﷽
الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
فإن كتاب الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النَّيسابوري ليُعَدُّ من مصنفات الحديث النبوي المهمة التي عوَّل عليها أئمة الإسلام، وعُنُوا تمام العناية بمطالعة الأحاديث والآثار منها، نظرًا لاشتماله على طرق عزيزة لأحاديثَ وآثارٍ يحتاج إليها طالبُ العلم، وذلك لسَعَة اطلاع الحاكم النيسابوري ﵀، وتفرده بالسماع من شيوخ لم يُقْضَ لغيره السماعُ منهم، لأحاديث ليست عند غير أولئك الشيوخ، خصوصًا في بلده نيسابور الذي قَطَنه علماءُ أجلّاءُ وحفاظٌ عظماءُ، ذكرهم الحاكمُ في كتابه الجليل "تاريخ نيسابور".
وكتابٌ بهذه المكانة الرفيعة جديرٌ بأن تُحقَّق نصوصُه، وتُخرج أحاديثُه، وأن يُقابل على أصوله الخطية العتيقة، وأن يُضبَط ما فيها من أسماء الرواة المشتبهة، وألفاظ الحديث المشكلِة، وأن يُبيَّن ما فيه إبهام أو إيهام من الأسماء والألفاظ.
وقد تصدّى للقيام بذلك كلّه ثُلّةٌ من أصحابي الأوفياء الأساتذة الذين تخرَّجوا على يديَّ في مكتب تحقيق التراث الإسلامي التابع لمؤسسة الرسالة العالمية، ممن لازَموني لأكثر من عشرين عامًا، وبعضهم تجاوز بصحبتي الثلاثين عامًا، وأفادوا مني كافَّة العلومِ التي لا يستغني عنها المحقِّق، من دراسةٍ للأصولِ الخَطيّة، ومقابلتها، ومعرفة خطوطها ورموزها، وضبط مشكلات الألفاظ، وتخريج الأحاديث
[ ١ / ٥ ]
النبوية، والحكم عليها، وتَنقِيد ما يَقعُ للمصنِّفين من مُؤاخذاتٍ، والتنبيه عليها، مع المعرفة بعلوم اللغة العربية، والإلمام بعلوم التفسير والفقه وأصوله.
وكنتُ على اطّلاع بمُجريَات العمل الذي قامُوا به خيرَ قيام، مُتصبِّرين على ما يَعتَرِض عملَهم في هذا الكتاب من صُعوباتٍ ومَشاقَّ، نظرًا لحاجة كثيرٍ من أحاديثه إلى تَروٍّ وأناةٍ، خصوصًا في الحكم على أسانيد الحاكم نفسِه، الأمرُ الذي تطلَّب منهم أحيانًا أن يَمكثُوا الساعاتِ الطِّوال حتى يَتَسنّى لهم إعطاءُ الحُكم المناسب على الإسناد، بعد مُشاورةٍ فيما بينهم ومُدارسةٍ.
فكان عملُهم هذا بحقٍّ عملًا فريدًا متميزًا، وقد ساروا فيه وَفْقَ ذلك المنهج العلمي المعتدل الذي أفدتُهم به ودرَّبتهم عليه لسنين طويلة، حتى غدا كلُّ واحدٍ منهم أهْلًا لأن يضطلعَ بأعباء هذا العمل المبارك مُنفردًا، وأن يُفيد الطَّلبةَ في هذا الفنِّ فائدةً عظيمةً.
فالله تعالى أسألُ أن يتمم بالصالحات أعمالَهم، وأن يُلِهمَهم الخيرَ والسدادَ، وأن يستمروا على ما أَنِستُه منهم من الدِّقّة والإتقان في العمل، وأن يُخلِصوا الله دائمًا في القول والعمل، وأن لا يألوا جهدًا في التَّشاور فيما بينهم فيما هم بصَدَدِه من الأعمال، والله وليُّ التوفيق والسَّداد، لا ربَّ غيرُه.
