١ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن إسحاق الخُزاعي بمكة، حدثنا عبد الله بن أحمد بن أبي مَسَرَّةَ (^١)، حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني ابن عَجْلان، عن القعقاع بن حَكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أكملُ المؤمنينَ إيمانًا، أحسنُهم خُلُقًا" (^٢).
٢ - حَدَّثَناه علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا أبو المثنَّى، حدثنا مُسدَّد، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا محمد بن عَمرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، أنَّ نبي الله ﷺ قال: "أكملُ المؤمنين إيمانًا، أحسنُهم خُلُقًا" (^٣).
هذا حديث لم يُخرَّج في "الصحيحين"، وهو صحيح على شرط مسلم بن الحجَّاج،
_________________
(١) تحرَّف في (ب) إلى: عبد الله بن محمد بن أبي مسيرة، وفي المطبوع إلى: عبد الله بن محمد بن أبي ميسرة.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي من أجل ابن عجلان - وهو محمد - فإنه صدوق لا بأس به. وصحَّحه الذهبي في "تلخيصه". أبو صالح: هو ذَكْوان السَّمّان. وأخرجه أحمد في "المسند" ١٦/ (١٠٨١٧) عن عبد الله بن يزيد المقرئ بهذا الإسناد. وأخرجه بنحوه أحمد أيضًا ١٦/ (١٠٠٢٢) و(١٠٠٦٦) و(١٠٢٣٢) و(١٠٢٤٠)، وابن حبان (٩١) من طريق محمد بن زياد، وأحمد ١٤/ (٨٨٢٢) من طريق عبد الله بن شقيق، كلاهما عن أبي هريرة. وانظر ما بعده.
(٣) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن عمرو - وهو ابن علقمة بن وقّاص الليثي - فإنه صدوق حسن الحديث. أبو المثنى: هو معاذ بن المثنى بن معاذ العنبري، وعبد الوهاب: هو ابن عبد المجيد الثقفي، وأبو سلمة: هو ابن عبد الرحمن بن عوف. وأخرجه أحمد ١٢/ (٧٤٠٢) و١٦/ (١٠١٠٦)، وأبو داود (٤٦٨٢)، والترمذي (١١٦٢)، وابن حبان (٤٧٩) و(٤١٧٦) من طرق عن محمد بن عمرو، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وانظر ما قبله.
[ ١ / ٢٠٩ ]
فقد استشهد بأحاديثَ للقعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة، ومحمدِ بن عمرو، وقد احتَجَّ بمحمد بن عجلانَ.
وقد رُوِيَ هذا الحديث أيضًا عن محمد بن سِيرِين عن أبي هريرة، وشعيبِ بن الحَبْحاب عن أنس، ورواه ابن عُليَّة عن خالد الحَذّاء عن أبي قِلابة عن عائشة، وأنا أخشى أنَّ أبا قلابة لم يسمعه عن عائشة (^١).
٣ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا إبراهيم بن مرزوق، حدثنا أبو داود، حدثنا شُعْبة، عن أبي بَلْج.
وأخبرني أحمد بن يعقوب الثقفي، حدثنا عمر بن حفص السَّدُوسي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا شعبة، عن يحيى بن أبي سُلَيم - وهو أبو بَلْج؛ وهذا لفظ حديث أبي داود - قال: سمعت عمرو بن ميمون يحدِّث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "مَن سَرَّه أن يَجِدَ حلاوةَ الإيمان، فليُحِبَّ المَرْءَ لا يحبُّه إلّا لله" (^٢).
هذا حديث لم يخرج في "الصحيحين"، وقد احتجَّا جميعًا بعمرو بن ميمون عن أبي هريرة، واحتجَّ مسلم بأبي بَلْج، وهو حديث صحيح لا يُحفَظ له عِلَّة (^٣).
_________________
(١) أما حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة، فقد أخرجه البزار (٩٨٩٥)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (١٩). وراويه عنه - وهو عبد الله بن عيسى أبو خلف - ضعيف. وأما حديث شعيب بن الحبحاب عن أنس، فقد أخرجه البزار أيضًا (٧٤٤٥)، وأبو يعلى (٤١٦٦). وإسناده حسن في المتابعات والشواهد. وأما حديث أبي قِلابة عن عائشة، فقد أخرجه أحمد ٤٠/ (٢٤٢٠٤)، والترمذي (٢٦١٢) من طريق إسماعيل ابن عليَّة، بهذا الإسناد. وسيأتي عند المصنف برقم (١٧٤) من طريق يزيد بن زريع، عن خالد الحذاء، به.
(٢) إسناده حسن من أجل أبي بَلْج يحيى بن أبي سليم. أبو داود: هو الطيالسي سليمان بن داود. وأخرجه أحمد ١٦/ (١٠٧٣٨) عن سليمان بن داود أبي داود - وهو الطيالسي - بهذا الإسناد. وسيأتي برقم (٧٥٠٠).
(٣) أخطأ الحاكم ﵀ هنا في أمرين: الأول: أنَّ الشيخين احتجَّا بعمرو بن ميمون عن =
[ ١ / ٢١٠ ]
٤ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن عياش بن عباس القِتْباني، عن زيد بن أسلمَ، عن أبيه: أنَّ عمرَ خرج إلى المسجد يومًا فوَجَدَ معاذَ بنَ جبل عند قبر رسول الله ﷺ يبكي، فقال: ما يُبكيكَ يا معاذُ؟ قال: يُبكيني حديثٌ سمعتُه من رسول الله ﷺ يقول: "اليسيرُ من الرِّياءِ شِركٌ، ومَن عادى أولياءَ الله فقد بارَزَ اللهَ بالمحارَبة، إنَّ الله يحبُّ الأبرارَ الأتقياءَ الأخفياءَ، الذين إنْ غابُوا لم يُفتَقَدُوا، وإن حَضَروا لم يُعرَفُوا، قلوبهم مصابيحُ الهدى، يَخرُجون من كل غبراءَ مُظلِمة" (^١).
_________________
(١) = أبي هريرة، وليس عندهما لعمرو بن ميمون عنه شيء، الثاني: أنَّ مسلمًا احتجَّ بأبي بلج، وهو لم يرو عنه شيئًا في "صحيحه".
(٢) حديث حسن إن شاء الله، وهذا إسناد ظاهره الصحة إلّا أنَّ فيه علَّة لم يتنبَّه لها الحاكم هنا، فقد خالف الليثَ بنَ سعد في إسناده نافعُ بن يزيد الكَلَاعي - وهو ثقة - فرواه عن عياش بن عباس القِتْباني عن عيسى بن عبد الرحمن - وهو ابن فروة الزُّرَقي - عن زيد بن أسلم به، فأدخل فيه بين عياشٍ وزيدٍ عيسى بنَ عبد الرحمن الزرقي، وهو متروك الحديث، أخرجه من هذا الطريق المصنف فيما سيأتي برقم (٨١٣١)، وابن أبي الدنيا في "الأولياء" (٦)، وفي "التواضع والخمول" (٨)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١٧٩٨)، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٣٢١)، وتمّام الرازي في "فوائده" (١٦٧٣)، وأبو نعيم في "الحلية" ١/ ٥، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦٣٩٣). ورواه عن عيسى بن عبد الرحمن أيضًا عبدُ الله بن لَهِيعة فيما أخرجه ابن ماجه (٣٩٨٩) عن حرملة بن يحيى، عن عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة. وهذا من جيِّد حديث ابن لهيعة، وذلك أنَّ ابن وهب سمع منه قديمًا قبل احتراق كتبه وتغيُّره. وفي هذا دلالة على أنَّ الحديث محفوظ من رواية عيسى بن عبد الرحمن عن زيد بن أسلم، والله أعلم. وأما حديث الليث بن سعد فقد أخرجه الطحاوي في "شرح المشكل" (١٧٩٩)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١٠٤٦) من طريق الربيع بن سليمان المرادي، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٣٢٢) من طريق عبد الله بن صالح، كلاهما عن الليث، به. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٩٥٠)، و"الكبير" ٢٠/ (٥٣)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٢٩٨)، والبيهقي في "الزهد" (١٩٥) من طريق شاذِّ بن فياض، عن أبي قحذم النضر بن معبد، عن أبي قلابة، عن ابن عمر قال: مرَّ عمر بمعاذ بن جبل وهو يبكي، فذكره. وهذا إسناد ضعيف =
[ ١ / ٢١١ ]
هذا حديث لم يُخرَّج في "الصحيحين"، وقد احتجَّا جميعًا بزيد بن أسلم عن أبيه عن الصحابة، واتفقا جميعًا على الاحتجاج بحديث الليث بن سعد عن عياش بن عباس القِتْباني، وهذا إسنادٌ مصري صحيح، ولا يُحفَظ له عِلّة (^١).
_________________
(١) = بمَرَّة، أبو قحذم قال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بثقة، وأبو قلابة - وهو عبد الله بن زيد الجَرْمي - لم يسمع من ابن عمر فيما قيل. وسيأتي من هذا الطريق عند المصنف برقم (٥٢٦٣). وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧١١٢)، و"الصغير" (٨٩٢) عن محمد بن نوح بن حرب، عن يعقوب بن إسحاق الرازي، عن إسحاق بن سليمان الرازي، عن أخيه طلحة بن سليمان، عن فياض بن غزوان، عن زبيد اليامي، عن مجاهد، عن ابن عمر. وهذا إسناد ضعيف، محمد بن نوح شيخ الطبراني لم نقف على ترجمته، ويعقوب بن إسحاق وطلحة بن سليمان مجهولا الحال، ولهما ترجمة في "الجرح والتعديل" ٩/ ٢٠٤ و٤/ ٤٨٣ - ٤٨٤، وفياض بن غزوان ليَّنه البخاري قليلًا فيما نقله الذهبي في ترجمته من "الميزان"، وقال أحمد: ثقة، وذكره ابن حبان في "ثقاته" ٧/ ٣٢٦. وأخرج الآجري في "الغرباء" (٣٨) من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن نافع بن مالك قال: دخل عمر بن الخطاب المسجد فوجد معاذ بن جبل جالسًا إلى بيت النبي ﷺ وهو يبكي، فقال له عمر: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن؟ هلك أخوك - لرجل من أصحابه - هلك؟ قال: لا، ولكن حديثًا حدثنيه حِبّي ﷺ وأنا في هذا المسجد، فقال: ما هو يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أخبرني "أن الله ﵎ يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء، الذين إذا غابوا لم يُفتقدوا، وإن حضروا لم يُعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة". وابن أبي قتادة روى عنه جمع وذكره ابن حبان في "ثقاته"، ونافع بن مالك -وهو ابن أبي عامر الأصبحي عمّ الإمام مالك بن أنس - ثقة إلا أنه لم يدرك عمرَ بن الخطاب، فروايته مرسلة والإسناد إليه حسنٌ. فهذا الطريق والذي قبله يصلحان للاعتبار وتحسين الحديث إن شاء الله. وروي في كون الرياء شركًا أحاديث سيأتي الكلام عليها عند المصنف (٨١٣٦ - ٨١٣٩). وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب". أخرجه البخاري (٦٥٠٢). وآذنتُه: أعلمته وأخبرته.
(٢) بل له علَّة كما بيَّنّا في التعليق السابق، ثم إنَّ الشيخين لم يحتجّا بحديث الليث عن عياش بن عباس، بل إنَّ البخاري أصلًا لم يرو في "صحيحه" شيئًا لعياش بن عباس.
[ ١ / ٢١٢ ]
٥ - حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن مِهْران، حدثنا أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن مَيْسَرة، عن أبي هانئ الخَوْلاني حُميد بن هانئ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الإيمان لَيَخلَقُ في جوف أحدِكم كما يَخلَقُ الثوبُ الخَلَقُ، فَسَلُوا اللهَ أن يجدِّدَ الإيمانَ في قلوبكم" (^١).
هذا حديث لم يخرَّج في "الصحيحين"، ورواتُه مِصريّون ثقات.
وقد احتجَّ مسلم في "الصحيح" بالحديث الذي رواه عن ابن أبي عمر، عن المقرئ، عن حَيْوة، عن أبي هانئ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الله - تعالى ذِكرُه - كتب مقاديرَ الخلائق قبل أن يَخلُقَ السماواتِ والأرضَ" الحديث (^٢).
٦ - أخبرني أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل العَنبَري، حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عَجْلان، عن القعقاع بن حَكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أذنبَ العبدُ نُكِتَ في قلبه نُكْتةٌ سوداءُ، فإن تاب صُقِلَ منها، فإن عاد زادت حتى تَعظُمَ في
_________________
(١) إسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن ميسرة - وهو أبو ميسرة الحضرمي المصري - فقد روى عنه جمع، ووثقه المصنف لاحقًا، وحسَّن الإسنادَ الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١/ ٥٢. أبو الطاهر: هو أحمد بن عمرو بن السَّرْح، وأبو عبد الرحمن الحبلي: هو عبد الله بن يزيد المَعَافري. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١٤٦٦٨) من طريق حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، بهذا الإسناد. قوله: "لَيَخلَقُ" أي: يَبْلَى.
(٢) هو في "صحيح مسلم" برقم (٢٦٥٣)، ورواه فيه أيضًا عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن أبي هانئ الخولاني به، ورواه أيضًا من طريق نافع بن يزيد عن ابن هانئ. وأخرجه أحمد ١١/ (٦٥٧٩)، والترمذي (٢١٥٦)، وابن حبان (٦١٣٨) من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، به.
[ ١ / ٢١٣ ]
قلبه، فذاكَ الرَّانُ الذي ذَكَره الله ﷿ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤] " (^١).
هذا حديث (^٢) لم يخرج في "الصحيحين"، وقد احتجَّ مسلم بأحاديثَ للقعقاع بن حَكيم عن أبي صالح.
٧ - حدثنا الإمام أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أخبرنا بِشْر بن موسى، حدثنا الحُميدي، حدثنا سفيان، عن الزُّهْري، عن عروة، عن عائشة قالت: لم يَزَلْ رسولُ الله ﷺ يُسأَل عن الساعة حتى نزلت: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣، ٤٤] (^٣).
هذا حديث لم يخرَّج في "الصحيحين"، وهو محفوظ صحيح على شرطهما معًا، وقد احتجَّا معًا بأحاديث ابن عُيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة.
٨ - حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمَرْو، حدثنا سعيد بن مسعود،
_________________
(١) إسناده قوي من أجل أبي خالد الأحمر - وهو سليمان بن حيان - ومحمد بن عجلان. أبو كريب: هو محمد بن العلاء، وأبو صالح: هو ذَكْوان السَّمّان. وأخرجه ابن ماجه (٤٢٤٤)، والترمذي (٣٣٣٤)، والنسائي (١٠١٧٩) و(١١٥٩٤)، وابن حبان (٩٣٠) من طرق عن محمد بن عجلان، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وسيأتي عند المصنف برقم (٣٩٥٢) من طريق صفوان بن عيسى عن ابن عجلان. قال ابن الأثير في "النهاية" (رين): أصل الرَّيْن: الطَّبْعُ والتغطية، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، أي: طَبَعَ وخَتَم. وقال الفراء في "معاني القرآن" ٣/ ٢٤٦: كثرت المعاصي والذنوب منهم فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرَّيْن عليها. وصُقِل: أي: جُلِيَ.
(٢) في (ب): حديث صحيح.
(٣) إسناده صحيح. الحميدي: هو عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي، وسفيان: هو ابن عيينة، وعروة: هو ابن الزبير بن العوّام. وأخرجه ابن راهويه في "مسنده" (٧٧٧)، والبزار (٢٢٧٩ - كشف الأستار)، والطبري في "تفسيره" ٣٠/ ٤٩، وأبو نعيم في "الحلية" ٧/ ٣١٤ من طريق سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. وسيأتي عند المصنف برقم (٣٩٣٩) عن علي بن حمشاذ عن بشر بن موسى.
[ ١ / ٢١٤ ]
حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأغرِّ، عن أبي هريرة وأبي سعيد: أنهما شَهِدَا على رسول الله ﷺ قال: "إذا قال العبدُ: لا إله إلّا الله واللهُ أكبَرُ، صَدَّقه ربُّه، قال: صَدَقَ عبدي، لا إله إلّا أنا وأنا وحدي، وإذا قال: وحدَه (^١) لا شريكَ له، صدَّقه ربُّه قال: صَدَقَ عبدي، لا إله إلّا أنا ولا شريكَ لي، وإذا قال: لا إله إلّا الله له المُلْك وله الحمدُ، قال: صَدَقَ عبدي، لا إله إلّا أنا ليَ الملكُ وليَ الحمدُ، وإذا قال: لا إله إلّا الله ولا حولَ ولا قوةَ إلّا بالله، قال: صَدَقَ عبدي، لا حولَ ولا قوةَ إلّا بي" (^٢).
هذا حديث (^٣) لم يخرَّج في "الصحيحين"، وقد احتجَّا جميعًا بحديث أبي إسحاق عن الأغرِّ عن أبي هريرة وأبي سعيد (^٤)، وقد اتفقا جميعًا على الحُجَّة بأحاديث إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق.
٩ - أخبرنا عبد الله بن الحسين القاضي بمَرْو، حدثنا الحارث بن أبي أسامة،
_________________
(١) في (ب): لا إله إلّا الله وحده.
(٢) إسناده صحيح. أبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله بن عبيد السَّبيعي، والأغرّ: هو أبو مسلم المدني. وأخرجه ابن حبان (٨٥١) من طريق يحيى بن أبي بكير، عن إسرائيل، بهذا الإسناد. ولفظه: "إذا قال العبد: لا إله إلا الله، والله أكبر، صدّقه ربه، قال: صدق عبدي، لا إله إلَّا أنا، وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلَّا الله وحده، صدّقه ربه، قال: صدق عبدي، لا إله إلَّا أنا وحدي، وإذا قال: لا إله إلَّا الله لا شريك له، صدَّقه ربه، قال: صدق عبدي، لا إله إلَّا أنا لا شريك لي … "، وهو أصح من لفظ المصنف. وأخرجه كذلك ابن ماجه (٣٧٩٤)، والترمذي (٣٤٣٠)، والنسائي (٩٧٧٤) و(١٠١٠٨) من طرق عن أبي إسحاق، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وأخرجه الترمذي بإثره، والنسائي (٩٧٧٧) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، به موقوفًا. ولا يضر وقفُه، فمثلُه لا يقال من قِبَل الرأي.
(٣) في (ب): حديث صحيح.
(٤) هذا وهمٌ من المصنف ﵀، فإنَّ الأغرَّ لم يخرّج له البخاري في "صحيحه" شيئًا.
[ ١ / ٢١٥ ]
حدثنا يونس بن محمد، حدثنا الليث بن سعد، حدثني عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن المَعَافِري الحُبُلي قال: سمعتُ عبد الله بنَ عمرو بنِ العاص قال: قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ الله سيُخلِّصُ رجلًا من أُمتي على رؤوس الخلائق يومَ القيامة، فيَنشُرُ عليه تسعةً وتسعين سِجِلًّا، كلُّ سِجلٍّ مثلُ هذا، ثم يقول: أتنكرُ من هذا شيئًا؟ أظَلَمَكَ كَتَبَتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربِّ، فيقول: أفَلَكَ عذرٌ؟ فيقول: لا يا ربِّ، فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنةً، وإنه لا ظُلمَ عليك اليومَ، فتُخرَجُ بِطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، فيقول: يا ربِّ، ما هذه البطاقةُ مع هذه السِّجِلّات؟ فقال: إنك لا تُظلَمُ، قال: فتوضع السجلاتُ في كِفَّةٍ، والبطاقةُ في كِفَّةٍ، فطاشت السجلاتُ وثَقُلَت البطاقةُ، ولا يَثقُلُ مع اسم الله شيءٌ" (^١).
هذا حديث (^٢) لم يخرَّج في "الصحيحين"، وهو صحيح على شرط مسلم، فقد احتجَّ بأبي عبد الرحمن الحُبُلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعامرُ بن يحيى مِصريٌّ ثقة، والليث بن سعد إمام، ويونس المؤدِّب ثقةٌ متَّفَق على إخراجه في "الصحيحين".
١٠ - أخبرنا أبو العباس قاسم بن القاسم السَّيَّاري بمَرْو، حدثنا أبو الموجِّه، حدثنا
_________________
(١) إسناده صحيح. أبو عبد الرحمن الحُبُلي: هو عبد الله بن يزيد. وأخرجه أحمد ١١/ (٦٩٩٤)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، والترمذي (٢٦٣٩)، وابن حبان (٢٢٥) من طريقين عن الليث بن سعد، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وسيأتي من طريق الليث برقم (١٩٥٨). وأخرجه الترمذي بإثره عن قتيبة بن سعيد، عن ابن لَهيعة، عن عامر بن يحيى، به. قوله: "إنَّ الله سيخلِّص رجلًا" أي: يميّزه ويختاره. "سِجِلًّا" أي: كتابًا كبيرًا. والبطاقة: الرُّقعة الصغيرة. "طاشت السجلات" أي: خفَّت.
(٢) في (ب): حديث صحيح.
[ ١ / ٢١٦ ]
أبو عمّار، حدثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "تَفرَّقَت اليهودُ على إحدى وسبعين فِرقةً أو اثنتين وسبعين فِرقةً، والنصارى مثلَ ذلك، وستفترقُ أُمتي على ثلاث وسبعين فِرقةً" (^١).
هذا حديث كبير في الأصول، وقد رُوِيَ عن سعد بن أبي وقَّاص وعبد الله بن عَمرو وعوف بن مالك عن رسول الله ﷺ مِثلُه (^٢).
وقد احتجَّ مسلم بمحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، واتفقا جميعًا على الاحتجاج بالفضل بن موسى، وهو ثقة.
_________________
(١) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن عمرو: وهو ابن علقمة اللَّيثي. أبو الموجِّه: هو محمد بن عمرو الفَزَاري، وأبو عمار: هو الحسين بن حريث، وأبو سلمة: هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزُّهري. وأخرجه الترمذي (٢٦٤٠) عن أبي عمار الحسين بن حريث، بهذا الإسناد. وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن حبان (٦٧٣١) من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن الفضل بن موسى، به. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٣٩٦)، وأبو داود (٤٥٩٦)، وابن ماجه (٣٩٩١)، وابن حبان (٦٢٤٧) من طرق عن محمد بن عمرو، به. وسيأتي برقم (٤٤٦) و(٤٤٧). وانظر شواهده عند حديث أنس في "مسند أحمد" ١٩/ (١٢٢٠٨).
(٢) حديث سعد أخرجه محمد بن نصر المروزي في "السنة" (٥٧)، والبزار في "مسنده" (١١٩٩)، والآجري في "الشريعة" (٢٨)، وسنده ضعيف. وحديث عبد الله بن عمرو سيأتي عند المصنف برقم (٤٤٩)، وسنده ضعيف أيضًا. وحديث عوف بن مالك أخرجه ابن ماجه (٣٩٩٢)، وسنده جيد. وفي الباب أيضًا عن أنس بن مالك أخرجه أحمد ١٩/ (١٢٢٠٨)، وابن ماجه (٣٩٩٣)، وسنده حسن. وعن معاوية بن أبي سفيان، سيأتي عند المصنف برقم (٤٤٨)، وسنده حسن. وعن أبي أمامة أخرجه ابن أبي عاصم في "المسند" (٦٨)، ومحمد بن نصر (٥٥) وغيرهما، وسنده حسن. والحديث بمجموع هذه الشواهد صحيح إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٢١٧ ]
١١ - حدثنا أبو العباس القاسم بن القاسم السَّيّاري بمَرْو، حدثنا إبراهيم بن هلال، حدثنا علي بن الحسن بن شَقِيق، حدثنا الحسين بن واقد.
وحدثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا أبو سعيد محمد بن شاذانَ، حدثنا أبو عمّار، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "العهدُ الذي بيننا وبينهم الصلاةُ، فمن تَرَكَها فقد كفر" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولا نعرف له عِلّةً بوجه من الوجوه، فقد احتجَّا جميعًا بعبد الله بن بُرَيدة عن أبيه، واحتجَّ مسلم بالحسين بن واقد، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ.
ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما جميعًا:
١٢ - أخبرَناه أحمد بن سهل الفقيه ببُخارَى، حدثنا قيس بن أُنَيف، حدثنا قُتيبة بن سعيد، حدثنا بشْر بن المفضَّل (^٢)، عن الجُريري، عن عبد الله بن شَقيق، عن أبي هريرة قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يَرَونَ شيئًا من الأعمال تَرْكَه كفرًا غيرَ الصلاة (^٣).
_________________
(١) إسناده قوي من أجل الحسين بن واقد. أبو عمار: هو الحسين بن حُرَيث. وأخرجه أحمد ٣٨/ (٢٢٩٣٧)، وابن ماجه (١٠٧٩)، والترمذي (٢٦٢١) من طرق عن علي بن الحسن بن شقيق، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه الترمذي أيضًا، والنسائي (٣٢٦)، وابن حبان (١٤٥٤) من طرق عن أبي عمار الحسين بن حريث بإسناده، وقرن الترمذي به يوسفَ بن عيسى. وأخرجه الترمذي أيضًا من طريق علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، به.
(٢) في (ز) و(ص): الفضل، وهو تحريف.
(٣) صحيح لكن من قول عبد الله بن شقيق بإسقاط أبي هريرة، فقد خُولف فيه قيس بن أُنيف - وهو صالح الحديث - خالفه الترمذي في "جامعه" (٢٦٢٢) عن قتيبة بن سعيد بهذا الإسناد، فجعله من قول عبد الله بن شقيق. =
[ ١ / ٢١٨ ]
١٣ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، حدثنا حجَّاج بن محمد، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي جُحَيفة، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن أصابَ حَدًّا فَعَجَّلَ اللهُ له عقوبتَه في الدنيا، فاللهُ أعدلُ من أن يُثنِّيَ على عبده العقوبةَ في الآخرة، ومَن أصابَ حدًّا فَسَتَرَه اللهُ عليه وعَفَا عنه، فاللهُ أكرمُ من أن يعودَ في شيء قد عَفَا عنه" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه، وقد احتجَّا جميعًا بأبي جُحَيفة عن علي (^٢)، واتفقا على أبي إسحاق، واحتجَّا جميعًا بالحجَّاج بن محمد، واحتجَّ مسلم بيونس بن أبي إسحاق.
١٤ - أخبرني أبو الحسن محمد بن عبد الله الجَوهَري، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا أحمد بن يوسف، حدثنا النَّضر بن محمد، حدثنا عِكْرمة بن عمّار، حدثنا إياس بن سَلَمة، حدثني أَبي: أنه كان مع رسول الله ﷺ إذ جاءه رجلٌ بفرس له يَقُودُها عَقُوقٍ، ومعها مُهْرة لها تتبعُها، فقال: من أنتَ؟ فقال: "أنا نبيٌّ" قال: ما نبيٌّ؟ قال: "رسولُ الله" قال: متى تقومُ الساعة؟ فقال رسول الله ﷺ: "غَيبٌ، ولا يعلمُ الغيبَ إِلَّا اللهُ" قال: أَرِني، سيفَك، فأعطاه النبيُّ ﷺ سيفَه، فهَزَّه الرجلُ ثم ردَّه عليه، فقال رسول الله ﷺ: "أمَا إنك لم تكن تستطيعُ الذي أردْتَ" قال: "وقد كان قال:
_________________
(١) = وتابع الترمذيَّ على ذلك محمدُ بن عبيد بن حِساب وحميدُ بن مَسعَدة عند محمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٩٤٨).
(٢) إسناده حسن من أجل يونس بن أبي إسحاق. أبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السَّبيعي، وأبو جُحيفة: هو وهب بن عبد الله السُّوَائي، وهو صحابي. وأخرجه أحمد ٢/ (٧٧٥)، وابن ماجه (٢٦٠٤)، والترمذي (٢٦٢٦) من طريق حجاج بن محمد، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وسيأتي عند المصنف برقم (٣٧٠٥) و(٧٨٧١) و(٨٣٦٤)، وانظر (٨٣٦٥). وانظر حديث عبادة بن الصامت الآتي برقم (٣٢٧٩).
(٣) لم يخرِّج مسلم لأبي جحيفة عن علي شيئًا.
[ ١ / ٢١٩ ]
أَذهبُ إليه فأسألُه (^١) عن هذه الخِصَال" (^٢).
هذا حديث صحيح ولم يُخرجاه، وقد اتفقا جميعًا على الحُجَّة بإياس بن سَلَمة عن أبيه، واحتجَّ مسلم بهذا الإسناد بعَينِه فحدَّث عن أحمد بن يوسف بغير حديثٍ.
١٥ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفَّار، حدثنا أحمد بن مِهْران الأصبهاني، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا عوف بن أبي جَميلة.
وأخبرنا عبد الله بن الحسين القاضي بمَرْو، حدثنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا رَوْح بن عُبَادة، حدثنا عوف، عن خِلَاس ومحمدٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن أتى عرَّافًا أو كاهنًا فصدَّقه بما يقول، فقد كَفَرَ بما أُنزِلَ على محمَّدٍ ﷺ" (^٣).
_________________
(١) في (ز) و(ص): فسله، هكذا بالتسهيل، وفي (ب) فسئله، وهو أمر بالسؤال، ولعلَّ ما أثبتناه هو الصواب كما في رواية الطبراني، وزاد فيه: "ثم آخذ سيفي فأقتله" وهذا من تتمة قول الرجل الذي أخبر به النبيُّ ﷺ.
(٢) إسناده صحيح. محمد بن إسحاق: هو الصَّغَاني، وسلمة صحابيُّ الحديث: هو ابن الأكْوع الأسلمي. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٦٢٤٥) من طريق أبي حذيفة موسى بن مسعود ود النَّهْدي، عن عكرمة بن عمار، به. قوله: "بفرس له عَقُوقٍ" العَقُوق من البهائم: الحامل، وفرسٌ عَقُوقٌ: إذا انعقَّ بطنُها واتَّسع للولد، وأصله من العَقِّ: حَفْر في الأرض عميق.
(٣) إسناده صحيح متصل من جهة محمد - وهو ابن سيرين - وأما خِلاس فإنه لم يسمع من أبي هريرة. وأخرجه البيهقي في "سننه" ٨/ ١٣٥ عن أبي عبد الله الحاكم بهذا الإسناد. وصحَّحه الحافظ العراقي في "أماليه"، وقال الذهبي في "مختصر سنن البيهقي": إسناده قوي. نقله عنهما المناوي في "فيض القدير". وأخرجه أحمد ١٥/ (٩٥٣٦) عن يحيى بن سعيد القطان، عن عوف، عن خلاس، عن أبي هريرة. وأخرج أبو داود (٣٩٠٤)، وابن ماجه (٦٣٩)، والترمذي (١٣٥)، والنسائي (٨٩٦٧) و(٨٩٦٨) =
[ ١ / ٢٢٠ ]
هذا حديث صحيح على شرطهما جميعًا من حديث ابن سِيرِين، ولم يُخرجاه، وحدَّث البخاريُّ (^١)، عن إسحاق، عن روح، عن عوف، عن خِلاس ومحمد، عن أبي هريرة؛ قصةَ موسى: أنه آدَرُ.
١٦ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظُ إملاءً، حدثنا إبراهيم بن عبد الله السَّعْدي، حدثنا قُريش بن أنس، حدثنا حَبيب بن الشَّهيد.
وأخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا ابن أبي عَدِيّ، عن حبيب بن الشَّهيد، حدثنا حُميد بن هلال، حدثنا هِصَّان بن كاهل - وفي حديث ابن أبي عدي: كاهن - قال: جلستُ مجلسًا فيه عبد الرحمن بن سَمُرة ولا أعرفه، فقال: حدثنا معاذُ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: "ما على الأرض نفسٌ تموتُ لا تُشْرِكُ بالله شيئًا تشهدُ أني رسولُ الله، يَرجِعُ ذلك إلى قلبٍ مُوقِنٍ، إِلَّا غَفَرَ اللهُ لها". قال: فقلت: أأنت سمعتَ من معاذ؟ فعنَّفَني القومُ، فقال: دَعُوه، فإنه لم يُسِئ القولَ، نَعَم أنا سمعتُه من معاذ بن جبل، وزَعَمَ معاذٌ أنه سمعه من رسول الله ﷺ (^٢).
_________________
(١) = من طريق حماد بن سلمة، عن حَكيم الأثرم، عن أبي تَميمة الهُجيمي، عن أبي هريرة رفعه قال: "من أتى حائضًا، أو امرأة في دُبرها، أو كاهنًا، فصدَّقه بما يقول … " إلخ، وهذا سند لا بأس برجاله إلّا أنه منقطع، أبو تميمة الهجيمي لا يُعرَف له سماع من أبي هريرة. قال الترمذي بإثر الحديث: إنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ، وقد روي عن النبي ﷺ قال: من أتى حائضًا فليتصدق بدينار"، فلو كان إتيان الحائض كفرًا لم يؤمر فيه بالكفارة، وضعَّف محمدٌ (يعني البخاريَّ) هذا الحديث من قِبل إسناده. تنبيه: طريق الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" ٢/ ١٨٧/ ١، ومن طريقه أخرجه أبو بكر بن خلّاد في "الفوائد" ١/ ٢٢١/ ١ - كما في "إرواء الغليل" للألباني ٧/ ٦٩ - وليس فيه عنده محمد بن سيرين، وإنما هو عن خلاس وحده عن أبي هريرة.
(٢) في "صحيحه" برقم (٣٤٠٤). وإسحاق: هو ابن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهَوَيه. والأُدْرة: انتفاخ الخُصْية.
(٣) حديث صحيح، وهذا إسناد محتمل للتحسين، هِصّان بن كاهل روى عنه اثنان وذكره ابن حبان في "الثقات"، وتساهل الذهبي في "الكاشف" فقال: ثقة، وجهّله ابن المَديني، لكن للمرفوع =
[ ١ / ٢٢١ ]
هذا حديث صحيح وقد تداوَلَه الثقات، ولم يُخرجاه جميعًا بهذا اللفظ، والذي عندي - والله أعلم - أنهما أهمَلَاه لهِصَّان بن كاهل، ويقال: ابن كاهن، فإنَّ المعروف بالرواية عنه حُميد بن هلال العَدَوي فقط، وقد ذكر ابنُ أبي حاتم أنه روى عنه قُرَّةُ بن خالد أيضًا (^١)، وقد أخرجا جميعًا عن جماعة من الثقات لا راويَ لهم إلّا واحد، فيَلزَمُهما بذلك إخراجُ مثله، والله أعلم.
١٧ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو جعفر محمد بن عبيد الله بن أبي داود المُنادِي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو غسان محمد بن مُطرِّف، عن حسَّان بن عطيَّة، عن أبي أُمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ: "الحياءُ والعِيُّ شُعْبتانِ من الإيمان، والبَذَاءُ والبيانُ شُعبتانِ من النِّفاق" (^٢).
_________________
(١) = منه طرق أخرى عن معاذ بن جبل تقوّيه وتصحّحه كما سيأتي. والحديث في "مسند أحمد" ٣٦/ (٢٢٠٠١). وأخرجه النسائي (١٠٩١١) عن عمرو بن علي، عن ابن أبي عدي، به. وأخرجه ابن ماجه (٣٧٩٦)، والنسائي أيضًا (١٠٩٠٩) و(١٠٩١٠)، وابن حبان (٢٠٣) من طريقين عن حميد بن هلال، به. وأخرجه بنحوه البخاري (١٢٨)، ومسلم (٣٢)، والنسائي (١٠٩٠٧) من طريق أنس، عن معاذ بن جبل. وأخرجه أحمد ٣٦/ (٢٢٠٦٠) من طريق جابر بن عبد الله، عمّن شهد معاذًا حين حضرته الوفاةُ يقول، فذكره.
(٢) قال العراقي في ترجمة هصان من "ذيل ميزان الاعتدال" (٧٢٤) معقِّبًا على كلام الحاكم هذا: لم أرَ ما نقله عن ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" ولا في "العلل"، نعم ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: إنه روى عنه أيضًا الأسود بن عبد الرحمن العدوي. قلنا: لكن وقعت رواية الأسود هذا عنه في المصادر من رواية الحسن بن دينار عنه، والحسن بن دينار: هو الحسن بن واصل أبو سعيد التميمي، وهو متروك الحديث متَّهم، فلا عبرة بروايته عنه.
(٣) صحيح دون ذكر العيّ والبيان، وهذا إسناد - وإن كان رواته من رجال الشيخين - ضعيف لانقطاعه، فإنَّ حسان بن عطية لم يسمع من أبي أمامة كما جزم به الحافظ المِزّي في "التحفة" =
[ ١ / ٢٢٢ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، وقد احتجَّا برُواتِه عن آخرهم.
