لقد شهدت نيسابور في العصر الذي عاش فيه الإمام أبو عبد الله الحاكم حركةً علميةً واسعة النطاق، إذ كانت زاخرةً بأهل العلم من فقهاء ومحدثين ومفسرين وغيرهم من أرباب العلوم والمعارف، فلا تكاد تَجِد فنًّا من فنون العلم إلا وللنيسابوريين منه نَصيبٌ وافرٌ، ولا سيما في ذلك العصر.
وقد اعتنى سلاطينُ أولئك البلاد من السامانيين والغزنويين مِن بعدِهم ببناء المعاهد والمدارس ودُور العلم التي كانت تزخر دَومًا بطلبة العلم في شتى العلوم، وقرَّبوا العلماء، وأنزلوهم منازلَهم التي تَليق بهم، وعظَّموهم، وأكرموهم غاية الإكرام، وخصصوا لهم الأُعطيات، مما شجعهم على المكث في تلك البلاد، حتى قاموا بإفادة الطلبة الواردين إليهم من كل حدب وصوب، ولم يَضِنّوا بنشر علومهم، وبذل معارفهم لهم.
حتى إن أوّل من حُفظ عنه أنه بَنى مدرسةً في الإسلام هم أهلُ نَيسابور (^١).
ومن أهم تلك المدارس بنَيسابور: المدرسة البَيهقية، والمدرسة السعيدية التي بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود لما كان واليًا بنيسابور، ومدرسة ثالثة بناها أبو سعد إسماعيل بن علي بن المثنى الإستراباذي الواعظ الصوفي شيخ الخطيب، ومدرسةٌ رابعة أيضًا بُنيت للأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني التي قال عنها أبو عبد الله الحاكم: لم يُبْنَ بنيسابور قبلها مثلُها" (^٢). قال ابن السُّبكي: وهذا
_________________
(١) = الكَتِف، أو يُحيط بالبدن، خالٍ عن التفصيل والخياطة، أو هو ما يُعرَف في العامَّية بالشَّال. فارسي مُعرَّب تالسان أو تالشان. والعِمامة: ما يُلَفُّ على الرأس. والدَّرّاعة: ثَوبٌ من صوف وجُبّةٌ مشقوقةُ المُقدَّم. والأقبية: جمع قَبَاء، ثوبٌ يُلبَس فوق الثياب أو القميص، ويُتمَنْطَق عليه (أي: يُشَدُّ وسطه بشيءٍ). "المعجم الوسيط" ٢/ ٥٦١ مادة (طلس)، و٢/ ٦٢٩ مادة (عم)، و١/ ٢٨٠ مادة (درع)، و٢/ ٧١٣ مادة (قبو).
(٢) "المواعظ والاعتبار" لتقي الدين المقريزي ٤/ ١٩٩.
(٣) "طبقات الشافعية الكبرى" لتاج الدين بن السُّبكي ٤/ ٣١٤.
[ ١ / ١٦ ]
صريحٌ في أنه بُني قبلَها غيرُها (^١).
قلتُ: ومن مدارس نيسابور كذلك: مدرسة دار السُّنّة التي كان أبو عبد الله الحاكم يتولى أوقافها (^٢)، والظاهر أنها المدرسة التي عناها الحاكمُ بقوله في حديث النَّوّاس بن سِمعان في ذكر الدجال (^٣): حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب إملاءً في الجامع قبل بناء الدار للشيخ الإمام في شعبان سنة ثلاثين وثلاث مئة …
ومنها المدرسة النِّظَامية التي أنشأها الوزير نظام الملك الطُّوْسي (^٤).
ومن مدارسها المعروفة أيضًا: مدرسة سهل الصُّعْلُوكي، ومدرسة السُّيُوري، ومدرسة أبي العباس المشطي، ومدرسة إسماعيل الصابوني، ومدرسة أحمد الثعالبي، ومدرسة الحدَّاد، والمدرسة العمادية ومدرسة أصحاب الشافعي، والمدرسة القُشيرية، ومدرسة الشَّحّامي، إلى غيرها من المدارس التي انتشرت في أنحاء نيسابور (^٥).
وكان كثير من أهل العلم من بلاد ما وراء النهر ممن يقصد الحج والعمرة، أو مَن يريد الرحلةَ في طلب العلم إلى بعض بلاد الإسلام، كبغداد والشام ومصر والحجاز، يمرُّون في طريقهم على بلاد خراسان، فيهتَبِلُون فرصة مرورهم بها؛ فيلتقون بأهل العلم والمعرفة فيها بغية، تحصيل ما لديهم من فوائد علمية، ولا سيما نيسابور، التي كانت - كما قدّمنا - حاضرةً من كبرى حواضر العالم الإسلامي
_________________
(١) المصدر السابق ٤/ ٣١٤.
(٢) "المنتخب من كتاب السياق التاريخ نيسابور" ص ١٦.
(٣) "المستدرك" (٨٧١٨).
(٤) المصدر السابق ص ٦١ و١٤٦، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي ١٩/ ٩٤. وقد أشار الحاكمُ إلى هذه المدرسة في ترجمته لأبي منصور محمد بن محمد بن سمعان الحِيْريّ المذكِّر، وفي ترجمة حاجب بن أحمد الطوسي، كما في "الأنساب" للسمعاني نسبة (السمعاني) و(الطوسي).
(٥) "المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور" ص ٥٣ و٥٨ و٥٩ و٦٠ و٩١ و١٠١ و١٢٥ و١٥٣ و٢٥٥ و٣٩٧ و٤٥٢ و٤٥٨ و٤٧٦ و٥٠٣ و٥٠٨ و٥٢١.
[ ١ / ١٧ ]
في شتى العلوم، وبخاصة علوم الحديث، فقد قَطَنها عددٌ غير قليل من أولئك المحدِّثين الأفذاذ الذين كان يُشار إليهم بالبنان، ويُشاد بفضلهم في كل مكان.
وقد أورد الحاكم ذكرَ النيسابوريين من أهل العلم والرواية في كتابه الجليل "تاريخ نيسابور"، وهو من جُملة ما فُقد كما قدَّمنا، لكن سَلِم لنا - بحمد الله - مُلخّصه الذي صنعه أحمد بن محمد بن الحسن بن أحمد المعروف بالخليفة النَّيسابوري، حيث جاء في هذا المُلخَّص سَرْدُ أسماء أولئك النيسابوريين مُقسَّمين إلى طبقاتٍ.
وسنفرد إن شاء الله مطلبًا في ذكر أهم العلماء النيسابوريين الذين أدركهم الإمام أبو عبد الله الحاكم، ونَهَل من مَعِين مَعارفِهم، واستنزف ما لديهم من علوم، حتى بلغ تلك المكانة السامقة في أوساط علماء عصره.
[ ١ / ١٨ ]