رحل أبو عبد الله الحاكم في سماع الحديث إلى أقطار شتى، وطَوَّف البلادَ، وقد كانت أولى رحلاته تلك إلى طُوْس، وهي من مُدن خراسان القريبة من نَيسابور بلد الحاكم، فقد ذكر أنه دخلها سنة أربعين وثلاث مئة، كما في ترجمته لأبي أحمد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق الكَرَابيسي، المعروف بالحاكم أيضًا (^١)، وفيها سمع من شيخِه أبي النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه الذي كان بالطابَران إحدى بلدتَي طُوس (^٢).
ثم رحلَ بعدها إلى العراق سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة (^٣)، وكان في تلك السنة قاصدًا الحجَّ (^٤)، بصحبة جماعةٍ من العلماء، منهم أبو بكر محمد بن المُؤمَّل بن الحسن الماسَرْجِسِي، الذي ذكر الحاكم أنه كان معه ببغداد والحرمين سنة إحدى وأربعين (^٥)، وأبو الحسن عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن أحمد بن السَّكَن السَّكَني الأسَدي البُخاري، الذي قال عنه الحاكم: حججتُ أنا في تلك السنة، فرأيتُ له في الطريق مُروءةً ظاهرةً، وقبولًا تامًّا في العلم، والأخذ عنه (^٦).
وفي رحلته تلك إلى العراق مرَّ بهَمَذان، وفيها اجتمع بأبي عبد الله محمد بن صالح بن محمد بن سعد المَعَافِري الأندلسي، كما ذكر في ترجمته له، وأنَّ ذلك كان في شوال من تلك السنة (^٧).
_________________
(١) "تاريخ دمشق" ٥٥/ ١٥٧.
(٢) "الأنساب" نسبة (الطوسي)، و"معجم البلدان" الياقوت الحموي ٤/ ٣ و٤٩. وثاني البلدتَين هي نَوْقان. وتقع طُوس اليوم في جمهورية إيران، وهي شرق نيسابور، وتبعد عنها مسافة ٨٠ كم تقريبًا.
(٣) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١٦.
(٤) "الأنساب" نسبة (السكني).
(٥) "الأنساب" نسبة (الماسرجسي).
(٦) "الأنساب" نسبة (السكني).
(٧) "الأنساب" نسبة (القحطاني). ومن اللطائف أن أبا عبد الله الأندلسي هذا توفي ببُخارى، وأين =
[ ١ / ٢٧ ]
ثم مرَّ الحاكم بعد ذلك بأسَدَاباذ، كما ذكر في ترجمته للزبير بن عبد الواحد الأَسَدَاباذي (^١)، غير أنه ذكر التاريخ هنا على الشك، فقال: سنة إحدى أو اثنتين وأربعين. قلنا: الصحيح: إحدى وأربعين، لأن أسَدَاباذ في آخر إقليم الجبال على طريق القوافل من نيسابور إلى العراق، وإنما كانت رحلته سنة اثنتين وأربعين في بلاد خراسان كما سيأتي. اللهم إلا أن يكون شكُّه في سماعه منه في طريق الذهاب إلى العراق، أو في طريق العودة منه، لأن ذهابه إلى العراق كان في سنة إحدى وأربعين، وعودته من العراق بعد الحجِّ سنة اثنتين وأربعين.
ثم دخل في تلك السنة - أي سنة إحدى وأربعين - بغداد، كما قال في ترجمته لأبي محمد عبد الصمد بن محمد بن عبد الله بن حيَّوَيهِ البخاريّ: انصرف إلى بغداد سنة أربعين، ودخلتها وهو بها سنة إحدى وأربعين (^٢).
ولقي الحاكم ببغداد في تلك الرحلة جماعةً من كبار الحفاظ والمحدّثين، منهم: أبو عمرو بن السَّمَاك، وأحمد بن سلمان النَّجاد، وأبو سهل بن زياد، ودَعْلَج بن أحمد، ونحوهم من الشيوخ (^٣)، ومنهم كذلك أبو يعقوب يوسف بن إسماعيل بن يوسف الساوِيّ (^٤)، ومنهم أيضًا أبو طاهر عبد الواحد بن علي بن محمد النجار (^٥)، وأبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله العَدْل الأصبهاني (^٦).
_________________
(١) = الأندلس من بُخارى، فيا لَله على تلك الهمة!!
(٢) "تاريخ دمشق" لابن عساكر ١٨/ ٣٣١.
(٣) "تاريخ دمشق" لابن عساكر ٣٦/ ٢٥٦.
(٤) "تاريخ بغداد" للخطيب ٣/ ٥٠٩. وفي تلك السَّنة أرّخ لنا الحاكم في بغداد سماعًا له من أبي عمرو بن السَّمّاك في خبر رواه عن ابن عُمر في القادسية، أخرجه عنه البيهقي في "دلائل النبوة" ٥/ ٤٢٥.
(٥) "الأنساب" نسبة (الساوي).
(٦) "ذيل تاريخ بغداد" لابن النجار ١٦/ ١٦١.
(٧) "تاريخ بغداد" ٧/ ٤٥.
[ ١ / ٢٨ ]
وفي تلك الرحلة دخل الكوفة أيضًا، وفي ذلك يقول: قد كنت دخلت الكوفة أولَ ما دخلتُها سنة إحدى وأربعين، وكان أبو الحسن بن عقبة الشَّيباني يدلُّني على مساجد الصحابة، فذهبت إلى مساجدَ كثيرةٍ منها، وهي إذ ذاك عامرةٌ، وكنا نأوي إلى مسجد جَرير بن عبد الله في بَجِيلة (^١). ولقي بالكوفة في تلك الرحلة أبا الأصبغ عبد العزيز بن عبد الملك بن نصر الأندلسي، كما في ترجمته له (^٢).