١٨ - أخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن - وهو ابن مَهْدي - حدثنا زهير بن محمد، عن صالح بن أبي صالح، عن عبد الله بن أبي أُمامة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "البَذَاذةُ من الإيمان، البَذَاذةُ من الإيمان" (^١).
قد احتجَّ مسلمٌ بصالح بن أبي صالح السَّمّان.
_________________
(١) = ٤/ ١٦٢ و"التهذيب" ٣/ ١٥٩، وقال أبو زرعة العراقي في "تحفة التحصيل": ذكره ابن حبان في طبقة أتباع التابعين (٦/ ٢٢٣)، فدلَّ على أنه لم يصحَّ عنده سماعه من أحد من الصحابة. وأخرجه الترمذي (٢٠٢٧) عن أحمد بن منيع، عن يزيد بن هارون، بهذا الإسناد. وحسَّنه. وأخرجه أحمد ٣٦/ (٢٢٣١٢) عن حسين بن محمد وغيره، عن محمد بن مطرِّف، به. وسيأتي عند المصنف برقم (١٧٠) وفيه هناك: "البذاء والجفاء" بدل: البيان. وللحديث شاهدان سيأتيان عند المصنف برقم (١٧٢) و(١٧٣). قال الترمذي: والعِيّ: قلة الكلام، والبَذاء: هو الفحش في الكلام، والبيان: هو كثرة الكلام، مثل هؤلاء الخطباء الذين يخطبون فيوسِّعون في الكلام ويتفصَّحون فيه من مدح الناس فيما لا يُرضي الله.
(٢) إسناده حسن من أجل عبد الله بن أبي أُمامة. وقوله: "صالح بن أبي صالح" وهمٌ من بعض رواته، والصواب أنه صالح بن كيسان على ما جاء عند أحمد في "المسند" و"الزهد" (٣٠)، وليس كما قال المصنف لاحقًا من أنه صالح بن أبي صالح السَّمَّان، فهذا ذهولٌ منه ﵀، وصالح بن كيسان احتجَّ به الشيخان، وأما عبد الله بن أبي أمامة فلم يرو له أحدٌ منهما. والحديث في "مسند أحمد" ٣٩/ (٢٤٠٠٩/ ٥٨) وفيه تصريح ابن أبي أمامة بسماعه من أبيه. وأخرجه ابن ماجه (٤١١٨) من طريق أسامة بن زيد، عن عبد الله بن أبي أمامة، به. وأخرجه أبو داود (٤١٦١) من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي أمامة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبي أمامة. وانظر تمام الكلام على رواية ابن إسحاق هذه في "مسند أحمد". قوله: "البذاذة من الإيمان" البذاذة: رثاثة الهيئة وترك التبجُّح في الملبس. أي: أنها من سِيما أهل الإيمان، إذ معهم الزهدُ والتواضع وتركُ التكبُّر، كما كان الأنبياءُ صلوات عليهم قبلَهم في مثل ذلك. قاله الإمام الطحاوي في "شرح المشكل" ٤/ ١٩٣.
[ ١ / ٢٢٣ ]
١٩ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، حدثنا سعيد بن أبي مريم، عن معاوية بن صالح، عن أبي يحيى سُلَيم بن عامر، قال: سمعتُ أبا أُمامةَ الباهلي يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول يومَ حَجَّة الوَدَاع: "اعبُدوا ربَّكم، وصَلُّوا خَمْسَكم، وصوموا شهرَكم، وأَدُّوا زكاةَ أموالِكم، وأَطيعوا ذا أَمرِكم، تدخلوا جنَّةَ ربِّكم" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولا نعرفُ له علَّةً، ولم يُخرجاه، وقد احتجَّ مسلم (^٢) بأحاديثَ لسُلَيم بن عامر، وسائرُ رواته متَّفَقٌ عليهم.
٢٠ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا إبراهيم بن مرزوق، حدثنا وَهْب بن جَرِير، حدثنا شُعْبة.
وأخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن الأَسَدي بهَمَذان، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة.
وأخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شُعْبة، عن عمرو بن مُرَّة قال: سمعتُ عبدَ الله بن سَلِمةَ يحدِّث عن صفوان بن عَسَّال المُرَادي، قال: قال يهوديٌّ لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبيِّ نسأَلْه عن هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١]، فقال: لا تقولوا له: نبيٌّ، فإنه لو سَمِعَك لصارت له أربعةُ أعيُن، قال: فسأَلاه، فقال: "لا تُشرِكوا بالله شيئًا، ولا تَسرِقوا، ولا تَزْنُوا، ولا تقتلوا النفسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلّا بالحق،
_________________
(١) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد ٣٦/ (٢٢٢٥٨) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد أيضًا (٢٢٢٦٠) من طريق لقمان بن عامر، عن أبي أمامة. وسيأتي برقم (١٤٥٢) و(١٧٥٩) من طريقين آخرَين عن معاوية بن صالح.
(٢) في المطبوع: البخاري ومسلم، وهو خطأ، فإنَّ البخاري لم يحتج بأحاديث سليم بن عامر، وكذا لم يحتج بمعاوية بن صالح، وإنما هما من رجال مسلم.
[ ١ / ٢٢٤ ]
ولا تَسحَرُوا، ولا تأكلوا الرِّبا، ولا تَمشُوا بِبَريءٍ إلى ذي سلطانٍ ليقتلَه، ولا تَقذِفُوا مُحصِنةً، وأنتم يا يهودُ عليكم خاصةً ألَّا تَعْدُوا في السَّبْت"، فقبَّلا يدَه ورجلَه وقالا: نشهدُ أنك نبيٌّ، فقال: "ما مَنَعَكما أن تُسلِما؟ " قالا: إنَّ داود ﵇ دعا أن لا يزالَ من ذُرِّيته نبيٌّ، وإنا نخشى أن تقتلَنا يهودُ (^١).
هذا حديث صحيح لا نعرفُ له علّةً بوجه من الوجوه، ولم يُخرجاه، ولا ذَكَرا لصفوان بن عسال حديثًا واحدًا.
٢٠ م - سمعتُ أبا عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ وسأله محمدُ بن عُبيدٍ (^٢) فقال: لِمَ تَرَكا حديثَ صفوان بن عسَّال أصلًا؟ فقال: لفسادِ الطريق إليه.
قال الحاكم: وإنما أراد أبو عبد الله بهذا حديثَ عاصم عن زِرٍّ، فإنهما تَرَكا عاصمَ بن بَهْدلةَ، فأمّا عبد الله بن سَلِمةَ المُرادي، ويقال: الهَمْداني، وكنيته أبو العالية، فإنه من كبار أصحاب عليٍّ وعبدِ الله، وقد روى عن سعد بن أبي وقَّاص وجابر بن عبد الله وغيرهما من الصحابة، وقد روى عنه أبو الزُّبير المكي وجماعةٌ من التابعين (^٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف من أجل عبد الله بن سَلِمة، وسيأتي الكلام على حاله عند التعليق على كلام المصنف لاحقًا. وهو في "مسند أحمد" ٣٠/ (١٨٠٩٢) عن محمد بن جعفر ويزيد بن هارون عن شعبة، بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي (٢٧٣٣) و(٣١٤٤)، والنسائي (٣٥٢٧) و(٨٦٠٢) من طرق عن شعبة، به. وقال الترمذي: حسن صحيح! وأخرج ابن ماجه (٣٧٠٥) منه قصة تقبيل اليهوديين يدَ النبيِّ ﷺ ورجلَه، من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة.
(٢) هكذا في النسخ الخطية، وفي المطبوع: محمد بن عبيد الله، وأُلحق لفظ الجلالة في (ب) إلحاقًا، ولم نتبيَّن محمدًا هذا، وأما أبو عبد الله محمد بن يعقوب هذا فهو الأخرم، حافظ مشهور، له "مستخرج" على "صحيح مسلم"، انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٤٦٦.
(٣) عبد الله بن سلمة - في الحقيقة - راويان: عبد الله بن سلمة المرادي، وعبد الله بن سلمة الهَمْداني أبو العالية، وممن ذهب إلى التفريق بينهما ابنُ معين وابن نُمير والبخاري والنسائي =
[ ١ / ٢٢٥ ]
٢١ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا بَحْر بن نصر الخَوْلاني، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني ابن أبي ذِئْب.
وحدثني أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد، حدثنا إسماعيل بن أبي أُوَيس، أخبرني ابن أبي ذِئب عن سعيد بن أبي سعيد المَقبُري، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "واللهِ لا يُؤمِنُ، واللهِ لا يؤمنُ، واللهِ لا يؤمنُ" قالوا: وما ذاكَ يا رسول الله؟ قال: "جارٌ لا يَأمَنُ جارُه بَوَائقَه" قالوا: وما بوائقُه؟ قال: "شَرُّه" (^١).
_________________
(١) = وابن حبان والدارقطني وابن ماكُولَا، وذهب إلى أنهما واحد أحمدُ بن حنبل ومسلم. وممن فرَّق بينهما وبيَّنه بيانًا شافيًا أبو أحمد الحاكم - شيخ المصنف - فقال في كتابه "الكنى"، فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب": عبد الله بن سَلِمة مراديٌّ يروي عن سعد وعليّ وابن مسعود وصفوان بن عسّال، وعنه عمرو بن مُرّة وأبو الزبير، حديثه ليس بالقائم، وعبد الله بن سلمة الهَمْداني إنما يُعرَف له قوله فقط، ولا نعرف له راويًا غير أبي إسحاق السَّبيعي. ثم قال ما معناه: إنَّ الغلط إنما وقع عند من جعلهما واحدًا بكُنية من كنَّى المراديَّ أبا العالية، وإنما هي كنية الهمداني، ولا أعلم أحدًا كنَّى المراديَّ، وقد وقع الخطأ فيه لمسلمٍ وغيره، والله أعلم. قلنا: وعبد الله بن سلمة المرادي قال فيه الراوي عنه عمرو بن مرة - وهو أدرى الناس به -: كان عبد الله بن سلمة يحدِّثنا فنَعرِف ونُنكِر، وكذا قال أبو حاتم: تعرف وتُنكر، وقال البخاري: لا يتابع في حديثه، وقال ابن حبان: يخطئ. وقد حسَّن القول فيه العِجليُّ ويعقوب بن شيبة فوثَّقاه، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. قلنا: وخُلاصة القول فيه: أنه لا ينبغي قبولُ حديثه إلّا فيما يُتابَع فيه، وهذا الحديث الذي خرَّجه المصنف من أفراده لم يتابعه فيه أحدٌ، وقال فيه النسائي: هذا حديث منكر، وقال ابن كثير في "تفسيره": هو حديث مشكِل، وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة، لا تعلُّق لها بقيام الحجّة على فرعون، والله أعلم.
(٢) إسناده صحيح من جهة ابن وهب - واسمه عبد الله - وأما إسماعيل بن أبي أُويس فهو حسن الحديث في المتابعات والشواهد، ضعيف إذا تفرد، والراوي عنه - وهو الحسن بن علي بن زياد - =
[ ١ / ٢٢٦ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه هكذا، إنما خرَّجا حديث أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا يدخلُ الجنةَ من لا يَأمَنُ جارُه بوائقَه" (^١).
٢٢ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق وأبو بكر بن سلمان الفقيهان قالا: حدثنا عبُيد بن شَرِيك، حدثنا يحيى بن بُكَير، حدثنا الليث، حدثني محمد بن عَجْلان، عن القعقاع بن حَكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "المسلمُ مَن سَلِمَ المسلمون من لسانِه ويدِه، والمؤمنُ مَن أَمِنَه الناسُ على دمائِهم وأموالِهم" (^٢).
_________________
(١) = روى عنه جمع ولم يؤثر فيه جرح أو تعديل وهو متابع فيما يرويه، فهو حسن الحديث إن شاء الله. ابن أبي ذئب: اسمه محمد بن عبد الرحمن. وسيأتي مكررًا عند المصنف من طريق أبي العباس برقم (٧٤٨٦). وأخرجه أحمد ١٣/ (٧٨٧٨) عن إسماعيل بن عمر، و١٤/ (٨٤٣٢) عن عثمان بن عمر، و٢٦/ (١٦٣٧٢) عن روح بن عُبَادة، ثلاثتهم عن ابن أبي ذئب، بهذا الإسناد. وخالف هؤلاء جماعةٌ، فرووه عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي شُريح الكَعْبي عن النبي ﷺ، أخرجه الطيالسي (١٤٣٧)، وأحمد (١٦٣٧٢) و(٢٧١٦٢)، والبخاري (٦٠١٦)، والطبراني في "الكبير" ٢٢/ (٤٨٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٠٨٧) و"الآداب" (٧٧). وأشار البخاري بإثر روايته إلى حديث ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة. والاختلاف في راوي الحديث إن كان صحابيًّا لا يضرُّ، وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الروايتين جميعًا محفوظتان. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ١٨/ ٣٧١ (بتحقيقنا): فيه نفي الإيمان عمن يؤذي جارَه بالقول أو الفعل، ومراده الإيمانُ الكامل، ولا شكَّ أنَّ العاصي غير كامل الإيمان.
(٢) هذا ذهولٌ من المصنف ﵀، فإنهما لم يخرجا حديث أبي هريرة من هذا الطريق، وإنما أخرجه مسلم وحده برقم (٤٦) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة. ولم أقف على طريق أبي الزناد عن الأعرج التي أشار إليها.
(٣) إسناده قوي من أجل عبيد بن شريك - وهو عبيد بن عبد الواحد بن شريك - ومحمد بن عجلان. أبو صالح: هو ذكوان السَّمَّان، والليث هو ابن سعد، ويحيى بن بكير: هو يحيى بن عبد الله بن بكير. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٩٣١)، والترمذي (٢٦٢٧)، والنسائي في "المجتبى" (٤٩٩٥)، وابن =
[ ١ / ٢٢٧ ]
قد اتفقا على إخراج طرف حديث: "المسلمُ من سَلِمَ المسلمون من لسانِه ويدِه" (^١)، ولم يُخرجا هذه الزيادةَ وهي صحيحةٌ على شرط مسلم.
وفي هذا الحديث زيادةٌ أخرى على شرطه ممّا لم يخرجاها:
٢٣ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو الحسن محمد بن سِنَان القَزّاز، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جُرَيج، أخبرني أبو الزُّبير، سمع جابرًا يقول: قال رسول الله ﷺ: "أكمَلُ المؤمنين مَن سَلِمَ المسلمون من لسانِه ويدِه" (^٢).
وزيادة أخرى صحيحةٌ على شرطهما ولم يُخرجاها:
٢٤ - حدَّثَناه عبدُ الرحمن بن الحسن بن أحمد القاضي، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا سعيد بن أبي مريم وعبدُ الله بن صالح، قالا: حدثنا الليث، حدثني أبو هانئٍ الخَوْلاني، عن عمرو بن مالك اللَّيثي (^٣)، عن فَضَالةَ بن عُبيدٍ قال: قال رسول الله ﷺ في حَجَّة الوداع: "ألا أُخبِرُكم بالمؤمن، مَن أَمِنَه الناسُ على أموالِهم
_________________
(١) = حبان (١٨٠) من طريقين عن الليث بن سعد، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حسن صحيح. وله شاهد بلفظه من حديث فَضَالة بن عبيد، وهو الآتي عند المصنف برقم (٢٤)، وسنده صحيح.
(٢) أخرجاه من حديثَي عبد الله بن عَمْرو وأبي موسى الأشعري: البخاري (١٠) و(١١)، ومسلم (٤٠) و(٤٢)، والزيادة التي أشار المصنف إلى أنهما لم يخرجاها هي قوله: "المؤمن من أمنه … " إلخ.
(٣) حديث صحيح بلفظ: "أسلم المسلمين إسلامًا … " كما في رواية محمد بن معمر عن أبي عاصم الضحاك بن مَخلَد عند ابن حبان في "صحيحه" (١٩٧)، أو "المسلم من سلم … " كما في رواية غير واحد عن أبي عاصم عند مسلم (٤١)، وابن منده في "الإيمان" (٣١٤)، والبيهقي في "السنن" ١٠/ ١٨٧. وأما إسناد المصنف ففيه محمد بن سنان القزَّار، تكلّم فيه غير واحدٍ، وأحسنَ الظنَّ فيه الدارقطنيُّ فيما نقله عنه المصنف في "سؤالاته" (١٦٣) فقال: لا بأس به.
(٤) كذا في أصول "المستدرك"، وهو سبق قلم، فعمرو بن مالك ليس ليثيًّا، وإنما هو جَنْبي، فلعلَّ الحاكم أو من نسخ أولًا أراد أن يكتب الجنبي، فأخطأ فكتب: الليثي، أو أنه أراد أن يكتبها لفضالة بن عبيد - فهو ليثي - فأخطأ فكتبها لعمرو بن مالك.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وأنفُسِهم، والمسلمُ مَن سَلِمَ المسلمون من لسانِه ويدِه، والمجاهدُ مَن جَاهَدَ نفسَه في طاعةٍ، والمهاجرُ من هَجَرَ الخطايا والذُّنوبَ" (^١).
وزيادة أخرى على شرط مسلم، ولم يُخرجاها:
٢٥ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، حدثنا الحسن بن موسى الأَشيَبُ، حدثنا حمّاد، عن يونس بن عُبيد وحُميدٍ، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "المؤمنُ مَنْ أَمِنَه الناسُ، والمسلمُ مَن سَلِمَ المسلمون من لسانِه ويدِه، والمهاجرُ من هَجَرَ السُّوءَ، والذي نفسي بيده، لا يَدخُلُ الجنةَ عبدٌ لا يَأمَنُ جارُه بَوَائقَه" (^٢).
وزيادة أخرى صحيحة سليمة من رواية المجروحين في مَتْن هذا الحديث ولم يُخرجاها:
_________________
(١) حديث صحيح، وإسناد المصنف ضعيف لضعف شيخه، وانظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" للذهبي ١٦/ ١٥ - ١٦، وقد توبع. الليث: هو ابن سعد، وأبو هانئ الخولاني: هو حميد بن هانئ. وأخرجه أحمد ٣٩/ (٢٣٩٥٨) من طريق عبد الله بن المبارك، عن الليث بن سعد، بهذا الإسناد. وأخرجه مختصرًا ابن ماجه (٣٩٣٤) من طريق عبد الله بن وهب، والترمذي (١٦٢١) من طريق حَيْوة بن شُريح، كلاهما عن أبي هانئ، به. ابن ماجه أخرج منه صفة المؤمن والمهاجر، والترمذي صفةَ المجاهد، وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) إسناده صحيح من جهة حميد - وهو ابن أبي حميد الطويل - عن أنس، وأما من جهة يونس بن عبيد فهو منقطع، فإنه لا يُعرَف له سماع منه وإنما رآه رؤية. حماد: هو ابن سلمة. وأخرجه أحمد ٢٠/ (١٢٥٦١) عن حسن بن موسى، بهذا الإسناد - وقرن بيونسَ وحميدٍ عليَّ بنَ زيد: وهو ابن جُدعان. وأخرجه ابن حبان (٥١٠) من طريق أبي نصر التمار، عن حماد بن سلمة، به. وأخرجه أحمد (١٢٥٦٢) عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن الثلاثة السابقين، عن الحسن - وهو البصري - عن النبي ﷺ مرسلًا. وانظر في قصة الجار ما سيأتي من طريق آخر عن أنس عند المصنف برقم (٧٤٨٧).
[ ١ / ٢٢٩ ]
٢٦ - حدثنا علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا سليمان (^١) بن حَرْب، حدثنا شُعْبة.
وأخبرني أبو عمرو محمد بن جعفرٍ العَدْل، حدثنا يحيى بن محمد، حدثنا عُبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مُرَّة قال: حدثني عبد الله بن الحارث - وأثنى عليه خيرًا - عن أبي كَثير، عن عبد الله بن عمرو قال: خَطَبَنا رسولُ الله ﷺ فقال: "إيّاكم والظُّلمَ، فإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامة، وإيّاكم والفُحْشَ والتفحُّشَ، وإيّاكم والشُّحَّ، فإنما هَلَكَ مَن كان قَبلَكم بالشُّحِّ، أَمَرَهم بالقَطِيعة فقَطَعُوا، وبالبُخْل فبَخِلوا، وبالفجور ففَجَرُوا" فقام رجل فقال: يا رسولَ الله، أيُّ الإسلام أفضلُ؟ قال: "أن يَسلَمَ المسلمون من لسانِك ويدِك"، فقال ذلك الرجل أو غيرُه: يا رسولَ الله، أيُّ الهجرةِ أفضلُ؟ قال: "أنْ تَهجُرَ ما كَرِهَ ربُّك"، قال: "والهِجرةُ هجرتانِ: هجرةُ الحاضر، وهجرةُ البادِي، فهجرةُ البادي: أن يجيبَ إذا دُعِيَ، ويطيعَ إذا أُمِرَ، وهجرةُ الحاضر أعظَمُهما بَلِيَّةً، وأفضلُهما أجرًا" (^٢).
_________________
(١) تحرَّف في (ب) إلى: سليم.
(٢) إسناده صحيح إن شاء الله، ويحيى بن محمد: هو ابن البَخْتري أبو زكريا الحنّائي، ترجمه الخطيب في "تاريخ بغداد" ١٦/ ٣٣٨ وقال: كان ثقة، وأبو كثير: هو الزُّبيدي، مختلف في اسمه، انفرد بالرواية عنه عبد الله بن الحارث النَّجْراني، وقيل: روى عنه أيضًا عمرو بن مرة، ووثقه العجلي والنسائي وابن حبان، وصحَّح له المصنف كما في هذه الرواية. وأخرجه بطوله أحمد ١١/ (٦٤٨٧) و(٦٨٣٧)، وابن حبان (٥١٧٦) من طرق عن شعبة، بهذا الإسناد. وأخرجه مختصرًا أبو داود (١٦٩٨) بقصة الشُّح من طريق حفص بن عمر، والنسائي (٧٧٤٠) و(٨٦٤٩) - بقصة الهجرة - من طريق محمد بن جعفر، كلاهما عن شعبة، به. وسيأتي مختصرًا بقصة الشح عند المصنف برقم (١٥٣٠) من طرق عن شعبة. والشُّح: أشدُّ البخل، وهو أبلغ في المنع من البخل، وقيل: هو البخل مع الحرص، وقيل: البخل: في أفراد الأمور وآحادها، والشحُّ عامٌّ، وقيل: البخل بالمال، والشحّ بالمال والمعروف. وقوله: "الهجرة هجرتان … " قال السندي في حاشيته على "مسند أحمد": هجرة البادي، أي: =
[ ١ / ٢٣٠ ]
قد خرَّجا جميعًا حديث الشَّعْبي عن عبد الله بن عمرو مختصرًا ولم يُخرجا هذا الحديث، وقد اتَّفقا على عمرو بن مُرَّة وعبد الله بن الحارث النَّجْراني (^١)، فأما أبو كَثير زهير بن الأَقمَر الزُّبيدي فإنه سمع عليًّا وعبدَ الله فمَن بعدَهما من الصحابة.
وهذا الحديث بعَينِه عند الأعمش عن عمرو بن مُرَّة:
٢٧ - حدَّثَناه عليُّ بن عيسى، حدثنا الحسين بن محمد بن زياد، حدثنا عبد الله بن عمر بن أَبَان، حدثنا حسين بن علي، عن الفُضَيل بن عِيَاض، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد الله بن الحارث، عن زهير بن الأَقمَر، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "اتقُوا الظلمَ"، فذكر الحديث بطوله (^٢).
ولهذه الزيادات التي ذَكَرْناها عن عبد الله بن عمرو شاهدٌ صحيح على شرط مسلم من رواية أبي هريرة:
٢٨ - أخبرَناه أبو الحسين محمد بن أحمد القَنطَري، حدثنا أبو قِلَابة، حدثنا أبو عاصم، عن ابن عَجْلان.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق - واللفظ له - أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان، حدثنا ابن بُكَير، حدثني الليث، عن محمد بن عَجْلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبُري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إياكم والفُحْشَ والتفحُّشَ، فإنَّ الله لا يحبُّ الفاحشَ المتفحِّشَ، وإياكم والظُّلمَ فإنه هو الظُّلُماتُ يومَ القيامة، وإياكم والشُّحَّ، فإنه دعا مَن قَبلَكم فَسَفَكُوا دماءَهم، ودعا مَن قَبلَكم فَقَطَعُوا أرحامَهم، ودعا
_________________
(١) = أهل البدو، أي: أنه إذا سكن البدوَ مع حضوره الجهادَ ومع الطاعة لله ولرسوله فهو مهاجر، وأما من ترك الوطن وسكن المدينةَ لله ولرسوله فهو أكمل، والله تعالى أعلم.
(٢) عبد الله بن الحارث من أفراد مسلم ولم يخرج له البخاري في "صحيحه" شيئًا.
(٣) اسناده صحيح كسابقه. حسين بن علي: هو الجعفي. وأخرجه النسائي (١١٥١٩) عن عبدة بن عبد الله، عن حسين بن علي الجعفي، بهذا الإسناد - إلى قوله: "وأمرهم بالقطيعة فقطعوا".
[ ١ / ٢٣١ ]
مَن قَبلَكم فاستَحلُّوا حُرُماتِهم" (^١).
٢٩ - حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا محمد بن سابقٍ، حدثنا إسرائيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عَلْقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "ليس المؤمنُ بالطَّعَانِ ولا اللَّعّانِ، ولا الفاحشِ ولا البَذِيء" (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجَّا بهؤلاء الرواة عن آخرهم، ثم لم يخرجاه، وأكثرُ ما يمكن أن يقال فيه أنه لا يوجدُ عند أصحاب الأعمش، وإسرائيلُ بن يونس السَّبِيعي كبيرُهم وسيِّدهم، وقد شاركَ الأعمشَ في جماعة من شيوخه، فلا يُنكَرُ له التفرُّدُ عنه بهذا الحديث (^٣).
وللحديث شاهدٌ آخرُ على شرطهما:
٣٠ - حَدَّثَناه أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن أيوب، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أبو بكر بن عيَّاش، عن الحسن بن عَمرو الفُقَيمي، عن محمد بن عبد الرحمن
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي من أجل محمد بن عجلان. أبو قلابة: هو عبد الملك بن محمد الرَّقاشي، وأبو عاصم: هو الضحاك بن مَخلَد، وابن بُكير: هو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري. وأخرجه أحمد ١٥/ (٩٥٧٠) عن يحيى بن سعيد القطان، وابن حبان (٥١٧٧) و(٦٢٤٨) من طريق سفيان بن عيينة، كلاهما عن ابن عجلان، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (٩٥٦٩) عن يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر العُمري، عن سعيد المقبري، به.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي من أجل محمد بن سابق. إبراهيم: هو ابن يزيد النَّخَعي، وهو ابن أخت علقمة: وهو ابن قيس النخعي، وعبد الله: هو ابن مسعود ﵁. وأخرجه أحمد ٦/ (٣٨٣٩)، والترمذي (١٩٧٧) من طريق محمد بن سابق بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وانظر ما بعده.
(٣) يردُّ الحاكم بهذا على من استنكر أن يكون الحديث عند الأعمش، كابن المَدِيني وابن أبي شيبة، انظر ترجمة محمد بن سابق في "تهذيب الكمال".
[ ١ / ٢٣٢ ]
ابن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس المؤمنُ بالطَّعّانِ ولا اللَّعّانِ، ولا الفاحش ولا البَذِيء" (^١).
وللحديث شاهدٌ ثانٍ عن إبراهيم النَّخَعي، لا بدَّ من ذِكْره وإن لم يكن إسناده من شرط الشيخين:
٣١ - أخبرَناه أبو الحسين علي بن عبد الرحمن بن ماتَى بالكوفة، حدثنا الحسين بن الحَكَم الحِبَري، حدثنا إسماعيل بن أَبان، حدثنا صَبّاح بن يحيى، عن ابن أبي ليلى، عن الحَكَم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أنَّ النبي ﷺ قال: "المؤمنُ ليس بالطَّعّان، ولا الفاحشِ ولا البَذِيءِ" (^٢).
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإن كان يُنسَب إلى سوء الحِفْظ، فإنه أحد فقهاء الإسلام وقُضَاتهم، ومن أكابر أولاد الصحابة والتابعين من الأنصار، رحمة الله تعالى عليهم.
٣٢ - حدثنا أبو محمد دَعْلَج بن أحمد السِّجْزي ببغداد، حدثنا محمد بن علي بن زيد (^٣) الصائغ، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن وعبد العزيز
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل أبي بكر بن عيّاش. محمد بن أيوب: هو ابن الضُّريس صاحب كتاب "فضائل القرآن"، وأحمد بن يونس: هو أحمد بن عبد الله بن يونس، نُسب إلى جدِّه. وأخرجه أحمد ٧/ (٣٩٤٨)، وابن حبان (١٩٢) من طريقين عن أبي بكر بن عياش، بهذا الإسناد.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف، ابن أبي ليلى - وهو محمد بن عبد الرحمن - سيئ الحفظ كما قال المصنف، وصبّاح بن يحيى قال البخاري: فيه نظر، وذكره العقيلي في "الضعفاء"، لكن نقل البرقاني في "سؤالاته" عن الدارقطني (٢٣٠): أنه وثَّقه! وقال الذهبي في "الميزان": متروك بل متهم! وأخرجه من هذا الوجه خيثمة بن سليمان في "حديثه" ص ٧٧ - ٧٨ عن الحسين بن الحكم الحِبَري بهذا الإسناد.
(٣) تحرَّف في (ص) إلى: يزيد.
[ ١ / ٢٣٣ ]
ابن محمد، عن عمرو مولى المطَّلِب، عن المطَّلِب، عن أبي موسى الأَشعَري، أنَّ رسول الله ﷺ قال: مَن عَمِلَ سيئةً فكَرِهَها حين يعملُ، وعَمِلَ حسنةً فسُرَّ بها، فهو مؤمنٌ" (^١).
قد احتجَّا برُوَاة هذا الحديث عن آخرهم (^٢)، وهو صحيح على شرطهما، ولم يُخرجاه، إنما خرَّجا (^٣) في خطبة عمر بن الخطاب "ومَن سَرَّته حَسَنتُه، وساءته سيِّئتُه، فهو مؤمنٌ".
وله شاهد بهذا اللفظ:
٣٣ - أخبرَناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفّار، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كَثير، عن زيد بن سَلّام، عن جدِّه ممطور، عن أبي أُمامة: أنَّ رسول الله ﷺ سأله رجل فقال: يا رسول الله، ما الإيمانُ؟ قال: "إذا سَرَّتكَ حَسَنتُك، وساءتكَ سيِّئتُك، فأنت مؤمنٌ" فقال: يا رسول الله، ما الإثمُ؟ قال: "إذا حَكَّ في صدرِك شيءٌ فَدَعْه" (^٤).
_________________
(١) صحيح لغيره، وهذا إسناد لا بأس برجاله إلَّا أنه منقطع، المطَّلب - وهو ابن عبد الله بن المطلب بن حَنطَب - لم يدرك أبا موسى الأشعري. وسيأتي مكررًا برقم (١٧٨). وأخرجه أحمد ٢/ (١٩٥٦٥) عن قتيبة بن سعيد، عن عبد العزيز بن محمد - وهو الدَّرَاوَرْدي - بهذا الإسناد. وله شاهد من حديث عمر بن الخطاب عند أحمد ١/ (١١٤)، والترمذي (٢١٦٥)، والنسائي (٩١٨١)، وإسناده صحيح. وسيأتي عند المصنف برقم (٣٩٢). وآخر عن عامر بن ربيعة عند أحمد ٢٤/ (١٥٦٩٦)، وإسناده ضعيف. وثالث عن أبي أمامة، وهو الحديث التالي.
(٢) كذا قال، وهو ذهول، فإنَّ المطَّلب لم يرويا له شيئًا.
(٣) كذا وقع للحاكم هنا، وهو ذهول فإنَّ الشيخين لم يخرجا حديث عمر، وقد نصَّ الحاكم نفسه على ذلك فيما سيأتي عند الحديثين (١٧٨) و(٣٩٢).
(٤) إسناده صحيح، وسماع يحيى بن أبي كثير من زيد بن سلّام ثابت صحيح، وكذا سماع ممطورٍ أبي سلّام من أبي أمامة صُدَي بن عجلان. =
[ ١ / ٢٣٤ ]
وهكذا رواه عليُّ بن المبارك ومَعمَر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير.
أما حديث علي بن المبارك:
٣٤ - فحدَّثَناه مُكرَم بن أحمد القاضي، حدثنا أبو قِلَابة، حدثنا يحيى بن كثير العَنبَري، حدثنا علي بن المبارَك، حدثني يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سَلَّام (^١)، عن جده أبي سَلَّام قال: سمعت أبا أُمامة يقول: سأل رجلٌ رسولَ الله ﷺ: ما الإيمانُ؟ قال: "إذا سرَّتكَ حَسَنتُك، وساءتكَ سيِّئتُكَ، فإنك مؤمنٌ" (^٢).
وأما حديث مَعمَر:
٣٥ - فأخبرَناه أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الحميد الصنعاني، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعمَر، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سَلّام، عن أبي سَلّام، عن أبي أُمَامة: أنَّ رسول الله ﷺ سُئلَ: ما الإيمانُ؟ فقال: "مَن سَرَّتْه حَسَنتُه، وساءَتْه سيِّئتُه، فهو مؤمنٌ" (^٣).
هذه الأحاديث كلها صحيحة متَّصِلة على شرط الشيخين.
٣٦ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الرَّبيع بن سليمان (^٤)، حدثنا
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ٣٦/ (٢٢١٦٦) و(٢٢١٩٩) من طريقين عن هشام بن أبي عبد الله الدَّستُوائي، بهذا الإسناد. وسيأتي بالأرقام (٣٤) و(٣٥) و(٢٢٠١) و(٧٢٢٤). قوله: "إذا حكَّ" ويقال: "إذا حاك"، وكلٌّ جائز صحيح، ومعناه: إذا تردَّد وأثَّر.
(٢) تحرَّف في (ز) و(ب) إلى: أسلم.
(٣) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي من أجل أبي قلابة - وهو عبد الملك بن محمد الرَّقَاشي - ويحيى بن كثير العنبري. وانظر ما قبله علي بن المبارك: هو الهُنائي البصري.
(٤) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد ٣٦/ (٢٢١٥٩) من طريق رباح بن زيد الصنعاني، عن معمر، بهذا الإسناد. وانظر ما قبله.
(٥) تحرَّف في (ب) إلى: سليم.
[ ١ / ٢٣٥ ]
بِشْر بن بكر، حدثني ابن جابر قال: سمعتُ سُلَيمَ بنَ عامر يقول: سمعتُ عوفَ بن مالك الأَشجعيَّ يقول: نزلنا مع رسول الله ﷺ مَنزِلًا، فاستيقظتُ من الليل، فإذا لا أَرى في العسكر شيئًا أطولَ من مُؤْخِرة رَحْلي، لقد لَصِقَ كلُّ إنسان وبعيرُه بالأرض، فقمت أتخلَّلُ الناسَ حتى دَفَعتُ إلى مَضجَعِ رسول الله ﷺ، فإذا ليس فيه، فوضعتُ يدي على الفِراش، فإذا هو بارد، فخرجتُ أتخلَّلُ الناسَ وأقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ذُهِبَ برسول الله ﷺ، حتى خرجتُ من العسكر كلِّه، فنظرتُ سَوَادًا فرَمَيتُ بحجرٍ، فمَضَيتُ إلى السَّوَاد، فإذا معاذُ بن جبل وأبو عُبيدة بن الجرَّاح، وإذا بين أيدينا صوتٌ كدَوِيِّ الرَّحَى، أو كصوت القَصْباء (^١) حين يصيبها الريح، فقال بعضنا لبعض: يا قوم، اثبُتوا حتى تُصبِحوا أو يأتيَكم رسول الله ﷺ، قال: فلَبِثْنا ما شاء الله، ثم نادى: "أثَمَّ معاذُ بن جبل وأبو عُبيدة بن الجرَّاح وعوفُ بن مالك؟ " فقلنا: أيْ نَعَم، فأقبلَ إلينا، فخرجنا نمشي معه لا نسألُه عن شيء ولا نخبرُه بشيء، فقَعَدَ على فِراشِه، فقال: "أتدرون ما خَيَّرني به ربِّي الليلةَ؟ " فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنه خيَّرني بين أن يُدخِلَ نصفَ أُمتي الجنةَ وبين الشفاعةِ، فاخترتُ الشفاعةَ" قلنا: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلَنا من أهلها، قال: "هي لكلِّ مسلمٍ" (^٢).
_________________
(١) تحرَّف في (ب) إلى: الهصباء. والقصباء: هو القَصَب اسمٌ مفرد يراد به الجمع.
