طلب أبو عبد الله الحاكم العلم مِن الصغَر باعتناء أبيه وخاله - اللذَين قدَّمْنا ذِكرَهما - فشرع أولًا بسَماع الحديث، وكان أول سماعه سنة ثلاثين (^٣)، كما نبَّه على ذلك هو في "تاريخه" في ترجمته لابن خالته أبي سعد الحاسب، حيث قال: طلب أبو سعد معنا الحديثَ في صِباه من سنة ثلاثين وثلاث مئة (^٤).
_________________
(١) "تلخيص تاريخ نيسابور" ص ٥٠، و"الأنساب" نسبة (الطهماني).
(٢) "الأنساب" نسبة (العارض)، و"الإكمال" لابن ماكولا ١/ ٧١ - ٧٢.
(٣) "تاريخ بغداد" ٣/ ٥١٠، و"المنتظم" ٥/ ١٠٩، و"تاريخ الإسلام" ٩/ ٨٩.
(٤) "الأنساب" نسبة (الحاسب).
[ ١ / ٢٢ ]
وقد وقفنا على سماعٍ للحاكم من أبي العباس محمد بن يعقوب الأصمِّ مؤرَّخ بتلك السنة، في حديثٍ رواه في "المستدرك"، وهو حديث النَّوّاس بن سِمْعان في ذكر الدجّال (^١)، حيث قال: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب إملاءً في الجامع قبل بناء الدار للشيخ الإمام في شعبان سنة ثلاثين وثلاث مئة.
قلنا: وكان عُمر الحاكم وقتئذٍ تسع سنين.
ثم وقفنا له على سماع بعد ذلك من أبي إسحاق إبراهيم بن محمد المَكتُومي باستملائه على أبي العباس الأصمّ، أرّخه لنا الحاكمُ في ترجمته للمكتومي في "تاريخه" بسنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة (^٢).
وذكر في "تاريخه" أنه استَمْلَى على أبي حاتم بن حِبّان سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة، وفي ذلك يقول: وَرَدَ نيسابورَ سنة أربع وثلاثين، وحَضَرْناهُ يومَ جمعةٍ بعد الصلاة، فلما سألْناهُ الحديثَ نظر إلى الناس، وأنا أصغرُهم سِنًّا، فقال: استَمْلِ، فقلت: نعم، فاستملَيتُ عليه (^٣). قلنا: كان عمره وقتَها ثلاث عشرة سنة.
ثم ذكر الحاكمُ لدى ترجمته لحاجب بن أحمد الطُّوسيّ أنه سَمِع منه في مجلسٍ له في دار السُّنّة، قرئ عليه فيه ثلاثة أجزاء من سماعاته، سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة (^٤).
وفي هذه السنة كذلك ذكر أنه كتب عن أبي محمد الحسن بن محمد بن إسحاق بن الأزهر الإسْفَراييني الأزهري، ابن أخت أبي عوانة الحافظ، لدى مَقدَمِه إلى نيسابور، وأنه كان يقدم إليها كلَّ سنة (^٥).
وفي ترجمته لأبي حاتم أحمد بن محمد بن حاتم الفقيه الحاتِمي المزكِّي، قال:
_________________
(١) "المستدرك" (٨٥٧٣).
(٢) "الأنساب" نسبة (المكتومي).
(٣) "الأنساب" نسبة (البستي).
(٤) "الأنساب" نسبة (الطوسي).
(٥) "الأنساب" نسبة (الأزهري).
[ ١ / ٢٣ ]
كتب معنا بنيسابور من سنة خمس وثلاثين (^١).
ثم لم يزل أبو عبد الله الحاكم حريصًا على سماع الحديث في صغره، ولم يَتوانَ عن ذلك، كما يظهر لنا ذلك واضحًا من إلحاحه الشديد على الإمام أبي الطيب الصُّعلُوكيّ - وكان صديقًا لوالده - أن يُسمعه شيئًا من الحديث، فكان يأبى عليه، حتَّى توسَّط له والدُه عند أبي الطيب فأسمعه شيئًا يسيرًا، وفي ذلك يقول الحاكم في "تاريخه": سألت أبا الطيب غيرَ مرَّة أن يحدِّثني، فأبى، وكان صديقَ أبي، فمشى معي أبي إليه وسألَه، فأجاب، ثم قصدتُه بعد ذلك غير مرّة، فقال: أنا أستحيي من أبيك أن أرُدَّه إذا سألَني، فأما التحديثُ فليس إليه سبيلٌ (^٢). قلنا: وكان الحاكم إذ ذاك في السادسة عشر من عُمُره أو دونها، لأن أباه وأبا الطيب قد تُوفّيا جميعًا سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة (^٣).
وذكر الحاكم أنه في هذه السنة - أي: سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة - كتب عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد الفقيه البُخاري، بانتخاب أبي علي الحافظ (^٤)، وعن أبي الحسن عيسى بن زيد بن عيسى الطالبي العَقِيلي (^٥)، اللذَين تُوفَّيا في تلك السنة نفسها. وفي تلك السنة كذلك كتب عن أبي عمرو محمد بن جعفر بن محمد بن مَطَر النيسابُوري المتوفى سنة ستين وثلاث مئة (^٦).
وكتب كذلك سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة عن أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد
_________________
(١) "الأنساب" نسبة (الحاتمي).
(٢) "الأنساب" نسبة (الصعلوكي). ونقل السمعاني عن الحاكم قوله في أبي الطيب الصُّعلُوكي: بأنه كان مُقدَّمًا في معرفة اللغة، ودرس الفقه، وأدرك الأسانيد العالية، وصنَّف في الحديث، وأَمسك عن الرواية والتحديث بعد أن عُمِّر.
