ما إن تمَّ للحاكم الطلبُ، وبلغ في هذا العلم الشريف شأْوًا عظيمًا، حتَّى أَوفى على الغاية فيه، وصار إليه المُنتهى، فأمَّه طلبةُ العلم وقصدوا مجلسَه، من كل حَدَب وصَوْب يَنسِلون، فيَنهَلُون من مَعِينه الذي لا يَنضُب، ويَحرِصون على تسجيل فوائده، ويكتبون بإملائه الأجزاء تلو الأجزاء، فلم يكن لهم عنه مُستغنًى، ولا سيما
_________________
(١) "تاريخ الإسلام" ٨/ ٥٧٦، و"سير أعلام النبلاء" ١٦/ ٤٤٩.
[ ١ / ٥٤ ]
وأنه قد أدرك الأسانيد العالية التي لم تكن لغيره من الحفاظ، إذ رحل - كما تقدَّم - وهو في سنٍّ مبكّرةٍ في أصقاع متفرقة في الأقاليم الممتدة من بلاد ما وراء النهر حتَّى العراق، مما أتاح له لقاء شيوخٍ كبار لم يُقضَ لغيره من أقرانه السماعُ منهم.
فكان للحاكم تلامذة أفذاذٌ خَلَفُوه في هذا العلم، فأصبحوا ممن يُشار إليهم بالبَنان، وممن تُستحثُ المِطيُّ إليهم مِن كل مكان، فكانوا بحقٍّ خيرَ خَلَف لخير سَلَف، وقد أورد كثيرًا منهم عبدُ الغافر الفارسي في كتابه "السياق لتاريخ نيسابور" (^١) الذي ذيّل به علي كتاب "تاريخ نيسابور" للحاكم، حيث ذكر فيه طبقة تلامذة الحاكم فمَن بعدهم، ونقتصر هنا على ذكر أشهرهم، وهم:
١ - أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البَيهقي الخُسرَوْجِرْدي، المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربع مئة. واحدُ زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط، من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله الحافظ والمُكثرين عنه (^٢)، وقد اعتمد البيهقي في جُلِّ رواياته على ما رواه عن أبي عبد الله الحاكم، حتَّى إنه يمكن أن يكون استوفى أو كاد أن يستوفي جميع مروياته، وأودَعَها جميعًا في تصانيفه الشهيرة، حتَّى قال ابن كثير: أكثرَ البيهقي عنه، وبكتبه تفقّه وتخرّج، ومن بحره استمدّ، وعلى مِنواله مشي (^٣).
فإذا قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، فإنه يريدُه، والجدير بالذكر أن البيهقي هو أحدُ الذين سمعُوا على الحاكم كثيرًا من كتاب "المستدرك"، حيث كان يقول: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في كتاب "المستدرك" (^٤)، وأجازَه في باقيه،
_________________
(١) ولم يعثر على هذا الكتاب، لكن عُثر على "المنتخب من كتاب السياق" لإبراهيم بن محمد الصَّرِيفِيني. انظر "طبقات الشافعية الكبرى" لابن السبكي ١/ ٣٢٥.
(٢) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١٠٨.
(٣) "طبقات الفقهاء الشافعيين" ص ٣٥٨.
(٤) "سنن البيهقي الكبرى" ٢/ ٢٨١ و٣١٨ و٣/ ٣٥٥ و"شعب الإيمان" (١٨٧٠).
[ ١ / ٥٥ ]
كما صرَّح به في غير موضع من كتبه، وأحيانًا يقول: أنبأني أبو عبد الله الحافظ إجازةً، وقرأتُه من خطِّه فيما لم يُقرأ عليه من "المستدرك" (^١).
٢ - أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد النَّيسابوري الصابوني المتوفى سنة تسع وأربعين وأربع مئة (^٢). وهو ممن روى عن أبي عبد الله الحاكم كتبه، ك "تاريخ نيسابور" (^٣)، و"المدخل إلى معرفة الإكليل" (^٤)، وسائر تواليفه (^٥) وكان الحاكم يجلُّه ويُوقِّره، فقد قال البيهقي: عهدي بالحاكم الإمام أبي عبد الله مع تقدُّمه في السِّن والحفظ والإتقان أنه يقوم للأستاذ - يعني أبا عثمان - عند دخوله إليه، ويخاطبه بالأستاذ الأوحد، وينشر علمه وفضله، ويعيد كلامه في وعظه متعجِّبًا من حُسنِهِ مُعتدًّا بكونه من أصحابه (^٦).