(٢) إسناده صحيح متصل، ولا عبرة بقول ابن أبي حاتم في"الجرح والتعديل" ٤/ ٢١١: سليم بن عامر عن عوف بن مالك مرسل لم يلقه؛ فقد ثبت سماعُه منه في رواية بلديِّه الثقة ابن جابر: وهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. وأخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" ٢/ ٦٣٨ - ٦٣٩ عن الربيع بن سليمان المرادي، بهذا الإسناد. وسيأتي عند المصنف برقم (٢٢٢) من طريق بحر بن نصر عن بشر بن بكر، وانظر ما بعده هناك. وأخرجه بطوله الطبراني في "مسند الشاميين" (٥٧٥)، وابن منده في "الإيمان" (٩٣٢) من طريق صدقة بن خالد وابن منده أيضًا من طريق الوليد بن مسلم، كلاهما عن ابن جابر، به. وأخرجه ابنُ ماجه (٤٣١٧) مختصرًا من طريق صدقة بن خالد، عن ابن جابر، به.
[ ١ / ٢٣٦ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه، ورواته كلُّهم ثقات على شرطهما جميعًا، وليس له عِلَّة، وليس في سائر أخبار الشفاعة: "هي لكلِّ مسلم".
٣٧ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم أخبرنا ابن وهب، أخبرني سفيان الثَّوْري
وأخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمَرْو، حدثنا أحمد بن سَيّار (^١).
وحدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، أخبرنا يوسف بن يعقوب؛ قالا: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ما قاتلَ رسولُ الله ﷺ قومًا حتى دعاهم (^٢).
هذا حديث صحيح من حديث الثوري، ولم يُخرجاه، وقد احتجَّ مسلم بأبي نَجِيح والد عبد الله واسمه يسار، وهو من الموالي المكيين، وقد رُوِيَ عن علي بن أبي طالب عن رسول الله ﷺ بهذا اللفظ (^٣)، واتَّفقا جميعًا على إخراج حديث عبد الله بن عَوْن: كتبتُ إلى نافع مولى ابن عمر أسألُه عن القتال قبلَ الدعاء، فكَتَبَ إليَّ: أنَّ رسول الله ﷺ أغارَ على بني المُصطَلِق … الحديث، وفيه: وكان الدعوةُ قبل القتال (^٤).
٣٨ - حدثنا علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا هشام بن علي السِّيرافي، حدثنا عبد الله
_________________
(١) تحرَّف في (ب) إلى: سنان.
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد ٤/ (٢١٠٥) عن بشر بن السَّرِيّ، عن سفيان الثوري، بهذا الإسناد.
(٣) لم نقف عليه عن علي بهذا اللفظ، لكن أخرج الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣/ ٢٠٧، والطبراني في "الأوسط" (٨٢٦٥) من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن عمه أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ بعث عليًّا إلى قوم يقاتلهم … قال: وأمر رسول الله ﷺ عليًّا أن لا يقاتلهم حتى يدعوهم. وهو عند عبد الرزاق (٩٤٢٤) من حديث يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة مرسلًا.
(٤) هو في البخاري (٢٥٤١) ومسلم (١٧٣٠) بنحوه، وانظر "مسند أحمد" ٨/ (٤٨٥٧).
[ ١ / ٢٣٧ ]
ابن رجاء، حدثنا سعيد بن سَلَمة بن (^١) أبي الحُسَام، حدثنا محمد بن المنكدِر، سمع ربيعةَ بن عِبَاد الدُّؤَلي يقول: رأيتُ رسول الله ﷺ بمِنى في منازلهم قبل أن يهاجر إلى المدينة، يقول: "يا أيُّها الناس، إنَّ الله يأمرُكم أن تَعبُدوه ولا تُشْرِكوا به شيئًا"، قال: ووراءَه رجلٌ، يقول: يا أيها الناس إنَّ هذا يأمركم أن تَترُكوا دينَ آبائكم، فسألتُ: من هذا الرجل؟ قيل: أبو لَهَب (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ورواتُه عن آخرهم ثقات أثبات، ولعلَّهما أو واحدًا منهما توهَّم أنَّ ربيعة بن عِبَاد ليس له راوٍ غيرُ محمد بن المنكدر، وقد روى عنه أبو الزِّناد عبد الله بن ذَكْوان هذا الحديث بعينِه:
٣٩ - أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن حمدان الجلَّاب بهَمَذان، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا ابن أبي الزِّناد، أخبرني أَبي، حدثني ربيعة بن عِبَاد الدُّؤَلي، قال: رأيت رسولَ الله ﷺ في الجاهلية بسوق ذي المَجَاز وهو يقول: "يا أيها الناس، قولوا: لا إلهَ إلّا الله، تُفلِحوا"، قال: يردِّدها مرارًا والناسُ مجتمعون عليه يتبعونه، وإذا وراءَه رجلٌ أحولُ ذو غَدِيرتَينِ، وَضِيءُ الوجه، يقول: إنه صابئٌ كاذب، فسألتُ: من هذا؟ فقالوا: عمُّه أبو لهب (^٣).
_________________
(١) تحرَّف لفظ "بن" في (ص) (ب) إلى: عن.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل سعيد بن سلمة. عبد الله بن رجاء: هو الغُدَاني. وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على "المسند" ٢٥/ (١٦٠٢٤) عن سعيد بن أبي الربيع، عن سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، بهذا الإسناد. وانظر ما بعده.
(٣) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل ابن أبي الزناد: وهو عبد الرحمن. وأخرجه عبد الله بن أحمد ٢٥/ (١٦٠٢٣) عن داود بن عمرو الضَّبّي، عن ابن أبي الزناد، بهذا الإسناد. وانظر ما قبله. وله طرق أخرى انظرها في "المسند" (١٦٠٢٠ - ١٦٠٢٧). وسوق ذي المجاز: أحد أسواق العرب المشهورة في الجاهلية، وكانت قريبًا من عرفة. والغَديرة: الجديلة من الشَّعر. =
[ ١ / ٢٣٨ ]
قال: وإنما استشهدتُ بعبد الرحمن بن أبي الزِّناد اقتداءً بهما، فقد استَشهَدا جميعًا به.
٤٠ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، حدثنا أبو عاصم، حدثنا صالح بن رُستُم، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عائشة قالت: جاءت عجوزٌ إلى النبي ﷺ وهو عندي، فقال لها رسول الله ﷺ: "من أنتِ؟ " قالت: أنا جَثّامةُ المُزَنيَّة، فقال: "بل أنتِ حَسّانةُ المُزَنية، كيف أنتم؟ كيف حالُكم؟ كيف كنتم بعدَنا؟ " قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خَرَجَت قلتُ: يا رسول الله، تُقبِلُ على هذه العجوز هذا الإقبالَ! فقال: "إنها كانت تأتينا زمنَ خديجةَ، وإِنَّ حُسْنَ العهدِ من الإيمان" (^١).
_________________
(١) = والصابئ: الذي خرج من دينٍ إلى دينٍ غيره.
(٢) إسناده حسن من أجل صالح بن رستم: وهو أبو عامر الخزاز. أبو عاصم: هو الضحاك بن مخلد النبيل، وابن أبي مليكة: اسمه عبد الله بن عبيد الله. وأخرجه البيهقي في "الآداب" (١٨٢) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن الأعرابي في "معجمه" (٧٧٤) - ومن طريقه القضاعي في "مسند الشهاب" (٩٧١) - والبيهقي في "شعب الإيمان" (٨٧٠١)، وابن عبد البر في ترجمة حسّانة من "الاستيعاب" (٣٢٧٧) من طريق محمد بن يونس الكُدَيمي، عن أبي عاصم، به. والكُديمي ضعيف لكنه متابع. وأخرجه مختصرًا عبد الغني الأزدي في "الغوامض والمبهمات" (٦٥)، والبيهقي (٨٧٠٢)، وقاضي المارستان في "مشيخته" (١٦١) من طريق حفص بن غياث عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه كذلك القضاعي (٩٧٢)، والبيهقي (٨٧٠٠) من طريق عبد المؤمن بن يحيى بن أبي كثير، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن عائشة - ولفظه فيهما: "كرم الوُدِّ من الإيمان". وعبد المؤمن هذا ذكره ابن حبان في "الثقات" ٨/ ٤١٧، ومن فوقه ثقات مشهورون. وأخرج البخاري في "التاريخ الكبير" ١/ ٣١٩ تعليقًا من طريق إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمد بن زيد التيمي، عن عائشة: قال النبي ﷺ: "حسنُ العهد من الإيمان". وإسناده ضعيف. =
[ ١ / ٢٣٩ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد اتفقا على الاحتجاج برُواتِه في أحاديثَ كثيرة، وليس له عِلّة.
٤١ - حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد بن عبد الله العَنبَري، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العَبْدي، حدثنا موسى بن أيوب النَّصِيبي.
وحدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أخبرنا محمد بن أحمد بن الوليد الكَرَابيسي، حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي؛ قالا: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ لله تسعةً وتسعين اسمًا مئةً إلّا واحدة، مَن أحصاها دخل الجنة: إنه وِترٌ يحبُّ الوترَ: هو الله الذي لا إلهَ إلَّا هو، الرحمنُ، الرحيمُ، الملِكُ القُدُّوس، السلامُ، المؤمنُ، المهيمِنُ العزيزُ، الجبَّارُ، المتكبِّرُ، الخالقُ، البارئُ، المصوِّرُ، الغَفَّارُ، القَهَّارُ، الوهَّابُ، الرزَّاقُ، الفتَّاحُ، العليمُ، القابضُ، الباسطُ، الخافضُ، الرافعُ، المُعِزُّ، المُذِلُّ، السَّميعُ، البصيرُ، الحَكَمُ، العَدْلُ، اللطيفُ، الخبيرُ، الحليمُ، العظيمُ، الغفورُ، الشَّكُورُ، العَلِيُّ، الكبيرُ، الحفيظُ، المُغيثُ - وقال صفوان في حديثه: المُقِيتُ، وإليه ذهب أبو بكر محمد بن إسحاق في "مختصر الصحيح" - الحَسِيبُ، الجليلُ، الكريمُ، الرَّقيبُ، المجيبُ، الواسعُ، الحكيمُ، الوَدُودُ، المَجِيدُ، الباعثُ الشهيدُ، الحقُّ، الوكيلُ، القويُّ، المَتينُ، الوليُّ، الحميدُ، المُحْصِي، المُبدِئُ، المُعِيدُ، المُحْيي، المُمِيتُ، الحيُّ، القَيُّومُ، الواجدُ، الماجِدُ، الواحدُ، الصمَدُ، القادرُ، المقتدِرُ، المقدِّمُ، المؤخِّرُ، الأوَّلُ، الآخِرُ، الظاهرُ، الباطنُ الوالي، المُتَعالي، البَرُّ، التوَّابُ، المنتقمُ، العَفُوُّ، الرؤُوفُ، مالكُ المُلْكِ، ذو الجلالِ والإكرامِ، المُقسِطُ، الجامعُ، الغنيُّ، المُغْني، المانعُ، الضارُّ، النافعُ، النُّورُ، الهادي، البديعُ، الباقي، الوارثُ، الرَّشيدُ، الصَّبُورُ" (^١).
_________________
(١) = العهد في هذا الحديث: الحِفَاظ ورعاية الحُرمةِ والحقِّ. قاله أبو عبيد في "غريب الحديث" ٣/ ١٣٨.
(٢) رجاله ثقات، إلّا أنَّ ذِكرَ هذه الأسماء في الحديث مُدرَج من بعض الرواة كما قرَّره جمهورُ الأئمة الحفّاظ، انظر تفصيل ذلك في التعليق على "صحيح ابن حبان" (٨٠٨). =
[ ١ / ٢٤٠ ]
هذا حديث قد خرَّجاه في "الصحيحين" (^١) بأسانيدَ صحيحة دون ذِكْر الأسامي فيه، والعِلَّة فيه عندهما أنَّ الوليد بن مسلم تفرَّد بسيَاقتِه بطوله وذِكْر الأسامي فيه ولم يَذكُرها غيره، وليس هذا بعِلَّة، فإني لا أعلمُ اختلافًا بين أئمة الحديث أنَّ الوليد بن مسلم أوثقُ وأحفظُ وأعلم وأجلُّ من أبي اليَمَان وبِشْر بن شعيب وعلي بن عياش وأقرانهم من أصحاب شعيب (^٢).
ثم نظرنا فوَجَدْنا الحديث قد رواه عبد العزيز بن الحُصَين عن أيوب السَّختِياني وهشام بن حسّان جميعًا عن محمد بن سِيرِين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بطوله:
٤٢ - حدَّثَناه أبو محمد عبد الرحمن بن حمدان الجَلَّاب بهَمَذان، حدثنا الأمير أبو الهيثم خالد بن أحمد الذُّهْلي بهَمَذان، حدثنا أبو أَسَد عبد الله بن محمد البَلْخي، حدثنا خالد بن مَخْلَد القَطَواني.
وحدثنا محمد بن صالح بن هانئ وأبو بكر بن عبد الله قالا: حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا أحمد بن سفيان النَّسَوي، حدثنا خالد بن مَخْلَد، حدثنا عبد العزيز بن حُصَين بن التَّرجُمان، حدثنا أيوب السَّختِياني وهشام بن حسَّان، عن محمد بن سِيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ لله تسعةً وتسعين اسمًا مَن أحصاها
_________________
(١) = وأخرجه الترمذي (٣٥٠٧)، وابن حبان (٨٠٨) من طرق عن إبراهيم بن يعقوب، عن صفوان بن صالح، بهذا الإسناد. وقال: حديث غريب. وأخرجه بنحوه ابن ماجه (٣٨٦١) من طريق موسى بن عقبة، عن الأعرج، به. وإسناده ضعيف.
(٢) البخاري (٢٧٣٦) و(٦٤١٠) و(٧٣٩٢)، ومسلم (٢٦٧٧).
(٣) يشير إلى أنَّ هؤلاء رووه عن شعيب بدون سياق الأسماء، فرواية أبي اليمان عند البخاري (٢٧٣٦) و(٧٣٩٢)، ورواية بشر بن شعيب عند البيهقي في "السنن" ١٠/ ٢٧، ورواية علي بن عياش عند النسائي (٧٦١٢). وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ١٩/ ٤٦١ (بتحقيقنا): وليست العلَّةُ عند الشيخين تفرُّد الوليد فقط، بل الاختلاف عليه والاضطراب وتدليسه واحتمال الإدراج. وانظر تمام البحث فيه فإنه نفيس.
[ ١ / ٢٤١ ]
دخلَ الجنةَ: اللهُ، الرحمنُ، الرحيمُ، الإلهُ الربُّ، الملِكُ، القُدُّوس، السلامُ، المؤمنُ، المهيمِنُ، العزيزُ، الجبّارُ، المتكبِّرُ، الخالقُ، البارئُ، المصوِّرُ، الحليمُ، العَليمُ، السميعُ، البصيرُ، الحيُّ، القَيُّومُ، الواسعُ، اللطيفُ، الخبيرُ، الحنَّانُ، المنَّانُ، البديعُ، الوَدُودُ، الغفورُ، الشَّكورُ، المَجِيدُ، المبدِئُ، المُعِيدُ، النُّورُ، البادئُ (^١)، الأولُ، الآخِرُ، الظاهرُ، الباطنُ، الغَفَّارُ، الوهّابُ، القادرُ، الأَحَدُ، الصمَدُ، الكافي، الباقي، الوكيلُ، المَجِيدُ، المُغِيثُ، الدائمُ، المتعالِ، ذو الجلالِ والإكرام، المولى، النَّصيرُ، الحقُّ، المُبينُ، الباعثُ، المُجيبُ، المُحْيي المُميتُ، الجميلُ، الصادقُ، الحفيظُ، الكبيرُ، القريبُ، الرَّقيبُ، الفتَّاحُ، العَليمُ، التَّوابُ، القديمُ، الوِتُر، الفاطرُ، الرزّاقُ، العلّامُ، العلِيُّ، العظيمُ، الغنيُّ، المَليكُ، المقتدِرُ، الأكرمُ، الرؤُوفُ، المدبِّرُ، المالكُ، القديرُ، الهادي، الشاكرُ، الرفيعُ، الشهيدُ، الواحدُ، ذو الطَّوْلِ، ذو المَعارِجِ، ذو الفَضْل، الخلّاقُ، الكفيلُ، الجليلُ، الكريمُ" (^٢).
هذا حديثٌ محفوظ من حديث أيوب وهشام، عن محمد بن سِيرين، عن أبي هريرة، مختصرًا دون ذِكْر الأسامي الزائدة فيها (^٣)، كلُّها في القرآن، وعبدُ العزيز بن
_________________
(١) وقع في النسخ الخطية بالراء، وعليه فهو مكرَّر، لكن الصواب بالدال، من: بدأ، ونصَّ على أنه بالدال الحافظُ ابن حجر في "الفتح" ١٩/ ٤٦٣، وقال الخطابي في "شأن الدعاء": معناه معنى المُبدِئ، يقال: بدأَ وأبدأَ بمعنى واحد؛ وهو الذي ابتدأ الأشياءَ مخترعًا لها من غير أصل.
(٢) إسناده ضعيف لضعف عبد العزيز بن حصين، وأورد له العقيلي هذا الحديث في كتابه "الضعفاء" (٩٤٣). وقال الذهبي في "تلخيصه": ضعَّفوه. وأخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (١٠) عن الحاكم، بهذا الإسناد. وضعَّفه بعبد العزيز. وأخرجه ابن الأعرابي في "معجمه" (١٧٣٥) - وعنه الخطابي في "شأن الدعاء" ص ٩٩ - والبيهقي في "الاعتقاد" ص ٥١ من طريقين عن خالد بن مخلد، به. وزادا في الأسماء بين الحفيظ والكبير: المُحيط. وضعَّفه الخطابي أيضًا بعبد العزيز.
(٣) حديث أيوب عن ابن سيرين عند أحمد ١٣/ (٧٦٢٣)، ومسلم (٢٦٧٧)، وحديث هشام - وهو ابن حسان - عنه عند أحمد ١٦/ (١٠٤٨١)، والترمذي (٣٥٠٦).
[ ١ / ٢٤٢ ]
الحُصَين بن التَّرجُمان ثقةٌ وإن لم يُخرجاه! وإنما جعلتُه شاهدًا للحديث الأول.
٤٣ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا إبراهيم بن مرزوق، حدثنا وَهْب بن جَرِير، حدثنا شُعْبة.
وأخبرنا عبد الرحمن بن الحسن القاضي بهَمَذان، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق وأبو بكر بن بالَوَيهِ، قالا: حدثنا محمد بن غالب، حدثنا عفَّان ومحمد بن كثير وأبو عمر الحَوْضي، قالوا: حدثنا شعبة، أخبرني سَلَمة بن كُهَيل قال: سمعت عيسى - رجلًا من بني أَسَد - يحدّث عن زِرٍّ، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "الطِّيَرةُ شِركٌ، ولكنَّ الله ﷿ يُذهِبُه بالتوكُّل" (^١).
وعيسى هذا: هو ابن عاصم الأَسَدي، كوفيٌّ ثقة.
٤٤ - حدثنا بصِحَّة ما ذكرتُه أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا مُسدَّد، حدثنا يحيى.
وأخبرني أبو بكر بن عبد الله، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن خَلَّاد
_________________
(١) إسناده صحيح، وعبد الرحمن بن الحسن شيخ المصنف في أحد طرقه - وإن كان ضعيفًا - قد توبع. وأخرجه أحمد ٧/ (٤١٧١) من طريقين عن شعبة، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٦/ (٣٦٨٧) و٧/ (٤١٩٤)، وأبو داود (٣٩١٠)، وابن ماجه (٣٥٣٨)، والترمذي (١٦١٤)، وابن حبان (٦١٢٢) من طريق سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. والطِّيَرة: التشاؤم والاعتماد على ذلك في عمل شيءٍ ما أو تركه، قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ١٧/ ٥٧٦: وإنما جُعل ذلك شركًا لاعتقادهم أنَّ ذلك يجلب نفعًا أو يدفع ضُرًّا، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى. وقوله: "ولكنَّ الله يُذهِبُه بالتوكل" إشارة إلى أنَّ من وقع له ذلك فسلَّم لله ولم يَعبَأ بالطِّيَرة، أنه لا يؤاخذ بما عَرَضَ له من ذلك.
[ ١ / ٢٤٣ ]
الباهلي، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن سلمة بن كُهَيل، عن عيسى بن عاصم، عن زِرٍّ، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "الطِّيَرةُ من الشِّرك، وما مِنّا، ولكنَّ الله يُذهِبُه بالتوكُّل" (^١).
هذا حديثٌ صحيحٌ سندُه، ثقاتٌ رواتُه، ولم يُخرجاه.
وعيسى بن عاصم الأسدي قد روى أيضًا عن عَدِيِّ بن ثابت وغيره، وقد روى عنه شعبة وجرير بن حازم ومعاوية بن صالح وغيرهم.
٤٥ - حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب والحسين بن محمد بن زياد وأحمد بن سلمة، قالوا: حدثنا إسحاق (^٢) بن إبراهيم، أخبرنا جَرير، عن الحسن بن عبيد الله النَّخَعي، عن سعد بن عُبيدة، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "مَن حَلَفَ بغيرِ الله فقد كَفَرَ" (^٣).
_________________
(١) إسناده صحيح كسابقه. ونقل الترمذي بإثر الحديث عن البخاري عن سليمان بن حرب في قوله هذا الحديث: "وما منَّا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" قال: هذا عندي قول عبد الله بن مسعود!
(٢) في (ب): يحيى بن إسحاق، بزيادة "يحيى بن" وهو خطأ، وكانت هذه الزيادة في (ز) ثم رُمِّجت على الصواب. وإسحاق هذا: هو ابن راهويه.
(٣) رجاله عن آخرهم ثقات، إلّا أنَّ فيه علَّةً وهي الانقطاع بين سعد بن عبيدة وابن عمر، فقد بيَّن منصور ابن المعتمر في روايته عن سعد بن عبيدة عند أحمد ٩/ (٥٣٧٥) و(٥٥٩٣) و١٠/ (٦٠٧٣) أنَّ سعدًا إنما سمعه من رجل اسمه محمد الكندي عن ابن عمر، ومحمد هذا لا يُعرَف، ومنصور مقدَّم في الخلاف على غيره من الرواة. وانظر الكلام على هذا الإسناد مفصَّلًا عند الحديث (٤٩٠٤) من "مسند أحمد". إسحاق بن إبراهيم: هو ابن راهويه، وجرير: هو ابن عبد الحميد. وحديث جرير سيأتي عند المصنف برقم (١٧٠) من طريق يحيى بن المغيرة عنه. وأخرجه أبو داود (٣٢٥١)، وابن حبان (٤٣٥٨) من طريقين عن الحسن بن عبيد الله، بهذا الإسناد. وسيأتي برقم (٨٠٠٨) من طريق أبي خالد الأحمر عن الحسن بن عبيد الله، وبرقم (١٦٨ - ١٦٩) من طريق سعيد بن مسروق الثوري والأعمش ومنصور عن سعد بن عبيدة.
[ ١ / ٢٤٤ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجَّا بمثل هذا الإسناد وخرَّجاه في الكتاب (^١)، وليس له علَّة، ولم يُخرجاه.
وله شاهد على شرط مسلم، فقد احتجَّ بشَرِيك بن عبد الله النَّخَعي:
٤٦ - حدَّثَناه أبو بكر بن إسحاق وعمرو بن منصور العَدْل قالا: حدثنا عمر (^٢) بن حفص السَّدُوسي، أخبرنا عاصم بن علي، حدثنا شَرِيك بن عبد الله، عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عُبيدة، عن ابن عمر قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "كلُّ يمينٍ يُحلَفُ بها دونَ الله شِركٌ" (^٣).
٤٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن أيوب النَّوْقاني، حدثنا أبو يحيى عبد الله بن أحمد بن زكريا بن أبي مَسَرَّة (^٤) المكّي.
وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفّار وأبو بكر بن إسحاق الفقيه قالا: أخبرنا بِشْر بن موسى؛ قالا: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حُمَيد بن هلال قال: أتاني أبو العاليَةِ أنا وصاحبًا لي فقال: هَلُمَّا فأنتما
_________________
(١) الحسن بن عبيد الله النخعي أخرج له مسلم وحده دون البخاري.
(٢) تحرَّف في (ص) إلى: عمرو.
(٣) إسناده ضعيف، شريك بن عبد الله النخعي قد اضطرب في إسناد هذا الحديث كما سيأتي. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١٣٩٥٠) عن عمر بن حفص، بهذا الإسناد. وأخرجه الطبراني أيضًا (١٣٩٥٢) من طريق علي بن الجعد عن شريك، عن جابر - وهو الجُعفي - عن سعد بن عبيدة، عن ابن عمر. وجابر الجعفي ضعيف. وأخرجه الباغندي في "أماليه" (٩٧) عن عبيد الله بن موسى، عن شريك، عن جابر، عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" ١/ ٣٥٥ من طريق يزيد بن هارون، عن شريك، عن جابر، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر. فهذه الأسانيد تدلُّ على اضطراب شريك النخعي فيه، وانظر ما قبله.
(٤) تحرَّف في (ب) إلى: ميسرة.
[ ١ / ٢٤٥ ]
أَشبُّ وأَوعى للحديث مني، فانطلقَ بنا حتى أَتينا نصرَ بن عاصم اللَّيثي، فقال: حَدِّثْ هذَينِ حديثَك، قال نصرٌ: حدثنا عُقْبةُ (^١) بن مالك - وكان من رَهْطه - قال: بَعَثَ رسولُ الله ﷺ سَرِيَّةً فأَغاروا على قوم فشَذَّ رجل من القوم فأتبَعَه رجل من السَّرِيّة معه السيفُ شاهرٌ، فقال الشاذُّ من القوم: إني مسلم، فلم يَنظُرْ فيها، فضربه فقتله، فنُمِيَ الحديثُ إلى رسول الله ﷺ، فقال قولًا شديدًا، فبلغ القاتلَ، فبينما رسول الله ﷺ يَخطُبُ إذ قال القاتل: يا رسول الله، والله ما قالَ الذي قال إلّا تعوُّذًا من القتل، فأَعرَضَ عنه رسولُ الله ﷺ وعمَّن قِبَلَه من الناس، وأخذ في خُطْبته، ثم قال الثانيةَ: يا رسول الله، والله ما قال الذي قال إلَّا تعوُّذًا من القتل، فأعرضَ عنه رسولُ الله ﷺ وعمَّن قِبَلَه من الناس، وأَخذ في خُطْبته، ثم لم يَصبِرْ أن قال الثالثةَ: والله يا رسول الله ما قال الذي قال إلّا تعوُّذًا من القتل، فأقبلَ عليه رسول الله ﷺ تُعرَفُ المَسَاءةُ في وجهه، ثم قال: "إنَّ الله ﷿ أَبَى عليَّ من قتلَ مؤمنًا"؛ قالها ثلاثًا (^٢).
هذا حديث مخرَّج مثلُه في "المسند الصحيح" لمسلم، فقد احتجَّ بنصر بن عاصم الليثي وسليمان بن المغيرة، فأما عُقْبة بن مالك اللَّيثي فإنه صحابي مُخرَّج حديثه في كتب الأئمة في الوُحْدان، وقد بيَّنتُ شَرْطي في أول الكتاب بأني أُخرج حديث الصحابة عن آخرهم، إذا صحَّ الطريقُ إليهم.
وقد تابع يونسُ بنُ عُبيد سليمانَ بن المغيرة على روايته عن حُميدٍ على شرط مسلم:
_________________
(١) تحرَّف في المطبوع إلى: عتبة.
(٢) إسناده صحيح إن كانت رواية المصنف محفوظة بذكر نصر بن عاصم. فقد أخرجه أحمد ٣٧/ (٢٢٤٩٠)، والنسائي (٨٥٣٩)، وابن حبان (٥٩٧٢) من طرق عن سليمان بن المغيرة، بهذا الإسناد - ووقع عندهم: بشر بن عاصم، بدل نصر بن عاصم، وهما أخوان، وكلاهما لا بأس به ونصر أوثقُهما. قوله: "أبى عليَّ" أي: استغفرتُ للقاتل فأبى عليَّ مغفرته، وما استجاب لي فيه. قاله السندي في حاشيته على "مسند أحمد".
[ ١ / ٢٤٦ ]
٤٨ - حدَّثَناه أبو علي الحسين بن علي الحافظ، أخبرنا أبو خَليفة الفضل بن محمد بن شعيب القاضي، حدثنا أحمد بن يحيى بن حُميد، حدثنا حمّاد بن سَلَمة، عن يونس بن عُبيد، عن حميد بن هلال، عن نصر بن عاصم، عن عُقْبة بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قال: "أمَّا بعدُ، فما بالُ الرجلِ يقتل الرجلَ وهو يقول: أنا مسلمٌ" فقال القاتل: يا رسول الله، إنما قالها متعوِّذًا، فقال رسول الله ﷺ هكذا، وكَرِهَ مَقالَتَه، وحوَّل وجهَه عنه، فقال: "أَبى اللهُ عليَّ مَن قتلَ مسلمًا، أَبى الله عليَّ مَن قتلَ مسلمًا" (^١).
٤٩ - حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى الأدَمي ببغداد، حدثنا أبو بكر بن أبي العوَّام، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همَّام.
وحدثنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، حدثنا موسى بن إسماعيل.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن محمد بن حيَّان (^٢) الأنصاري، أخبرنا أبو الوليد وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا همَّام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: حدثني شَيْبة الحضرمي: أنه شهد عُروةَ بن الزُّبير يحدِّث عمرَ بن عبد العزير، عن عائشة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ثلاثٌ أَحلِفُ عليهنَّ: لا يجعلُ اللهُ مَن له سهمٌ في الإسلام كمن لا سهمَ له، وسهامُ الإسلام الصومُ والصلاةُ والصدقةُ، ولا يتولَّى اللهَ عبدٌ (^٣) فيُولِّيَه غيرَه يوم القيامة، [ولا يحبُّ رجلٌ قومًا إلَّا
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل أحمد بن يحيى بن حميد، وقد توبع. وأخرجه أحمد ٢٨/ (١٧٠٠٩) عن يونس بن محمد المؤدب، عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وعنده فيه: بشر بن عاصم، وانظر ما قبله.
(٢) في (ز) و(ب): حبان، بالموحدة، وأُهمل في (ص)، وقد تكرر ذكره في "تهذيب الكمال" للمزي و"سير أعلام النبلاء" للذهبي وغيرهما منقوطًا باثنتين من تحت، وبناءً عليه أثبتناه بالياء المثناة، والله تعالى أعلم، وهو أبو جعفر التمار البصري، قال الدارقطني في "سؤالات الحاكم له" (١٩٢): لا بأس به.
(٣) هكذا في (ز) و(ص): عبدٌ، بالرفع على الفاعلية، وفي (ب): عبدًا، على المفعولية.
[ ١ / ٢٤٧ ]
جاءَ معهم] (^١)، والرابعةُ إن حلفتُ عليها رَجَوتُ أن لا آثمَ: ما يستُرُ اللهُ على عبدٍ في الدنيا، إلّا سَتَرَ عليه في الآخرة".
فقال عمر بن عبد العزيز: إذا سمعتم مثلَ هذا الحديث يحدِّث به عروةُ عن عائشة، فاحفَظُوه (^٢).
شَيْبة الحضرمي قد خرَّجه البخاري وقال في "التاريخ": ويقال: الخُضْري (^٣)، سمع عروةَ وعمرَ بن عبد العزيز، وهذا الحديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه.
٥٠ - حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه، حدثنا الحسن بن علي بن زياد، حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي.
_________________
(١) ما بين المعقوفين سقط من نسخ "المستدرك" الحاضرة بين أيدينا، ولا بدَّ منه، واستدركناه من "شعب الإيمان" (٩٠١٤) للبيهقي حيث رواه عن شيخه الحاكم بإسناديه.
(٢) حديث صحيح بطرقه وشواهده، وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد، شيبة الحضرمي - ويقال: الخُضْري، نسبة إلى خُضْر، قبيلة من قيس عَيلان - ذكره البخاري في "التاريخ" ٤/ ٢٤٣ وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٤/ ٣٣٦ ولم يأثرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" ٦/ ٤٤٥، وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب": مقبول، يعني عند المتابعة وإلّا فليِّن الحديث، وجهَّله الذهبي في "تلخيص المستدرك"، وقد جوَّد هذا الإسنادَ الحافظُ المنذري في "الترغيب والترهيب". وأخرجه أحمد ٤٢/ (٢٥١٢١) عن يزيد بن هارون، بهذا الإسناد. وانظر تمام تخريجه وشواهده فيه. وأخرجه أيضًا أحمد ٤٢/ (٢٥٢٧١)، والنسائي (٦٣١٦) من طريق عفان، عن همام بن يحيى، به - وهو عند النسائي مختصر. وسيأتي عند المصنف برقم (٨٣٦٠). وفي الباب عن غير واحد من الصحابة كما هو مبيّن في التعليق على "مسند أحمد".
(٣) هكذا وقعت العبارة في أصول "المستدرك"، ولذلك تعقَّبه الحافظ الذهبي بقوله: ما خرَّج له - يعني شيبة - سوى النسائي هذا الحديث وفيه جهالة. قلنا: ويغلب على ظننا أنَّ العبارة قد وقع فيها خطأ قديم، وأنَّ الصواب فيها: قد خرَّجه البخاري في "التاريخ" وقال: الخضري؛ وبذلك تستقيم العبارة، وحينئذٍ فلا تعقيب عليه، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٢٤٨ ]
وحدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدُّورِي، حدثنا يحيى بن مَعِين.
وحدثنا علي بن عيسى، حدثنا أحمد بن نَجْدة، حدثنا سعيد بن منصور؛ قالوا: حدثنا هُشَيم، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن فَضَالة اللَّيثي قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ فقلت: إني أريدُ الإسلامَ فعلِّمني شرائعَ من شرائعِ الإسلام، فذكر الصلاةَ وشهرَ رمضان ومواقيتَ الصلاة، فقلت: يا رسول الله، إنك تَذكُر ساعاتٍ أنا فيهن مشغولٌ، ولكن علِّمني جِماعًا من الكلام، قال: "إِنْ شُغِلتَ فلا تُشغَلْ عن العصرَينِ" قلت: وما العصرانِ؟ ولم تكن لغةَ قومي، قال: "الفجرُ والعصرُ" (^١).
_________________
(١) حديث حسن، وهذا إسناد فيه انقطاع بين أبي حرب وفضالة الليثي بينهما فيه عبدُ الله بن فضالة كما في الحديث الذي بعده، وعبد الله بن فضالة هذا روى عنه اثنان أو أكثر، وذكره ابن حبان في "الثقات" ٥/ ٤٠. وقد صحَّح هذا الحديثَ الحاكمُ هنا وابن حبان (١٧٤١ - ١٧٤٢) والحافظ ابن حجر في "الأربعين المتباينة" الحديث (٣١)، بينما استنكره الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن فضالة من "المغني في الضعفاء" (٣٣٠٢). قلنا: ويشهد لهذا الحديث ويشدُّه حديث نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم: أنَّه أتى النبي ﷺ فأسلم على أنه لا يصلي إلَّا صلاتين، فقبل منه، أخرجه أحمد ٣٣/ (٢٠٢٨٧)، ورجاله ثقات. وقد ذهب الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرحه على البخاري ٤/ ١٩٩ إلى أنَّ هذا من باب التألّف على الإسلام قال: وقد كان - أي: النبي ﷺ أحيانًا يتألَّف على الإسلام من يريد أن يُسامَحَ بترك بعض حقوق الإسلام فيقبل منهم الإسلام، فإذا دخلوا فيه رغبوا في الإسلام فقاموا بحقوقه وواجباته كلها، كما روى عبد الله بن فضالة الليثي … وذكر هذا الحديث وغيره، ثم نقل عن الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله أنه قال: إذا أسلم على أن يصلي صلاتين يُقبَل منه، فإذا دخل يُؤمر بالصلوات الخمس، وذكر - يعني الإمام أحمد - حديث نصر بن عاصم الذي تقدم. قلنا: ويمكن أن يكون معنى هذا الحديث: أدَّ العصرين في أحسن أوقاتهما، وأدِّ البقية على الوجه المتيسِّر لك في أوقات جوازها، لا أنهما تكفيان عن الخمس، وإلى هذا ذهب الإمام البيهقي في كتابه "السنن" ١/ ٤٦٦، والله تعالى أعلم. وحديث فضالة الليثي أخرجه أحمد ٣١/ (١٩٠٢٤)، وابن حبان (١٧٤١) من طريقين عن هشيم، بهذا الإسناد. وانظر ما بعده.