شعيب بن محرّم الأرنؤوط
شهر أيار/ ٢٠١٦ م
الموافق لشعبان/ ١٤٣٧ ه
[ ١ / ٦ ]
﷽
الحمدُ لله رب العالمين، الذي بَرَأ العبادَ وصوّرهم فأحسن صُوَرَهم، والذي أنعم عليهم بعظيم النِّعَم، وعافاهم من خَطير النِّقَم، وأجزل لهم العطاء، وامتَنَّ عليهم بمزيد السّخاء، ثم قهر العبادَ بالنقص والنسيان، والقصور عن بلوغ غاية الإتقان، ليكون هو وحدَه الربَّ المتفرِّدَ بصفات الكمال، المنزَّهَ عن صفات العيب والنقصان.
وصلَّى الله وسلَّم على سيدنا محمد بن عبد الله، صاحبِ المقام المحمود، الذي ميَّزه به ربُّه المعبود، يوم لا يغني والدٌ عن مولود، ولا وادٌّ عن مودُود، رزقنا الله شفاعته والشربَ من حَوضِه الكوثر المورود، برحمتِه سبحانَه وفضلِه المعهود، وبعدُ:
فإن كتاب أبي عبد الله الحاكم النيسابوري هذا الموسوم بـ "المستدرك على الصحيحين" لَيُعدُّ ديوانًا مهمًا من دواوين السنة النبوية المطهرة، بما اشتمل عليه من الروايات والطرق الفرائد، التي لم يسبقه إليها أحدٌ من أئمة الحديث، ولا غرو في ذلك؛ لأنه إنما استقى تلك الروايات والطُّرق الفريدة من مَوارد لم يشاركه فيها غيرُه؛ إذ كان بنيسابور، كبرى حواضر العالم الإسلامي في شتى العلوم آنذاك، ولا سيما علم الحديث، وتنقل أبو عبد الله بصبر وجَلَدٍ عزّ نظيره بين مدنها وقُراها ونواحيها، والْتقى بجمٍّ غفيرٍ من الشيوخ النيسابوريين الذين سجَّل أسماءهم في ديوانه المشهور الموسوم بـ "تاريخ نيسابور"، وترجم لكل منهم بترجمة تُظهر منزلتَه وحالَه.
وقد كان لأبي عبد الله الحاكم مصنفات جليلة في علم الحديث، وأجلُّها هذا الكتاب العظيم الذي سماه بـ "المستدرك على الصحيحين"، ولكن بالرغم من
[ ١ / ٧ ]
جلالة قدر هذا الكتاب فإنه لم يَنَل من العناية والتحقيق ما يستأهِلُه مثلُه من دواوين السُّنّة، فاستعنَّا بالله على خوض غِمار تحقيقه، ومقابلة أصوله الخطية، وتخريج نصوصه، وضبطه وشرحه.
وكنا قبل الشروع في تحقيق هذا الكتاب قد ظننّا باديَ الرأي - بنظرة عَجْلَى - أن الخطب فيه يسيرٌ، والعمل فيه هيِّن، ولا سيما أنّا قد حقَّقنا من قبله من كتب السنة ما ظنناه مُغنِيًا لنا عن الإطالة في هذا الكتاب؛ فعزمنا على أن نذكر عند كل حديثٍ في "المستدرك" نبذةً يَسيرةً نُظهر فيها الحُكم عليه وتخريجه من الكتب الستة مع "مسند أحمد" و"صحيح ابن حبان"، ثم نحيل القارئ إلى تحقيقاتنا لهذه الكتب السابقة، بحيث يجد فيها التوسعَ في الحكم على الحديث، والتخريجَ مستوفًى على الوجه الأتم الأكمل الذي يرتضيه أهل هذه الصناعة إن شاء الله.