ثم كان للحاكم بعد ذلك رحلةٌ ثالثةٌ إلى سائر بلدان خراسان سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة، فقد رحل في تلك السنة إلى مَرْو إحدى كبرى مدن خراسان الأربعة، كما ذكر وهو يتحدَّث عن شيخه أبي بكر بن أبي نصر - وهو محمد بن أحمد بن حاتم الدارَبردي -: رحلتُ إلى مَرْو أولَ ما دخلتُها سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة، وليس بها من يُقدَّم عليه في الصدق والعدالة، وكان من مُزَكِّيها (^٣).
وفي هذه السنة رحل إلى طُوْس، كما في ترجمته لأبي سعد أسد بن رُستم الرُّستمي الهَرَوي (^٤).
ثم كان له رحلةٌ أخرى إلى بلاد خراسان سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة، وهي التي ذكرها عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي مقتصِرًا عليها (^٥)، ومن هذه البلاد طوس أيضًا، وقد أشار الحاكم إلى ذلك لدى ترجمته لأبي حاتم أحمد بن محمد بن حاتم الحاتمي، حيث قال: وأتانا بالطابَران سنة ثلاث وأربعين، وعُقِد له المجلسُ للنظر والتدريس (^٦). قلنا: والطابَران إحدى بلدتي طُوسٍ كما قدَّمنا.
_________________
(١) "معرفة علوم الحديث" ص ١٩١ - ١٩٢.
(٢) "الأنساب" نسبة (الأندلسي). ومن لطيف الإشارة أن أبا الأصبغ الأندلسي هذا توفي ببُخارى أيضًا، وأين الأندلس من بُخارى، فتلك هِمة ما بعدها من هِمّة!
(٣) "سؤالات السجزي لأبي عبد الله الحاكم" (٢٩٣).
(٤) "الأنساب" نسبة (الرستمي).
(٥) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١٦.
(٦) "الأنساب" نسبة (الحاتمي).
[ ١ / ٢٩ ]
ومن بلاد خراسان التي قصدها في تلك السنة أيضًا مَرْو، نبّه على ذلك الحاكم في أثناء ترجمته لابن خالِ أمِّه أبي صالح محمد بن عيسى بن محمد بن عيسى العارض، حيث قال: كتبتُ عنه بنيسابور غيرَ مرة، ثم كتبنا عنه بمَرْو، ونظرتُ في كتبه بها سنة ثلاث وأربعين (^١).
وقد بيَّن الحاكم لدى ترجمته لأبي علي الحسين بن سابُور المُفِيد، مدة إقامته في تلك الرحلة بمَرو سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة؛ أنها كانت سبعة أشهر (^٢).
ومن مدن خراسان التي شدَّ إليها الحاكمُ رحالَه في تلك السنة سَرْخَسُ، فقد قال لدى ترجمته لأبي علي زاهر بن أحمد السَّرْخَسي: دخلت سَرْخَس أولَ ما دخلتها سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة، ودخلتُها بعد ذلك سبعَ مرات (^٣).
ثم في سنة خمس وأربعين وثلاث مئة رحل الحاكم إلى العراق والحجاز رحلتَه الثانية، وذَكَر في "تاريخه" هذه الرحلة، وأنه كان إذ ذاك في طريقه للحج أيضًا، كما في ترجمته لأبي علي الحسين بن يحيى بن زكريا الإسْفِينْقاني، وترجمته لأبي محمد صالح بن محمد التِّرمذي (^٤)، وكما في ترجمته كذلك لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن بشر الفقيه المزكِّي (^٥).
ومرَّ في تلك الرحلة بأسَدَاباذ للمرة الثانية، كما في ترجمته للزبير بن عبد الواحد الأسَدَاباذي (^٦)، غير أنه ذكر التاريخ فيها على الشك، فقال: سنة خمس أو ست وأربعين. قلنا: الصحيح سنة خمس وأربعين، اللهم إلا أن يكون شكُّه في
_________________
(١) "الأنساب" نسبة (العارض).
(٢) "الأنساب" نسبة (المفيد).
(٣) "طبقات الشافعية" لابن السبكي ٣/ ٢٩٤. وسرخس هذه تقع اليوم في جمهورية تركمانستان وهي شرقيّ نيسابور، وتبعد عنها مسافة ٢٧٠ كم تقريبًا؛ أي: مسيرة سبعة أيام في ذلك الزمان.
(٤) "الأنساب" نسبة (الإسفينقاني) و(الترمذيّ).
(٥) "الجواهر المضية في طبقات الحنفية" لعبد القادر بن محمد القرشي ٢/ ٨.
(٦) "تاريخ دمشق" لابن عساكر ١٨/ ٣٣١.
[ ١ / ٣٠ ]
سماعه منه في طريق الذهاب إلى العراق، أو في طريق العودة منه، لأنَّ ذهابه إلى العراق كان في سنة خمس وأربعين، وعودته منه بعد الحج كانت سنة ست وأربعين.
وذكر أنه في رحلته الثانية تلك اجتمع ببغداد بالقاضي أبي بكر محمد بن عمر الجِعَابي الحافظ، وذاكَرَه في مجالس كثيرة (^١).