[ ١ / ٢٤٩ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه، وفيه ألفاظٌ لم يُخرجاها بإسناد آخر، وأكثرها فائدةً ذِكرُ شرائع الإسلام، فإنه في حديث عبد العزيز بن أبي رَوَّاد (^١) عن علقمة بن مَرثَدٍ، عن يحيى بن يَعمَرَ، عن ابن عمر (^٢)، وليس من شَرْط واحدٍ منهما.
وقد خُولِفَ هُشيم بن بَشير في هذا الإسناد عن داود بن أبي هند خلافًا لا يضرُّ الحديثَ، بل يزيده تأكيدًا:
٥١ - حدَّثَناه أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي، حدثنا محمد بن بِشْر بن مَطَر، حدثنا وهب بن بَقيَّة.
وحدثنا علي بن عيسى، حدثنا الحسين بن محمد بن زياد، حدثنا إسحاق بن شاهين؛ قالا: حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود عن أبي حَرْب، عن عبد الله بن فَضَالة، عن أبيه قال: عَلَّمَني رسول الله ﷺ، فكان فيما عَلَّمَني أن قال: "حافِظْ على الصَّلَوات الخَمْس" فقلت: هذه ساعاتٌ لي فيها أشغالٌ، فحدِّثني بأمرٍ جامعٍ إذا أنا فعلتُه أجزأَ عني، قال: "حافِظْ على العَصْرَينِ" - قال: وما كانت من لغتنا - قلت: وما العَصرانِ؟ قال: "صلاةٌ قبلَ طلوع الشمس، وصلاةٌ قبلَ غروبِها" (^٣).
_________________
(١) تحرَّف في (ب) إلى: داود.
(٢) كذا ساق الإسناد، وأخطأ فيه، فإنَّ علقمة بن مرثد ليس له رواية عن يحيى بن يعمر، بينهما سليمان بن بريدة، هكذا أخرجه على الصواب العقيلي في "الضعفاء" (٩٣٣)، وأبو نعيم في "الحلية" ٨/ ٢٠٢ من طريق خلاد بن يحيى، عن عبد العزيز بن أبي روّاد، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن يحيى بن يعمر. وقد تابع عبدَ العزيز سفيانُ الثوري عند أحمد ١/ (٣٧٤) وأبي داود (٤٦٩٧)، لكن قال فيه: ما الإسلام؟ وأخرجه مسلم في "صحيحه" (٨) من رواية غير واحدٍ عن عبد الله بن بريدة أخي سليمان، عن يحيى بن يعمر، وقال فيه: أخبرني عن الإسلام.
(٣) إسناده حسن، وانظر ما قبله. =
[ ١ / ٢٥٠ ]
أبو حرب بن أبي الأسود الدِّيلي تابعيٌّ كبير، عنده عن أكابر الصحابة لا يَقصُر سماعُه عن فَضَالة بن عبيد الليثي، فإنَّ هشيم بن بشير حافظ معروف بالحفظ، وخالد بن عبد الله الواسطي صاحبُ كتاب، وهذا في الجملة كما خرَّج مسلم في كتاب الإيمان (^١) حديثَ شعبة عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب، وبعده عن محمد بن عثمان عن أبيه.
٥٢ - حدثني علي بن حَمْشاذ العَدْل، حدثنا عُبيد بن عبد الواحد.
وأخبرني أحمد بن محمد العَنَزي، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي؛ قالا: حدثنا محمد بن أبي السَّرِيِّ العَسقَلَاني، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ثَوْر بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ للإسلام صُوًى (^٢) ومَنارًا كمَنارِ الطريق" (^٣).
_________________
(١) = وأخرجه ابن حبان (١٧٤٢) عن عبد الله بن قحطبة، عن إسحاق بن شاهين بهذا الإسناد - لكن أسقط منه أبا حرب. وأخرجه أبو داود (٤٢٨) عن عمرو بن عون، خالد بن عبد الله الواسطي، به - كما عند الحاكم. وسيأتي برقم (٧٢١) و(٦٧٨٢).
(٢) برقم (١٣) (١٣)، قال شعبة: حدثنا محمد بن عثمان بن عبد الله بن موهب، وأبوه عثمان أنهما سمعا موسى بن طلحة …
(٣) رُسمت هذه الكلمة في نسخنا الخطية هكذا: ضوا، بإعجام أولها، وهو تصحيف، فقد ضبط هذه الكلمة وشرحها غير واحد من أهل اللغة بالصاد المهملة، قال أبو عبيد في "غريب الحديث" ٤/ ١٨٣ نقلًا عن أبي عمرو بن العلاء الصُّوَى: أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي المجهولة، فيُستدلُّ بتلك الأعلام على طرقها، واحدتها: صُوَّة.
(٤) حديث صحيح إن كان خالد بن معدان سمعه من أبي هريرة، فقد قال ابن أبي حاتم عن أبيه في "المراسيل" (١٨٧): قد أدرك أبا هريرة ولا يذكر سماعًا. وقد رواه أبو عبيد في "الإيمان" (٣) - ومن طريقه اللالكائي في "أصول الاعتقاد" (١٦٨٨) وعبد الغني المقدسي في "الأمر بالمعروف" (٩) - عن يحيى بن سعيد العطار عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن رجل عن أبي هريرة، فأدخل بينهما رجلًا مبهمًا، لكن يحيى بن سعيد العطار ضعيف، وقد =
[ ١ / ٢٥١ ]
هذا حديث صحيح على شرط البخاري فقد روى عن محمد بن خلف العسقلاني (^١)، واحتجَّ بثور بن يزيد الشامي، فأما سماعُ خالد بن مَعْدان عن أبي هريرة فغير مُستبدَع، فقد حكى الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عنه أنه قال: لقيتُ سبعةَ عشرَ رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ.
ولعلَّ متوهِّمًا يَتوهَّمُ أنَّ هذا متنٌ شاذٌّ، فليَنظُر في الكتابين ليجدَ من المتون الشاذَّة (^٢) التي ليس لها إلّا إسناد واحد ما يُتعجَّب منه، ثم ليَقِسْ هذا عليها.
حديث آخر بهذا الإسناد (^٣):
٥٣ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق، حدثنا عُبيد بن عبد الواحد، حدثنا محمد بن أبي السَّرِيّ، حدثنا الوليد بن مسلم، عن ثَوْر بن يزيد عن خالد بن مَعْدان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الإسلام أن تَعبُدَ اللهَ لا تُشْرِكُ به شيئًا، وتقيمَ الصلاةَ،
_________________
(١) = خالفه كلُّ من روى عن ثور هذا الحديث فأسقط هذا الرجل. وأخرج الحديث مجموعًا مع الذي يليه: الشجري في "أماليه" ١/ ٣٨ من طريق هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، بإسناده. وأخرجه كذلك محمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٤٠٥)، والطبراني في "مسند الشاميين" (٤٢٩)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (١٦٠)، وابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال" (٤٨٧)، وأبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٢١٧ من طرق عن ثور بن يزيد به.
(٢) هذا ذهولٌ من المصنف ﵀، فإنَّ محمد بن خلف العسقلاني هذا ليس هو ابنَ أبي السَّري، ثم إنه لم يرو عنه البخاري شيئًا، إنما روى عن محمد بن خلف الحدادي البغدادي المقرئ، وأما محمد بن أبي السري - واسمه محمد بن المتوكل - فلم يرويا له شيئًا، وقد اختلفت فيه أقوال أهل الجرح والتعديل.
(٣) أراد بالشذوذ التفرُّد، وهو أن يتفرَّد الثقة بالحديث لا يرويه بإسناده غيره، ولم يُرِد الشذوذ الذي هو مخالفة الثقة في روايته من هو أوثق منه، فقد قال المصنف نفسه في تعريف الشاذِّ من كتابه "معرفة علوم الحديث" ص ١١٩: الشاذُّ حديث يتفرد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصلٌ متابعٌ لذلك الثقة.
(٤) بل هو قسم من الحديث السابق، هكذا وقع عند كلِّ من أخرجه سوى الحاكم.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وتُؤتيَ الزكاةَ، وتصومَ رمضان، وتحجَّ البيتَ، والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، وتسليمُك على أهلِك، فمن انتَقَصَ شيئًا منهنَّ فهو سهمٌ من الإسلام يَدَعُه، ومَن تركهنَّ كلَّهنَّ فقد وَلَّى الإسلامَ ظهرَه".
هذا الحديث مثلُ الأول في الاستقامة.
٥٤ - أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن القاضي بهَمَذان، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شُعبْة.
وأخبرني الحسين بن علي، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن المثنَّى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن يحيى بن أبي سُلَيم، قال: سمعت عمرَو بن ميمون يحدِّث عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ألَا أُعلمُك" أو "ألا أَدُلُّك على كلمةٍ مِن تحتِ العرش مِن كَنْز الجنة، تقول: لا حولَ ولا قوةَ إلَّا بالله، فيقول الله ﷿: أَسلَمَ عبدي واستَسلمَ" (^١).
هذا حديث صحيح ولا يُحفَظ له عِلَّة، ولم يُخرجاه، وقد احتجَّ مسلم بيحيى بن أبي سليم (^٢).
٥٥ - حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ حدثنا محمد بن غالب بن حَرْب.
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل يحيى بن أبي سليم، وهو أبو بَلْج، مشهور بكنيته، وعبد الرحمن بن الحسن شيخ المصنف - وإن كان ضعيفًا - قد توبع. وأخرجه أحمد ١٣/ (٧٩٦٦) عن هاشم بن القاسم ومحمد بن جعفر، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٧٥٣)، والنسائي (٩٧٥٧) من طريقين عن شعبة، به. وأخرجه أحمد أيضًا ١٤/ (٨٤٢٦) و(٨٦٦٠) و١٥/ (٩٢٣٣) من طريقين عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم، به. وأخرجه بنحوه أحمد ١٣/ (٨٠٨٥) و١٤/ (٨٤٠٦) و١٦/ (١٠٠٥٦)، والترمذي (٣٦٠١) من طرق عن أبي هريرة.
(٢) كذا قال! ومسلم لم يخرج شيئًا ليحيى بن أبي سليم.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وأخبرني الحسين بن علي، حدثنا محمد بن إسحاق؛ قالا: حدثنا علي بن مسلم الطُّوسِي، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث.
وحدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، حدثنا علي بن العباس البَجَلي قال: ذَكَرَ عبدُ الوارث بن عبد الصمد، قال: حدثني أَبي، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن زيد بن وَهْب، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "لو أنَّ رجلَينِ دَخَلا في الإسلام فاهتَجَرَا، كان أحدُهما خارجًا من الإسلام حتى يَرجِعَ الظالمُ" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين جميعًا، ولم يُخرجاه، وعبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد ثقة مأمون، وقد خرَّجا جميعًا له غيرَ حديث تفرَّد به عن أبيه وشعبة وغيرهما.
_________________
(١) صحيح موقوفًا، فقد اختُلف في رفعه ووقفه على عبد الله بن مسعود، والموقوف أشبه كما قال الدارقطني في "العلل" ٥/ ٧٥ (٧٢١)، ورجال إسناده ثقات. وأخرجه مرفوعًا أبو نعيم في "الحلية" ٤/ ١٧٣ عن الحسين بن علي التميمي في جماعة، عن محمد بن إسحاق بن خزيمة، عن علي بن مسلم الطوسي، بهذا الإسناد. وأخرجه كذلك البزار (١٧٧٣) عن عبد الوارث بن عبد الصمد، به. وخالف عبدَ الصمد بن عبد الوارث في رفعه يحيى بنُ سعيد القطان، فقد رواه عن شعبة بهذا الإسناد إلى عبد الله بن مسعود موقوفًا عليه، وأخرجه عبد الله أحمد في "السنة" (٧٨٧)، وأبو بكر الخلال في "السنة" (١٤٧٤) عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد، به. وتابع شعبةَ على الرواية الموقوفة هذه شريك عن الأعمش، أخرجه الخرائطي في "مساوئ الأخلاق" (٥١٩). كما رواه موقوفًا شعبةُ أيضًا عن محمد بن جحادة، طلحة بن مصرِّف، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود، أخرجه عبد الله بن أحمد في "السنة" (٧٨٨) عن أبيه، عن يحيى بن سعيد القطان، عنه. وتابع محمدَ بنَ جحادة محمدُ بنُ طلحة بن، مصرف، فرواه عن أبيه، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود موقوفًا، أخرجه الطبراني في "الكبير" (٨٩٠٤).
[ ١ / ٢٥٤ ]
٥٦ - حدثنا أبو النَّضْر الفقيه وأبو الحسن العَنَزي (^١) قالا: حدثنا عثمان بن سعيد الدَّارِمي.
وحدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا الفضل بن محمد بن المسيَّب.
وحدثنا علي بن حَمْشاذَ، حدثنا عُبيد بن عبد الواحد؛ قالوا: حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا نافع بن يزيد، حدثنا ابنُ الهادِ، أنَّ سعيد بن أبي سعيد حدَّثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "إذا زنى العبدُ خرجَ منه الإيمانُ، فكان كالظُّلَّةِ، فإذا انقَلَعَ منها، رجعَ إليه الإيمان" (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجَّا برواته.
وله شاهد على شرط مسلم:
٥٧ - حدثنا بكر (^٣) بن محمد بن حمدان الصَّيْرفي بمَرْو، حدثنا عبد الصمد بن الفضل.
وحدثنا جعفر بن محمد بن نُصَير ببغداد، حدثنا بشر بن موسى؛ قالا: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا عبد الله بن الوليد، عن ابن حُجَيرةَ، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "مَن زنى أو شرب الخمرَ، نَزَعَ اللهُ منه الإيمانَ كما يَخلَعُ الإنسانُ القميصَ من رأسه" (^٤).
_________________
(١) تحرَّف في (ز) و(ص) إلى: الحيري، وقد تكرر عند المصنف في بضعة عشر موضعًا على الصواب، واسمه: أحمد بن محمد.
(٢) إسناده صحيح. ابن الهاد: هو يزيد بن عبد الله بن الهاد. وأخرجه أبو داود (٤٦٩٠) عن إسحاق بن سويد الرَّملي، عن سعيد بن أبي مريم، بهذا الإسناد.
(٣) في المطبوع: أبو بكر، بزيادة "أبو" وهو خطأ، وكنيته: أبو أحمد. وانظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٥٥٤ - ٥٥٥.
(٤) إسناده ضعيف لضعف عبد الله بن الوليد: وهو التُّجيبي المصري، وليس كما قال المصنف: إنه شاميٌّ، فهذا وهمٌ منه فيه وفي عبد الرحمن بن حجيرة، فإنهما مِصريّان، والوهم الثاني زعمُه أنَّ مسلمًا احتجَّ بعبد الله بن الوليد، ولم يخرج له مسلم شيئًا. =
[ ١ / ٢٥٥ ]
قد احتجَّ مسلم بعبد الرحمن بن حُجَيرة وعبد الله بن الوليد، وهما شاميَّان.
٥٨ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا محمد بن غالب، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا جرير بن حازم، عن يعلى بن حَكِيم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ: "الحياءُ والإيمانُ قُرِنا جميعًا، فإذا رُفِعَ أحدُهما رُفِعَ الآخَرُ" (^١).
هذا حديث صحيح على شرطهما، فقد احتجَّا برواتِه ولم يُخرجاه بهذا اللفظ.
٥٩ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق، حدثنا أحمد بن يحيى بن رَزِين (^٢)، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثني أبو صخر، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ المؤمن يَألَفُ، ولا خيرَ فيمن لا يَألَفُ ولا يُؤلَفُ" (^٣).
_________________
(١) = ويشهد له حديث مبارك بن حسان عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة رفعه، وفيه: "يخلع منه الإيمان كما يخلع سرباله، فإذا رجع إلى الإيمان رجع إليه"، أخرجه البزار (٩٢٨٧)، لكن مبارك بن حسان ضعيف منكر الحديث. والسِّربال: هو القميص.
(٢) صحيح موقوفًا من قول ابن عمر، وهذا إسناد رجاله ثقات لكن اضطرب فيه موسى بن إسماعيل - وهو أبو سلمة التَّبُوذَكي - فمرةً رفعه وأخرى وقفه على ابن عمر من قوله كما قال محمد بن غالب الراوي عنه فيما نقله البيهقي في "شعب الإيمان" (٧٣٣١). وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٢٩٧ من طريق عبد الله بن أحمد الدَّورقي، عن موسى بن إسماعيل، بهذا الإسناد مرفوعًا. وخالف موسى بن إسماعيل في رفعه: عبدُ الله بن المبارك عند البخاري في "الأدب المفرد" (١٣١٣)، وأبو أسامة حماد بن أسامة عند ابن أبي شيبة في "المصنف" ٨/ ٥٢٥ و١١/ ٢٨، ووهب بن جرير عند المروزي في تعظيم قدر الصلاة" (٨٨٤)، فرواه ثلاثتهم عن جرير بن حازم موقوفًا على ابن عمر. وروي مثله عن ابن عباس من قوله عند المروزي (٨٨٥)، وسنده محتمل للتحسين.
(٣) هكذا وقع في أصول "المستدرك": أحمد بن يحيى بن رزين، ولم نقف له على ترجمة، وفي هذه الطبقة: أحمد بن محمد بن علي بن رزين، وهو ثقة، فلعلَّه هو، والله تعالى أعلم.
(٤) إسناده ضعيف، أبو حازم هذا: هو سلمة بن دينار المدني الأعرج، وهو لم يلق أبا هريرة كما قال الذهبي في "تلخيصه"، بينهما فيه أبو صالح ذكوان السَّمّان كما عند سائر من خرَّجه، فاتصل الإسناد، لكن يبقى فيه علَّة الاضطراب، فقد خولف فيه أبو صخر - وهو حميد بن زياد - =
[ ١ / ٢٥٦ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعلمُ له عِلَّةً (^١)، ولم يُخرجاه.
٦٠ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا أحمد بن النَّضْر بن عبد الوهاب، أخبرنا محمد بن أبي بكر المقدَّمي، حدثنا فُضَيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عُقْبة، سمع عُبيدَ الله بن سلمان (^٢)، عن أبيه، عن أبي أيوب الأنصاري قال:
_________________
(١) = كما سيأتي لاحقًا، وأبو صخر هذا مختلَف فيه، وهو حسن الحديث إلّا عند المخالَفة، وهو من رجال مسلم دون البخاري. وأخرجه أحمد - وابنه عبد الله - في "المسند" ١٥/ (٩١٩٨) عن هارون بن معروف، بهذا الإسناد - بذِكر أبي صالح فيه، وانظر تتمة تخريجه من هذا الطريق هناك. وتابع أبا صخر عليه خالدُ بن الوضّاح عند ابن عدي في "الكامل" ٢/ ٢٦٩، واللالكائي في "أصول الاعتقاد" (١٦٨٠)، وخالد هذا لا يُعرَف أنه روى عنه غير الزبير بن بكار، ولم يؤثر توثيقه عن أحد، فهو من جملة المجاهيل. وخالفهما مصعب بن ثابت فرواه عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ، أخرجه أحمد ٣٧/ (٢٢٨٤٠) وغيره، وإسناده ضعيف لضعف مصعب بن ثابت، وقد تابعه على هذا عمر بن صُهبان كما ذكر ابن عدي، وهو أشدُّ ضعفًا منه. وخالفهم أسامة بن زيد الليثي فرواه عن أبي حازم عن عون بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ، أخرجه تمّام في "فوائده" (٩٤٤)، وأسامة حسن الحديث إلَّا عند المخالفة. وخالفهم جميعًا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي فرواه عن أبي حازم عن عون بن عبد الله عن ابن مسعود موقوفًا من قوله، أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٩٣، والطبراني في "الكبير" (٨٩٧٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧٧٦٨) من طرق عنه، قال الدارقطني في "العلل" ٥/ ٢٣٢ (٨٤٢): وهذا أشبهها بالصواب، وقال في موضع آخر منه ٨/ ١٨٢ (١٤٩٨): هذا هو الصحيح. قلنا: وهو كما قال، والمسعودي قوي لا بأس به، وهو وإن كان قد اختلط، فبعض من روى عنه هذا الأثر سمع منه قبل اختلاطه، لكن يبقى فيه علَّة الانقطاع، فإنَّ رواية عون بن عبد الله عن ابن مسعود مرسلة.
(٢) بل فيه علَّة الاضطراب كما بيَّنّا في التعليق السابق.
(٣) تحرَّف في المطبوع إلى: سليمان، ووقع في (ز) وحدها: عَبْد الله بن سلمان، وعَبد الله وعُبيد الله أخوان، وقد رويا جميعًا عن أبيهما، وعُبيد الله أوثقهما.
[ ١ / ٢٥٧ ]
قال رسول الله ﷺ: "ما مِن عبدٍ يَعبُدُ اللهَ ولا يُشرِكُ به شيئًا، ويقيمُ الصلاةَ، ويؤتي الزكاةَ، ويجتنبُ الكبائرَ، إلَّا دَخَلَ الجنةَ" قال: فسألوه: ما الكبائرُ؟ قال: "الإشراكُ بالله، والفِرارُ من الزَّحْف، وقتلُ النَّفْس" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين (^٢)، ولا أعرفُ له عِلّةً، ولم يُخرجاه.
٦١ - أخبرنا إبراهيم بن عِصْمة بن إبراهيم العَدْل، حدثني أَبي، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا يزيد بن المِقْدام بن شُرَيح بن هانئ، عن المِقدام، عن أبيه شُرَيح بن هانئ، عن هانئ: أنه لمّا وَفَدَ على رسول الله ﷺ، قال: يا رسول الله، أيُّ شيءٍ يُوجِبُ الجنةَ؟ قال: "عليك بحُسْنِ الكلام، وبَذْلِ الطعام" (^٣).
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد، فضيل بن سليمان ليس بذاك القوي إلّا أنه يصلح في المتابعات والشواهد، وهو هنا قد توبع كما سيأتي، وباقي رجاله ثقات. وصحَّحه الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (٢٩٣٢). وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٣٢٤٧) عن أحمد بن علي بن المثنى أبي يعلى، وابن منده في "الإيمان" (٤٧٨) من طريق يوسف بن يعقوب، كلاهما عن محمد بن أبي بكر، بهذا الإسناد - إلَّا أنَّ ابن حبان لم يذكر السؤال عن الكبائر، ووقع عنده: عَبْد الله بن سلمان. وأخرجه الطبري في "تفسيره" ٥/ ٤٣ من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٢٢/ ١٧٧ من طريق حوراء بنت موسى بن عقبة، كلاهما عن موسى بن عقبة، به. وأحسن الطريقين طريق ابن أبي الزناد على كلام فيه. وأخرجه أحمد ٣٨/ (٢٣٥٠٢) و(٢٣٥٠٦)، والنسائي (٣٤٥٨) و(٨٦٠١) و(١١٠٣٤) من طريق بقية بن الوليد، عن بَحير بن سعد عن خالد بن معدان، عن أبي رُهْم السَّمَعي، عن أبي أيوب. وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد من أجل بقية بن الوليد.
(٢) قال الذهبي: عُبيد الله عن أبيه سلمان الأَغر خرَّج له البخاري فقط. قلنا: وإن كان الآخر - أي: عَبْد الله - فقد خرَّج له مسلم فقط.
(٣) إسناده قوي. يحيى بن يحيى: هو النيسابوري. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٥٠٤) من طريق إسحاق بن إبراهيم - وهو ابن راهويه - عن يحيى بن يحيى، بهذا الإسناد - مجموعًا مع الحديث التالي عند المصنف. وأخرجه أيضًا برقم (٤٩٠) مقتصرًا عليه من طريق قتيبة بن سعيد، عن يزيد بن المقدام، به.
[ ١ / ٢٥٨ ]
هذا حديث مستقيم، وليس له عِلَّة ولم يُخرجاه، والعِلَّة عندهما فيه أنَّ هانئ بن يزيد ليس له راوٍ غيرُ ابنه شُريح، وقد قدَّمتُ الشرطَ في أول هذا الكتاب: أنَّ الصحابي المعروف إذا لم نَجِدْ له راويًا غيرَ تابعي واحد معروف، احتججنا به، وصحَّحنا حديثه، إذ هو صحيح على شرطهما جميعًا، فإنَّ البخاري قد احتجَّ بحديث قيس بن أبي حازم عن مِرْداس الأسلمي عن النبي ﷺ: "يذهبُ الصالحون" (^١)، واحتجَّ بحديث قيس عن عَدِيِّ بن عَمِيرةَ عن النبي ﷺ: "مَن استعملناه على عملٍ" (^٢)، وليس لهما راوٍ غير قيس بن أبي حازم، وكذلك مسلمٌ قد احتجَّ بأحاديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه، وأحاديث مَجْزَأة بن زاهر الأسلمي عن أبيه (^٣)، فلَزِمَهما جميعًا على شرطهما الاحتجاجُ بحديث شُريح بن هانئ عن أبيه، فإنَّ المقدام وأباه شُريحًا من أكابر التابعين، وقد كان هانئُ بن يزيد وَفَدَ على رسول الله ﷺ:
٦٢ - كما حدَّثَناه جعفر بن محمد بن (^٤) نُصَير الخُلدي، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا يزيد بن المقدام بن شُرَيح، عن أبيه، عن شُريح بن هانئ، قال: حدثني أبي هانئُ بن يزيد: أنه وَفَدَ إلى رسول الله ﷺ، فسمعه النبيُّ ﷺ يَكنُونه بأبي الحَكَم، فقال: "إنَّ الله هو الحَكَمُ، لِمَ تُكنَى بأبي الحَكَم؟ " قال: إنَّ قومي إذا اختلفوا حَكَمتُ بينهم، فرَضِيَ الفريقان، قال: "هل لكَ ولدٌ؟ " قال: شُرَيحٌ وعبدُ الله ومسلمٌ بنو هانئ، قال: "فمَن أكبَرُهم؟ " قال: شريحٌ، قال: "فأنتَ أبو شُرَيح"، فدعا له ولولده (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٤٣٤).
(٢) الذي احتجَّ بحديث قيس - وهو ابن أبي حازم - عن عديٍّ، هو مسلم في "صحيحه" برقم (١٨٣٣)، لا البخاري.
(٣) حديث مجزأة عن أبيه عند البخاري برقم (٤١٧٣)، وليس عند مسلم.
(٤) تحرَّف في (ص) إلى: عن.
(٥) إسناده قوي. أبو نعيم: هو الفضل بن دُكين. وأخرجه أبو داود (٤٩٥٥)، والنسائي (٥٩٠٧)، وابن حبان (٥٠٤) من طرق عن يزيد بن المقدام بهذا الإسناد. وانظر ما قبله. =
[ ١ / ٢٥٩ ]
وقد ذكرتُ في كتاب "المعرفة" في ذِكْر المخضرَمِين شريحَ بن هانئ، فإنه أدركَ الجاهليةَ والإسلامَ، ولم يَرَ رسولَ الله ﷺ، فصار عِدادُه في التابعين.
٦٣ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا خُشْنام بن الصَّدِيق (^١)، حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن أيوب، حدثنا أبو الرَّبيع الزَّهْراني، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا حَرْملة بن عِمران التُّجِيبي، حدثنا أبو يونس سُلَيم بن جُبير مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: قرأ رسولُ الله ﷺ (إنه كان سميعًا بصيرًا) (^٢)، فوضعَ إِصْبَعَه الدَّعّاءَ على عينيه، وإبهامَيهِ على أُذنيه (^٣).
هذا حديث صحيح ولم يُخرجاه، وقد احتجَّ مسلم بحرملة بن عمران وأبي يونس، والباقون متَّفَقٌ عليهم.
ولهذا الحديث شاهد على شرط مسلم:
٦٤ - حدَّثَناه إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشَّعْراني، حدثنا جدِّي، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحِزَامي، حدثني ابن أبي فُدَيك، حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلَمَ، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "ما كانت مِن فتنةٍ ولا تكونُ حتى تقومَ الساعةُ، أعظمَ من فتنة الدَّجّال، وما من نبيٍّ إلَّا وقد حَذَّرَ قومَه، ولا
_________________
(١) = وسيأتي مختصرًا برقم (٧٩٣٤) من طريق قيس بن الربيع عن المقدام بن شريح.
(٢) صَدِيق كأَمير، ويقال: صِدِّيق، كسِكِّيت، ذكر ابن ماكولا الوجهين.
(٣) هكذا في نسخ "المستدرك" هنا، والتلاوة: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] كما سيأتي برقم (٢٩٦٢).
(٤) إسناده صحيح. محمد بن أيوب: هو ابن الضُّريس، وأبو الربيع الزهراني: هو سليمان بن داود العَتَكي. وأخرجه أبو داود (٤٧٢٨)، وابن حبان (٢٦٥) من طرق عن عبد الله بن يزيد المقرئ، بهذا الإسناد. وسيأتي مختصرًا برقم (٢٩٦٢) موقوفًا على أبي هريرة دون قوله: فوضع إصبعه … إلخ.
[ ١ / ٢٦٠ ]
خبَّرتُكم منه بشيء ما أَخبَرَ به نبيٌّ قبلي" فوضع يدَه على عينه ثم قال: "أشْهَدُ أنَّ الله ليس بأَعورَ" (^١).
٦٥ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفّار، حدثنا أحمد بن مَهْدي بن رُستُم، حدثنا رَوْح بن عُبَادة، حدثنا شعبة.
وحدثنا علي بن حَمْشاذ العَدْل، حدثنا أبو المثنَّى ومحمد بن أيوب، قالا: حدثنا أبو الوليد الطَّيالسي، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوَص، عن أبيه قال: أتيتُ رسول الله ﷺ وأنا قَشِفُ الهيئةِ، قال: "هل لكَ من مالٍ؟ " قلت: نعم، قال: "من أيِّ المال؟ " قلت: من كلٍّ، مِن الإبل والخيل والرَّقيق والغنم، قال: "فإذا آتاكَ الله مالًا فليُرَ عليك".
قال: وقال رسول الله ﷺ: "هل تُنتَجُ إبلُ قومِك صِحاحٌ آذانُها فَتَعمِدَ إلى المُوسَى فتقطعَ آذانَها وتقولَ: هي بُحُرٌ، وتَشُقَّها أو تشقَّ جلودَها، أو تقول: هي صُرُمٌ (^٢)، فتحرِّمَها عليك وعلى أهلك؟ " قال: قلت: نعم، قال: "فكلُّ ما آتاكَ الله لك حِلٌّ، وساعِدُ اللهِ أشدُّ من ساعدِك، وموسى اللهِ أحدُّ من مُوسَاك" (^٣).
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد من أجل هشام بن سعد، وقد تكلم بعضهم في سماع زيد بن أسلم من جابر، قال ابن عبد البر في "التمهيد" ٣/ ٢٥١: قال قوم: لم يسمع زيد بن أسلم من جابر بن عبد الله، وقال آخرون: سمع منه، وسماعه من جابر غير مدفوع عندي، وقد سمع من ابن عمر، وتوفي ابن عمر قبل جابر بن عبد الله بنحو أربعة أعوام. انتهى، ابن أبي فديك: هو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك المدني. وأخرجه أحمد ٢٢/ (١٤١١٢) من طريق زهير بن محمد التميمي، عن زيد بن أسلم، به. ورجاله ثقات، وقال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" ١٩/ ١٦٧ (ط هجر): إسناده جيِّد.
(٢) هكذا في (ز) كما في سائر مصادر التخريج وهي جمع صَريم: وهو الذي صُرِمت أذنه، أي: قُطِعت، والصَّرْم: القَطْع. قاله ابن الأثير في "النهاية". وتحرَّفت هذه الكلمة في (ص) والمطبوع من "المستدرك" إلى: حرم، بالحاء المهملة.
(٣) إسناده صحيح. أبو المثنَّى: هو معاذ بن المثنى بن معاذ العنبري، ومحمد بن أيوب: هو =
[ ١ / ٢٦١ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، وقد رواه جماعة من أئمَّة الكوفيين عن أبي إسحاق، وقد تابع أبو الزَّعْراء عمرُو بن عمرو أبا إسحاق السَّبِيعي في روايته عن أبي الأحوص (^١)، ولم يُخرجاه؛ لأنَّ مالك بن نَضْلة الجُشَمي ليس له راوٍ غيرُ ابنه أبي الأحوص، وقد خرَّج مسلم عن أبي المَلِيح بن أسامة عن أبيه، وليس له راوٍ غيرُ ابنه (^٢)، وكذلك عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه، وهذا أَولى من ذلك كله.
٦٦ - أخبرنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه ببغداد، حدثنا جعفر بن أبي عثمان الطَّيالسي، حدثنا عفَّان وأبو سلمة قالا: حدثنا حماد.
_________________
(١) = ابن الضُّريس، وأبو الوليد الطيالسي: هو هشام بن عبد الملك، وأبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السَّبيعي، وأبو الأحوص: هو عوف بن مالك بن نضلة الجُشمي. وأخرجه ابن حبان (٥٤١٦) و(٥٦١٥) عن أبي خليفة الفضل بن الحباب، عن أبي الوليد الطيالسي، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٢٥/ (١٥٨٨٨) و(١٥٨٩١) من طريقين عن شعبة، به. وأخرج الشطر الأول منه: أحمد ٢٥/ (١٥٨٨٧) و(١٥٨٨٩) و٢٨/ (١٧٢٢٩) و(١٧٢٣١)، وأبو داود (٤٠٦٣)، والترمذي (٢٠٠٦)، والنسائي (٩٤٨٤ - ٩٤٨٦) من طرق عن أبي إسحاق، به. وأخرجه أحمد ٢٥/ (١٥٨٩٢) من طريق عبد الملك بن عمير، و٢٨/ (١٧٢٢٨)، والنسائي (١١٠٩٠) من طريق أبي الزعراء عمرو بن عمرو، كلاهما عن أبي الأحوص، به. واقتصر عبد الملك على الشطر الأول. وسيأتي بأطول مما هنا برقم (٧٥٥١). قوله: "بُحُر" جمع بَحيرة، وكانت العرب إذا ولدت إبلُهم ذكرًا بَحَرُوا أُذنه، أي: شقُّوها، وقالوا: اللهم إن عاش ففَتيّ، وإن مات فذكيّ، فإذا مات أكلوه وسمَّوه البحيرة. قاله ابن الأثير في "النهاية". وقَشِفُ الهيئة: رثُّ الهيئة تارك للترفُّه.
(٢) تحرَّف في (ز) إلى: أبي إسحاق.
(٣) كذا قال وهو ذهولٌ منه، فإنَّ مسلمًا لم يخرج لأبي المليح شيئًا عن أبيه، وأخرج له - وكذا البخاري - عن غير أبيه، وأبوه أسامة ليس له عندهما رواية.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وأخبرني أبو بكر بن عبد الله أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا هُدْبة، حدثنا حماد بن سَلَمة، عن ثابت، عن أنس: أنَّ رسول الله ﷺ قال في هذه الآية: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال: "بَدَا منه قَدْرُ هذا" (^١).
٦٧ - حدَّثَناه أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن عيسى بن السَّكَن، حدثنا أبو سَلَمة ومحمد بن عبد الله الخُزاعي قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال: "فأخرجَ من النُّور مثلَ هذا - وأشار (^٢) إلى نصف أَنمَلةِ الخِنْصِر، فضرب بها صدرَ حمَّاد - قال: فسَاخَ الجبلُ" (^٣).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٦٨ - حدثنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي، حدثنا يوسف بن يعقوب، حدثنا محمد بن أبي بكر المُقدَّمي، حدثنا فُضَيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عُقْبة، حدثنا عُبيد الله بن سلمان الأَغرِّ، عن أبيه، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة يحبُّهم اللهُ ويَضحَكُ إليهم: الذي إذا انكشفَ فِئةٌ قاتلَ وراءَها بنفسِه لله ﷿" (^٤).
_________________
(١) إسناد صحيح أبو سلمة: هو موسى بن إسماعيل التَّبُوذَكي، وهدبة: هو ابن خالد. وأخرجه بنحوه أحمد ١٩/ (١٢٢٦٠) و٢٠/ (١٣١٧٨)، والترمذي (٣٠٧٤) من طرق عن حماد بن سلمة، به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وسيأتي برقم (٦٧) و(٣٢٨٨) و(٤١٤٧ - ٤١٤٩).
(٢) في المطبوع: وأشار بيده.
(٣) إسناده صحيح كسابقه. الأَنمَلة: عُقْدة الإصبع التي فيها الظُّفر. وقوله: "فساخ الجبل" أي: غاص في الأرض.