(٣) "المنتظم" لابن الجوزي ١٤/ ٧٣، و"الأنساب" للسمعاني، نسبة (الصعلوكي).
(٤) "تاريخ بغداد" ٧/ ١٠٢.
(٥) "الأنساب" نسبة (العقيلي).
(٦) "المستدرك" (٧٠٦٤).
[ ١ / ٢٤ ]
ابن محمد الرِّيوَنْدِي المكاتب في مجلس أبي بكر بن إسحاق، كما صرّح الحاكمُ بذلك في ترجمته له في "تاريخه"، وذكر أنه بلغته وفاته سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة (^١).
وفي هذه السنة - أي سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة - لاحَتْ على الحاكم مَخايِل النَّجابة والذَّكاء، ولم يكن وقتئذ قد تجاوز السابعة عشر من عمره، فبدأ يفتَّش في صحة سماعات الشيوخ ويحقِّق ويدقِّق، كما يُفهَم من قوله في أثناء ترجمته لأبي حامد أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان الحَسْنَوي، وقد كان يدّعي سماعَ شُيوخ لم يسمع منهم، فيقول الحاكم: كنت أغار عليه بعد أن عَقَلتُ؛ فكنت أسأله عن لُقيّ أولئك الشيوخ. ثم قال: قصدتُ أبا حامد الحسنوي للنصف من المحرم سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة، فسألته عن سنّه، فقال: أنا اليوم ابن ست وثمانين سنة، قلت: في أي سنة أُدخِلتَ الشام؟ قال: أُدِخلت الشام سنة ست وستين ومئتين، قلتُ: ابنَ كم كنت؟ قال: ابن اثنتي عشرة سنة، وقد كنت سمعتُ أبا حامد يذكر مولدَه سنة ثمان وأربعين ومئتين (^٢).
وكان من أقدم سماعات الحاكم كذلك سماعاتُه عن شيخَيه علي بن حمشاذ المتوفى سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة (^٣)، وأبي بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ المتوفى سنة أربعين وثلاث مئة (^٤)، اللذين أكثر من الرواية عنهما؛ إذ زادت رواياتُه عن الأول في المستدرك على الخمس مئة روايةٍ، وهذا يدلُّ على سماع الحاكم منه وهو دون التاسعة عشر من عمره. وزادت رواياتُه عن الثاني على المئتين وتسعين روايةً، وهذا يدلُّ على سماعه منه وهو في سن التاسعة عشر أو دونها.
_________________
(١) "الأنساب" نسبة (المكاتب).
(٢) "الأنساب" نسبة (الحسنوي).
(٣) "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٣٩٨.
(٤) "السير" ١٥/ ٤١٩.
[ ١ / ٢٥ ]
وذكر الحاكم في ترجمة أبي منصور محمد بن محمد بن سمعان الحِيْريّ المُذكِّر السَّمْعاني أنه كتب عنه أحاديث قبل الأربعين (^١). أي: قبل سنة أربعين وثلاث مئة.
ثم بعد ذلك انصرف أبو عبد الله الحاكم إلى علومٍ أخرى:
فقرأ القرآنَ والقراءات بخراسان والعراق على قُرّاء وقته؛ فممن قرأ عليه أبو بكر أحمد بن الحسين بن مِهران الزاهد المِهراني، وأحمد بن إسماعيل الصَّرّام، وأبي بكر أحمد بن العباس ابن الإمام بخُراسان، وأبي عيسى بكّار بن أحمد ببغداد، وأبي علي الحسن بن داود النَّقّار بالكوفة، ومحمد بن الحسين بن أيوب النَّوْقاني، وأبي الحسن محمد بن محمد بن الحسن الكارِزِيّ (^٢).
وقرأ الفقهَ بنيسابور على أبي سهل محمد بن سليمان الصُّعلُوكي، وأبي الوليد حسان بن محمد القرشي، ثم انتقل إلى العراق، فتَفقّه على أبي علي بن أبي هُريرة (^٣)، حتَّى صار إمامًا في معرفة الفقه على مذهب الشافعي (^٤).
وبالرغم من تعدد العلوم التي عُني الحاكم أبو عبد الله بتحصيلها غير أنه أولى طلبَ الحديثِ العنايةَ الأكبر، حتَّى غلَبَ ذلك عليه، فاشتَهَر به، وسمِعَه مِن جماعةٍ لا يُحصَون كثرةً، فإن معجم شيوخه يقرب من ألفي رجل، حتَّى روى عمن عاش بعدَه لسَعِة روايته، وكثرةِ شيوخه، وصنَّف في عُلومه ما يبلغ ألفًا وخمسَ مئة جزءٍ (^٥).
_________________
(١) "الأنساب" نسبة (السمعاني).
(٢) "تاريخ بغداد" للخطيب ٥/ ٥٤١ و٧/ ٦٤٢، و"المنتخب من كتاب السياق" ص ١٦، و"غاية النهاية" لابن الجَزَري ٢/ ١٨٤ - ١٨٥.
(٣) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١٦، و"طبقات الفقهاء الشافعية" لابن الصلاح ١/ ١٩٩ الترجمة (٤٢)، و"وفيات الأعيان" ٤/ ٢٨٠.
(٤) "الدر الثمين في أسماء المصنفين" ص ١٠٢.
(٥) "الإرشاد في معرفة علماء الحديث" لأبي يعلى الخليلي ٣/ ٨٥٢، و"وفيات الأعيان" ٤/ ٢٨٠، و"تاريخ الإسلام" ٩/ ٨٩.
[ ١ / ٢٦ ]