر الحافظ علينا شرائعَ الدِّين، أبي هريرة ﵁ (^١).
فهذا الكلام الذي قاله الحاكم في أبي هريرة في الثناء عليه وعلى أصحابه، لهو الأدلة القاطعة على براءة الحاكم من تهمة الغلو في التشيع.
٥ - على أن الرافضة يذهبون فيما يعتقدون إلى أن علي بن أبي طالب راجعٌ مرةً أخرى إلى الدنيا، كما هو معلوم من مُعتقَدِهم منذ مُبتدأ شأنهم (^٢)، وقد أخرج الحاكم في "مستدركه" عن الحسن بن علي بن أبي طالب، وقيل له: إن هذه الشيعة يزعمون أنَّ عليًّا مبعوثٌ قبل يوم القيامة، قال: كذبوا، والله ما هؤلاء بشيعة، لو علِمْنا أنه مبعوثٌ ما زَوِّجْنا نِساءَه، ولا اقتسمنا مالَه، وروى نحوه عن ابن عباس. فلو كان الحاكم رافضيًا لتنكب عن ذكر هذين الخبرين عن الحسن بن علي وابن
_________________
(١) "المستدرك" بإثر (٦٣٠٠).
(٢) "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري ١/ ٥٤.
[ ١ / ٩٩ ]
عباس، ولكن الرجل يرى هذا المذهب مذهبًا مذمومًا، وفي ذلك ما يبرئه من الرفض كما لا يخفى على كل ذي إنصاف وبصيرة.
بقي أن الحاكم رحمه الله تعالى كان ميالًا لعليّ ﵁، ويحمل في قلبه على خصومه، ومثل هذا يعدُّ تشيُّعًا خفيفًا كما وصفه به الذهبي فيما قدّمناه عنه، وليس مثل ذلك مما يؤثِّر في الحكم على الرجل، ولا ما يغُضُّ من شأنه ومقداره؛ فقد كان التشيُّع - على هذا المعنى - في تلك الحقب الأولى مذهبًا لعدد من الحفاظ والمحدثين، ولم يكن هو وحده سببًا للجرح في الرواية عند الجمهور من نقاد الحديث ورواته ممن سلك مسلك الاعتدال في الحكم على الرجال، اللهم إلا أن يظهر من صاحبه كذب متعمَّد، أو يكون صاحبه ضعف بسبب آخر متعلق بضبط الرواية، فيكون ضعفه بسبب ذلك لا بسبب التشيع؛ وهذا معنى قول البخاري لما سئل عن أبي غسان، فقال للسائل: عَمَّاذا تسأل؟ قلت: شأنه في التشيع، فقال: هو على مذهب أهل بلده، ولو رأيتُم عُبيد الله بن موسى وأبا نُعيم ووجميع مشايخنا الكوفيين لما سألتمونا عن أبي غسان (^١). قال الذهبي: وقد كان أبو نعيم وعبيد الله مُعظَّمين لأبي بكر وعمر، وإنما ينالان من معاوية وذويه (^٢).
وقد كانت الكوفة في تلك الحقبة كما يقول الذهبي: تغلي بالتشيع وتفُور، والسُّني فيها طرفة (^٣).
وهذا معنى قول أبي عبد الله بن الأخْرَم أيضًا لما سئل عن الفضل بن محمد الشَّعراني، فقال: صدوق، إلا أنه كان غاليًا في التشيع، قيل له: فقد حدّث عنه في "الصحيح"! قال: لأن كتاب مسلم ملآنٌ من حديث الشِّيعة (^٤).
_________________
(١) نقله عنه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٤٣٢ و١٦/ ٣٧٣.
(٢) المصدر السابق ١٠/ ٤٣٢.
(٣) "تذكرة الحفاظ" ٣/ ٨٤٠
(٤) نقله عنه الذهبي في "تاريخ الإسلام" ٦/ ٧٩٢.