(٤) إسناده حسن، فضيل بن سليمان ممَّن يُعتبَر بحديثه في المتابعات والشواهد فيتحسن، وهذا منها، وباقي رجاله ثقات. =
[ ١ / ٢٦٣ ]
هذا حديث صحيح وقد احتجَّا بجميع رُواتِه (^١)، ولم يُخرجاه إنما خرَّجا (^٢) في هذا الباب حديث أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "يَضحَكُ اللهُ إلى رجلين" الحديثَ في الجهاد.
٦٩ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر، حدثنا عفّان.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا محمد بن غالب، حدثنا عفّان ومحمد بن محمود البُنَاني، قالا: حدثنا عبد العزيز بن مُسلِم، عن الأعمش، عن حَبيب بن أبي ثابت، عن يحيى بن جَعْدة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يدخلُ الجنةَ مَن كان في قلبِه حبةٌ من كِبْر" فقال رجل: يا رسول الله، إنه ليُعجِبُني أن يكونَ ثوبي جديدًا، ورأسي دَهِينًا، وشِراكُ نَعْلي جديدًا؛ قال: وذَكَرَ أشياءَ حتى ذكر عِلَاقةَ سوطِه، فقال: "ذاكَ جَمَالٌ، واللهُ جميلٌ يحبُّ الجمالَ، ولكنَّ الكِبْرَ مَن بَطِرَ الحقَّ وازدَرَى الناسَ" (^٣).
_________________
(١) = وأخرجه الطبراني - كما في "جامع المسانيد" لابن كثير (١١٩٠٤) - والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٩٨٣) من طريق يوسف بن يعقوب، بهذا الإسناد - وقرن الطبراني بيوسف إبراهيمَ بنَ نائلة، وتتمة الحديث عندهما: "فإما أن يُقتَل وأما أن ينصره الله ﷿ ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي كيف صبَّر لي نفسه، والذي له امرأة حسناءُ وفِراشٌ ليِّن حسنٌ، فيقوم من الليل فيَذَرُ شهوته فيذكرني ويناجيني، ولو شاء لرَقَد، والذي يكون في سفر وكان معه رَكْبٌ فسهروا ونَصَبوا ثم هَجَعوا، فقام في السَّحَر في سَرّاءَ أو ضَرَّاء". ويشهد له حديث ابن مسعود عند أحمد ٧/ (٣٩٤٩)، وأبي داود (٢٥٣٦)، وابن حبان (٢٥٥٧). وسنده جيد.
(٢) عبيد الله بن سلمان الأغر احتجَّ به البخاري دون مسلم.
(٣) البخاري برقم (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠).
(٤) حديث صحيح، وهذا إسناد اضطرب فيه عبد العزيز بن مسلم - وهو القَسمَلي - فمرةً يرويه كما هنا، ومرة يرويه موافقًا لأصحاب الأعمش الكِبار: عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن ابن =
[ ١ / ٢٦٤ ]
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه، وقد احتجَّا جميعًا برواته (^١).
وله شاهد آخر على شرط مسلم:
٧٠ - أخبرنا أبو العباس عبد الله بن الحسين القاضي بمَرْو، حدثنا عُبَيد بن شَرِيك البزَّار، حدثنا يحيى بن بُكَير، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلَمَ، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: قلت: يا رسول الله، أمِنَ الكِبْر أن أَلبَسَ الحُلَّةَ الحسنةَ؟ قال: "إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجَمَال" (^٢).
_________________
(١) = مسعود، وهو المحفوظ، والمحفوظ في رواية حبيب بن أبي ثابت عن يحيى بن جعدة أنه مرسل ليس فيه ابن مسعود، كما رواه الثوري وغيره عنه فيما قاله الدارقطني في "العلل" ١٣/ (٣٣٦٠)، ويحيى بن جعدة لم يلق ابنَ مسعود. وأخرجه أحمد ٦/ (٣٧٨٩) عن عارم محمد بن الفضل، عن عبد العزيز بن مسلم، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٧/ (٣٩١٣)، وابن حبان (٥٦٨٠) من طريق عبد العزيز بن مسلم، وأحمد ٧/ (٣٩٤٧)، وأبو داود (٤٠٩١)، والترمذي (١٩٩٨) من طريق أبي بكر بن عياش، ومسلم (٩١) (١٤٨)، وابن ماجه (٥٩) و(٤١٧٣)، وابن حبان (٢٢٤) من طريق علي بن مسهر، وابن ماجه (٥٩) و(٤١٧٣) من طريق سعيد بن مسلمة، أربعتهم عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة عن ابن مسعود مختصرًا بلفظ: "لا يدخل الجنة رجل في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار رجل في قلبه مثقال ذرة من إيمان". وتابع الأعمشَ على سنده هذا ومتنه فضيلُ بن عمرو، أخرجه من طريقه أحمد ٧/ (٤٣١٠)، ومسلم (٩١) (١٤٩). وسيأتي مطولًا من هذا الطريق عند المصنف برقم (٧٥٥٢). وسيأتي بنحوه من طريق حميد بن عبد الرحمن الحِمْيري عن ابن مسعود برقم (٧٥٥٤). شِرَاك النعل: قطعة الجِلد التي على ظهر القدم من النعل. وبَطِرَ الحق: دفعه وأنكره ترفعًا وتَجبُّرًا. وازدَرَى الناس: احتقرهم.
(٢) وهمَ الحاكم هنا في أمرين، فقد أخرج هذا الحديث مسلمٌ من طريق آخر عن ابن مسعود، كما سبق، ثم إنَّ يحيى بن جعدة ليس له عندهما رواية.
(٣) إسناده حسن في المتابعات والشواهد من أجل هشام بن سعد. عُبيد بن شريك البزّار: هو عُبيد بن عبد الواحد بن شريك. =
[ ١ / ٢٦٥ ]
٧١ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق إملاءً، حدثنا يوسف بن يعقوب، حدثنا أبو الرَّبيع الزَّهْراني، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "دَعَا اللهُ جبريلَ فأرسلَه إلى الجنة، فقال: انظُرْ إليها وما أَعددتُ فيها لأهلِها، فقال: وعِزَّتِكَ لا يسمعُ بها أحدٌ إلّا دخلها، فحُفَّتْ بالمَكارِه، قال: ارجِعْ إليها فانظُرْ إليها، فرجعَ، فقال: وعزَّتِكَ لقد خَشِيتُ أن لا يدخلَها أحدٌ" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
وقد رواه حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو بزيادة ألفاظ:
٧٢ - حدَّثَناه أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي ببغداد، حدثنا محمد بن عُبيد الله (^٢) بن مرزوق، حدثنا عفَّان، حدثنا حماد بن سَلَمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لما خَلَقَ اللهُ الجنةَ قال: يا جبريلُ، اذهَبْ فانظُرْ إليها، قال: فذهب فنَظَرَ إليها، فقال: لا يَسمَعُ بها أحدٌ إِلّا دخلها،
_________________
(١) = وأخرجه ضمن حديث طويل أبو الحسن الخِلَعي في "الخلعيات" (١٦٨)، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٦٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥ من طريق عيسى بن حماد، عن الليث بن سعد، بهذا الإسناد. وأخرجه بنحوه أحمد ١١/ (٦٥٨٣) من طريق الصقعب بن زهير عن زيد بن أسلم، به - لكن لم يقل فيه: "إنَّ الله جميل يحب الجمال".
(٢) إسناده حسن من أجل محمد بن عمرو: وهو ابن علقمة الليثي. يوسف بن يعقوب: هو ابن إسماعيل بن حماد بن زيد القاضي، وأبو الربيع الزهراني: هو سليمان بن داود العَتَكي. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٨٦١) عن سليمان بن داود الهاشمي، عن إسماعيل بن جعفر، بهذا الإسناد. وانظر ما بعده. قوله: "فحُفَّت" أي: أُحيطت وحُجِبَت.
(٣) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: عَبد الله مكبَّرًا، والتصويب من "إتحاف المهرة" للحافظ ابن حجر (٢٠٦١٥) ومن مصادر ترجمته كـ "تاريخ بغداد" ٣/ ٥٦٩ و"تاريخ الإسلام" و"ميزان الاعتدال" وغيرها.
[ ١ / ٢٦٦ ]
ثم حَفَّها بالمَكارِه، ثم قال: اذهَبْ فانظُرْ إليها (^١)، فقال: وعِزَّتِك لقد خَشِيتُ أن لا يدخلَها أحد، ثم خَلَقَ النارَ، فقال: يا جبريل، اذهبْ فانظُرْ إليها، قال: فنظرَ إليها، فقال: لا يسمعُ بها أحد فيَدخُلَها، قال: فحَفَّها بالشَّهوات، ثم قال: اذهبْ فانظُرْ إليها، قال: فذهب فنظرَ إليها، فقال: يا ربِّ، وعزِّتِك لقد خَشِيتُ أن لا يبقى أحدٌ إلَّا دخلها" (^٢).
٧٣ - حدثنا محمد بن صالح بن هانئ وإبراهيم بن عِصْمة العَدْل قالا: حدثنا السَّرِيُّ بن خُزيمة، حدثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، حدثنا يحيى بن يَمَانٍ، حدثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن سليمان الأحول، عن طاووس، عن ابن عباس: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]، قال للسماء: أَخرِجي شمسَكِ وقمرَكِ ونجومَكِ، وقال للأرض: شَقِّقي أنهارَكِ وأَخرِجي ثمارَكِ، فقالتا: أتيناكَ طائعين (^٣).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، وتفسيرُ الصحابي عندهما مُسنَد (^٤).
_________________
(١) زاد في المطبوع: "قال: فذهب فنظر إليها"، وهي ثابتة أيضًا في مصادر التخريج.
(٢) إسناده حسن كسابقه. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٦٤٨)، وأبو داود (٤٧٤٤) من طريقين عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (٨٣٩٨)، والترمذي (٢٥٦٠)، والنسائي (٤٦٨٤) من طرق عن محمد بن عمرو، به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرج البخاري (٦٤٨٧)، ومسلم (٢٨٢٣) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "حُجِبت النار بالشَّهوات، وحُجِبت الجنة بالمكاره".
(٣) إسناده حسن من أجل يحيى بن يمان. سفيان: هو الثوري. وأخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٨١٤) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد.
(٤) قد ردَّ على الحاكم إطلاقَه هذا ابنُ الصلاح والنووي وابن حجرٍ وغيره ممن نكَّت على "مقدمة ابن الصلاح"، فقيَّدوه بما إذا كان في تفسير يتعلق بسبب نزولٍ أو نحو ذلك مما لا مجال للاجتهاد فيه، والحاكم نفسه قد قرَّر ذلك في كتابه "معرفة علوم الحديث" ص ٢٠ - ٢١، وهذا رأي جمهور أهل العلم.
[ ١ / ٢٦٧ ]
٧٤ - حدثنا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصَّيْرفي بمرو، حدثنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا رَوْح بن عُبادة، حدثنا مالك بن أنس.
وأخبرني أبو بكر بن أبي نصر الدارَبردي (^١) بمَرْو، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي.
وأخبرنا أحمد بن محمد العَنَزي، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي؛ قالا: حدثنا القَعْنبي فيما قرأ على مالك، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب، عن مسلم بن يسار الجُهَني: أنَّ عمر بن الخطاب سُئِل عن هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قال عمر بن الخطَّاب: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عنها، فقال رسول الله ﷺ: "إنَّ الله خلقَ آدمَ، ثم مَسَحَ ظهرَه بيمينه فاستَخرَجَ منه ذُرِّيَّةً، فقال: خلقتُ هؤلاء للجنَّة، وبعملِ أهل الجنة يعملون، ثم مَسَحَ ظهرَه فاستخرجَ ذُرِّيةً، فقال: خلقتُ هؤلاء للنار، وبعملِ أهل النار يعملون" (^٢).
_________________
(١) في النسخ الخطية والمطبوع: الدرابردي، بتقديم الراء على الألف، لكن تكررت هذه النسبة عند الحاكم والبيهقي كما أثبتنا بتقديم الألف على الراء، وكذلك نقلها الحافظ ابن حجر في كتابه "إتحاف المهرة"، ولم نقف على هذه النسبة في شيء من كتب الأنساب. وأبو بكر بن أبي نصر هذا روى عنه المصنف في مواضع أخرى باسمه: وهو محمد بن أحمد بن حاتم.
(٢) حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه، مسلم بن يسار الجهني لم يسمع من عمر، ثم إنه لم يرو عنه غير عبد الحميد بن عبد الرحمن ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان والعجلي، فهو لا يكاد يُعرَف، وذهل الحاكم فصححه على شرطهما مع الانقطاع المشار إليه. وأخرجه أحمد ١/ (٣١١)، وأبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، والنسائي (١١١٢٦)، وابن حبان (٦١٦٦) من طرق عن مالك، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن. وأخرجه أبو داود (٤٧٠٤) من طريق عمر بن جُعثُم، عن زيد بن أبي أنيسة، به - لكن أدخل بين مسلم بن يسار وعمر نعيمَ بنَ ربيعة، ونعيم هذا مجهول لا يُعرَف. وانظر تمام الكلام عليه وذِكرَ تخريجه وشواهده في "مسند أحمد" و"سنن أبي داود". وسيأتي الحديث برقم (٣٢٩٥) و(٤٠٤٥).
[ ١ / ٢٦٨ ]
هذا حديث صحيح على شرطهما، ولم يُخرجاه.
٧٥ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا إبراهيم بن مرزوق البصري بمِصر، حدثنا وهب بن جرير بن حازم، حدثنا أبي، عن كُلْثوم بن جَبْر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "أَخَذَ اللهُ الميثاقَ من ظَهْر آدم، فأَخرج من صُلْبه ذُرِّيةً ذَرَأَها فنَثَرَهم نَثْرًا بين يديه كالذَّرِّ، ثم كلَّمهم، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف] " (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه، وقد احتجَّ مسلم بكُلْثوم بن جَبْر.
_________________
(١) إسناده جيد وإن كان أكثر من رواه عن كلثوم بن جبر رواه عنه موقوفًا على ابن عباس، لكن مثل هذا لا يقال بالرأي، فهو محمول على الرفع، خاصة أنه قد روي معناه في أحاديث أخرى مرفوعة عن النبي ﷺ. وسيأتي الحديث برقم (٤٠٤٤) من طريق حسين بن محمد المرُّوذي، عن جرير بن حازم. ومن هذا الطريق أخرجه أحمد ٤/ (٢٤٥٥)، والنسائي (١١٢٧). وقد رواه غير واحد عن كلثوم فوقفه، وكذا رواه غير واحد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وكل ذلك أخرجه الطبري في "تفسيره" ٩/ ١١١ و١١٢، قال ابن كثير في "تفسيره" ٣/ ٥٠٢: فهذا أكثر وأثبت، والله أعلم. وممّا يشهد لمعنى حديث ابن عباس هذا حديثُ أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيتَ لو كان لك ما على الأرض من شيء، أكنت مفتديًا به؟ قال: فيقول: نعم، قال: فيقول: قد أردتُ منك أهون من ذلك، قد أخذتُ عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيتَ إلَّا أن تشرك" أخرجه أحمد ١٩/ (١٢٢٨٩)، والبخاري (٣٣٣٤)، ومسلم (٢٨٠٥). وفي الباب غير هذا الحديث كما في "تفسير ابن كثير"، وحديث أنس هذا أصحُّها، وللشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ تحقيق جيد في هذا الحديث، فارجع إلى كتابه "السلسلة الصحيحة" برقم (١٦٢٣). قوله: "من ظهر آدم" أي: من ذرّيته التي تظهر من ظهره.
[ ١ / ٢٦٩ ]
٧٦ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا بِشْر بن موسى، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا خَلَف بن خَليفة، عن حُميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "يومَ كَلَّمَ اللهُ موسى كان عليه جُبَّةُ صوفٍ، وسراويلُ صوفٍ، وكُمَّةُ صوفٍ، وكِساءُ صوفٍ، ونَعلانِ من جلدِ حمارٍ غيرِ ذكيٍّ" (^١).
قد اتفقا جميعًا على الاحتجاج بحديث سعيد بن منصور، وحُميدٌ هذا ليس بابن قيس الأعرج، قال البخاري في "التاريخ": حميد بن علي الأعرج الكوفي مُنكَر الحديث، وعبد الله بن الحارث النَّجْراني مُحتَجٌّ به (^٢)، واحتجَّ مسلم وحده بخلف بن خليفة، وهذا حديث كبير في التصوف والتكليم (^٣)، ولم يُخرجاه.
وله شاهد من حديث إسماعيل بن عيَّاش:
٧٧ - حدَّثناه علي بن حَمْشَاذَ وأبو بكر بن بالَوَيهِ قالا: حدثنا محمد بن يونس، حدثنا عبد الله بن [داود، حدثنا إسماعيل بن عيّاش، عن ثَوْر بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان] (^٤) عن أبي أُمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ: "عليكم بلِباسِ الصُّوف
_________________
(١) إسناده ضعيف جدًّا، حميد الأعرج متروك الحديث، والعجب من الحاكم كيف أخرجه مع أنه نقل لاحقًا عن البخاري أنه قال فيه: منكر الحديث. وسيأتي هذا الخبر عند الحاكم برقم (٣٤٧٢) مخرَّجًا من طريق عمر بن حفص بن غياث عن أبيه وخلف بن خليفة ووقع حميد هناك مسمًّى بحميد بن قيس، فذَهَلَ وصحَّحه على شرط البخاري، مع أنه نصَّ هنا أنه ليس بابن قيس وهو الصواب، وما وقع هناك فوهمٌ من أحد رواة الإسناد. وأما عبد الله بن الحارث فليس له سماع من ابن مسعود فيما قاله ابن المديني وابن معين وغيرهما. وأخرجه الترمذي (١٧٣٤) عن علي بن حُجْر، عن خلف بن خليفة بهذا الإسناد. والكُمَّة: القَلَنسُوَة الصغيرة. قاله الترمذي.
(٢) عند مسلم وحده.
(٣) في المطبوع: والتكلم.
(٤) وقع هنا مكان ما في المعقوفين بياضٌ في المطبوع ونسخنا من "المستدرك" حتى في نسخة الحافظ الذهبي كما في "تلخيصه"، وفات الحافظَ ابنَ حجر أن يذكره في كتابه "إتحاف المهرة"، =
[ ١ / ٢٧٠ ]
تَجِدُون حلاوةَ الإيمان في قلوبكم" (^١).
٧٨ - أخبرنا أبو جعفر أحمد بن عُبيد الحافظ بهَمَذان، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شَيْبان.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي، حدثنا إسحاق بن الحسن الحَرْبي، حدثنا الحسن بن موسى الأشيَبُ، حدثنا شَيْبان بن عبد الرحمن، عن قَتَادة، عن الحسن، عن عمران بن حُصَين: أنَّ رسول الله ﷺ قال وهو في بعض أسفاره، وقد قارَبَ بين أصحابه السَّيرُ، فرفع بهاتين الآيتين صوتَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢]، فلما سمع أصحابُه ذلك، حَثُّوا المَطِيَّ وعرفوا أنَّه عند قولٍ يقوله، فلما تأشَّبُوا عنده حولَه، قال: "هل تدرون أيُّ يومٍ ذاكُم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذاك يوم يُنادَى آدمُ فيناديه ربُّه فيقول: يا آدمُ، ابعَثْ بَعْثَ النارِ، فيقول: وما بعثُ النار؟ فيقول: من كلِّ ألفٍ تسعُ مئةٍ وتسعةٌ وتسعون إلى النار وواحدٌ إلى الجنة" قال: فأُبلِسُوا حتى ما أَوضَحُوا بضاحكةٍ، فلما رأى رسول الله ﷺ ذاك قال: "اعمَلوا وأَبشِروا، فوالذي نفسُ محمدٍ بيده، إنكم مع خَلِيقتَينِ ما كانتا مع
_________________
(١) = واستدركناه من كتابه الآخر "الغرائب الملتقطة من مسند الفردوس" (٢٠٥٣) حيث خرَّجه أبو منصور الديلمي من كتاب الحاكم. وهذا الإسناد على النحو الذي أثبتناه عند كل من خرَّجه كما سيأتي.
(٢) إسناده تالف، محمد بن يونس - وهو الكُديمي - واهٍ واتُّهم بالوضع، وشيخه عبد الله بن داود - وهو الواسطي التمَّار - صاحب مناكير. وأخرجه أبو القاسم بن بِشران في "أماليه" (٥٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥٧٤٢)، والخطيب البغدادي في "الزهد والرقائق" (٥)، وابن النقور في "فوائده" (٥١)، وابن عساكر في "معجم شيوخه" (١٣٨١)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (١٤٤٣) من طرق عن محمد بن يونس الكُديمي، بهذا الإسناد.
[ ١ / ٢٧١ ]
شيءٍ إِلَّا كَثَّرَتاهُ، يأجوجَ ومأجوجَ، ومَن هَلَكَ من بني آدم وبني إبليسَ" قال: فسَرَّى ذلك عن القوم، قال: "اعمَلوا وأَبشِروا، فوالذي نفسُ محمد بيده، ما أنتم في الناس إلَّا كالرَّقْمةِ في ذراع الدابَّة، أو كالشَّامَة في جَنْبِ البعير" (^١).
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله عن آخرهم ثقات، وفي سماع الحسن - وهو البصري - من عمران بن حصين خلاف، وقد جزم الحاكم في غير موضع من كتابه هذا بسماعه منه، والجمهور على أنه لم يسمع منه، وهذا الحديث قد توبع الحسن عليه كما سيأتي. وسيأتي عند المصنف برقم (٣٤٩١) من طريق محمد بن إسحاق الصغاني عن الحسن بن موسى الأشيب، بهذا الإسناد. وسيأتي عنده أيضًا برقم (٢٩٥٤) و(٨٩٠٨ - ٨٩١٠) من حديث هشام الدستوائي، وبرقم (٣٤٩١) و(٨٩١٠) من حديث سعيد بن أبي عروبة، كلاهما عن قتادة عن الحسن عن عمران. ورواه عن قتادة كذلك أبو عوانة عند الطبراني في "الكبير" ١٨/ (٣٠٦)، وسعيد بن بشير - وهو ضعيف يعتبر به - عند الطبراني في "الكبير" أيضًا ١٨/ (٣٠٨) و"مسند الشاميين" (٢٦٣٦). ورواه سليمان التيمي عن قتادة فقال فيه: عن صاحب له عن عمران بن حصين، أخرجه الطبري في مسند ابن عباس من "تهذيب الآثار" ١/ ٣٩٩. وخالف هؤلاء جميعًا معمرٌ، فرواه عن قتادة عن أنس بن مالك كما سيأتي لاحقًا، وروايته هذه شاذّة، فالمحفوظ عن قتادة فيه روايته له من حديث عمران بن حصين كما قال الإمام محمد بن يحيى الذُّهلي فيما سيأتي عند المصنف برقم (٨٩٠٧). وتابع قتادةَ على الوجه المحفوظ ثابتٌ البُناني عند الطبراني ١٨/ (٣٤٠)، وعليُّ بن زيد بن جُدعان عند أحمد ٣٣/ (١٩٨٨٤)، والترمذي (٣١٦٨)، كلاهما عن الحسن عن عمران بن حصين. وثابت ثبت ثقة، وابن جدعان ضعيف، لكنه صالح للاعتبار. وأخرجه هنّاد في "الزهد" (١٩٧) عن عبدة بن سليمان، والطبري في "تفسيره" ١٧/ ١١١ وفي "تهذيب الآثار" ١/ ٤٠٢، والطبراني في "الكبير" ١٨/ (٥٤٦) من طريق محمد بن بشر العبدي، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن العلاء بن زياد العدوي، عن عمران بن حصين. وهذا إسناد صحيح إن شاء الله، وفيه متابعة العلاء للحسن، والعلاء هذا من ثقات التابعين في البصرة ولم يعرف بتدليس، وللحسن البصري رواية عنه كما في "سير أعلام النبلاء" ٤/ ٢٠٢، فلعلَّ الحسن إنما حمله عنه عن عمران. على أنَّ سعيد بن أبي عروبة قد روي عنه الوجه المحفوظ أيضًا كما وقع في رواية روح بن =
[ ١ / ٢٧٢ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه بطوله، والذي عندي أنهما قد تَحرَّجا ذلك خَشْيةَ الإرسال، وقد سمع الحسنُ من عِمْران بن حُصَين، وهذه الزيادات التي في هذا المتن أكثرُها عند مَعمَر عن قتادة عن أنس، وهو صحيح على شرطهما جميعًا، ولم يُخرجاه ولا واحدٌ منهما:
٧٩ - أخبرَناه أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قَتَادة عن أنس قال: لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ على النبي ﷺ، وهو في مَسِيرٍ له … فذكر الحديث بنحوه (^١).
قد اتفقا جميعًا على إخراج حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد بعضَ هذا المتن:
٨٠ - كما حدَّثَناه أبو بكر محمد بن عبد الله بن عتَّاب العَبْدي ببغداد وأبو جعفر
_________________
(١) = عبادة عنه عند المصنف فيما سيأتي كما تقدم، فلعله عنده على الوجهين، والله تعالى أعلم. وفي الباب عن أبي سعيد الخُدْري عند البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٨٨١). وعن ابن عباس، وسيأتي عند المصنف برقم (٨٩١١) المَطِيُّ: جمع مَطِيَّة، وهي الناقة. فأُبلِسوا: سكتوا من الحزن والخوف. قوله: "ما أَوضَحوا بضاحكة" أي: ما ظهر ولا بانَ لهم سِنٌّ، وسُمِّيَت ضاحكةً لأنها تظهر عند الضحك. والرَّقْمة: العلامة والأثر الناتئ في ذراع الدابّة. وقوله: "تأشَّبوا عليه" أي: انضمُّوا إليه والتفُّوا عليه. وقوله: "فسَرَّى ذلك" أي: خفَّف عنهم ما وجدوه من الغمِّ.
(٢) حديث صحيح لكن من حديث عمران بن الحصين كما تقدَّم بيانه في الحديث السابق، شذَّ معمرٌ في روايته هذه. وأخرجه ابن حبان (٧٣٥٤) من طريق محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد. وسيأتي عند المصنف برقم (٨٩٠٦) و(٨٩٠٧) من طريق عبد الرزاق.
[ ١ / ٢٧٣ ]
محمد بن علي بن دُحَيم الشَّيباني بالكوفة قالا: حدثنا إبراهيم بن عبد الله العَبْسي، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخُدْري، عن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله: يا آدمُ، فيقول: لبَّيْكَ وسَعدَيكَ، والخيرُ في يديكَ، قال: يقول: أَخرِجْ بَعْثَ النار"، فذكر الحديث مختصرًا دون ذِكْر النُّزول وغيرِه.
رواه البخاري عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش، ورواه مسلم عن أبي بكر عن وكيع (^١).
٨١ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام.
وحدثنا محمد بن صالح، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب؛ قالا: حدثنا أبو كُريب، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن عاصم بن كُلَيب، عن مُحارِب بن دِثَار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "اتَّقُوا دَعَواتِ المظلوم، فإنها تَصعَدُ إلى السماءِ كأنها شَرَارٌ" (^٢).
قد احتجَّ مسلم بعاصم بن كُليب، والباقون من رُوَاة هذا الحديث متَفقٌ على الاحتجاج بهم، ولم يُخرجاه.
٨٢ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفّار، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدَّمي، حدثنا فُضَيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عُقْبة، حدثني إسحاق بن يحيى، عن عُبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) البخاري برقم (٤٧٤١)، ومسلم برقم (٢٢٢) (٣٨٠). وهو في "مسند أحمد" ١٧/ (١١٢٨٤) عن وكيع، وانظر تتمة تخريجه هناك.
(٢) إسناده صحيح من جهة إبراهيم بن أبي طالب، أما إبراهيم بن عبد السلام - وهو أبو إسحاق الوشّاء - فقد ضعَّفه الدارقطني. أبو كريب: هو محمد بن العلاء الهمداني، وزائدة: هو ابن قُدامة. وأخرجه أبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" كما في "الغرائب الملتقطة" لابن حجر (١٢٨) من طريق عمرو بن مرزوق، عن زائدة بن قدامة، عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، به. وفي الإسناد إلى عمرو بن مرزوق من لا يُعرَف، وما عند الحاكم أصحُّ.
[ ١ / ٢٧٤ ]
"أنا سيِّدُ الناس يومَ القيامة ولا فَخْر، ما من أحدٍ إلَّا وهو تحت لِوائي يومَ القيامة ينتظرُ الفَرَج، وإنَّ معي لواءَ الحمد، أنا أَمشي ويمشي الناسُ معي حتى آتيَ بابَ الجنة فأَستفتحَ فيقال: مَن هذا؟ فأقول: محمَّدٌ، فيقال: مرحبًا بمحمَّدٍ، فإذا رأيتُ ربِّي خَرَرتُ له ساجدًا أنظُرُ إليه" (^١).
هذا حديث كبير في الصفات والرُّؤية، صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه!
٨٣ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا العباس بن الوليد بن مَزْيَد البيروتي، حدثني أَبي قال: سمعت الأوزاعيَّ.
وحدثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن مَخلَد الجوهري ببغداد، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البَلَدي، حدثنا محمد بن كثير المِصِّيصي، حدثنا الأوزاعي.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا بِشْر بن موسى، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق الفَزَاري، حدثنا الأوزاعي - وهذا لفظ حديث أبي العباس - قال: حدثني ربيعة بن يزيد ويحيى بن أبي عمرو السَّيباني قالا: حدثنا عبد الله بن فَيرُوزَ الدَّيلَمي قال: دخلتُ على عبد الله بن عمرو بن العاص وهو في حائطٍ له بالطائف يقال له: الوَهْط، وهو يخاصرُ (^٢) فتًى من قريش، وذلك الفتى يُزَنُّ بشرب الخمر، فقلت لعبد الله بن عمرو: خِصالٌ تَبلُغني عنك تحدِّث بها عن رسول الله ﷺ: أنه من شرب الخمرَ شَرْبةً، لم تُقبَل توبتُه أربعين صباحًا - فاختَلَجَ الفتى يدَه من يد عبد الله
_________________
(١) إسناده ضعيف لجهالة إسحاق بن يحيى - وهو ابن الوليد بن عبادة بن الصامت - ثم إنه لم يدرك جدَّ أبيه عبادة، فهو منقطع، كما أنَّ فضيل بن سليمان ليس بذاك القوي. وأخرجه أبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" كما في "الغرائب الملتقطة" (٩٣٦) من طريق الحاكم بهذا الإسناد. وعزاه الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٣٧٦ للطبراني، وهو عنده بنحوه، وقال: وإسحاق بن يحيى لم يدرك عبادة. وانظر حديث أبي هريرة الطويل في الشفاعة عند البخاري (٤٧١٢) ومسلم (١٩٤).
(٢) تصحف في المطبوع إلى: محاضر.
[ ١ / ٢٧٥ ]
ثم ولَّى - وأنَّ الشقيَّ من شَقِيَ في بطن أُمه، وأنه من خَرَجَ من بيته لا يريد إلّا الصلاةَ ببيت المقدِس، خرج من خطيئته كيومَ وَلَدتْه أمُّه.
فقال عبد الله بن عمرو: اللهم إني لا أُحِلُّ لأحدٍ أن يقول عليَّ ما لم أقل، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن شربَ الخمرَ شَرْبةً، لم تُقبَلْ توبتُه أربعين صباحًا، فإن تابَ تابَ الله عليه، فإنْ عادَ لم تُقبَلْ توبتُه أربعين صباحًا - فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال: - فإنْ عادَ كان حقًّا على الله أن يَسقِيَه من رَدْغةِ الخَبَالِ يومَ القيامة".
قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ الله خلقَ خَلْقَه في ظُلْمةٍ، ثم ألقى عليهم من نُورِه، فمن أصابه من ذلك النُّورِ يومئذٍ شيءٌ فقد اهتدى، ومن أخطأَه ضَلَّ"، فلذلك أقول: جَفَّ القلمُ على عِلْم الله.
وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ سليمان بن داود سألَ ربَّه ثلاثًا، فأعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن يكونَ قد أعطاه الثالثةَ: سأله حُكمًا يُصادِفُ حُكْمَه، فأعطاه إياه، وسأله مُلكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدِه، فأعطاه إياه، وسأله أيُّما رجل يخرجُ من بيته لا يريدُ إلّا الصلاةَ في هذا المسجد، أن يخرجَ من خطيئته كيومَ وَلَدتْه أمُّه، فنحن نرجو أن يكونَ اللهُ قد أعطاه إيَّاه" (^١).
_________________
(١) إسناده صحيح، ومحمد بن كثير المصيصي - وإن كان فيه ضعف - تابعه هنا في روايته عن الأوزاعي اثنان. وأبو إسحاق الفزاري: اسمه إبراهيم بن محمد بن الحارث. وأخرجه بطوله أحمد ١١/ (٦٦٤٤) عن معاوية بن عمرو، بهذا الإسناد - ولم يذكر يحيى بنَ أبي عمرو السيباني. وقال في المرفوع منه: "لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا"، وهو الصواب إن شاء الله الذي يتفق مع السياق. وأخرج الحديث الأول فيمن شرب الخمر: النسائي (٥١٦٠) عن القاسم بن زكريا بن دينار، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق، عن الأوزاعي، عن ربيعة بن يزيد وحده، به. وأخرجه ابن ماجه (٣٣٧٧)، وابن حبان (٥٣٥٧) من طريق الوليد بن مسلم، والنسائي (٥١٦٠) من طريق بقية بن الوليد، كلاهما عن الأوزاعي، به. وقال الوليد في حديثه: "لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا". =
[ ١ / ٢٧٦ ]
قال الأوزاعي: حدثني ربيعة بن يزيد بهذا الحديث فيما بين المِقسِلَّاط والباب الصغير (^١).
هذا حديث صحيح قد تداوَلَه الأئمة، وقد احتجَّا بجميع رواته (^٢) ثم لم يُخرجاه، ولا أعلمُ له علةً.
٨٤ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الرَّبيع بن سليمان (^٣)، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن
_________________
(١) = وانظر الأحاديث الآتية بالأرقام (٩٥٨) و(٧٤١٨) و(٧٤١٩) و(٧٤٢٢). وأخرج الحديث الثاني: ابن حبان (٦١٦٩) من طريق ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن ربيعة بن يزيد، به. وأخرجه أيضًا (٦١٧٠) من طريق معاوية بن صالح، عن ربيعة، به. وأخرجه الترمذي (٢٦٤٢) من طريق إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، به. وأخرج الحديث الثالث: ابن حبان (١٦٣٣) من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن ربيعة، به. وأخرجه النسائي (٧٧٤) من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن ابن الديلمي، به - وهذا من المزيد في متصل الأسانيد. وأخرجه ابن ماجه (١٤٠٨) من طريق أيوب بن سويد، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، به. وسيأتي عند المصنف برقم (٣٦٦٦). يُزَنُّ: أي: يُتَّهم. واختَلَجَ يده: نزعها. رَدْغة الخبال: هي عُصارة أهل النار كما جاء تفسيره في الحديث نفسه عند ابن ماجه وابن حبان، والرَّدغة لغةً: طين ووحل كثير، والخبال في الأصل: الفساد، ويكون في الأفعال والأبدان والعقول.
(٢) قوله: "والباب الصغير" تحرَّف في النسخ الخطية والمطبوع إلى: والجاصعير، والتصويب من "المعرفة والتاريخ" ليعقوب بن سفيان ٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤ و"تاريخ دمشق" لابن عساكر ٧٢/ ١٩٤. وهما موضعان بدمشق، والمِقسلاط موضع النحّاسين بدمشق، انظر كتاب "غوطة دمشق" لمحمد كرد علي ص ١١.
(٣) عبد الله بن فيروز الديلمي لم يحتجَّ به أحد منهما.
(٤) تحرَّف في (ب) إلى: سليم.
[ ١ / ٢٧٧ ]
قَتَادة السَّلَمي - وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خلقَ اللهُ آدمَ ثم خلقَ الخلقَ من ظَهرِه، ثم قال: هؤلاء للجنة ولا أُبالي، وهؤلاء للنار ولا أُبالي" قال: فقيل: يا رسول الله، فعلى ماذا نعملُ؟ قال: "على مُوَافقةِ القَدَر" (^١).
هذا حديث صحيح قد اتفقا على الاحتجاج برُوَاته عن آخرهم إلى الصحابة (^٢)، وعبد الرحمن بن قتادة من بني سَلِمة من الصحابة، وقد احتجَّا جميعًا بزهير بن عمرو (^٣) عن رسول الله ﷺ، وليس له راوٍ غيرُ أبي عثمان النَّهْدي، وكذلك احتجَّ البخاريُّ بحديث أبي سعيد بن المعلَّى، وليس له راوٍ غيرُ حفص بن عاصم.