وفيها دخل الكوفة دخلتَه الثانيةَ، وفي ذلك يقول: ثم دخلتُها - أي: الكوفة - سنة خمس وأربعين، ومسجد ابن عُقْبة قد خرب، فكان أبو القاسم السَّكُوني يأخذ بيدي في الجامع، فيدور معي على الأسطوانات، فيقول: هذه أسطوانة جرير، وهذه أسطوانة عبد الله، وهذه أسطوانة البراء، وقد عرفتُ منها ما عَرَّفَنيهِ ذلك الشيحُ ﵀ (^٢).
ثم عاد الحاكم من رحلته هذه أدراجَه إلى بلده نيسابور، ليرحل في السنة التي تليها - أي: سنة ست وأربعين وثلاث مئة - إلى مَرْو، كما أشار إلى ذلك عند ترجمته لبكر بن محمد الصَّيرفي المروزي، حيث قال: أقمتُ عليه سنَة ست وأربعين وثلاث مئة، ونظرتُ في أكثر كتبه إلى أن وَرِثَ من مولّى له مات بسَمرقند (^٣) ميراثًا، وتأهَّب للخروج بنفسه في طلب ذلك الميراث، فشَيَّعتُه إلى كُشْمِيهَن، وقرأت عليه بها البقايا التي كانت بقيتُ عليَّ (^٤). وكُشميهن: قرية كانت عظيمةً من قرى مَرْو على طرف البَرّية آخرَ عَمَل مَرُو، لمن يريدُ قَصْدَ آمَلَ جِيحُون (^٥). يعني أن الحاكم شيَّع شيخه بكر بن محمد الصيرفي في مسيره إلى سَمَرقند، ورافقه من مرو حتَّى كُشِميهَن التي هي إحدى قُراها.
_________________
(١) "معرفة علوم الحديث" ص ١٨٨.
(٢) "معرفة علوم الحديث" ص ١٩٢.
(٣) هي بعض بلاد ما وراء النهر؛ أي: نهر جِيحُون. وتقع اليومَ في جمهورية أوزبكستان.
(٤) "الأنساب" نسبة (الدخمسيني).
(٥) "معجم البلدان" الياقوت ٤/ ٤٦٣. وقد خَرِبَت كشميهن قديمًا، خرَّبها الرمل، وبينها وبين مرو خمسة فراسخ؛ أي: ٢٩ كم تقريبًا.
[ ١ / ٣١ ]
ثم لم يسجَّل للحاكم بعد سنة ست وأربعين وثلاث مئة رحلةٌ إلى شيء من البلاد، حتَّى دخلت سنة خمس وخمسين وثلاث مئة، فالظاهر أنه بقي بنيسابور في تلك الفترة ولم يخرج منها.
ولما دخلت سنة خمس وخمسين وثلاث مئة استأنف أبو عبد الله الحاكم رحلاته، غير أنه في هذه المرّة آثَر الرحيلَ إلى بُخَارى وغيرها من بلاد ما وراء النهر - أي: نهر جيحون - كما أرّخ ذلك هو نفسه في ترجمته لأبي بكر محمد بن أحمد بن هارون الرِّيوَنْدِي، وأبي القاسم عبيد الله بن محمد بن أحمد الكَلَاباذي (^١).
وقد مكث الحاكم في تلك الرحلة ببُخارى سِنِين، كما صرّح بذلك في ترجمته لأبي بكر محمد بن خالد بن الحسن المُطَوّعي البخاريّ (^٢).
وقال في ترجمته لأبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين الطُّوسي: سكن بُخارى إلى أن دفنتُه بها، وكان يسكن معنا إلى أن توفي في منزلي ببخارى ليلة الجمعة النصف من صفر سنة سبع وخمسين وثلاث مئة (^٣).
وقال أيضًا في ترجمته لأبي حامد أحمد بن يوسف بن عبد الرحمن الصوفي المعروف بالأشقر: آخر ما فارقتُه ببُخارى، فإنا اجتمعنا بها سنة خمس أو ست وخمسين، ثم خرج منها إلى الحج سنة سبع وخمسين، وأنا بها (^٤).
ثم عاد الحاكمُ بعد مَكْثه في بخارى تلك السنين إلى وطنه نيسابور، لكن لم يتبين لنا على وجه التحديد متى عاد، غير أن الغالب أنه في سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة كان فيها.
_________________
(١) "الأنساب" نسبة (الرِّيوَنْدي) و(الكَلاباذي). وبخارى اليوم مدينة عامرة في غرب جمهورية أوزبكستان، بينها وبين نيسابور مسافة ٨٠٠ كم تقريبًا، وتقع مزو في وسط الطريق بينهما في جمهورية تركمانستان.
(٢) "الأنساب" نسبة (المطوعي).
(٣) "الأنساب" نسبة (المسافري).
(٤) "الأنساب" نسبة (الأشقر).
[ ١ / ٣٢ ]
وذلك أنه أرّخ لنا رحيلَه من نيسابور إلى بُخارى سنة تسع وخمسين، كما في ترجمته لأبي محمد عبد الله بن علي بن عبد الله القاضي الطبري، حيث قال: ورد نيسابورَ غيرَ مرة، وآخرُها أني صحِبتُه سنة تسع وخمسين وثلاث مئة من نيسابور إلى بخارى (^١). فتكون هذه رحلتَه الثانيةَ إلى بُخارى.