ولكننا بعد قطع بعض مادّة هذا الكتاب تبيّن لنا أن الأمر بخلاف ما كنا نظنُّ، وأنَّ كثيرًا من أحاديثه هي بحاجة إلى مزيد من النظر والدراسة والبحث، ولا سيما وأن كثيرًا من رجاله الذين هم في طبقة متأخرة عن طبقة رجال الكتب الستة، يتطلب الأمر دراسة أحوالهم دراسة دقيقة وافية، وذلك أن كثيرًا منهم عثرنا على تراجمهم بعد التقصي والبحث الحثيث مبثوثةً في أثناء كتب التراجم والتاريخ والأنساب، ولم يُفرَد لهم تراجم واضحة تُظهر لنا حالتهم في رواية الحديث من حيث الضبط، خاصةً وأن كتاب "تاريخ نيسابور" لأبي عبد الله الحاكم مما لم يُعثَر عليه - حتى الآن - من كتب تراثنا الإسلامي الذي ربما يكون من جملة ما فُقِد أو تَلِف في بعض الكوائن السابقة المؤلمة التي عصفت ببلاد الإسلام؛ ككائنة التتار وغيرها.
وقد سَلِمَ لنا منه - بحمد الله - ما استصفاه الإمامُ أبو سعد السمعاني في كتابه الجليل الموسوم بـ "الأنساب الذي جعل كتاب "تاريخ نيسابور" للحاكم مِن أهم موارده في التراجم، فقد حرص على إيراد كثير من تراجم الرجال النيسابوريين
[ ١ / ٨ ]
منه، فحفظ لنا أكثر ما نحتاجه من ذلك، ووجدنا فيه طَلِبَتَنا في كثير من الأحيان.
كما كان للإمام الخطيب البغدادي في كتابه "تاريخ بغداد" عنايةٌ بنقل عدد من تراجم البغداديين من كتاب الحاكم "تاريخ نيسابور"، ممَّن رحل إلى نيسابور أو ورد إليها، فذكرهم الحاكمُ لأجل ذلك.
ولكن عددًا من رجال الحاكم في "المستدرك" لم نعثُر لهم على تراجم في شيء من كتب التراجم والتاريخ والأنساب، فتطلَّب ذلك منا إمضاء الساعات الطِّوال في دراسة أحوالهم؛ وذلك من خلال سَبْر مرويّات الراوي، ثم مطابقتها لروايات غيره من الثقات لمعرفة مدى ضبطه، وتَقصَّينا - بقدر الطاقة - عن الرجال الذين رَوَوا عنه وسَبَرنا أحوالهم، فتكوَّن لدينا عن كل راوٍ من هؤلاء نبذةٌ عن رواياته والرواة عنه، استطعنا من خلالها الوصول إلى حكم يناسبه إن شاء الله.
وظهر لنا أيضًا أن عددًا من طرق المصنِّف ورواياته فيها عللٌ ومخالفاتٌ، فتطلَّب الأمرُ دراستَها دراسةً دقيقةً، مما دعانا إلى التوسع في بيان الطرق والروايات لتبيين ذلك، بغية الوصول إلى الحكم الأصوب على تلك الروايات والطرق.
فنرجو من المولى ﷾ أن نكون قد وُفِّقنا في القيام بذلك، وأن نكون قد أنجزناه على أقرب وجهٍ، وأقوَم سبيلٍ، ونرجوه سبحانه أن يتقبل ذلك العملَ منا وأن يجعله في صحائف أعمالنا، فهو الكريم الذي لا يَخِيب سائلُه، ولا يُردُّ قاصدُه.
واللهَ تعالى نسألُ التوفيقَ والسدادَ دائمًا في القول والعمل، فإن كنا قد أَحسنّا الصنيعَ فمن الله وحدَه، وإن كنا قد أخلَلْنا ببعض ذلك فمن تقصيرنا وسهونا، وله الحمدُ سبحانه في الأولى والآخرة، وهو حسبُنا ونعم الوكيل.
ونقدِّم بين يدي هذا التحقيق فصولًا ومباحث مهمّة، تعرِّف بحال المصنّف أبي عبد الله الحاكم وكتابه "المستدرك"، فنقول - وبالله الاستعانة ومنه السداد والتوفيق -:
[ ١ / ٩ ]