٨٥ - حدثنا أبو النَّضْر محمد بن (^٤) محمد بن يوسف الفقيه، حدثنا عثمان بن سعيد الدارِمي، حدثنا علي بن المَدِيني، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا أبو مالك الأشجَعي، عن ربعي بن حِرَاش عن حُذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ الله يَصنَعُ (^٥) كلَّ صانعٍ وصَنْعتَه" (^٦).
_________________
(١) إسناده صحيح، وأعلَّه بعض أهل العلم بالاضطراب ولا يصحُّ ذلك. وأخرجه ابن حبان (٣٣٨) من طريق الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٢٩/ (١٧٦٦٠) من طريق ليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، به.
(٢) هذا ذهولٌ منه، فإنَّ راشد بن سعد - على ثقته - لم يحتجَّ به أحدٌ منهما، وإنما معاوية بن صالح فإنه من رجال مسلم وحده.
(٣) بل هو من أفراد مسلم.
(٤) قوله: "محمد بن" لم يرد في (ب) والمطبوع، والصواب إثباته كما في (ص)، فإنَّ أبا النضر اسمه محمد وكذا اسم أبيه.
(٥) هكذا في (ص)، وفي المطبوع: "خالق".
(٦) إسناده صحيح. أبو مالك الأشجعي: هو سعد بن طارق. وأخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٨٢٥)، و"الاعتقاد" ص ١٤٤ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري في "خلق أعمال العباد" (١١٧)، ومن طريقه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٥٧٠)، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٢/ ٣٥٣ عن علي بن عبد الله - وهو ابن المديني - به. =
[ ١ / ٢٧٨ ]
٨٦ - حدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدَّمي، حدثنا الفُضيل بن سليمان، عن أبي مالك الأشجعي، عن رِبْعيِّ بن حِرَاش، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ الله خالقُ كلِّ صانعٍ وصَنْعتِه" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٨٧ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا مُسدَّد، حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا مَعمَر، عن الزُّهْري، عن عُروة، عن حَكِيم بن حِزَام قال: قلت: يا رسول الله، رُقًى كنا نسترقي بها، وأدويةٌ كنا نتداوى بها، هل تردُّ من قَدَرِ الله؟ قال: "هو مِن قَدَرِ الله" (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (١٨٧) من طريق أبي جعفر الحذّاء، عن علي بن المديني، به. وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (٣٥٨)، والبزار (٢٨٣٧)، وابن منده في "التوحيد" (١١٣)، واللالكائي في "أصول الاعتقاد" (٩٤٣)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٣٧) من طرق عن مروان بن معاوية به. وأخرجه المحاملي في "أماليه" (٣٢٥)، واللالكائي (٩٤٢) من طريق أبي خالد الأحمر، وأبو القاسم بن بشران في "أماليه" (١٢٤٣) من طريق يحيى بن زكريا، كلاهما عن أبي مالك الأشجعي، به. وأخرجه البخاري في "خلق أفعال العباد" (١١٨) من طريق الأعمش، عن شقيق أبي وائل، عن حذيفة موقوفًا.
(٢) حديث صحيح الفضيل بن سليمان - وإن كان فيه كلام - متابَع في الذي قبله، وباقي رجاله ثقات. وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (٣٥٧) عن محمد بن أبي بكر المقدمي، بهذا الإسناد.
(٣) حسن لغيره، وهذا إسناد قد اختُلف فيه على الزهري كما سيذكر المصنف عقبَه وكما في "علل ابن أبي حاتم" (٢٥٣٧) و"علل الدارقطني" ٢/ ٢٥١ (٢٥٠)، وقد رواه جماعة من ثقات أصحاب الزهري عنه عن ابن أبي خِزَامة عن أبيه عن النبي ﷺ، أو عن أبي خِزامة عن أبيه كما =
[ ١ / ٢٧٩ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ثم لم يخرجاه (^١)، وقال مسلم في تصنيفه فيما أخطأ معمرٌ بالبصرة: إنَّ معمرًا حدَّث به مرتين، فقال مرةً: عن الزهري، عن ابن أبي خِزَامة، عن أبيه.
وقال الحاكم: وعندي أنَّ هذا لا يُعلِّله، فقد تابع صالحُ بن أبي الأخضر معمرَ بن راشد في حديثه عن الزهري عن عروة، وصالحٌ وإن كان في الطبقة الثالثة من أصحاب الزهري، فقد يُستشهَد بمثله.
٨٨ - حدَّثَناه أبو بكر أحمد بن كامل القاضي ببغداد وأبو أحمد بكر بن محمد الصَّيْرفي بمَرْو قالا: حدثنا أبو قِلَابة، حدثنا إبراهيم بن حُميد، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزُّهري، عن عروة، عن حَكيم بن حِزام قال: قلت: يا رسول الله، رُقًى كنا نَستَرقي بها، وأدويةٌ كنّا نتداوى بها، هل تردُّ من قَدَرِ الله؟ قال: "هو من قَدَرِ الله" (^٢).
_________________
(١) = سيأتي عند المصنف برقم (٧٦٢٠)، وهذا أصحُّ من حديث معمر وصالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عروة عن حكيم، وابن أبي خِزامة هذا - أو أبو خزامة - لا يُعرف وقد تفرَّد بالرواية عنه الزهري، ولم يؤثر توثيقه عن أحد. وانظر ما بعده. لكن له شاهد من حديث كعب بن مالك عند ابن حبان في "صحيحه" (٦١٠٠). وإسناده حسن إن شاء الله، فيتحسّن الحديث بالطريقين. قوله: "هو من قدر الله" يعني أنه تعالى قدَّر الأسباب والمسبَّبات، وربط المسبَّبات بالأسباب، فحصول المسبَّبات عند حصول الأسباب من جملة القدر، والله تعالى أعلم، قاله السندي في حاشيته على "مسند أحمد "٢٤/ (١٥٤٧٢).
(٢) للعلّة التي ذكرناها آنفًا.
(٣) حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف لضعف صالح بن أبي الأخضر، وللخلاف الذي وقع فيه كما بيَّنّا في الحديث السابق. أبو قلابة: هو عبد الملك بن محمد الرَّقاشي. وأخرجه الطبراني (٣٠٩٠)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (١٨٩٠) من طريق أبي مسلم الكشّي، عن إبراهيم بن حميد - وهو الطويل - بهذا الإسناد. وسيأتي برقم (٧٦١٩) و(٨٤٢٧).
[ ١ / ٢٨٠ ]
٨٩ - حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ، حدثنا إسحاق بن الحسن (^١) بن ميمون، حدثنا عفّان بن مسلم، حدثنا حسان بن إبراهيم الكِرْماني، حدثنا سعيد بن مسروق، عن يوسف بن أبي بُرْدة بن أبي موسى، عن أبي بُرْدة قال: أتيتُ عائشةَ فقلت: يا أُمّاه، حدِّثيني بشيء سمعتِه من رسول الله ﷺ، قالت: قال رسول الله ﷺ: "الطَّيرُ تجري بقَدَرٍ"، وكان يعجبُه الفَأْلُ الحَسَن (^٢).
قد احتجَّ الشيخان برُواةِ هذا الحديث عن آخرهم غير يوسف بن أبي بُردة، والذي عندي أنهما لم يُهمِلاه بجَرْحٍ ولا لضعف، بل لقِلَّة حديثه فإنه عزيز الحديث جدًّا.
٩٠ - أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن تَميم الحنظلي ببغداد، حدثنا عبد الملك بن محمد بن عبد الله الرَّقَاشي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان.
وأخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمَرْو، حدثنا أحمد بن سيَّار، حدثنا محمد بن كثير؛ قالا: حدثنا سفيان عن منصور، عن رِبْعي بن حِرَاش، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ قال: "لا يؤمنُ العبدُ حتى يؤمنَ بأربعٍ: حتى يشهدَ أن لا إله إلَّا الله، وأني رسولُ الله بَعَثَني بالحقِّ، ويؤمنَ بالبَعْث بعد الموت، ويؤمنَ بالقَدَر" (^٣).
_________________
(١) تحرَّف في (ص) و(ب) إلى: الحسين، وقد جاء في المواضع الأخرى من "المستدرك" على الصواب، وانظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٤١٠.
(٢) إسناده حسن من أجل حسان بن إبراهيم ويوسف بن أبي بردة. وأخرجه أحمد ٤١/ (٢٤٩٨٢) عن عفان بن مسلم بهذ الإسناد. وأخرجه ابن حبان (٥٨٢٤) من طريق داود بن عمرو الضّبّي، عن حسان بن إبراهيم، به. والفأل: هو الاستبشار الحسن بقول أو فعل، وهو ضدُّ التشاؤم.
(٣) إسناده صحيح وقد اختُلف فيه على منصور كما سيذكر المصنف، فبعضهم زاد فيه بين ربعيٍّ وعليٍّ رجلًا مبهمًا، وهو الذي صوَّبه الدارقطني في "العلل" ٣/ ١٩٦ (٣٥٧)، وأكثر الرواة على إسقاطه بينهما، وهو الذي رجَّحه الترمذي في "جامعه" (٢١٤٥) والمصنف هنا. =
[ ١ / ٢٨١ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وقد قصَّر بروايته بعضُ أصحاب الثَّوْري، وهو عندنا مما لا يُعبَأُ:
٩١ - حدَّثَناه أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن غالب، حدثنا أبو حُذيفة، حدثنا سفيان، عن منصور، عن رِبْعي عن رجل، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ نحوَه.
أبو حذيفة موسى بن مسعود النَّهْدي وإن كان البخاريُّ يحتجُّ به، فإنه كثير الوَهْم لا يُحكَم له على أبي عاصم النبيل ومحمد بن كثير وأقرانهم، بل يَلزَمُ الخطأُ إذا خالفهم (^١)، والدليل على ما ذكرتُه متابعةُ جريرِ بن عبد الحميد الثوريَّ في روايته عن منصور عن رِبْعي عن علي، وجريرٌ من أعرف الناس بحديث منصور:
٩٢ - حدَّثَناه يحيى بن منصور القاضي، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطَّالْقاني، حدثنا جرير.
وحدثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب ومحمد بن شاذان قالا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن منصور، عن رِبْعي، عن علي، عن النبي ﷺ قال: "لا يؤمنُ عبدٌ حتَّى يؤمن بأربعٍ: يشهدُ أن لا إلهَ إلَّا الله وحده لا شريكَ له، وأنِّي رسول الله بَعَثَني بالحقّ، وأنه مبعوثٌ بعد الموت، ويؤمنُ بالقَدَرِ كلِّه" (^٢).
_________________
(١) = أبو عاصم: هو الضحاك بن مخلد النبيل، وسفيان: هو الثوري، ومنصور: هو ابن المعتمر. وأخرجه ابن حبان (١٧٨) عن الفضل بن الحُباب، عن محمد بن كثير، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٢/ (٧٥٨) عن محمد بن جعفر، والترمذي (٢١٤٥) من طريق أبي داود الطيالسي، كلاهما عن شعبة، عن منصور، به. وخالفهما النضر بن شميل عند الترمذي (٢١٤٥ م) فرواه عن شعبة بإدخال الواسطة بين ربعيٍّ وعليّ، قال الترمذي: حديث أبي داود عن شعبة عندي أصحُّ من حديث النضر. وأخرجه ابن ماجه (٨١) من طريق شريك النخعي، عن منصور، عن ربعي، عن علي.
(٢) لكن تابعه وكيع عند أحمد ٢/ (١١١٢)، وأبو نعيم الفضل بن دكين عند عبد بن حميد (٧٥).
(٣) إسناده صحيح. جرير: هو ابن عبد الحميد. =
[ ١ / ٢٨٢ ]
٩٣ - أخبرنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعَث، حدثنا سليمان (^١) بن حرب وشَيبان بن أبي شَيْبة قالا: حدثنا جَرير.
وأخبرني أبو بكر بن عبد الله، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا يزيد بن صالح ومحمد بن أَبَان قالا: حدثنا جرير بن حازم قال: سمعتُ أبا رجاء العُطَارِدي يقول: سمعتُ ابن عباس يقول: قال رسول الله ﷺ: "لا يزالُ أمرُ هذه الأُمَّةِ مُوامِرًا - أو قال: مُقارِبًا - ما لم يتكلَّموا في الوِلْدانِ والقَدَر" (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولا نعلم له عِلّةً (^٣)، ولم يُخرجاه.
٩٤ - حدثنا دَعلَج بن أحمد السِّجْزي ببغداد، حدثنا موسى بن هارون وصالح بن مُقاتِل.
وحدثنا علي بن حَمْشاذ، حدثنا أبو المثنَّى العَنبَري وأحمد بن علي الأبَّار.
وحدثنا أحمد بن سهل (^٤) بن حَمدَوَيهِ الفقيه ببُخارَى، حدثنا صالح بن محمد بن حَبيب الحافظ، قالوا: حدثنا أحمد بن جَنَابٍ المِصِّيصي، حدثنا عيسى بن يونس، عن سفيان الثَّوْري، عن زُبَيد عن مُرَّة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ الله
_________________
(١) = وأخرجه أبو يعلى (٥٨٣) عن أبي خيثمة زهير بن حرب عن جرير، بهذا الإسناد.
(٢) تحرَّف في (ب) إلى: سليم.
(٣) صحيح موقوفًا، وقد اختُلف في رفعه ووقفه على جرير بن حازم، ومن ثقات أصحابه من رواه عنه موقوفًا كوكيع بن الجراح عند عبد الله بن أحمد في "السنة" (٨٧٠)، وأبي أُسامة حماد بن أسامة ويزيد بن هارون عند الفريابي في "القدر" (٢٦٠)، وصحَّح وقفَه البيهقي في "القضاء والقدر" (٤٤٥ - ٤٤٧) وقال في المرفوع: ليس بمحفوظ، ورجَّح وقفَه أيضًا ابن القيِّم في "أحكام أهل الذمة" ٢/ ١٩٠. شيبان بن أبي شيبة: هو شيبان بن فرُّوخ، وأبو عطاء العطاردي: اسمه عمران بن مِلحان، وهو مشهور بكنيته. وأخرجه ابن حبان (٦٧٢٤) عن الحسن بن سفيان بهذا الإسناد. وقال: الولدان أراد به أطفال المشركين.
(٤) علَّته الخلاف على جرير بن حازم في رفعه ووقفه.
(٥) تحرَّف في المطبوع إلى: سفيان.
[ ١ / ٢٨٣ ]
قَسَمَ بينكم أخلاقَكم كما قَسَمَ بينكم أرزاقَكم، وإنَّ الله يُعطي الدنيا مَن يحبُّ ومَن لا يحبُّ، ولا يُعطي الإيمانَ إلَّا من يحبُّ" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، تفرَّد به أحمد بن جَنَاب المِصِّيصي وهو ثقة، ومن شَرطِنا في هذا الكتاب أنَّا نخرج أفرادَ الثقات إذا لم نَجِدْ لها عِلَّة.
وقد وَجَدْنا لعيسى بن يونس فيه متابِعَين أحدهما من شرط هذا الكتاب: وهو سفيان بن عُقْبة أخو قَبِيصة:
٩٥ - حدثناه أبو علي الحسين بن علي الحافظ، أخبرنا مِهْران بن هارون الرازي، حدثنا الفضل بن العباس الرازي - وهو فَضْلَكُ الرازي - حدثنا إبراهيم بن محمد بن حَمَّويهِ الرازي، حدثنا سفيان بن عُقْبة أخو قَبيصة، عن حمزة الزيَّات وسفيان الثَّوري، عن زُبَيد، عن مُرَّة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الله قَسَمَ بينكم أخلاقَكم كما قَسَمَ بينكم أرزاقَكم، وإنَّ الله يعطي المالَ مَن يحبُّ ومن لا يحبّ، ولا
_________________
(١) صحيح موقوفًا على عبد الله بن مسعود، أحمد بن جناب صدوق ومن فوقه ثقات، وقد اختُلف على سفيان في رفعه ووقفه، والصحيح وقفه كما قال الدارقطني في "العلل" ٥/ ٢٧١. موسى بن هارون: هو الحمّال، وزبيد: هو ابن الحارث الياميّ، ومُرَّة: هو ابن شَراحيل الهَمْداني. وأخرجه البيهقي في "القضاء والقدر" (٣٦٦ - ٣٦٧) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الدارقطني ٥/ ٢٧١، والإسماعيلي في "معجم شيوخه" ٣/ ٧٢٦ - ٧٢٧، وأبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٣٥ من طرق عن أحمد بن جناب، به. وخالف عيسى بنَ يونس في رفعه: عبدُ الرحمن بن مهدي عند الحسين المروزي في زياداته على "زهد ابن المبارك" (١١٣٤)، ومحمدُ بن كثير العبدي عند البخاري في "الأدب المفرد" (٢٧٥)، وأبي داود في "الزهد" (١٤٧)، ومحمدُ بن طلحة بن مصرِّف عند الطبراني (٨٩٩٠)، وأبي نعيم في "الحلية" ٤/ ١٦٥، ومالك بن مِغوَل عند أبي نعيم أيضًا ٤/ ١٦٥، فرووه عن سفيان الثوري عن زبيد عن مرة عن ابن مسعود من قوله، وهؤلاء أكثر وأثبت. وتابع سفيانَ على وقفه أيضًا زهيرُ بن معاوية عن زُبيد، أخرجه أبو داود في "الزهد" (١٤٧). وانظر الحديث التالي وما سيأتي عند المصنف برقم (٣٧١٢) و(٧٤٨٨).
[ ١ / ٢٨٤ ]
يُعطي الإيمانَ إلَّا من يحبُّ، وإذا أَحبَّ اللهُ عبدًا أعطاه الإيمانَ" (^١).
وأما المتابع الذي ليس من شرط هذا الكتاب، فعبدُ العزيز بن أَبان (^٢)، والحديث معروفٌ به، فقد صحَّ بمتابعَينِ لعيسى بن يونس، ثم بمتابع للثوري عن زُبيدٍ، وهو حمزة الزيَّات.
٩٦ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا بِشْر بن موسى، حدثنا الحُميدي.
وحدثنا علي بن عيسى، حدثنا محمد بن عمرو الحَرَشيّ، حدثنا يحيى بن يحيى.
وحدثنا محمد بن الحسن، حدثنا هارون بن يوسف، حدثنا ابن أبي عمر؛ قالوا: حدثنا سفيان - واللفظ للحُمَيدي - حدثنا الزُّهْري، حدثني عُروة بن الزُّبير قال: سمعت كُرْز بن علقمة يقول: سأل رجلٌ النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، هل للإسلام من مُنتهًى؟ فقال رسول الله ﷺ: "نَعَم، أيُّما أهلِ بيتٍ من العرب والعَجَم أراد اللهُ بهم خيرًا، أَدخلَ عليهم الإسلامَ، ثمَّ تقع الفتنُ كأنها الظُّلَلُ" (^٣).
تابعه مَعمَرُ (^٤) بن راشد ويونسُ بن يزيد عن الزهري.
أما حديث مَعمَر:
٩٧ - فأخبرَناه القاسم بن القاسم السَّيّاري، حدثنا أبو الموجِّه، حدثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبد الله، عن مَعمَر، عن الزُّهري، عن عُرْوة بن الزُّبير، عن كُرْز بن علقمة قال:
_________________
(١) صحيح موقوفًا كسابقه، وهذا إسناد فيه من لم نقف له على ترجمة ولم نعرف حاله، وهما: مهران بن هارون وإبراهيم بن محمد بن حمّويه الرازيان. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٥٩٩) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وسقط من إسناده في المطبوع الفضل بن العباس وإبراهيم بن محمد بن حمويه.
(٢) وهو متروك الحديث، ومثله لا يُعتبر به.
(٣) إسناده صحيح. الحميدي: هو عبد الله بن الزبير الحميدي، ويحيى بن يحيى: هو النيسابوري، وابن أبي عمر: هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَني، وسفيان: هو ابن عيينة. وأخرجه أحمد ٢٥/ (١٥٩١٧) عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. وانظر ما بعده.
(٤) تحرَّف في (ب) إلى: محمد.
[ ١ / ٢٨٥ ]
قال أعرابيٌّ: يا رسول الله، هل للإسلام من مُنتهًى؟ فقال: "نَعَم، أيُّما أهلِ بيتٍ من العرب والعَجَم أراد اللهُ بهم خيرًا، أدخلَ عليهم الإسلامَ، ثم تقعُ الفتنُ كأنها الظُّلَلُ" (^١).
هذا حديث صحيح وليس له عِلَّة، ولم يُخرجاه لتفرُّد عروةَ بالرواية عن كُرْز بن علقمة (^٢)، وكُرْز بن علقمة صحابيٌّ مُخرَّج حديثُه في مسانيد الأئمة.
سمعتُ عليَّ بن عمر الحافظ يقول: مما يُلزَم مسلمٌ والبخاريُّ إخراجَه حديثُ كُرز بن علقمة: هل للإسلام مُنتهًى، فقد رواه عروةُ بن الزُّبير، ورواه الزهري وعبد الواحد بن قيس عنه (^٣).
قال الحاكم: والدليل الواضح على ما ذكره أبو الحسن أنهما جميعًا قد اتَّفقا (^٤) على حديث عِتْبان بن مالك الأنصاري الذي صلَّى النبيُّ ﷺ في بيته، وليس له راوٍ غيرُ محمود بن الرَّبيع.
_________________
(١) إسناده صحيح. أبو الموجِّه: هو محمد بن عمرو الفَزَاري وعبدان: هو عبد الله بن عثمان المروزي، وعبد الله: هو ابن المبارك. وسيأتي بأطول مما هنا برقم (٨٦٠٩) من طريق عبد الرزاق عن معمر. وانظر ما قبله.
(٢) قد وَهِمَ المصنف ﵀ في نسبة هذا المذهب إلى الشيخين، بناءً على ما قرَّره هو في بعض كتبه كـ "المدخل إلى الإكليل": أنهما لا يخرجان إلَّا للصحابي الذي له راويان ثقتان فأكثر؛ وهذا مناقض لما ذكره سابقًا في "المستدرك" بإثر حديث (٦١) بأنهما خرَّجا للصحابي حتى وإن انفرد عنه راوٍ واحد، وهو ما ذكره لاحقًا!! وقد أشار إلى تناقضه هذا الحافظُ السَّخاوي في "فتح المغيث" ١/ ٤٣. وقد ردَّ على الحاكم في دعواه هذه غيرُ واحدٍ من أئمة الحديث منهم أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي وأبو بكر الحازمي في كتابيهما في شروط الأئمة محتجِّين في رد هذه الدعوى بعدّة أحاديث في "الصحيحين" مما انفرد به صحابيٌّ وعنه تابعيٌّ واحد لا يُعرف روى عنه غيرُه، وانظر "النكت على مقدمة ابن الصلاح" للزركشي ١/ ٢٥٨ - ٢٦٦.
(٣) ورواية عبد الواحد بن قيس عند أحمد ٢٥/ (٥٩١٩)، وابن حبان (٥٩٥٦).
(٤) البخاري (٤٢٤)، ومسلم (٣٣).
[ ١ / ٢٨٦ ]
٩٨ - حدثنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب العَدْل، حدثنا السَّرِيُّ بن خُزيمة، حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ.
وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفّار وأبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ قالا: حدثنا بِشْر بن موسى، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا حَيْوة بن شُرَيح، أخبرنا أبو هانئ حُمَيد بن هانئ الخَوْلاني، أنَّ أبا علي الجَنْبي أخبره، أنه سمع فَضَالةَ بن عُبيد يُخبِر أنه سمع النبيَّ ﷺ يقول: "طُوبَى لمن هُدِيَ إلى الإسلام، وكان عيشُه كَفَافًا وقَنِعَ" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وبلغني أنه خرَّجه بإسناد آخر (^٢).
٩٩ - حدثني أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن دينار قالا: حدثنا الحسين بن فَضْل البَجَلي.
وأخبرنا أبو محمد جعفرُ (^٣) بن إبراهيم الحذّاء بمكة، حدثنا محمد بن سليمان
_________________
(١) إسناده صحيح. أبو عبد الرحمن المقرئ: هو عبد الله بن يزيد، وأبو علي الجنبي: هو عمرو بن مالك. وأخرجه أحمد ٣٩/ (٢٣٩٤٤)، والترمذي (٢٣٤٩)، وابن حبان (٧٠٥) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي (١١٧٩٣) من طريق ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، به. وسيأتي برقم (٧٣٢١) من طريق ابن وهب عن أبي هانئ الخولاني.
(٢) يشير إلى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنّعه الله بما آتاه"، أخرجه مسلم برقم (١٠٥٤).
(٣) في (ع) و(ب): أبو محمد بن جعفر، وفي "إتحاف المهرة" للحافظ ابن حجر (١٧١٤١): أبو محمد بن أبي جعفر. وكله خطأ والصواب ما أثبتنا كما في (ص)، وهو - والله أعلم - أبو محمد جعفر بن أحمد بن إبراهيم، نُسب هنا إلى جدّه، وله ترجمة في "تاريخ بغداد" للخطيب ٨/ ١٥٢ و"غاية النهاية" لابن الجزري ١/ ١٩٠، وذكر الخطيب أنه عاش إِلى سنة خمسين وثلاث مئة ومات قريبًا من ذلك، إلَّا أنه لم يصفه بالحذّاء، ووصفه ابن الجزري بالخصّاف، والخصّاف: مَن يَخصِف النعل، أي: يخرزها، وهي مهنة الحذّاء نفسها.
[ ١ / ٢٨٧ ]
ابن الحارث، حدثنا هَوْذة بن خَليفة، حدثنا حماد بن سَلَمة، عن عثمان الشَّحّام، عن مسلم بن أبي بَكْرة، عن أبي بَكْرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهمَّ أعوذُ بك من الكُفْر والفَقْر، وعذابِ القَبْر" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه، وقد احتجَّ مسلمٌ بعثمان الشَّحَّام.
١٠٠ - حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر المزكِّي (^٢)، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب ومحمد بن إسحاق بن خُزَيمة قالا: حدثنا أبو الخطَّاب زياد بن يحيى الحَسّاني.
وحدثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، حدثنا الحسين بن محمد بن زياد وإبراهيم بن أبي طالب قالا: حدثنا زياد بن يحيى الحَسّاني، أخبرنا مالك بن سُعَير، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أيها الناسُ، إنما أنا رحمةٌ مُهداةٌ" (^٣).
_________________
(١) إسناده قوي. وأخرجه ابن حبان (١٠٢٨) من طريق إبراهيم بن الحجاج السامي، عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٣٤/ (٢٠٣٨١) و(٢٠٤٠٩) و(٢٠٤٤٧)، والترمذي (٣٥٠٣)، والنسائي (١٢٧١) و(٧٨٤١) و(٧٨٤٩) من طرق عن عثمان الشحام، به - وعند بعضهم: أنَّ النبي ﷺ كان يدعو بها في دُبُر الصلاة. وقال الترمذي: حديث حسن. وأخرجه ضمن حديثٍ: أحمد ٣٤/ (٢٠٤٣٠)، وأبو داود (٥٠٩٠)، والنسائي (١٠٣٣٢) من طريق عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه. وسيأتي من طريق مسلم بن أبي بكرة برقم (٩٤٠).
(٢) تحرَّف في (ب) والمطبوع إلى: المزني.
(٣) صحيح مرسلًا، مالك، مالك بن سعير مختلف فيه، قال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان والدارقطني: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، لكن ضعَّفه أبو داود وقال الأزدي: عنده مناكير. قلنا: وقد خولف في وصله كما سيأتي. وأخرجه الترمذي في "العلل الكبير" (٦٨٥)، والبزار في "مسنده" (٩٢٠٥)، وابن الأعرابي في =
[ ١ / ٢٨٨ ]
هذا حديث صحيح على شرطهما، فقد احتجَّا جميعًا بمالك بن سُعَير، والتفرُّد من الثقات مقبول (^١).
_________________
(١) = "معجمه" (٢٤٥٠)، والرامهرمزي في "أمثال الحديث" (١٣)، والطبراني في "الأوسط" (٢٩٨١)، و"الصغير" (٢٦٤)، وأبو طاهر المخلِّص في "المخلّصيات" (٢٩٨٩)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١١٦٠) و(١١٦١)، والبيهقي في "الدلائل" ١/ ١٥٧ - ١٥٨، و"شعب الإيمان" (١٣٤٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٥/ ٤٠٠ - ٤٠١ من طرق عن زياد بن يحيى الحسّاني، بهذا الإسناد. وأخرجه الرامهرمزي (١٣)، والآجري في "الشريعة" (١٠٠٠) من طريق مؤمل بن إهاب، عن مالك بن سعير، به. وخالف مالكَ بنَ سعير وكيعٌ فرواه عن الأعمش عن أبي صالح عن النبي ﷺ مرسلًا، أخرجه ابن سعد في "الطبقات" ١/ ١٩٢، وابن أبي شيبة ٦/ ٣٢٥، وابن الأعرابي (١٠٨٨)، والبيهقي في "الدلائل" ١/ ١٥٧، و"الشعب" (١٣٣٩) من طرق عن وكيع به قال الدارقطني في "العلل" ١٠/ ١٠٥ (١٨٩٧): وهو الصواب. وخالف عبدُ الله بن نصر الأصمُّ فرواه عن وكيع موصولًا بذِكْر أبي هريرة، أخرجه ابن عدي في "الكامل" ٤/ ٢٣٠، وعبد الله بن نصر هذا منكر الحديث، وقال ابن عدي: غير محفوظ عن وكيع. وتابع وكيعًا على إرساله عليُّ بن مُسهِر عن الأعمش عند الدارمي في "مسنده" (١٥). فهذان - وكيع وعلي بن مسهر - ثقتان أرسلاه، فيقضى لهما على مالك بن سعير وهو أدنى منهما رتبة في الثقة والضبط، والله تعالى أعلم. ويشهد له حديث معبد بن خالد الجَدَلي - أحد الأثبات من التابعين - عن النبي ﷺ مرسلًا أيضًا، أخرجه ابن سعد ١/ ١٦٣، وسنده إلى معبد صحيح. قوله: "مُهداة" بضم الميم، يعني: أُهديت لكم، كما جاء في بعض الروايات، وقال الرامهرمزي في "أمثال الحديث": اتفقت ألفاظهم في ضمِّ الميم من قوله: "مُهداة" إلَّا ابن البرتي - أحد رواة الحديث عنده - قال: "مِهْداة" بكسر الميم، من الهِداية، وكان ضابطًا فَهِمًا متصرِّفًا في الفقه واللغة، والذي قاله أجود في الاعتبار، لأنه بُعث ﷺ هاديًا كما قال الله ﷿: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وكما قال ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٤٤]، و﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١]، وأشباه ذلك، ومن رواه بضم الميم إنما أراد أنَّ الله ﷿ أهداه إلى الناس، وهو قريب.
(٢) لكنه لم يتفرد به بل خولف فيه فأرسله من هو أوثق منه.
[ ١ / ٢٨٩ ]
١٠١ - حدثنا أحمد بن سلمان الفقيه، حدثنا هلال بن العلاء الرَّقِّي، حدثنا أَبي، حدثنا عُبيد الله بن عَمرو، عن زيد بن أبي أُنَيسة، عن القاسم بن عوف الشَّيباني قال: سمعتُ ابن عمر يقول: لقد عِشْنا بُرْهةً من دَهرِنا وإنَّ أحدَنا يُؤتَى الإيمانَ قبلَ القرآن، وتنزل السورةُ على محمد ﷺ فيَتعلَّم حلالَها وحرامَها، وما ينبغي أن يُوقَفَ عنده فيها، كما تَعلَّمون أنتم القرآن، ثم قال: لقد رأيت رجالًا يُؤتَى أحدُهم القرآنَ فيقرأُ ما بينَ فاتحتِه إلى خاتمته ما يدري ما آمِرُه ولا زاجِرُه، ولا ما ينبغي أن يُوقَفَ عندَه منه، يَنثُرُه نَثْرَ الدَّقَلِ (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرفُ له عِلَّةً، ولم يُخرجاه.
١٠٢ - حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن دَرَستَوَيهِ الفارسي، حدثنا يعقوب بن سفيان الفارسي.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد؛ قالا: حدثنا إسحاق بن محمد الفَرْوي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي المَوَال القرشي.
وأخبرني محمد بن المؤمَّل، حدثنا الفضل بن محمد الشَّعْراني، حدثنا قُتيبة بن سعيد، حدثنا ابن أبي المَوَال عبدُ الرحمن، حدثنا عُبيد الله (^٢) بن مَوْهَب القرشي، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، عن عَمْرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) خبر حسن، العلاء بن هلال الرقي والد هلال فيه لين لكنه متابع، ومن فوقه ثقات غير القاسم ابن عوف فهو صدوق حسن الحديث إن شاء الله. وأخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١٤٥٣)، والطبراني في "الكبير" (١٣٨٨١)، وابن منده في "الإيمان" (٢٠٧)، والبيهقي في "السنن" ٣/ ١٢٠، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣١/ ١٦٠ - ١٦١، وابن الأبّار في "معجم أصحاب أبي علي الصدفي" (٧٧) من طرق عن عبيد الله بن عمرو الرقِّي، بهذا الإسناد. والدَّقَل: رديء التمر ويابسه، فتراه ليُبسه لا يجتمع ويكون منثورًا.
(٢) تحرَّف في المطبوع إلى: عبد الله. وعُبيد الله بن موهب هذا: هو عبيد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن موهب.
[ ١ / ٢٩٠ ]
"ستةٌ لعنتُهم، لَعَنَهم الله وكلُّ نبيٍّ مُجابٍ: المكذَّبُ بقَدَر الله، والزائدُ في كتاب الله، والمتسلِّطُ بالجَبَرُوت، يُذِلُّ مَن أعزَّ اللهُ ويُعِزُّ من أذلَّ اللهُ، والمُستحِلُّ لحُرَم الله، والمستحِلُّ من عِتْرتي ما حرَّم الله، والتاركُ لسُنَّتي" (^١).
قد احتجَّ البخاري بعبد الرحمن بن أبي المَوَالِ، وهذا حديث صحيح الإسناد، ولا أعرف له عِلَّةً (^٢)، ولم يُخرجاه.
أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الله محمد بن عبد الله الحافظ إملاءً في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة:
١٠٣ - أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد الصَّيْرفي بمَرُو، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو النُّعمان محمد بن الفضل، حدثنا عبد الواحد بن زياد.
وأخبرني محمد بن عبد الله الجوهري - واللفظ له - حدثنا محمد بن إسحاق، أخبرنا محمد بن مَعمَر بن رِبْعيٍّ القَيْسي، حدثنا أبو هشام المغيرة بن سَلَمة المخزومي، حدثنا
_________________
(١) إسناده ضعيف، عبيد الله بن موهب مختلف فيه وهو إلى الضعف أقرب، وقد اضطرب فيه، فروي عنه عن أبي بكر بن حزم عن عمرة كما عند المصنف هنا، ومرة يرويه عن عمرة بإسقاط أبي بكر بن حزم، وروي عنه عن علي بن الحسين عن أبيه عن جدِّه عليٍّ عن النبي ﷺ، كما سيأتي عند المصنف برقم (٣٩٨٤)، ومرة يرويه عن علي بن الحسين مرسلًا، قال الترمذي بإثره: وهذا أصح. وسئل أبو زُرْعة الرازي عن حديث ابن أبي الموال هذا - كما في "علل الحديث" لابن أبي حاتم (١٧٦٧) - فقال: هذا خطأ، والصحيح حديث عبيد الله بن عبد الرحمن بن مَوهَب عن علي بن الحسين عن النبي ﷺ، مرسل. وقال الذهبي في "تلخيص المستدرك" عند الموضع الآتي برقم (٧١٨٧): الحديث منكر بمَرّة. وضعّف إسناده الحافظ ابن حجر في "إتحاف المهرة" (١٤١٦٩). وأخرجه الترمذي (٢١٥٤)، وابن حبان (٥٧٤٩) من طريق قتيبة بن سعيد، بهذا الإسناد. وانظر ما سيأتي برقم (٣٩٨٤) و(٣٩٨٥) و(٧١٨٧). تنبيه: هذا الحديث وقع عند الترمذي في رواية ابن زوج الحُرّة عنه دون غيرها، فهو عند ابن العربي في "عارضة الأحوذي بشرح الترمذي"، وروايته من طريق ابن زوج الحُرّة.
(٢) علَّته الاضطراب كما سبق على ضعفٍ في بعض رواته.
[ ١ / ٢٩١ ]
عبد الواحد بن زياد، حدثنا عبد الله بن عبد الله بن الأصمِّ، حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ، فقال: يا محمدُ، أرأيتَ جنةً عرضُها السماوات والأرض، فأين النارُ؟ قال: "أرأيتَ الليلَ الذي التَبَسَ كلَّ شيءٍ، فأين جُعِلَ النهار؟ " قال: اللهُ أعلم، قال: "كذلك اللهُ يفعلُ ما يشاءُ" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعلم له عِلَّةً، ولم يُخرجاه.