وجاء في ترجمته لأبي يعلى محمد بن طاهر بن علي الأصبهاني أنه كان ببخارى لما توفي أبو يعلى سنة تسع وخمسين (^٢).
لكن أرّخ لنا الحاكم أنه كان في سنة تسع وخمسين وثلاث مئة في مَرُو ثم في نَسَا، يعني أنه كان في خراسان في تلك السنة، فقد قال في ترجمته لأبي عمرو عثمان بن عمران بن الحارث المقدسي: آخر عهدي به في مجلس أبي العباس المحمودي بمَرْو سنة تسع وخمسين وثلاث مئة، ثم جاءنا نعيُه وأنا بنَسَا في هذه السنة (^٣).
وثبت أيضًا أن الحاكم في هذه السَّنة قُلّد القضاء بنَسَا في أيام السامانيّة ووزارة العُتْبِي (^٤). فكيف يجتمع أنه رحل من نيسابور إلى بخارى، ثم يكون في مرو ونَسَا، بل قاضيًا في نَسَا في تلك السنة نفسها؟!
فالظاهر أن الحاكم رحل أولَ تلك السنة قاصدًا بُخارى، ومرَّ في طريقه بنَسَا، حيث قُلِّد فيها القضاء لفترةٍ وجيزةٍ، ثم كأنه استَعْفَى من القضاء فأُعفِي، ليُكمل طريقَه مرورًا بمَرُو، حتَّى وصل إلى بخارى في تلك السنة، حيث بقي فيها حتَّى دخلت عليه سنة ستين وثلاث مئة، كما في ترجمته لأبي العباس أحمد بن محمد
_________________
(١) "تبيين كذب المفتري" ص ١٨٢.
(٢) "تاريخ دمشق" ٥٣/ ٢٨٠.
(٣) "تاريخ دمشق" ٤٠/ ٨: قلنا: ونَسَا من مدن خراسان كذلك، وهي اليوم في جمهورية تركمانستان إلى الجنوب الغربي من عاصمتها عشق آباد على بعد ١٨ كم تقريبًا، وهي خَرِبة، وتقع إلى الشمال من نيسابور على مسافة ٢٥٠ كم تقريبًا، وإلى الغرب من مرو على مسافة ٣٥٠ كم تقريبًا.
(٤) "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر ص ٢٢٩.
[ ١ / ٣٣ ]
ابن صالح المنصوري، حيث قال: ورد في جملة الرسُل الذين خرجوا إلى بُخارى سنة ستين وثلاث مئة، وكنتُ أنا ببخارى، فكتبتُ عنه وعن جماعة منهم ببُخاري (^١).
ثم رجع الحاكم في سنة ستين وثلاث مئة من بُخارى عائدًا إلى نَسَا، فقد أرّخ لنا حضورَه فيها في تلك السنة، كما في ترجمته لأبي عمرو محمد بن جعفر بن محمد بن مطر المَطَري النيسابوري، حيث ذكر أنه توفي سنة ستين وثلاث مئة، قال: جاءنا نَعيُه وأنا بِنَسَا (^٢)، وكذلك قال في ترجمته لأبي جعفر محمد بن جعفر إبراهيم بن عيسى النَّسَوي الفقيه: من أهل الرامَرَان، وهي قرية على أقلَّ من فرسخ من مدينة نَسَا، توفي في قريته وأنا بها في رجب من سنة ستين وثلاث مئة (^٣).
ثم كأنه لا زال في نَسَا حتَّى دخل عليه شهر رمضان من تلك السنة، كما أشار إليه في ترجمته لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى الخازن الرازي، حيث ذكر أنه لدى وفاة أبي عبد الله الخازن في شهر رمضان من سنة ستين وثلاث مئة كان بنَسَا (^٤). ويحتمل هنا أن يكون بقي بعد ذلك مقيمًا بها، أو أن يكون عاد بعدها إلى نيسابور.
ثم كان له في السنة التي بعدها - أي: سنة إحدى وستين - رحلةٌ ثالثةٌ إلى بُخارى، فقد ذكر أثناء ترجمته لأبي عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مَنْدَه الأصبهاني أنه التقى به ببُخارى سنة إحدى وستين وثلاث مئة (^٥).
لكنه أرَّخ لنا حُضورَه في نَسَا في تلك السنة أيضًا، كما في ترجمته لأبي الفضل
_________________
(١) "الأنساب" نسبة (المنصوري).
(٢) "الأنساب" نسبة (المطري).
(٣) "الأنساب" نسبة (الرامراني)، و"تاريخ دمشق" ٥٢/ ٢٠٩.
(٤) "الأنساب" نسبة (الخازن).
(٥) "تاريخ دمشق" ٥٢/ ٣١.
[ ١ / ٣٤ ]
أحمد بن محمد بن حَمدُون الشَّرْمَقَاني، حيث قال: آخر ما فارقتُه بنَسا في رجب سنة إحدى وستين وثلاث مئة (^١). فكيف يلتئمُ هذا وذاك؟ الظاهر أنه بعد أن مَكَث بنَسَا تلك الأشهر فارقَها في رجب تلك السنة ليعود إلى بُخارى مرةً أخرى، أو أنه رجَع إلى بلده نيسابور أولًا، إذ ليست نَسَا ببعيدة عن نيسابور نسبيًّا، ليبقى فيها مدةً، ثم انطلق منها إلى بُخارى في تلك الرحلة الثالثة.