[ ١ / ١٠٠ ]
٦ - وقد ميّز الذهبي بين الرافضة وبين غيرهم من الشيعة بقوله: كل من أحبّ الشيخين فليس بغالٍ في التشيع، ومن تكلم فيهما فهو غالٍ رافضيٌّ (^١). قلنا: ولا شك أن الإمام الحاكم ﵀ من الفريق الأول الذي يعظم الشيخين ﵄ وأرضاهما، ولهذا قدّم ذكر مناقبهما في "مستدركه" على مناقب علي بن أبي طالب، كما نبّه عليه ابن السبكي فيما أوردناه عنه، ثم أورد الحاكم في "المستدرك" ما يشير إلى تقديم النبي ﷺ لهما ولعثمان بن عفان من بعدهما على سائر الصحابة في عدة أخبار، مما يكاد يكون نصًا في خلافتهم - على حد تعبير ابن السُّبكي - فبطل بيقين اتهامُ الحاكم بالرفض أو الغُلُوّ في التشيع، وأنه إن كان عليه شيء من ذلك فهو ميله لعليّ ﵁، وحمله في قلبه على خصومه في زمن المحنة ولا سيما معاوية ﵁ وعن سائر الصحابة، ولكن من غير إطالة اللسان فيهم وشتمهم، على نحو ما كان عليه أهل الرفض وأهل الغُلوّ في التشيُّع.
*ولعل سائلًا يقول: هل ثمة سببٌ أدّى بالحاكم إلى ذلك الميل لعلي بن أبي طالب على هذا النحو؟
والجواب عن ذلك يمكن استنتاجه من خلال ما أفصح به الحاكم ﵀ في مقدمته لكتابه "فضائل فاطمة الزهراء"، حيث قال: إن زماننا قد خلَّفَنا في رُعاة يتقرّبُ الناسُ إليهم ببغض آل رسول الله ﵌، والوضع منهم، فكل من يتوسل إليهم فتوسله بذكر الآل بما قد نزَّهَهُم الله عنه، وإنكار كلِّ فضيلةٍ تذكر من فضائلهم، والله المستعان على ذلك.
ثم تحدث الحاكم عن سبب تصنيفه لتلك الرسالة، فقال: مما حملني على تحرير هذه الرسالة أن حضرت مجلسًا حضره أعيان الفقهاء والقضاة والأمناء من المُزكِّين وغيرهم، وجرى بحضرتهم ذكرُ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فانتَدَب له عينٌ من أعيان الفقهاء، فقال: كان عليٌّ لا يحفظ القرآن!! وهذا
_________________
(١) المصدر السابق ٧/ ٣٣٩.
[ ١ / ١٠١ ]
الشَّعْبيّ قد نصّ عليه، فقلتُ: أوغير هذا؟! فإن الصحابة الذين هم أعلمُ بذلك من الشعبي قد شهدوا له بحفظ القرآن، وهذا أبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السُّلَمي، سيد القراء من التابعين، قرأ عليه، وله عنه حرفٌ مُجوّد، قال: الشعبي أعرفُ به من غيره …
قال: ثم جرى في المجلس ذكر بنات النبي ﵌: زينب ورقية وأم كلثوم، فقال بعضهم: إن الرواة لينكرون أنهن بنات خديجة من رسول الله ﵌، فقلت: هنَّ بناتها منه، إلا أن ذكر فاطمة ﵂ في الأخبار أشهر، وفضائلها في الروايات أكثر …
ثم ذكر الحاكم كلامًا آخر حصل في ذلك المجلس وغيره مما يتعلق بهذا الموضوع (^١).
فكأن الحاكم رحمه الله تعالى لما شاع في زمانه ذلك التحامل على آل بيت النبي ﷺ، وذلك كل الاستخفاف بشأن علي بن أبي طالب، سبب ذلك الأمر لديه رَدّة فعل قويةً، وبرزت لديه غَيرةٌ شديدة على آل بيت النبي ﷺ، فانبرى للدفاع عن أهل البيت الكرام، مبينًا فضائلهم وما امتازوا به عن غيرهم من الناس، مما لا يخالفه فيه أهل السنة والجماعة، ولا سيما علي بن أبي طالب الذي يُقِرُّ أهل السُّنّة بفضائله الجليلة، ولا ينكرونها، ومع ذلك فقد كان أهل النَّصب يُوجهون إليه سهام العداوة والبغضاء، ويتهمونه بما لا تصح نسبته إليه، ولم يُراعُوا له شرف الصحبة ولا القرابة من رسول الله ﷺ، فكان ميل الحاكم لعليّ إذا ردة فعل ضد ذلك التوجه الناصبي الذي ساد في زمانه، والله تعالى أعلم.