١٠٤ - أخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي.
وحدثنا علي بن حَمْشاذَ، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثنا محمد بن رافع ومحمد بن يحيى؛ قالوا: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعمَر، عن ابن أبي ذِئْب عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ما أَدري تُبَّعٌ ألَعِينًا (^٢) كان أم لا، وما أدري ذا القَرْنَينِ أنبيًّا كان أم لا، وما أدري الحدودُ كفَّاراتٌ لأهلِها أم لا؟ " (^٣).
_________________
(١) إسناده قوي من أجل عبد الله بن عبد الله بن الأصم. محمد بن إسحاق: هو أبو بكر بن خزيمة صاحب "الصحيح". وأخرجه البزار في "مسنده" (٩٣٨٠) عن محمد بن معمر القيسي، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن راهويه في "مسنده" (٤٣٧) عن المخزومي المغيرة بن سلمة، به. وأخرجه البزار (٩٣٨١) عن أبي كامل الجحدري، عن عبد الواحد بن زياد، به - مرسلًا بإسقاط أبي هريرة، ورواية من رواه موصولًا أصح.
(٢) تحرَّف في (ب) والمطبوع إلى: أنبيًّا.
(٣) إسناده صحيح إن شاء الله تعالى، وكذا صحَّحه الحافظ ابن حجر في "الفتح" ١/ ١٤٢ (بتحقيقنا). ابن أبي ذئب: هو محمد بن عبد الرحمن. وأخرجه أبو داود (٤٦٧٤) من طريقين عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد - وذكر عُزيرًا بدلَ ذي القرنين، ولم يذكر فيه الحدود كفارات … ". وأخرجه بتمامه البزار (٨٥١٩)، والبيهقي ٨/ ٣٢٩، وأبو القاسم الحنّائي في "فوائده" (٢٧)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٥٥٣)، وابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" (٦٥٧)، =
[ ١ / ٢٩٢ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعلم له علّةً، ولم يُخرجاه.
١٠٥ - أخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا بَهْز بن أسد، حدثنا حمّاد بن سَلَمة، عن ثابت، عن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: "لما خَلَقَ اللهُ آدمَ صَوَّره وتَرَكَه في الجنة ما شاء اللهُ أن يتركَه، فجعل إبليسُ يُطِيفُ به، فلما رآه أجوَفَ عَرَفَ أنه خَلْقٌ لا يَتمالَكُ" (^١).
_________________
(١) = وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١١/ ٣ - ٤ و١٧/ ٣٣٧ و٥٦/ ٢٨٥ - ٢٨٦ من طرق عن عبد الرزاق، به - إلّا أنَّ البزار ذكر عزيرًا أيضًا بدل ذي القرنين. وسيأتي عند المصنف مرة أخرى برقم (٢٢٠٤) من طريق عبد الرزاق، وبرقم (٣٧٢٣) من طريق آدم بن أبي إياس عن ابن أبي ذئب. وللحديث إسناد آخر عند البزار (٨٥٤١)، وابن عبد البر (١٥٥٢) من طريق سَعْد بن أبي سعيد المقبري، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي هريرة. وهذا إسناد ضعيف جدًّا، سعد هذا هو ابن سعيد بن أبي سعيد نُسِبَ إلى جدِّه، وهو ليِّن الحديث، وأخوه - وهو عبد الله - متروك الحديث. وروي هذا الحديث عن معمر مرسلًا، أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" ١/ ١٥٣ عن عبد الله بن محمد، عن هشام - وهو ابن يوسف الصنعاني - عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن النبي ﷺ. قال البخاري: وهذا أصحُّ، ولا يثبت هذا عن النبي ﷺ، لأنَّ النبي ﷺ قال: "الحدود كفارة". قلنا: يريد حديث عبادة بن الصامت، وهو مخرَّج عنده في "الصحيح" برقم (١٨)، وانظر ما سيأتي برقم (٣٢٧٩) من حديث عبادة. وأورد كلامَ البخاري هذا البيهقيُّ في "سننه" ثم تعقَّبه فقال: إن صحَّ - يعني حديث أبي هريرة - فيحتمل أنه ﷺ قاله في وقتٍ لم يأته فيه العلمُ عن الله تعالى ثم لما أتاه قال ما رُويناه في حديث عبادة وغيره. وبنحو هذا الجمع بين الحديثين قال القاضي عياض، واستحسنه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ١/ ١٤٢.
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه مسلم (٢٦١١) عن أبي بكر بن نافع، عن بهز بن أسد، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٢٠/ (١٢٥٣٩) و٢١/ (١٣٣٩١) و(١٣٥١٦) و(١٣٦٦١)، ومسلم (٢٦١١)، =
[ ١ / ٢٩٣ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وقد بلغني أنه أخرجه في آخر الكتاب.
١٠٦ - أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد السَّمّاك ببغداد، قال: قُرِئَ على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع، حدثنا قُريش بن أنس، حدثنا محمد بن عمرو.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا أبو المثنَّى، حدثنا مُسدَّد، حدثنا المعتمِر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قبلَكم باعًا فباعًا، وذراعًا فذراعًا، وشِبرًا فشِبرًا، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ لدخلتموه معهم" قال: قيل: يا رسول الله، اليهودُ والنصارى؟ قال: "فمَن إذًا؟ " (^١).
_________________
(١) = وابن حبان (٦١٦٣) من طرق عن حماد بن سلمة، به. وسيأتي برقم (٤٠٣٦) من طريق عفان عن حماد بن سلمة. قوله: "يُطِيف به" أي: يستدير حوله. وقوله: "لا يتمالك" أي: لا يملك نفسه ويحبسها عن الشهوات، وقيل: لا يملك دفعَ الوسواس عنه، وقيل: لا يملك نفسه عند الغضب، والمراد جنسُ بني آدم. قاله النووي في "شرح مسلم".
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن عمرو: وهو ابن علقمة الليثي. وأخرجه أحمد ١٥/ (٩٨١٩) و١٦/ (١٠٨٢٧)، وابن ماجه (٣٩٩٤) من طريقين عن محمد بن عمرو، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٣٤٠) من طريق محمد بن زيد بن المهاجر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وإسناده صحيح. وأخرجه بنحوه أحمد ١٤/ (٨٣٠٨)، والبخاري (٧٣١٩) من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة - لكن ذكر فيه فارس والروم مكان اليهود والنصارى. ويشهد له بذكر اليهود والنصارى حديثُ أبي سعيد الخدري عند البخاري (٣٤٥٦) ومسلم (٢٦٦٩). وانظر ما سيأتي عند المصنف برقم (٤٤٤) و(٤٤٥) و(٨٤٧٠). قال النووي في "شرح مسلم": السَّنَن بفتح السين والنون، وهو الطريق، والمراد بالشِّبر والذراع =
[ ١ / ٢٩٤ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ.
١٠٧ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني حدثنا محمد بن عبد الله بن نُمَير، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا إسماعيل بن قُتيبة، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، حدثنا المِنهال بن عمرو عن زاذانَ أبي عمر قال: سمعت البَرَاءَ بن عازِبٍ يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازِة رجلٍ من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولمَّا يُلحَدْ بعدُ، قال: فقَعَدْنا حولَ النبي ﷺ فجعل يَنظُر إلى السماء ويَنظُر إلى الأرض، وجعل يَرفَعُ بصرَه ويَخفِضُه ثلاثًا، ثم قال: "اللهمَّ إني أعوذُ بك من عذابِ القبر" ثم قال: "إنَّ الرجلَ المسلمَ إذا كان في قُبُلٍ من الآخرة وانقطاعٍ من الدنيا، جاء مَلَكُ الموت فقَعَدَ عند رأسه، ويَنزِلُ ملائكةٌ من السماء كأنَّ وجوههم الشمس، معهم أكفانٌ من أكفان الجنة، وحَنُوطٌ من حَنُوط الجنة، فيقعدون منه مَدَّ البصر" قال: "فيقول مَلَكُ الموت: أيتها النفسُ الطيِّبةُ، اخرُجي إلى مَغفِرةٍ من الله ورِضْوان" قال: "فتخرجُ تَسِيلُ كما تسيلُ القَطْرةُ من السِّقاء، فلا يتركونها في يده طَرْفةَ عين، فيَصعَدُون بها إلى السماء، فلا يَمرُّون بها على جُندٍ من ملائكة إلَّا قالوا: ما هذه الريحُ (^١) الطيِّبة؟ فيقولون: فلانٌ؛ بأحسنِ أسمائه، فإذا انتهى إلى السماء فُتِحَت له أبوابُ السماء، ثم يُشيِّعه من كل سماءٍ مُقرَّبوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهيَ إلى السماء السابعة، ثم يقال: اكتُبوا كتابَه في عِلِّيِّينَ، ثم يقال: ارجِعُوا عبدي إلى الأرض، فإني وعدتُهم أني منها خلقتُهم، وفيها أُعِيدُهم، ومنها أُخرِجُهم تارةً أُخرى، فتُرَدُّ روحُه إلى جسده، فتأتيه الملائكةُ فيقولون: مَن ربُّك؟ " قال: "فيقول: الله، فيقولون: ما دِينُك؟ فيقول: الإسلام، فيقولون: ما هذا الرجلُ الذي خَرَجَ فيكم؟ " قال:
_________________
(١) = وجُحر الضبِّ التمثيل بشدَّة الموافقة لهم، والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات، لا في الكفر.
(٢) في (ب) والمطبوع: الروح.
[ ١ / ٢٩٥ ]
"فيقول: رسولُ الله" قال: "فيقولون: وما يُدرِيكَ؟ " قال: "فيقول: قرأتُ كتابَ الله فآمنتُ به وصَدَّقتُ" قال: "فينادي منادٍ من السماء: أنْ صَدَقَ، فأَفرِشُوه من الجنة، وأَلبِسُوه من الجنة، وأَرُوه منزلَه من الجنة" قال: "ويُمَدُّ له في قبرِه، ويأتيه رَوْحُ الجنة (^١) وريحها" قال: "فيُفعَل ذلك به، ويُمثَّل له رجلٌ حَسَنُ الوجه حسنُ الثياب طيِّبُ الريح، فيقول له: أبِشْر بالذي يسرُّك، هذا يومُك الذي كنت تُوعَد، فيقول: من أنت؟ فوجهُك وجهٌ يُبشِّر بالخير" قال: "فيقول: أنا عملُك الصالحُ" قال: "فهو يقول: ربِّ أقِمِ الساعةَ كي أرجِعَ إلى أهلي ومالي"، ثم قرأ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
"وأما الفاجرُ، فإذا كان في قُبُلٍ من الآخرة وانقطاعٍ من الدنيا، أتاه مَلَكُ الموت، فيَقعُدُ عند رأسه، ويَنزِلُ الملائكةُ سُودُ الوجوه معهم المُسُوح (^٢)، فيقعدون منه مَدَّ البصر، فيقول مَلَكُ الموت: اخرجي أيتها النفسُ الخبيثة إلى سَخَطٍ من الله وغضب" قال: "فتَفرَّقُ في جسده فينقطعُ معها العُروقُ والعَصَبُ كما يُستخرَجُ الصوفُ لمبلول بالسَّفُّود (^٣) ذي الشُّعَب" قال: "فيقومون إليه فلا يَدَعُونها في يده طَرْفَةَ عَيْنٍ، فيصعدون بها إلى السماء فلا يَمرُّون على جُندٍ من الملائكة إلَّا قالوا: ما هذه الروحُ الخبيثة؟ " قال: "فيقولون: فلانٌ؛ بأقبحِ أسمائه" قال: "فإذا انتُهِيَ به إلى السماء غُلِّقَت دونَه أبوابُ السماوات" قال: "ويقال: اكتبوا كتابَه في سِجِّينٍ" قال: "ثم يقال: أَعِيدوا عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم أنِّي منها خلقتُهم، وفيها أُعِيدُهم، ومنها أُخرِجُهم تارةً أُخرى" قال: "فيُرمَى بروحه حتى تقعَ في جسده"، قال: ثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، قال: "فتأتيه الملائكةُ فيقولون: مَن ربُّك؟ " قال: "فيقول: لا أدري، فينادي مُنادٍ من
_________________
(١) روح الجنة: ما فيها من الرحمة والراحة.
(٢) المسوح: جمع مِسْح، وهو كساء غليظ من الشَّعر.
(٣) السَّفُود: عود من حديد.
[ ١ / ٢٩٦ ]
السماء: أن قد كَذَبَ، فأَفرِشُوه من النار، وأَلبِسُوه من النار، وأَرُوه منزلَه من النار" قال: "ويَضِيق عليه قبرُه حتى تختلفَ فيه أضلاعُه" قال: ويأتيه ريحُها وحرُّها" قال: "فيُفعَل به ذلك، ويُمثَّلُ له رجلٌ قبيحُ الوجه، قبيح الثياب، مُنتِنُ الريح، فيقول: أبشِرْ بالذي يَسُوؤُك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد" قال: "فيقول: من أنت؟ فوجهُك الوجهُ يُبشِّر بالشرِّ" قال: "فيقول: أنا عملُك الخبيثُ" قال: "وهو يقول: ربِّ لا تُقِمِ الساعةَ" (^١).
١٠٨ - حدثني محمد بن عبد الله العُمَري، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا علي بن المنذر، حدثنا محمد بن فُضيل، حدثنا الأعمش، فذكره بإسناده نحوه، وقال في آخره: وحدثنا علي بن المنذر في عَقِبِ خبره، حدثنا ابن فضيل، حدثني أَبي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة نحوًا من هذا الحديث؛ يريد حديث البراءِ، إلَّا أنه قال: "ارقُدْ رِقْدةَ المتَّقين" للمؤمن الأول، ويقال للفاجر: "ارقُدْ منهوشًا، فما من دابَّةٍ في الأرض إلَّا ولها في جسدِه نصيبٌ" (^٢).
وقد رواه سفيان بن سعيد وشُعْبة بن الحَجَّاج وزائدة بن قُدَامة - وهم الأئمة الحفّاظ - عن الأعمش.
_________________
(١) إسناده صحيح. أبو معاوية: هو محمد بن خازم الضرير، والأعمش: هو سليمان بن مهران. وأخرجه أحمد ٣٠/ (١٨٥٣٤)، وأبو داود (٤٧٥٣) من طريق أبي معاوية، بهذا الإسناد - وهو عند أبي داود بنحوه مختصر. وسيأتي عند المصنف أيضًا برقم (٤١٩) من طريق أبي معاوية، ولم يسق لفظه. وأخرجه أبو داود (٤٧٥٤) عن هناد بن السري، عن عبد الله بن نمير، به - ولم يسق لفظه.
(٢) إسناده حسن من أجل علي بن المنذر. وحديث أبي هريرة أخرجه البيهقي في "إثبات عذاب القبر" (٢٨) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه بنحوه عبد الله بن أحمد في "السنة" (١٤٤٦)، والبزار في "مسنده" (٩٧٦٠)، والطبري في "تهذيب الآثار" - مسند عمر" ٢/ ٥٠٢ من طريق يزيد بن كيسان عن أبي حازم - وهو سلمان الأشجعي - به.
[ ١ / ٢٩٧ ]
أما حديث الثَّوري:
١٠٩ - فحدَّثَناه أبو محمد عبد الرحمن بن حمدان الجَلّاب بهَمَذان - وأنا سألته - حدثنا محمد بن إبراهيم الصُّوري، حدثنا مؤمَّل بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن المِنهال بن عمرو عن زاذانَ، عن البراء قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازةٍ، فأتينا القبرَ ولمَّا يُلحَدْ … وذكر الحديث (^١).
وأما حديث شعبة:
١١٠ - فحدَّثَنيهِ أبو سعيد بن أبي بكر بن أبي عثمان ﵏ وأنا سألتُه، حدثنا علي بن سَلْم (^٢) الأصبهاني بالرَّيّ، حدثنا عمّار بن رجاء، حدثنا محمد بن بكر البُرْساني، عن شعبة، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو عن زاذان، عن البراء، عن النبي ﷺ؛ في حديث القبر (^٣).
وأما حديث زائدة:
١١١ - فحدثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العَدْل، حدثنا الحسين بن الفضل البَجَلي، حدثنا معاوية بن عمرو الأزدي، حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذانَ، عن البراء قال: صَلَّينا مع رسول الله ﷺ على جنازةِ رجلٍ من الأنصار، فذكر حديثَ القبر بطوله (^٤).
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف من أجل محمد بن إبراهيم الصُّوري، لكن الحديث صحيح من طرقه الأخرى التي ذكرها المصنف. وأخرج أوله مختصرًا أحمد ٣٠/ (١٨٦٢٥) عن عبد الرزاق، عن سفيان، بهذ الإسناد.
(٢) تحرَّف في المطبوع إلى: مسلم. وعلي بن سلم هذا نسبه المصنف إلى جده، وهو علي بن الحسن بن سلم الأصبهاني الحافظ، انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" ١٤/ ٤١١.
(٣) إسناده صحيح. وأخرجه ابن المقرئ في "معجمه" (١٢٥٥) عن عتاب بن محمد الرازي، عن علي بن سلم، بهذا الإسناد - ولم يسق لفظه كما صنع المصنف هنا.
(٤) إسناده صحيح. =
[ ١ / ٢٩٨ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجَّا جميعًا بالمنهال بن عمرو وزاذان أبي عمر الكِنْدي (^١).
وفي هذا الحديث فوائدُ كثيرةٌ لأهل السُّنة وقمعٌ للمبتدِعة، ولم يُخرجاه بطوله (^٢).
وله شواهد على شرطهما يُستدَلُّ بها على صحته:
١١٢ - حدَّثناه أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد النَّحْوي ببغداد وأبو العباس محمد بن يعقوب من أصل كتابه، قالا: حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا وَهْب بن جَرير، حدثنا شُعْبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: ذَكَرَ النبيُّ ﷺ المؤمنَ والكافرَ؛ ثم ذكر طرفًا من حديث القبر (^٣).
فقد بانَ بالأصل والشاهد صحَّةُ هذا الحديث، ولعل متوهِّمًا يَتوهَّم أنَّ الحديث الذي:
١١٣ - حدَّثَناه أبو الحسين عبد الصمد بن علي بن مُكرَم البزّاز ببغداد، حدثنا جعفر بن محمد بن كُزَال، حدثنا أبو إبراهيم التَّرْجُماني، حدثنا شعيب بن صفوان، حدثنا يونس بن خَبّاب، عن المنهال بن عمرو عن زاذانَ، عن أبي البَخْتَريّ الطائي، سمعتُ البراءَ بن عازب أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازةِ رجلٍ من الأنصار،
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ٣٠/ (١٨٥٣٦) عن معاوية بن عمرو، بهذا الإسناد.
(٢) المنهال من أفراد البخاري، وزاذان من أفراد مسلم.
(٣) إنما أخرجا طرفًا منه من طريق سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال: "إذا أُقعِدَ المؤمن في قبره، أُتي ثم شَهِدَ أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] "، أخرجه البخاري برقم (١٣٦٩) و(٤٦٩٩)، ومسلم برقم (٢٨٧١).
(٤) إسناده قوي من أجل يحيى بن أبي طالب. وأخرجه البيهقي في "إثبات عذاب القبر" (٤) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه أيضًا عن شيخ آخر عن عثمان بن أحمد بن السمّاك، عن يحيى بن أبي طالب، به.
[ ١ / ٢٩٩ ]
فأَتينا القبرَ ولمَّا يُلحَدْ، فجلس رسولُ الله ﷺ واستقبل القِبلةَ، وجلسنا حولَه … ثم ذكر الحديث يُعلِّل به هذا الحديثَ، وليس كذلك، فإِنَّ ذِكرَ أبي البَختَري في هذا الحديث وهمٌ من شعيب بن صفوان لإجماع الأئمة الثّقات على روايته عن يونس بن خبَّاب عن المنهال بن عمرو عن زاذان أنه سمع البراء (^١).
١١٤ - حدَّثنا بصحَّة ما ذكرتُه جعفرُ بن محمد بن نُصَير (^٢) الخُلْدي إملاءً ببغداد، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا إبراهيم بن زياد سَبَلانُ، حدثنا عبَّاد بن عبَّاد قال: أتيتُ يونسَ بن خبَّاب بمنًى عند المنارة وهو يقصُّ، فسألته عن حديث عذاب القبر، فحدَّثني به.
١١٥ - وأخبرني أبو عمرو إسماعيل بن نُجَيد بن أحمد بن يوسف السُّلَمي، أخبرنا أبومسلم إبراهيم بن عبد الله، حدثنا أبو عمر (^٣) الضرير، حدثنا مَهْدي بن ميمون، عن يونس بن خبَّاب.
وأخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي - واللفظ له - حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعمَر، عن يونس بن خبّاب، عن المِنهال بن عمرو، عن زاذانَ، عن البراء بن عازب - وفي حديث عبّاد بن عبّاد: أنه سمع البراءَ بن عازب - قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازةٍ، فجلس رسولُ الله ﷺ على القبر وجلسنا حولَه … وذكر الحديث بطوله (^٤).
هذا هو الصحيح المحفوظ من حديث يونس بن خبّاب، وهكذا رواه أبو خالد
_________________
(١) ويونس بن خباب نفسه مختلف فيه، والراجح عند جمهور المحدثين تضعيف حديثه، وأبو البَختري الطائي - واسمه سعيد بن فيروز - ثقة.
(٢) تحرَّف في (ب) والمطبوع إلى: نصر.
(٣) في (ص) والمطبوع: أبو عَمرو، وهو خطأ. وأبو عُمر هذا: هو حفص بن عمر البصري.
(٤) إسناده ضعيف من أجل يونس بن خبّاب، وفي سياق حديثه بعض حروفٍ تفرَّد بها ليست في روايات الثقات لهذا الحديث. وأخرجه أحمد بطوله ٣٠/ (١٨٦١٤) عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد.
[ ١ / ٣٠٠ ]
الدَّالانيُّ، وعمرو بن قيس المُلَائي، والحسن بن عُبيد الله النَّخَعي، عن المنهال بن عمرو.
أما حديث أبي خالد الدَّالاني:
١١٦ - فحدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا السَّرِيُّ بن يحيى التميمي، حدثنا أبو غسّان، حدثنا عبد السلام بن حَرْب، حدثنا أبو خالد الدَّالاني، عن المنهال بن عمرو (^١).
وأما حديث عمرو بن قيس المُلَائي:
١١٧ - فحدَّثَناه أبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ، حدثنا أحمد بن بشر المَرثَدي، حدثنا القاسم بن محمد بن أبي شَيْبة، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس المُلائي، عن المنهال بن عمرو (^٢).
وأما حديث الحسن بن عبيد الله:
١١٨ - فحدَّثَناه أبو محمد أحمد بن عبد الله المُزَني، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أبو بكر بن عيَّاش، حدثنا الحسن بن عبيد الله، عن المنهال؛ كلُّهم قالوا: عن زاذانَ، عن البراءِ، عن النبي ﷺ نحوَه.
هذه الأسانيد التي ذكرتُها كلها صحيحة على شرط الشيخين!
١١٩ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا علي بن الحسين بن الجُنيد،
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل الدالاني. أبو غسان: هو مالك بن إسماعيل النهدي.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف لضعف القاسم بن محمد بن أبي شيبة، لكنه توبع. أبو خالد الأحمر: هو سليمان بن حيّان. وأخرج طرفًا من أوله: ابن ماجه (١٥٤٩) عن أبي كريب، والنسائي (٢١٣٩) عن هارون بن إسحاق، كلاهما عن أبي خالد الأحمر، بهذا الإسناد. وأخرجه بطوله الطبري في "تهذيب الآثار - مسند عمر" ٢/ ٤٩٧ - ٥٠٠ من طريق الحكم بن بشير، عن عمرو بن قيس الملائي، به.
[ ١ / ٣٠١ ]
حدثنا المُعافى بن سليمان الحرَّاني، حدثنا فُلَيح بن سليمان، حدثني هلال بن علي - وهو ابن أبي ميمونة - عن أنس بن مالك قال: بَيْنا رسولُ الله ﷺ وبلالٌ يمشيان بالبَقيع، فقال رسول الله ﷺ: "يا بلالُ، هل تسمعُ ما أسمعُ؟ " قال: لا والله يا رسول الله، ما أَسمعُه، قال: "ألَا تسمعُ أهلَ القبور يُعذَّبون" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ، إنما اتَّفقا على حديث شُعْبة عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "لولا أن لا (^٢) تَدافَنُوا، لسألتُ اللهَ أن يُسمِعَكم عذابَ القبر" (^٣).
١٢٠ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان المُرَادي وبَحْر بن نصر بن سابق الخَوْلاني؛ قال الربيع: حدثنا، وقال بحر: أخبرنا عبد الله بن وَهْب، أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أَسلَم، عن عطاء بن يَسَار: أنَّ أبا سعيد الخُدْري دخل على رسول الله ﷺ وهو موعوكٌ عليه قَطِيفة، فَوَضَعَ يدَه عليها فوَجَدَ
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل فليح بن سليمان، فهو ممَّن يتحسن حديثه في المتابعات والشواهد. وأخرجه أحمد ٢١/ (١٣٧١٩) عن سريج بن النعمان، عن فليح بن سليمان، به - وزاد في آخره: يعني قبور الجاهلية. وقوله في الحديث هنا: "بالبقيع" غلط من فليح، والمحفوظ في حديث بلال هذا أنَّ الحادثة كانت في نخلٍ لأبي طلحة، هكذا رواه عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس فيما أخرجه أحمد ٢٠/ (١٢٥٣٠)، والإسناد صحيح. وأخرجه بنحوه بلفظ يجمع بين هذا وبين لفظ حديث قتادة الآتي: أحمد ١٩/ (١٢٠٠٧)، والنسائي (٢١٩٦)، وابن حبان (٣١٢٦) من طريق حميد الطويل، وأحمد ٢٠/ (١٢٧٩١) من طريق ثابت البناني، كلاهما عن أنس بن مالك.
(٢) لفظ "لا" سقط من المطبوع.
(٣) لم يتفقا عليه كما قال المصنف، وإنما أخرجه مسلم دون البخاري، وهو في "صحيحه" برقم (٢٨٦٨). وأخرجه من هذا الطريق أيضًا أحمد ٢٠/ (١٢٨٠٨)، وابن حبان (٣١٣١).
[ ١ / ٣٠٢ ]
حرارتَها فوق القَطِيفة، فقال أبو سعيد: ما أشدَّ حرَّ حُمّاكَ يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ: "إِنَّا كذلك يُشدَّدُ علينا البلاءُ، ويُضاعَفُ لنا الأجرُ" ثم قال: يا رسول الله، مَن أشدُّ الناسِ بلاءً؟ قال: "الأنبياءُ" قال: ثم مَن؟ قال: "العلماءُ" قال: ثمَّ مَن؟ قال: "ثمَّ الصالحون، كان أحدُهم يُبتَلى بالفقر حتى ما يَجِدُ إِلَّا العَبَاءةَ يَلبَسُها، ويُبتَلى بالقَمْل حتى يقتلَه، ولَأَحدُهم كان أشدَّ فرحًا بالبلاءِ من أحدِكم بالعطاء" (^١).
حدثنا أبو العباس عن بحر في "المسند"، وعن الرَّبيع في "الفوائد"، وأنا جمعتُ بينهما.
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتجَّ بهشام بن سعد، ثم له شواهد كثيرة، ولحديث عاصم بن بَهْدلة عن مصعب بن سعد عن أبيه طرق تُتبع ويُذاكَر بها، وقد تابع العلاءُ بن المسيَّب عاصمَ بن بَهْدَلة على روايته عن مصعب بن سعد:
١٢١ - أخبرَنيهِ أبو بكر بن إسحاق الفقيه - فيما قرأتُ عليه من أصل كتابه - أخبرنا محمد بن غالب، حدثنا عمرو بن عَوْن، حدثنا خالد بن عبد الله، عن العلاء بن المسيَّب، عن مُصعَب بن سعد، عن أبيه قال: سُئِلَ النبيُّ ﷺ: أَيُّ الناس أشدُّ بَلاءً؟ قال: "الأنبياءُ، ثمَّ الأمثلُ فالأمثلُ، فإذا كان الرجل صُلْبَ الدِّين، يُبتَلى الرجلُ على
_________________
(١) إسناده حسن إن شاء الله، هشام بن سعد مختلف فيه إلَّا أنَّ أبا داود السجستاني جعله أثبتَ الناس في زيد بن أسلم. وهذا الإسناد، وإن كان ظاهره الإرسال إذ إنَّ عطاء بن يسار لم يشهد دخولَ أبي سعيد على النبي ﷺ، إلَّا أنه من رواية عطاء عن أبي سعيد، فهو الذي أخبره بالقصة كما في الروايات الأخرى له، ومنها الرواية الآتية عند المصنف برقم (٨٠٤٥). وأخرجه ابن ماجه (٤٠٢٤) من طريق ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد، بهذا الإسناد. وخالف هشامًا معمرٌ بن راشد عند أحمد ١٨/ (١١٨٩٣) فرواه عن زيد بن أسلم، عن رجل، عن أبي سعيد الخدري. فأبهم الراوي عن أبي سعيد ولم يسمِّه. وسيذكر المصنف لاحقًا لبعضه شاهدًا من حديث سعد بن أبي وقاص. وله شاهد آخر من حديث ابن مسعود، أخرجه البخاري (٥٦٤٨)، ومسلم (٢٥٧١).
[ ١ / ٣٠٣ ]
قَدْرٍ دينه، فمَن ثَخُنَ دينُه ثَخُنَ بلاؤُه، ومَن ضَعُفَ دينُه ضَعُفَ بلاؤُه" (^١).
وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
وشاهده:
١٢٢ - ما حدَّثَناه أحمد بن كامل القاضي، حدثنا محمد بن إسرائيل الجَوْهري، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدةُ.
وأخبرنا [أبو] (^٢) الحسين بن تميم القَنطَري، حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر، حدثنا عفَّان، حدثنا حماد بن سلمة وحماد بن زيد وأَبَان العطَّار.
وأخبرنا عبد الله بن الحسين القاضي، حدثنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شَرِيك بن عبد الله.
وحدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، حدثنا الحسن بن موسى الأَشيَب، حدثنا شَيْبان.
وأخبرنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أحمد بن سَيَّار، حدثنا محمد بن كَثير، حدثنا سفيان.
وأخبرني أبو عمرو بن أبي سعيد النَّحْوي، حدثنا الحسين بن عبد الله بن يزيد الرَّقِّي، حدثنا عُقْبة بن مُكرَم، حدثنا سَلْم بن قُتيبة، حدثنا هشام بن أبي عبد الله.
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات إلّا أنه قد اختُلف فيه على العلاء بن المسيب، فقد رواه عنه هكذا خالد بن عبد الله الواسطي كما عند المصنف هنا وعبد الرحمن بن محمد المحاربي عند البزار (١١٥٥). وخالفهما جرير بن عبد الحميد عند ابن حبان (٢٩٢٠)، والمحاملي في "أماليه" (١٥١)، ومحمد بن فضيل عند ابن المقرئ في "معجمه" (٦٥٠)، كلاهما رواه عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن سعد بن أبي وقاص، ورواية المسيَّب - وهو ابن رافع - عن سعد مرسلة. وانظر ما بعده.
(٢) سقط لفظ "أبو" من (ص) والمطبوع. وأبو الحسين هذا: اسمه محمد بن أحمد بن تميم القنطري، وانظر ترجمته في "تاريخ بغداد" ٢/ ١٠٧ - ١٠٨.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وأخبرني محمد بن علي الشَّيباني بالكوفة، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غَرَزَة، حدثنا أحمد بن يونس وأبو بكر بن أبي شَيْبة قالا: حدثنا أبو بكر بن عيَّاش، كلهم عن عاصم بن أبي النَّجُود -وهذا لفظ حديث شَيْبان بن عبد الرحمن عن عاصم- عن مصعب بن سعد بن أبي وقَّاص، عن أبيه قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ: مَن أَشدُّ الناس بلاءً؟ قال: "النبيُّونَ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ، يُبتلى الرجلُ على حَسَبِ دينِه، فإن كان صُلْبَ الدِّين اشتدَّ، بلاؤُه، وإن كان في دينه رِقَّةٌ ابتُلي على حَسَبِ دينِهِ، فما يَبْرَحُ البلاء على العبد حتى يَدَعَه يمشي على الأرض ليس عليه خَطِيئةٌ" (^١).
١٢٣ - حدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، حدثنا القاسم بن زكريا المُطرّز المقرئ، حدثنا محمد بن يحيى القُطعي (^٢)، حدثنا عمر بن علي المُقدَّمي، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إذا كان أجلُ أحدِكم بأرضٍ، أُتيَتْ له (^٣) إليها حاجةٌ، فإذا بَلَغَ أقصى أَثَرِه فتَوفَّاه فتقول الأرضُ يومَ القيامة: يا ربِّ، هذا ما استَودَعتَني" (^٤).
_________________
(١) حديث صحيح بما قبله، وهذا إسناد حسن من أجل عاصم. شيبان: هو ابن عبد الرحمن النَّحْوي، وسفيان: هو الثوري. وأخرجه أحمد ٣/ (١٤٨١) و(١٤٩٤) و(١٥٥٥) و(١٦٠٧)، وابن ماجه (٤٠٢٣)، والترمذي (٢٣٩٨)، والنسائي (٧٤٣٩)، وابن حبان (٢٩٠٠) و(٢٩٠١) و(٢٩٢١) من طرق عن عاصم ابن أبي النجود، بهذا الإسناد.
(٢) تحرَّف في (ب) والمطبوع إلى: القطيعي. والقُطَّعي -بضم القاف وفتح الطاء وبعدها عين-: نسبة إلى بني قُطيعة.
(٣) في المطبوع: أثبت الله له.
(٤) حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات إلّا أنه قد اختُلف في رفعه ووقفه على ما هو مبيَّن في التعليق على "سنن ابن ماجه" (٤٢٦٣)، وفيما ذكره الدارقطني في "العلل" ٥/ ٢٣٨ (٨٤٨) وصوَّب وقفَه، ومهما يكن من أمر فإنَّ له شواهد مرفوعة صحيحة سيذكرها المصنف. وأخرجه ابن ماجه (٤٢٦٣) من طريقين عن عمر بن علي المقدَّمي، بهذا الإسناد. وقد خالف عمرانُ بن عيينة ثقاتِ أصحاب إسماعيل بن أبي خالد، فرواه عنه عن الشعبي عن =
[ ١ / ٣٠٥ ]
قد احتجَّ الشيخان برُواة هذا الحديث عن آخرهم، وعمرُ بن علي المقدَّمي متفَقٌ على إخراجه في "الصحيحين"، وقد تابعه محمدُ بن خالد الوهبي على سنده عن إسماعيل:
١٢٤ - حدثني أبو الحسن علي بن العباس الإسكندراني العَدل بمكة، حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن عبد الواحد الحِمْصي، حدثنا أبو الحسن كَثير بن عُبيد ابن نُمير المَذْحِجي، حدثنا محمد بن خالد الوَهبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إذا كانت مَنِيَّةُ أحدِكم بأرضٍ، أُتيحَ له الحاجةُ فيقصدُ إليها، فيكون أقصى أثره منه فيُقبَضُ فيها، فتقول الأرضُ يومَ القيامة: ربِّ هذا ما استَودَعتني" (^١).
وقد أسنده هُشَيم عن إسماعيل بن أبي خالد:
١٢٥ - حدَّثناه أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثَّقفي، حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، حدثنا موسى بن محمد بن حَيَّان، حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، عن هُشَيم، عن إسماعيل، عن قيس، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إذا كان أجَلُ أحدِكم بأرض، جُعِلَت له إليها حاجَةٌ فيُوفِّيه الله بها، فتقول الأرض يوم القيامة: ربِّ هذا ما استَودَعتَنى" (^٢).
فقد أسند هذا الحديث ثلاثةٌ من الثِّقات عن إسماعيل، ووَقَفَه (^٣) عنه سفيان بن
_________________
(١) = عروة بن مضرِّس عن النبي ﷺ، أخرجه المصنف فيما سيأتي برقم (١٣٧٦)، والإسناد إلى عمران ليس بالقوي، وعمران صاحب أوهام.
(٢) حديث صحيح كسابقه، وسيأتي مكررًا بإسناده ومتنه برقم (١٣٧٤)، وانظر الحديثين بعده هناك.
(٣) حديث صحيح كسابقيه. وأخرجه الطبراني (١٠٤٠٣) عن محمد بن عبد الله الحضرمي، بهذا الإسناد.