وكان الحاكم في أثناء رحلاته إلى بُخارى يمرُّ ببِيكَنْد، وهي من أُولى بلاد ما وراء النهر للذاهب إلى بُخارى (^٢)، فقد صرّح الحاكم في بعض رواياته بسماعه في بيكند من أبي محمد أحمد بن محمد بن واصل المُطَّوِّعي. ولم يتبين لنا تاريخ حضوره فيها، لكن لكونها على طريقه إلى بُخارى لا بدّ أن يكون وردها في سائر رحلاته إلى بُخارى.
إذًا فقد تعددت رحلات الحاكم إلى بلاد خُراسان وبلاد ما وراء النهر؛ ذهابًا وإيابًا، في تلك السنوات الثلاث من سنة تسع وخمسين إلى سنة إحدى وستين.
والظاهر أن طريقه في معظم رحلاته إلى بُخارى وبلاد ما وراء النهر كان من جهة نَسَا، ثم مُرورًا بمَرُو، مجتازًا إلى بيِكَنْد، وصولًا إلى بُخارى، وربما يكون طريقُه في بعض رحلاته من نيسابور إلى بُخارى من جهة طُوس ثم سَرْخَس ثم مَرْو، مجتازًا نهر جيحون إلى بِيكند فبُخارى؛ فهما طريقان معروفتان إلى بلاد ما وراء النهر، ومما يدلُّ على خروج الحاكم أحيانًا إلى بلاد ما وراء النهر من هذه الطريق الثانية، قولُه في ترجمته لأبي علي زاهر بن أحمد السَّرْخَسِي: دخلت سَرْخَس أولَ ما دخلتها سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة، ودخلتُها بعد ذلك سبعَ مرات (^٣). وهذا
_________________
(١) "الأنساب" نسبة (الشرمقاني).
(٢) بينهما خمسة فراسخ؛ أي: ما يقارب ٢٩ كم.
(٣) "طبقات الشافعية الكبرى" لابن السبكي ٣/ ٢٩٤. وسرخس اليوم كما سبق تقع في جمهورية تركمانستان على مسافة ٢٧٠ كم تقريبًا من نيسابور.
[ ١ / ٣٥ ]
يحتمل أمرين: إما أن يكون قصد سَرْخَس خاصةً، أو يكون مرَّ بها وهو في طريقه إلى بُخارى، والله تعالى أعلم.
ومن بلدان خراسان التي أمَّها أبو عبد الله الحاكم كذلك، ولم يتبيّن لنا تاريخُ حضوره فيها: أَبِيوَرْد، كما في ترجمته لأبي نصر منصور بن محمد بن أحمد بن حرب الحَرْبي البُخاريّ (^١). والظاهر أن دخوله إليها كان في أثناء رحلاته بين نَسَا ومَرْو وبُخارى، فهي على الطريق بين نسا ومرو، والله أعلم.
ومنها بَيْهَقُ كذلك، وهي ناحية من نواحي نيسابور، فيها قرى كثيرة مجتمعة، من أشهرها خُسْرَوْجِرْد (^٢)، وقد صرّح بسماعه في بَيْهَق من أبي الطيب طاهر بن يحيى البيهقي في بعض رواياته عنه في "المستدرك" (^٣)، ومن أبي الفضل أحمد بن محمد الخَواتيمي كما في رواية للبيهقي (^٤) عن أبي عبد الله الحاكم، وذكر أنه كتب بخُسْرَوْجِرْد عن أبي حامد أحمد بن محمد بن الحسين الخُسْرَوْجِرْدي الخطيب (^٥). والظاهر أن حضوره إلى بيهق كان في أثناء رحلاته إلى العراق والحجاز، فهي على طريق القوافل من نيسابور إلى العراق.
فهذه أهم بلدان ومدن خراسان وبلاد ما وراء النهر التي رحل إليها أبو عبد الله الحاكم، رغبةً منه في لقاء شيوخها وحُفّاظها، وتحصيل مسموعاتهم ومرويّاتهم.
لكن الغريب اللافت للنظر أنه لم يُسجَّل لنا دخولُ الحاكم لبَلْخ ولا لهَرَاة، مع كونهما من كبرى مدن خراسان، والظاهر أن ذلك يعود لسببين:
_________________
(١) "الأنساب" نسبة (الحربي). وأبيورد قريبة من نَسَا إلى الشرق منها، فهي في جمهورية تركمانستان أيضًا.
(٢) "الأنساب" نسبة (البيهقي). وبيهق الآن مدينة في جمهورية إيران، وتسمَّى سيزوار، وهي إلى الغرب من نيسابور وتبعد عنها مسافة ١١٠ كم تقريبًا، وخسروجرد قصبتها في غربيِّها.
(٣) "المستدرك" (١٢٩) و(٣٣٣٨).
(٤) في "شعب الإيمان" (٩٠٥٨).
(٥) "الأنساب" نسبة (الخُسْرَوْجِرْدي).
[ ١ / ٣٦ ]
١ - أن نيسابور بوصفها كانت كبرى مدن خراسان، فكان يؤمُّها أهلُ بَلْخ وهَرَاة، فكان يتهيأ لأبي عبد الله الحاكم اللقاءُ بهم فيها، فيستريح بذلك من عناء الرحلة إليهم.