٣ - أبو بكر أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن خَلَفَ الشِّيْرازي النَّيسابوري. المتوفى سنة سبع وثمانين وأربع مئة. سمَّعه أبوه أبو الحسن بن خلف من مشايخ عصره قديمًا، وطاف به عليهم حتَّى أدرك الأسانيد العالية، فسمع من أبي عبد الله الحاكم وحَدَّث عنه بجملة من مصنَّفاته (^٧)، ومنها هذا "المستدرك" (^٨)، وانفرد بالرواية في آخر عمره عن أكثر مشايخه من غير مشاركةٍ للبركة في عمره وروايته، حتَّى خُتم بموته حديث الحاكم أبي عبد الله (^٩).
_________________
(١) "سنن البيهقي الكبرى" ٨/ ٢٧٢ و١٠/ ١٢ و١٨٤، و"شعب الإيمان" (٦٨٦٦) و(٧٩٣١).
(٢) "المنتخب من كتاب السِّياق لتاريخ نيسابور" ص ١٣٨، و"الأنساب" نسبة (الصابوني).
(٣) "التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد" لابن نقطة الحنبلي ص ٢٠٦، و"بغية الطلب في تاريخ حلب" لابن العَدِيم ٢/ ٨٥٥ و٣/ ١٢٦٢ و١٤٨٦ و٦/ ٢٩٦٤.
(٤) "فهرسة ابن خير الإشبيلي" ص ١٩٢.
(٥) "فهرسة ابن خير" ص ٣٩٠.
(٦) "طبقات الشافعية الكبرى" ٤/ ٢٧٦.
(٧) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١١٦، و"التقييد" لابن نقطة الحنبلي ص ١٥٦.
(٨) انظر مثلًا "المعجم المفهرس" لابن حجر (٢٩).
(٩) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١١٦.
[ ١ / ٥٦ ]
٤ - أبو بكر محمد بن عبد العزيز بن أحمد السُّفياني الحِيرِي، المتوفى سنة إحدى وخمسين وأربع مئة. جمع مصنفات الحاكم وسمعها (^١)، ومن مسموعه كتاب "تاريخ نيسابور" (^٢)، وهذا "المستدرك" (^٣).
٥ - أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد الخَليلي القَزْويني، المتوفى سنة ست وأربعين وأربع مئة. وقد سأله أبو عبد الله الحاكم ممتحَنًا له لدى دخوله عليه عن مَسْألَة في بيان راوٍ في بعض الأسانيد، وأمهلَه أسبوعًا يتفكَّر فيه، وأجابه في اليوم الثاني، فتعجب الحاكمُ من إجابته وأثنى عليه (^٤)، وسأله عن حديث مختلف في تعيين صحابيِّه، فأجابه، فاستحسَن ذلك منه الحاكمُ واستجادَه (^٥). وقد سأل أبو يعلى شيخَه الحاكمَ عن أشياء من العلل وأحوال الرجال، وأوردها في كتابه "الإرشاد" أثناء التراجم (^٦).
٦ - أبو عثمان سعيد بن محمد بن أحمد بن محمد البَحِيري النَّيسابوري، المتوفى سنة إحدى وخمسين وأربع مئة (^٧). وهو من رواة كتاب "تاريخ نيسابور" أيضًا (^٨).
٧ - أبو سعيد مسعود بن علي بن معاذ السِّجْزي الوكيل النيسابوري، المتوفى سنة ثمان وثلاثين أو تسع وثلاثين وأربع مئة. كان من وجوه أصحاب أبي عبد الله الحاكم المكثرين عنه، وله عنه سؤالات مشهورة (^٩).
_________________
(١) "المنتخب من كتاب السياق" ص ٤٥.
(٢) "بغية الطلب في تاريخ حلب" ٣/ ١٢٦٢ و٦/ ٢٩٦٤، و"تاريخ الإسلام" ١١/ ١٧٣.
(٣) كما وقع مصرحًا به بين يدي الحديث (٦٢٤٧) في ذكر الأرقم بن أبي الأرقم من هذا الكتاب.
(٤) "الإرشاد" لأبي يعلى الخليلي ٣/ ٨٥٢ - ٨٥٣، و"التدوين في أخبار قزوين" ٢/ ٥٠٢.
(٥) "الإرشاد" ١/ ٣٠٣.
(٦) انظر مثلًا "الإرشاد" ١/ ٢٣٠ و٣/ ٨٣٢ و٨٤١ و٨٤٣ و٨٤٥ و٨٥٦ - ٨٥٧ و٨٦٣.
(٧) "المنتخب من كتاب السياق" ص ٢٤٨.
(٨) "بغية الطلب في تاريخ حلب" ٣/ ١٢٦٢ و٦/ ٢٩٦٤.
(٩) "المنتخب من كتاب السياق" ص ٤٧٢، و"تاريخ الإسلام" ٩/ ٥٧٨.
[ ١ / ٥٧ ]