٢ - أن نيسابور كانت على أهمِّ طريق لأهل تلك النواحي لدى ذهابهم إلى الحج، فكان لا بدَّ لهم من العُبور من خلالها، فكانت لهم محطةً يَستريحون فيها لأيام، بل كان ينطلق معهم من أهل نيسابور جماعةٌ بقصد الحج أيضًا، وبذلك كان يُتاحُ للحاكم السماعُ من الشيوخ البلخيين والهرويين وغيرهم من أهل تلك النواحي المارِّين بنيسابور، كما أشار إليه الحاكمُ في ترجمته لأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد الشَّمّاخي الصَّفّار الهَرَوي (^١)، وترجمته لأبي نصر محمد بن محمد بن حامد التِّرمِذي الزاهد (^٢)، وترجمته لأبي حامد أحمد بن محمد بن شارَك الفقيه الهَرَوي (^٣). وربما كان يخرج بصحبتهم للحج، فيَسمع منهم في الطريق؛ فلا يحتاج بعد ذلك إلى الرحيل إليهم، ولو علم عندهم زيادةً على ما سمعه لرحل في تحصيل ذلك، ولا سيما أنه رحل إلى عددٍ من بلاد ما وراء النهر، وهي أبعدُ في المسافة من هَرَاة بمراحل طويلة، والله تعالى أعلم.
وبعد ذلك في سنة خمس وستين أرّخ لنا الحاكمُ رحلتَه الثالثة إلى الحج، كما في ترجمته لأبي مسلم عبد الرحمن بن محمد بن عبد عبد الله بن مِهْران البغدادي، حيث قال: وفي سنة خمس وستين في الحج طلبتُه في القوافل، فأخفَى نفسَه، فحججتُ سنة سبع وستين، وعندي أنه بمكة، فقالوا: هو ببغداد، فاستوحشتُ من ذلك وتَطلَّبتُه (^٤). قلنا: لكن لم يُسجِّل لنا الحاكم في سنة خمس وستين حُضورَه في
_________________
(١) "الأنساب" نسبة (الشماخي).
(٢) "تاريخ بغداد" ٤/ ٣٥٥. وترمذ قريبة جدًّا من بلخ.
(٣) "طبقات الشافعية الكبرى" لابن السبكي ٣/ ٤٥.
(٤) "سير أعلام النبلاء" ١٦/ ٣٣٦.
[ ١ / ٣٧ ]
شيء من البلاد الواقعة بين نيسابور والعراق، ولا حتَّى في العراق الذي كان حريصًا على المرور به والمكث فيه لمدة كلما أراد الحجّ، بل ذكر الحاكمُ في حديثه عن رحلته التالية إلى الحج سنة سبع وستين أنه دخل فيها بغداد الكرةَ الثالثة، فهذا كالنص على أنه لم يدخل بغداد سنة خمس وستين، لأنَّهُ لو دخلها لكان دخوله إليها الكرة الرابعة لا الثالثة، والظاهر أن ذلك لكون رحلته في سنة خمس وستين كانت عاجلةً لم يتمكن خلالها من المكث في العراق، وذلك لأن خروجه إلى الحج كان في تلك السنة بعد شهر رجب، كما في ترجمته لأبي علي الحسين بن محمد الماسَرْجِسيّ الذي ذكر أنه توفي في العاشر من رجب في تلك السنة، وأنه شهد جنازته (^١)، فلم تَتسنَّ للحاكم الفرصةُ للمرور بالبلاد التي كان يمرُّ بها عادةً في طريقه إلى الحج، والله أعلم.
ثم كان للحاكم رحلةٌ رابعةٌ إلى الحج، وهي الرحلةُ الثالثةُ إلى العراق، سجَّلها لنا مؤرّخةً بسنة سبع وستين وثلاث مئة، كما في ترجمته لأبي القاسم الآبَنْدُوني (^٢)، وترجمته لأبي القاسم عبد العزيز بن الحسن الدّارَكِي (^٣)، ونصَّ في ترجمة الأول منهما على أنها الكَرّةُ الثالثةُ التي دخل فيها بغداد، وذكر أنه كان قد أراد الحج في تلك الرحلة أيضًا، نَبَّه على ذلك في ترجمته لأبي مسلم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن مِهْران البغدادي المذكورُ قريبًا، وفي ترجمته لأبي منصور محمد بن حامد بن محمد الغالي النيسابوري، حيث قال: توفي أبو منصور بن غالية سنة سبع وستين وثلاث مئة، وأنا في طريق الحج (^٤).
وفي رحلة الحاكم هذه مرَّ بعدد من المدن والبلدان الواقعة في طريقه، ومنها:
_________________
(١) "تاريخ دمشق" ١٤/ ٢٩٤.
(٢) "الأنساب" نسبة (الآبندوني).
(٣) "الأنساب" نسبة (الداركي).
(٤) "الأنساب" نسبة (الغالي).
[ ١ / ٣٨ ]
الرَّيُّ التي ذكر دخوله إليها في تلك السنة، كما في ترجمته لأبي بكر محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن شاذان (^١).
ومنها: أَسَدَاباذ، دخلها للمرة الثالثة، حيث أرّخ دخولَه إليها في تلك السنة أيضًا، كما في ترجمته لأبي عبد الله الزبير بن عبد الواحد الأسَدَاباذي (^٢).
وعند مُنصَرَفِه من الحج في تلك السَّنة بقي ببغداد زيادةً على أربعة أشهر، كما صرَّح الحاكم نفسُه بذلك، وأنه أُتيح له خلالَها مُلازمةَ الإمام الحافظ أبي الحسن علي بن عمر الدارقطنيِّ، ومُناظرته، حتَّى رَضِيَه الدارقطنيُّ (^٣). وهذا يعني أنه مكث في بغداد في تلك الفترة، حتَّى دخلت عليه سنة ثمان وستين وثلاث مئة.
كما أُتيح له في أثناء هذه الإقامة في بغداد سماعُ جملة "مسند الإمام أحمد" من أبي بكر بن مالك القَطِيعي، كما نصّ على ذلك أبو حازم العبدَوي - أحد تلامذة أبي عبد الله الحاكم - (^٤)، وأبو بكر القَطِيعي هذا هو راوي "المسند" عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه.
والجدير بالذِّكر هنا أن الإمام الحاكم كان في هذه الرحلة قد تقدَّمت سنُّه، وعلا في العلم كعبُه، وبلغ فيه شأوًا عظيمًا، فلم تكن رحلته للإفادة من شيوخ العراق ومحدِّثيها وحسبُ، إنما تَصدّر لمجالس السَّماع، وأصبح مَهوى أفئدة العلماء، ومَقصِدَ طلبة العلم في تلك الديار التي رَحَل إليها، فأقدموا عليه راغبين في السماع والإفادة منه، وحرَصُوا على تلقّي ما لديه من نفيس المرويات التي استفادها من
_________________
(١) "تاريخ بغداد" ٣/ ٤٩٦. وتقع الري اليوم ضمن جمهورية إيران قريبًا من العاصمة طهران على بعد ٦ كم في الجنوب الشرقي منها.
(٢) "الأنساب" نسبة (الأسداباذي)، و"تاريخ دمشق" ١٨/ ٣٣١. وهي في غربيّ هَمَذان بإيران، تبعد عنها مسافة ٤٠ كم تقريبًا.
(٣) "الإرشاد في معرفة علماء الحديث" ٢/ ٨٥٢، ومقدمة محمد بن طاهر المقدسي على "الغرائب والأفراد للدارقطني" ص ٢١، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر ٤٣/ ٩٦.
(٤) "خصائص مسند الإمام أحمد" لأبي موسى المَدِيني ص ١٢.
[ ١ / ٣٩ ]
شيوخه الخُراسانيين وغيرهم من شيوخ بلاد ما وراء النهر، وكان من جملة من أفاد منه في تلك الرحلة شيخُه الدارقطني نفسُه، وفي هذا الصَّدد يقول الخطيب البغدادي: قدم بغداد في شَبِيبته، فكتب بها عن أبي عمرو بن السَّمّاك، وأحمد بن سلمان النَّجّاد، وأبي سهل بن زياد، ودَعْلَج بن أحمد، ونحوهم من الشيوخ، ثم وَرَدَها وقد عَلَتْ سِنُّه، فحدَّث بها عن أبي العباس الأصمّ، وأبي عبد الله بن الأخرم، وأبي علي الحافظ، ومحمد بن صالح بن هانئ، وغيرهم من شيوخ، خراسان، روى عنه: الدارقطنيُّ، وحدَّثَنا عنه محمد بن أبي الفَوَارس، والقاضي أبو العلاء الواسطي، وغيرهما (^١).
وذكر أبو يعلى الخليلي للحاكم رحلةً إلى العراق والحجاز في سنة ثمان وستين وثلاث مئة (^٢)، وعَدَّها الرحلةَ الثانيةَ، وقد أخطأ أبو يعلى الخليلي في ذلك في أمرين:
أولهما: في ذكر رقم الرحلة، وقد قَدّمنا أن رحلة الحاكم الثانية إلى العراق والحجاز كانت سنة خمس وأربعين وثلاث مئة.
وثانيهما: في ذكر تاريخ الرحلة، فقد قدَّمنا أن الحاكم كان قد حج سنة سبع وستين وثلاث مئة، ثم عند مُنصَرَفه من الحج رجع إلى بغداد، ليمكث فيها مدةً تزيد على أربعة أشهر، وهذا يعني أنه دخلت عليه سنة ثمان وستين وهو في بغداد، وقد أشار إلى ذلك أبو حازم العبدَوي، حيث قال وهو يتحدث عن الحاكم: فعزم على أن يَخرُج إلى الحج في موسم سبع وستين، فلما وَرَدَ في سنة ثمان وستين أقام بعد الحجِّ ببغداد أشهُرًا (^٣).
_________________
(١) "تاريخ بغداد" للخطيب ٣/ ٥٠٩. فائدة عزيزة: ومما كتبه الدارقطني عن الحاكم ورواه عنه حديث عبد الله بن مسعود، قال: من أحب أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافِظْ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث يُنادَى بهن. قال الحاكم: كتبه عني أبو الحسن الدارقطني، وقال: ما كتبتُه عن أحدٍ قطُّ. "التدوين في أخبار قزوين" لأبي القاسم الرافعيّ ٢/ ١٤٢.
(٢) "الإرشاد في معرفة علماء الحديث" ٣/ ٨٥٢.
(٣) "خصائص مسند الإمام أحمد" ص ١٢.
[ ١ / ٤٠ ]
وقد جاء ما يدلُّ على المدة التي بقي فيها ببغداد تحديدًا، كما في ترجمته لأبي القاسم الآبَنْدُوني الذي ذكر الحاكمُ أنه لم يُفارق بغداد من سنة خمسين وثلاث مئة حتَّى مات بها سنة تسع وستين وثلاث مئة، فذكر الحاكم أنه فارقه - أي: من بغداد - في رجب من سنة ثمان وستين وثلاث مئة (^١). ثم ورد ما يدلُّ على أنه لما غادر بغداد في رجب تلك السنةَ عاد إلى نيسابور، كما يظهر في ترجمته لأبي طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خُزَيمة، حَفيد الإمام محمد بن إسحاق بن خُزَيمة صاحب "الصحيح"، حيث ذكر أنه عَقَدَ له في نيسابور مجلسًا في شهر رمضان من سنة ثمان وستين وثلاث مئة (^٢)، فكان انطلاق الحاكم إذًا من بغداد في رجب من سنة ثمان وستين وثلاث مئة، عائدًا إلى نيسابور حيث عُقد مجلس أبي طاهر في شهر رمضان من تلك السنة، وقد نصَّ أبو حازم العبدوي على رجوعه إلى وطنه نيسابور بعد إقامته في بغداد تلك الأشهر (^٣).
ولم يُسجِّل لنا الحاكم لنفسه رحلةً بعد هذا التاريخ إلى العراق والحجاز، فلا يصحُّ قول الخليلي أنه رحل إلى العراق والحجاز سنة ثمان وستين، ولعله يكون أراد لرحلةَ التي كانت سنة سبع وستين وثلاث مئة، فذكَر سنةَ ثمان وستين باعتبار أن تلك الرحلة امتدَّت إلى شهر رجب من سنة ثمان وستين، ولكن إنما يصحُّ ذلك مجازًا بذكر العراق دون الحجاز، والله أعلم.
وقد قال الحاكمُ في ترجمته لأبي منصور أحمد بن محمد بن عبد الله العَنْبَري: آخر عَهدي به ببغداد في قَطيعة الرَّبيع في داره سنة ثمان وستين وثلاث مئة (^٤). يعني عند عودته إلى نيسابور.
_________________
(١) "الأنساب" نسبة (الآبندوني).
(٢) "الأنساب" نسبة (الخزيمي).
(٣) "خصائص مسند الإمام أحمد" ص ١٢.
(٤) "تاريخ بغداد" ٦/ ١٩٦.
[ ١ / ٤١ ]
كما سجَّل لنا سماعَه بعدد من البلدان التي تقع إلى الغرب من نيسابور في الأقاليم الواقعة بين إقليم خُراسان وإقليم العراق، مما لم يظهر لنا تاريخُ دخوله إليها، وأغلب الظن أنه دخل تلك البلاد في سائر رحلاته إلى العراق والحجاز، إذ هي في طريق القوافل الآتية من البلدان الشرقية إلى العراق، والله أعلم.
ومن هذه البلدان: الدامَغَان، وهي بلدة من إقليم قُومَس (^١)، سمع فيها من أبي العباس أحمد بن زياد الفقيه (^٢).
ومنها: ساوَة، وهي بلدة بين الرَّيِّ وهَمَذان (^٣)، وقد سمع فيها الحاكمُ من أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن أميّة بن مُسلم القرشي (^٤).
ومنها كذلك: الأهواز (^٥)، وقد وقفنا على سماع للحاكم بالأهواز من أبي العباس أحمد بن زياد الفقيه في "المستدرك".
ولما وصل إلى مكةَ كان له فيها شيوخٌ صرّح بسماعه منهم فيها، أشهرهم أبو محمد عبد الله بن محمد بن إسحاق الخُزَاعي الفاكِهي، وأبو عبد الله محمَّد بن علي بن عبد الحميد الصَّنْعاني (^٦)، وغيرهما من المقيمين بمكة أو الواردين إليها للحج، وهم كثيرون، يمكن معرفتهم من خلال استعراض أسانيده في "المستدرك".
ولم يذكر لنا الحاكم رحلةً إلى مصر والشام، مع أن عددًا من أقرانه الخُراسانيين قد رحلوا إليهما، فيذكر الدكتور محمود ميرة عدة أسباب لذلك مُحتَمَلة، منها:
أ - أن يكون الحاكمُ زَهِد فيهما.
ب - أو أن تكون قصة النسائيِّ وما لقيه من أهل دمشق عندما طلبوا منه أن
_________________
(١) "الأنساب" للسمعاني نسبة (الدامغاني). وقومس إقليم في جمهورية إيران في شرق طهران.
(٢) "المستدرك" (٢٣٧٨) و(٥٨٢٦).
(٣) "الأنساب" للسمعاني نسبة (الساوي).
(٤) "المستدرك" (٤٦١٣) و(٤٦٠٩).
(٥) وهي من مدن خُوزستان في أقصى الشمال الشرقي من الخليج العربيّ، وتقع الآن في إيران.
(٦) "المستدرك" (١) و(١٣١) و(٢٢٩) و(٢٨٤).
[ ١ / ٤٢ ]
يحدِّثهم عن فضائل معاوية بن أبي سفيان، بعد أن حدثهم بفضائل علي بن أبي طالب، فأبى أن يفعل، فأُخرج من المسجد عَنوةً، ثم كان ذلك سببًا في وفاته بعد ذلك.
ج - وإما أن يكون بسبب فتنة القرامطة التي امتدت إلى مناطق واسعة شملت جزءًا كبيرًا من الطريق إلى دمشق حتَّى دخلت مصر تحت قبضتهم.
د - أو أنه اكتفى بما سمعه من شيوخه الذين رحلوا إلى الشام ومصر كالزبير بن عبد الواحد الأسَدَاباذي (^١) الذي تقدَّم ذِكرُه غيرَ مرة.
قلنا: وكأبي عليّ النَّيسابوري أيضًا وأبي العباس الأصم والدارقطني.