(٤) في النسخ الخطية والمطبوع: ووافقه. والصواب ما أثبتنا. فقد أخرج رواية سفيان هذه الموقوفة عبدُ الرزاق في "تفسيره" ١/ ٢١٥، وسعيد بن منصور =
[ ١ / ٣٠٦ ]
عيينة، فنحن على ما شَرَطْنا في إخراج الزيادة من الثِّقة في الوصل والسَّنَد.
ثم لهذا الحديث شواهد على شرط الشيخين، فمنها:
١٢٦ - ما حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدُّورِي، حدثنا قبيصة بن عُقبة، حدثنا سفيان.
وأخبرني بُكير بن محمد بن الحدَّاد الصوفي بمكة، حدثنا أبو مسلم، حدثنا عبَّاد ابن موسى، حدثنا سفيان.
وأخبرنا أبو بكر بن إسحاق - واللفظ له - أخبرنا محمد بن غالب، حدثنا أبو حُذيفة، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مَطَر بن عُكامِسٍ، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا قَضَى الله لرجل موتًا ببلدةٍ، جَعَلَ له بها حاجةً" (^١).
١٢٧ - حدَّثناه أبو العباس قاسم بن القاسم السَّيّاري بمَرُو، حدثنا محمد بن موسى ابن حاتم، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا أبو حمزة، عن أبي إسحاق، عن مَطَر بن عُكامِس العبدي قال: قال رسول الله ﷺ: "ما جَعَلَ الله أجلٍ رجلٍ بأرضٍ إلا جُعِلَت له فيها حاجةٌ" (^٢).
_________________
(١) = في قسم التفسير من "سننه" (٨٩٤) من طريقه عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن ابن مسعود قوله.
(٢) إسناده صحيح على اختلاف في صحبة مطر بن عكامس، والأكثر على أنَّ له صحبة. أبو حذيفة: هو موسى بن مسعود النَّهدي، وسفيان: هو الثَّوْري، وأبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السَّبيعي. وأخرجه الترمذي (٢١٤٦)، وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند ٣٦/ (٢١٩٨٣) من طريقين عن سفيان الثوري، به. وقال الترمذي: حديث حسن. وأخرجه عبد الله بن أحمد أيضًا (٢١٩٨٤) من طريق حديج أبي سليمان، عن أبي إسحاق، به.
(٣) حديث صحيح بما قبله، وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن موسى بن حاتم، ومحمد بن موسى هذا ذكره السمعاني في مادة (الفاشاني) من "الأنساب" ٩/ ٢٢٧ ونقل عن قاسم السيّاري أنه قال فيه: أنا بريء من عُهدته، ونقل أيضًا عن محمد بن علي الحافظ أنه كان سيّئ الرأي فيه، =
[ ١ / ٣٠٧ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد اتَّفقا جميعًا على إخراج جماعةٍ من الصحابة ليس لكلِّ واحدٍ منهم إلّا راوٍ واحد.
وله شاهد آخر من رواية الثِّقات:
١٢٨ - حدثنا أبو أحمد بكر بن محمد الصَّيْرفي، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا سليمان بن حَرْب.
وحدثني بُكير (^١) بن الحدَّاد بمكة، حدثنا أبو مُسلِم، حدثنا حجَّاج بن مِنْهال؛ قالا: حدثنا حمَّاد، حدثنا أيوب.
وأخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا إسماعيل، عن أيوب، عن أبي المَلِيح، عن أبي عَزَّة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أرادَ اللهُ قبضَ عبدٍ بأرض، جَعَلَ له إليها حاجةً" (^٢).
هذا حديث صحيح، ورواتُه عن آخرهم ثقات (^٣).
١٢٨ م - وسمعتُ أبا العباس محمد بن يعقوب يقول: سمعت العباس بن محمد الدُّورِيَّ يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: اسم أبي عَزَّة يَسَار بن عبدٍ، له صُحْبة،
_________________
(١) = وعليه فقد ذكره الذهبي في كتابه "المغني في الضعفاء"، ولقد اعتبرنا رواياته عند الحاكم وغيره فلم نقف له على حديث منكر وقد توبع على ما وقفنا عليه منها، فأقلُّ أحواله أن يكون حسن الحديث، والله تعالى أعلم. أبو حمزة: هو محمد بن ميمون السُّكّري. وسيأتي هذا الحديث مكررًا بإسناده ومتنه برقم (١٣٧٥).
(٢) تحرَّف في المطبوع إلى: بكر.
(٣) إسناده صحيح إسماعيل: هو ابن إبراهيم المعروف بابن عُليَّة، وأيوب: هو ابن أبي تميمة السَّختياني. وهو في "مسند أحمد" ٢٤/ (١٥٥٣٩). وأخرجه الترمذي (٢١٤٧)، وابن حبان (٦١٥١) من طرق عن إسماعيل ابن عُليَّة، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث صحيح.
(٤) وللحديث شاهد ثالث من حديث جندب بن سفيان سيأتي عند المصنف برقم (١٣٧٣)، وإسناده صحيح.
[ ١ / ٣٠٨ ]
وأما أبو المَليح فإني سمعت عليَّ بن عمر الحافظ يقول: يُلزم البخاريُّ ومسلمٌ إخراجَ حديث أبي المَليح عن أبي عَزَّة، فقد احتجَّ البخاريُّ بحديث أبي المليح عن بُريدة، وحديثُ أبي عَزَّة رواه جماعة من الثِّقات الحفّاظ.
١٢٩ - حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد العَنَزي (^١)، حدثنا عثمان بن سعيد الدَّارِمي.
وحدثني أبو الطيِّب طاهر بن يحيى البَيهَقي بها من أصل كتابه، حدثنا خالي الفضل بن محمد الشَّعراني؛ قالا: حدثنا أحمد بن جَنَابٍ المصِّيصي، حدثنا عيسى ابن يونس، عن سفيان الثَّوري، عن الحجّاج بن فُرافِصةً، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "المؤمنُ غِرٌّ كريم، والفاجرُ خِبٌّ لَئيم" (^٢).
تابعه ابن شهاب عبدُ ربِّه بن نافع الحنَّاط ويحيى بن الضُّرَيس عن الثّوري في إقامة هذا الإسناد.
فأما حديث أبي شهاب:
_________________
(١) تحرَّف في (ب) والمطبوع إلى: العنبري.
(٢) إسناده حسن من أجل الحجاج بن فرافصة. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٧٧٦٣) عن أبي عبد الله الحاكم، عن أبي الحسن أحمد ابن محمد، بإسناده. وأخرجه أبو يعلى (٦٠٠٨)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٣١٢٩) من طريق أحمد بن جناب، به. وانظر ما بعده. الخبُّ: الخدّاع الماكر. وقوله: "المؤمن غِرٌّ كريم" قال ابن الأثير في "النهاية": أي: ليس بذي نُكر، فهو ينخدع لانقياده ولينه، وهو ضدُّ الحَبِّ، يقال: فتى غِرٌّ وفتاة غِرٌّ، وقد غَرِرتَ تَغِرُّ غَرارةً، يريد أَنَّ المؤمن المحمود من طبعه الغَرارة وقلّة الفِطنة للشر، وترك البحث عنه، وليس ذلك منه جهلًا، ولكنه كرمٌ وحسنُ خُلق.
[ ١ / ٣٠٩ ]
١٣٠ - فحدّثَناه أبو بكر بن إسحاق، حدثنا أبو بكر يعقوب بن يوسف المطوِّعي ببغداد، حدثنا أبو داود سليمان بن محمد المبارَكي، حدثنا أبو شهاب، عن سفيان الثَّوْري، عن الحجَّاج بن فُرافِصةَ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "المؤمنُ غِرٌّ كريم، والفاجرُ حبٌّ لئيم" (^١).
وأما حديث يحيى بن الضُّريس فدوَّنه محمد بن حُمَيد (^٢).
هذا حديث وَصَلَه المتقدِّمون من أصحاب الثَّوري وأفسده المتأخِّرون عنه (^٣)، وأما الحجاجُ بن فُرافِصة فإنَّ الإمامين لم يُخرجاه، لكني سمعت أبا العباس محمد ابن يعقوب يقول: سمعت العباسَ بن محمد الدُّوري يقول: سمعت يحيى بن مَعِين يقول: الحجَّاج بن فُرافِصة لا بأسَ به، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: حجاج بن فُرافِصة شيخ صالح متعبِّد.
وله شاهد عن يحيى بن أبي كثير أقام إسناده:
١٣١ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الحميد الصنعاني بمكة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن عبّاد، حدثنا عبد الرزاق، حدثني بشّر بن رافع، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "المؤمنُ
_________________
(١) إسناده حسن. وهو عند الحاكم أيضًا في "معرفة علوم الحديث" ص ١١٧، وعن الحاكم أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٧٧٦٢). وأخرجه ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (١١)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٣١٢٨)، وابن الأعرابي في "معجمه" (١٧٨٠)، وأبو نعيم في "الحلية" ٣/ ١١٠، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٣٣)، والبيهقي في "السنن" ١٠/ ١٩٥ من طرق عن أبي داود المباركي، بهذا الإسناد.
(٢) لم نقف عليه من هذا الوجه.
(٣) كأبي أحمد الزبيري عند أحمد ١٥/ (٩١١٨) وأبي داود (٤٧٩٠)، ومحمد بن كثير العبدي عند الحاكم في "معرفة علوم الحديث" ص ١١٧، كلاهما رواه عن سفيان الثوري، عن الحجاج ابن فرافصة، عن رجل، عن أبي سلمة، به - فأبهم الواسطة بين الحجاج وأبي سلمة، وهذا هو مراد المصنف بإفساده.
[ ١ / ٣١٠ ]
غرٌّ كريم، والفاجرُ خِبٌّ لئيم" (^١).
١٣٢ - سمعت أبا سعيد بن أبي بكر بن أبي عثمان يقول: سمعت الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق يقول: سمعت أحمد بن يوسف السُّلمي يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: كنت بمكة فكلَّمني وَكِيعُ بن الجرَّاح أن أقرأ عليه وعلى ابنه كتاب الوصايا، فقلت: إذا صِرْتُ بمنًى حدَّثتُ، فلما صرتُ بمنًى حَمَلتُ كتابي فحدَّثتُه، ثم ذهبتُ إلى مكة للزيارة فلقيني أبو أسامة فقال لي: يا يماني، خَدَعَك ذاك الغلامُ الرُّؤاسِيُّ، فقلت: ما خَدَعَني؟ قال: حملت إليه كتابك فحدَّثته، فقلت: ليس بعَجَبٍ أَن يَحْدَعَني، حدثني بشرُ بن رافع، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "المؤمنُ غِرٌّ كريم، والفاجرُ خِبٌّ لئيم". قال: فأخرج ألواحه (^٢)، فقال: أمل عليَّ، فقلت: والله لا أُمليه عليك، فذهب.
١٣٢ - سمعتُ عليَّ بن عيسى يقول: سمعت الحسين بن محمد بن زياد يقول: سمعت محمد بن يحيى يقول: أبو الأسباط الحارثيُّ هو بشرُ بن رافع.
قال الحاكم: بِشْرُ بن رافع إنما ذكرتُه شاهدًا، وقد ألانَ مشايخُنا القول فيه.
وقد وجدتُ له شاهدًا آخرَ من حديث خارجةَ:
١٣٣ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا إسماعيل بن قُتيبة، حدثنا يحيى ابن يحيى، أخبرنا خارجةُ، عن عبد الله بن حسين بن عطاءٍ، عن أبي الأسباط الحارثيِّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "المؤمنُ غرٌّ كريم، والفاجرُ خب لئيم" (^٣).
_________________
(١) حديث حسن بما قبله، وهذا إسناد ضعيف لضعف بشر بن رافع. وأخرجه أبو داود (٤٧٩٠)، والترمذي (١٩٦٤) من طريقين عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد.
(٢) تحرَّف في المطبوع إلى: الواحد. وأبو أسامة المذكور: هو حماد بن أسامة.
(٣) إسناده ضعيف جدًا، خارجة -وهو ابن مصعب أبو الحجاج الخراساني- متروك الحديث، وعبد الله بن حسين بن عطاء فيه نظر كما قال البخاري في تاريخه ٥/ ٧٢، وأبو الأسباط الحارثي: =
[ ١ / ٣١١ ]
هذا حديث تداوله الأئمةُ بالرواية، وأقام بعضُ الرواة إسناده، فأما الشيخان فإنهما لم يحتجَّا بالحجَّاج بن فُرافصة ولا ببِشر بن رافع.
١٣٤ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو جعفر محمد بن علي الورَّاق ولقبُه حمدان، حدثنا أبو سَلَمة موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا يونس بن عُبَيد، عن الحسن، عن أبي بَكْرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن قتل نفسًا مُعاهَدة بغير حقِّها، لم يَجِدْ رائحة الجنة، وإن رائحتها لتُوجَد من مَسيرة خمس مئة عام" (^١).
_________________
(١) = هو بشر بن رافع كما ذكر المصنف سابقًا، وهو ضعيف، وما قبله من الأسانيد يغني عنه. يحيى ابن يحيى: هو النيسابوري. وأخرجه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" ٢/ ١٢ من طريق حمدان السلمي -وهو أحمد بن يوسف الأزدي الحافظ- عن يحيى بن يحيى النيسابوري، بهذا الإسناد.
(٢) إسناده صحيح، لكن قوله فيه: "خمس مئة عام" شاذٌّ، والمحفوظ في حديث أبي بكرة: "مئة عام". الحسن: هو ابن أبي الحسن البصري. وأخرجه النسائي (٨٦٩١) من طريق حجاج بن منهال، وابن حبان مختصرًا (٤٨٨١) من طريق أحمد بن يحيى الطويل، كلاهما سلمة، بهذا الإسناد - ولم يذكر فيه أحمد الطويل قوله: "وإنَّ رائحتها … " إلخ. وأخرجه ابن حبان (٧٣٨٢) من طريق حماد بن زيد عن يونس بن عبيد، به - وقال فيه حماد بن زيد: "من مسيرة مئة عام"، وهو المحفوظ، فحماد بن زيد أثبت وأتقن من حماد بن سلمة، لكن تابع حماد ابن سلمة على لفظه شَريكُ بن الخطّاب في الحديث التالي عند المصنف، وشريك قد وثقه المصنف لاحقًا وذكره ابن حبان في "ثقاته" ٨/ ٣١١، ولم يؤثر توثيقه عن غيرهما، وهما معروفان بالتساهل. وأخرجه أحمد ٣٤ / (٢٠٤٦٩) من طريق قتادة وغير واحد، وابن حبان (٧٣٨٣) من طريق هشام بن حسان، جميعهم عن الحسن البصري، به - قال قتادة فيه: "مئة عام"، وقال هشام: "خمس مئة عام"، وفي الطريق إلى هشام مسلمُ بن أبي مسلم الجرمي، قال فيه ابن حبان في "ثقاته": ربما أخطأ. وسيأتي من طريق قتادة عند المصنف برقم (٢٦١١). وسيأتي مختصرًا برقم (٢٦٦٣) من طريق عبد الرحمن بن جوشن عن أبي بكرة. وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو عند البخاري برقم (٣١٦٦) و(٦٩١٤)، وقال فيه: =
[ ١ / ٣١٢ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
وقد وَجَدْنا لحمّاد بن سلمة شاهدًا فيه:
١٣٥ - حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن حمدون ابن زياد، حدثنا أبو يوسف يعقوب بن إسحاق القُلُوسيُّ، حدثنا شَرِيك بن الخطَّاب العنبري، حدثنا يونس بن عُبيد، عن الحسن، عن أبي بَكْرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَن قَتَلَ نفسًا مُعاهَدًا بغير حِلِّها (^١)، حرَّم الله عليه الجنةَ أَن يَشَمَّ رِيحَها، وريحُها يوجد من مَسِيرة خمس مئة عام" (^٢).
وأما قول من قال: عن يونس بن عُبيد عن الحكم بن الأعرج:
١٣٦ - فأخبرنا عبد الله بن موسى، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا عيّاش (^٣) بن الوليد، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا يونس بن عُبيد، عن الحكم بن الأعرج، عن الأشعث بن ثرْمُلَة، عن أبي بَكْرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من قتل نفسًا مُعاهَدةً بغير حقِّها، حرَّم الله عليه الجنة" (^٤).
قال الحاكم: قد كان شيخُنا أبو عليٍّ الحافظ يحكُم بحديث يونس بن عُبيد عن الحكم بن الأعرج، والذي يَسكُن إليه القلبُ أنَّ هذا إسناد وذاك إسناد آخر، لا يُعلِّل أحدُهما الآخر، فإنَّ حماد بن سلمة إمام وقد تابعه عليه أيضًا شَريكُ بن الخطّاب، وهو شيخ ثقة من أهل الأهواز، والله أعلم (^٥).
_________________
(١) = "من مسيرة أربعين عامًا".
(٢) في المطبوع: بغير حقها.
(٣) حديث صحيح بما قبله دون قوله: "خمس مئة عام"، وانظر الكلام عليه فيه.
(٤) تصحف في (ص) والمطبوع إلى: عباس.
(٥) إسناده صحيح. محمد بن أيوب: هو ابن الضُّريس صاحب كتاب "فضائل القرآن". وأخرجه أحمد ٣٤/ (٢٠٣٨٣) و(٢٠٣٩٧) و(٢٠٥٢٣)، والنسائي (٦٩٢٤) و(٨٦٩٠)، وابن حبان (٤٨٨٢) من طرق عن يونس بن عبيد، بهذا الإسناد.
(٦) وتابعه أيضًا حماد بن زيد كما سبق في تخريج الحديث، وهو إمام حُجَّة، وقد ذهب البخاري =
[ ١ / ٣١٣ ]
١٣٧ - حدثنا أبو العباس عبد الله بن الحسين القاضي بمَرو وأبو عبد الله محمد ابن علي بن مَخلَد الجوهري ببغداد قالا: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا سعيد بن عامر الضُّبَعي، حدثنا محمد بن عمرو بن عَلقَمة، عن أبيه، عن جدِّه علقمة بن وَقَّاص قال: كان رجلٌ بَطّالٌ يدخل على الأمراء فيُضحكهم، فقال له جدِّي: وَيْحَكَ يا فلان، لِمَ تدخلُ على هؤلاء وتُضحِكُهم؟ فإني سمعتُ بلال بن الحارث المُزَني صاحبَ رسول الله ﷺ يحدِّث أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ العبدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكلمة من رِضْوانِ الله، ما يَظُنُّ أن تَبْلُغَ مَا بَلَغَت، فيرضى اللهُ بها عنه إلى يوم يلقاهُ (^١)، وإنَّ العبدَ لَيَتكلَّمُ بالكلمة من سَخَطِ الله، ما يَظُنُّ أن تبلُغَ ما بَلَغَت، فيَسخَطُ الله بها إلى يوم يلقاهُ" (^٢).
هذا حديث صحيح، وقد احتجَّ مسلمٌ بمحمد بن عمرو، وقد أقام إسناده عنه سعيدُ بن عامر كما أوردتُه عاليًا، هكذا رواه سفيانُ الثَّوري وإسماعيل بن جعفر وعبد العزيز الدَّراوَرْدي ومحمد بن بِشر العبدي وغيرهم.
أمَّا حديث الثَّوري:
١٣٨ - فحدَّثَناه أبو سعيدٍ أحمد بن يعقوب الثقفي، حدثنا عبد الله بن الحسن ابن أحمد بن أبي شعيب الحرَّاني، حدثنا جدِّي، حدثنا موسى بن أعيَنَ، حدثنا
_________________
(١) = في تاريخه ١/ ٤٢٨ والنسائي إلى ما ذهب إليه أبو علي الحافظ، إلّا أنَّ كلام الحاكم هنا وجيه معتبر.
(٢) في (ب) والمطبوع: إلى يوم القيامة.
(٣) إسناده حسن في المتابعات والشواهد من أجل عمرو بن علقمة والد محمد، فإنه لم يرو عنه غير ابنه محمد، ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان، وابنه محمد صدوق حسن الحديث. وأخرجه أحمد ٢٥/ (١٥٨٥٢)، وابن ماجه (٣٩٦٩)، والترمذي (٢٣١٩)، والنسائي في الرقائق من "سننه الكبرى" كما في "تحفة الأشراف" (٢٠٢٨)، وابن حبان (٢٨٠) و(٢٨١) و(٢٨٧) من طرق عن محمد بن عمرو بن علقمة، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وله شاهد بنحوه من حديث أبي هريرة عند أحمد ١٤/ (٨٤١١)، والبخاري (٦٤٧٨)
[ ١ / ٣١٤ ]
سفيان، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جدِّه، عن بلال بن الحارث المُزَني قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الرجلَ لَيَتكلَّمُ بالكلمة من سَخَطِ الله لا يدري أن تَبْلُغَ ما بَلَغَت، فيكتُب الله له سَخَطَه إلى يوم القيامة، وإنَّ الرجل ليتكلَّمُ بالكلمة من رِضْوان الله لا يدري أن تَبلُغَ ما بَلَغَت، فيكتبُ الله له رِضاهُ إلى يومِ القيامة (^١) " (^٢).
وأما حديث إسماعيل بن جعفر:
١٣٩ - فحدَّثَناه أبو بكر محمد بن أحمد بالويه، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا يحيى بن أيوب الزاهد، حدثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرنا محمد بن عمرو ابن علقمة، عن أبيه، عن جدِّه، عن بلال بن الحارث المُزَني، أنه سمع النبيَّ ﷺ يقول: "إنَّ أحدكم ليتكلَّمُ بالكلمة من رِضوان الله وما يظنُّ أَن تَبْلُغَ ما بَلَغَت، فيكتبُ الله له بها رِضوانَه إلى يوم يلقاهُ، وإنَّ أحدكم ليتكلَّمُ بالكلمة من سَخَطِ الله وما يظنُّ أن تَبلُغَ ما بَلَغَت، يكتبُ الله عليه بها سَخَطَه إلى يوم يلقاهُ" (^٣).
وأما حديث عبد العزيز بن محمد، فقد أخرجه مسلم (^٤):
١٤٠ - فأخبرناه أبو النَّضْر الفقيه، حدثنا عثمان بن سعيد الدّارمي، حدثنا سعيد ابن أبي مريم، حدثنا ابن الدَّرَاوَرْديِّ، حدثني محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جدِّه، عن بلال بن الحارث، أنه سمع النبيَّ ﷺ يقول: "إِنَّ أحدكم ليتكلَّمُ بالكلمة من رِضْوانِ الله، وما يظنُّ أن تَبلُغَ ما بَلَغَت، فيكتبُ الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاهُ، وإن أحدكم ليتكلَّمُ بالكلمة من سَخَطِ الله، وما يظنُّ أَن تَبْلُغَ مَا بَلَغَت،
_________________
(١) في المطبوع: إلى يوم يلقاه.
(٢) إسناده حسن في المتابعات والشواهد كسابقه.
(٣) إسناده حسن في المتابعات والشواهد كسابقه.
(٤) كذا قال المصنف، وهو ذهولٌ منه ﵀، فإنَّ مسلمًا لم يخرجه، وهو لم يخرج أصلًا لبلال بن الحارث في "صحيحه" شيئًا.
[ ١ / ٣١٥ ]
يكتبُ الله بها سَخَطَه إلى يوم يلقاهُ" (^١).
وأما حديث محمد بن بشر:
١٤١ - فحدَّثَني عليُّ بن عيسى، حدثنا مُسدَّد بن قَطَنٍ، حدثنا عثمان بن أبي شَيْبة، حدثنا محمد بن بشْر، حدثنا محمد بن عمرو، حدثني أبي، عن أبيه علقمة بن وَقَّاص قال: مرَّ به رجلٌ له شَرَفٌ وهو بسوق المدينة فسلَّمَ عليه، فقال له علقمةُ: يا فلانُ، إنَّ لك رَحِمًا ولك حقًّا، وإني رأيتُك تدخلُ على هؤلاء الأمراء فتتكلَّم عندهم بما شاء الله أن تَكلَّمَ، وإني سمعتُ بلال بن الحارث المُزَني صاحبَ رسول الله ﷺ يقول: قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ أحدكم ليتكلَّم بالكلمة من رِضْوانِ الله، ما يظنُّ أن تبلُغ ما بَلَغَت، فيكتبُ الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاهُ، وإنَّ أحدكم ليتكلَّمُ بالكلمة من سَخَطِ الله، ما يظنُّ أن تَبلُغَ ما بَلَغَت، فيكتبُ الله عليه بها سَخَطَه إلى يوم يلقاه".
قال علقمة: وَيحَكَ، فانظُر ماذا تقول، وماذا تكلَّمُ به، فرُبَّ كلامٍ مَنَعَني ما سمعتُه من بلال بن الحارث (^٢).
قصَّر مالك بن أنس برواية هذا الحديث عن محمد بن عمرو، ولم يَذكُر علقمة ابن وقَّاص.
١٤٢ - أخبرني أبو بكر بن أبي نصر الداربردي، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسي القاضي.
وأخبرنا أحمد بن محمد بن سَلَمة (^٣) العنزي، حدثنا عثمان بن سعيد الدَّارِمي؛ قالا: حدثنا القَعنبي فيما قَرأَ على مالك.
_________________
(١) إسناده حسن في المتابعات والشواهد كسابقه.
(٢) إسناده حسن في المتابعات والشواهد كما سبق عند الحديث (١٣٧). وأخرجه ابن ماجه (٣٩٦٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة -أخي عثمان- عن محمد بن بشر، بهذا الإسناد.
(٣) تحرَّف في المطبوع إلى: مسلمة، بزيادة ميم في أوله.
[ ١ / ٣١٦ ]
وأخبرنا أبو بكر بن إسحاق، حدثنا الحسن بن علي بن زياد، حدثنا ابن أبي أُويس، حدثني مالك، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن بلال بن الحارث المُزَنِي، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ الرجل ليتكلَّم بالكلمة من رِضْوانِ الله ما كان يظنُّ أَن تَبْلُغَ ما بَلَغَت، فيكتبُ الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاهُ، وإنَّ الرجل ليتكلَّمُ بالكلمة من سَخَطِ الله ما كان يظنُّ أن تبلُغ ما بَلَغَت، فيكتبُ الله له بها سَخَطَه إلى يوم يلقاه" (^١).
قال الحاكم: هذا لا يُوهِنُ الإجماع الذي قدَّمنا ذكره، بل يزيده تأكيدًا بمتابعٍ مثل مالك، إلّا أنَّ القول فيه ما قالوه بالزِّيادة في إقامة إسناده.
١٤٣ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدُّورِيُّ، حدثنا أبو عاصم.
وأخبرنا أحمد بن سلمان الفقيه، حدثنا الحسن بن مُكرَم البزَّاز ومحمد بن مسلمة الواسطي قالا: حدثنا يزيد بن هارون؛ قالا: حدثنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه قال: سمعتُ نبي الله ﷺ يقول: "ويلٌ للذي يُحدِّث فيَكذِبُ ويُضحِكُ به القوم، ويلٌ له، ويلٌ له" (^٢).
_________________
(١) صحيح لغيره كسابقه، وهذا إسناد منقطع بين عمرو بن علقمة وبلال بن الحارث، وذكر علقمة بينهما أصح كما قال البخاري في "تاريخه الكبير" ٢/ ١٠٧ وغيره. وهو في "موطأ مالك" -برواية يحيى الليثي- ٢/ ٩٨٥، وأخرجه النسائي في الرقائق من "سننه" كما في "التحفة" (٢٠٢٨) عن قتيبة بن سعيد، عن مالك، بهذا الإسناد. وتابع مالكًا في هذا الانقطاع محمدُ بن عجلان عند النسائي أيضًا.
(٢) إسناده حسن من أجل بهز بن حكيم وأبيه. أبو عاصم: هو الضحاك مخلد. وأخرجه أحمد ٣٣ / (٢٠٠٥٥) و(٢٠٠٧٣) عن يزيد بن هارون، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٣٣ / (٢٠٠٢١) و(٢٠٠٤٦)، وأبو داود (٤٩٩٠)، والترمذي (٢٣١٥)، والنسائي (١١٠٦١) و(١١٥٩١) من طرق -غير الطرق التي ذكرها المصنف- عن بهز بن حكيم، به. وقال الترمذي: حديث حسن.
[ ١ / ٣١٧ ]
هذا حديث رواه سفيان بن سعيد والحمَّادان وعبد الوارث بن سعيد وإسرائيل ابن يونس وغيرُهم من الأئمة عن بَهْز بن حكيم، ولا أعلمُ خلافًا بين أكثر أئمة أهل النَّقْل في عَدَالة بهز بن حكيم، وأنه يُجمَع حديثه، وقد ذكره البخاريُّ في "الجامع الصحيح" (^١)، وهذا الحديث شاهد لحديث بلال بن الحارث المُزَنِي الذي قدَّمْنا ذكرَه. وقد روى سعيدُ بن إياس الجُرَيري عن حَكِيم بن معاوية، وروى عن أبي التَّيّاح الضُّبَعِي عن معاوية بن حَيْدةَ.
١٤٤ - حدثنا عليُّ بن حَمْشاذَ، حدثنا إبراهيم بن إسحاق والعباس بن الفضل قالا: حدثنا أحمد بن يونس.
وأخبرني أحمد بن محمد العنزي - واللفظ له - حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أبو بكر بن عيَّاش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال عمرُ: يا رسول الله، سمعتُ فلانًا يَذكُر ويُثْني خيرًا، زَعَمَ أَنك أعطيته دينارين، قال: "لكن فلانٌ ما يقول ذلك، ولقد أصابَ منِّي ما بين مئة إلى عَشَرة" قال: ثم قال: "وإنَّ أحدكم لَيَخْرُجُ من عندي بمسألته مُتأَبَّطَها - قال أحمد: أو نحوه - وما هي إلا نارٌ" قال: فقال عمر: يا رسول الله، فلِمَ تُعطيهم؟ قال: "ما أَصنَعُ؟ يسألوني ويأبى الله لى البخل" (^٢).
_________________
(١) ذكره في كتاب الغسل في باب من اغتسل عريانًا وحده، بين يدي الحديث (٢٧٨)، قال: وقال بهز عن أبيه عن جدِّه عن النبي ﷺ: "الله أحقُّ أن يُستحيا منه من الناس".
(٢) حديث صحيح مع أنه قد اختُلف فيه على الأعمش، فقد رواه عنه أبو بكر بن عياش وأبو معاوية وحِبّان بن علي العنزي - وهو ضعيف - عن أبي صالح السمان، إلّا أنَّ ابن عياش جعله من حديث أبي صالح عن أبي سعيد، وأبا معاوية جعله من حديثه عن أبي هريرة، وحبان بن علي جعله من حديثه عن جابر بن عبد الله، كما في "العلل" للدارقطني (١٤١)، والخلاف في الصحابي لا يضر. وخالف جريرُ بنُ عبد الحميد فرواه عن الأعمش عن عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد، أخرجه من هذا الطريق أحمد ١٧ / (١١١٢٤)، وعطية العوفي ضعيف. =
[ ١ / ٣١٨ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السِّياقة (^١).
وقد رواه عبد الله بن بشر الرَّقِّي عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر:
١٤٥ - حدَّثَناه أبو الفضل محمد بن إبراهيم المزكِّي، حدثنا الحسين بن محمد ابن زياد القَبَّاني، حدثنا داود بن رُشيد، حدثنا مُعمَّر (^٢) بن سليمان، عن عبد الله بن بشر، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن عمر قال: دَخَلَ رجلان على رسول الله ﷺ فسألاهُ في شيءٍ، فدعا لهما بدينارين، فإذا هما يُثنيان خيرًا، فقال: "لكن فلانٌ ما يقول ذلك، ولقد أعطيتُه ما بين عشرةٍ إلى مئة فما يقول ذلك، فَإِنَّ أحدكم ليخرُجُ بصدقتِه من عندي متأبِّطَها، وإنما هي له نارٌ" فقلت: يا رسول الله، كيف تُعطيه وقد علمت أنه له نار؟ قال: "فما أصنَعُ؟ يَأْبَوْنَ إِلَّا أَنْ يسألوني، ويأبى الله لي البخل" (^٣).
_________________
(١) = وخالف أيضًا عبدُ الله بن بشر فرواه عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، وهو الطريق التالي عند المصنف، وعبد الله بن بشر لا بأس به لكن فيه كلام يؤخر روايته في المخالفة فلا يعتبر بها بخاصة في الأعمش والزهري، وقد قال الحاكم في "سؤالات السِّجزي له" (١١٥): يحدِّث عن الأعمش بمناكير. ثم غفل فأخرج له في هذا الكتاب "المستدرك" هذا الحديث. إذًا فالقول قول الثلاثة الأُول، في أنَّ الحديث من رواية الأعمش عن أبي صالح، مع الخلاف على اسم الصحابي الذي روى عنه أبو صالح، ولا يضر ذلك، وقد توقف الدارقطني في الترجيح هذه الروايات المختلفة فقال: والله أعلم بالصواب. وحديث أبي بكر بن عياش أخرجه أحمد ١٧ / (١١٠٠٤) و(١١١٢٣)، وابن حبان (٣٤١٢) و(٣٤١٤) من طرق عنه، بهذا الإسناد.
(٢) لعله يشير إلى ما أخرجه مسلم (١٠٥٦) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن سلمان بن ربيعة قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: قَسَمَ رسول الله ﷺ قَسْمًا، فقلت: والله يا رسول الله لغيرُ هؤلاء كان أحقَّ به منهم، قال: "إنهم خيَّروني أن يسألوني بالفُحش أو يبخّلوني، فلستُ بباخلٍ".
(٣) تحرَّف في المطبوع في الموضعين إلى: معتمر.
(٤) حديث صحيح، وانظر الكلام عليه في الحديث السابق. الأعمش: هو سليمان بن مهران، =
[ ١ / ٣١٩ ]
أما معمَّر بن سليمان الرَّقِّي فلم يخرجاه، وقد خرَّج مسلم عن عبد الله بن بشر الرَّقِّى (^١)، إلّا أنَّ هذا الحديث ليس بعِلَّةٍ لحديث الأعمش عن أبي صالح، فإنه شاهد له بإسناد آخر.
١٤٦ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب من أصل كتابه، حدثنا محمد بن سنان القَزَّاز، حدثنا أبو عامر العَقَدي، حدثنا كَثير بن زيد قال: سمعتُ سالمًا يحدِّث عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "لا ينبغي للمُؤمن أن يكون لعَّانًا" (^٢).
١٤٧ - أخبرنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه، حدثنا الحسن بن مُكرَم البزَّاز، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا كثير بن زيد، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "لا ينبغي لمسلم أن يكونَ لعَانًا". قال سالمٌ: وما سمعتُ ابن عمر لَعَنَ شيئًا قطُّ" (^٣).
_________________
(١) = وأبو سفيان: هو طلحة بن نافع الواسطي، وجابر: هو ابن عبد الله ﵄. وأخرجه البزار (٢٣٥) عن نهار بن عثمان، عن معمر بن سليمان، بهذا الإسناد - وتحرَّف فيه معمَّر إلى: معتمر.
(٢) هذا ذهولٌ، فإن مسلمًا لم يخرج له شيئًا.
(٣) إسناده حسن في المتابعات والشواهد من أجل محمد بن سنان القزاز، وقد توبع، ومن فوقه ثقات غير كثير بن زيد فإنه صدوق حسن الحديث. أبو عامر العقدي: هو عبد الملك بن عمرو القيسي. وأخرجه الترمذي (٢٠١٩) عن بُندار. وهو محمد بن بشار - عن أبي عامر العقدي، بهذا الإسناد. وقال: حديث حسن. وانظر ما بعده. وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، سلف عند المصنف برقم (٢٩) بلفظ: "ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعَّان .. ".
(٤) إسناده حسن من أجل كثير بن زيد. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٤٧٩٢) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الروياني في "مسنده" (١٤٤٥) عن محمد بن إسحاق - وهو الصاغاني - عن عثمان بن عمر، به. وانظر ما قبله.
[ ١ / ٣٢٠ ]
هذا حديث أسنده جماعةٌ من الأئمة عن كثير بن زيد، ثم أوقَفَه عنه حمَّادُ بن زيد وحده (^١)، فأما الشيخان فإنهما لم يخرجا عن كثير بن زيد، وهو شيخٌ من أهل المدينة من أسلم كنيتُه أبو محمد، لا أعرفه يُجرَحُ في الرواية، وإنما تركاه لقلَّة حديثه، والله أعلم.
ولهذا الحديث شواهدُ بألفاظ مختلفة، عن أبي هريرة وأبي الدَّرداء وسَمُرةَ بن جُندُب يَصِحُّ بمثلها الحديثُ على شرط الشيخين.
فأما حديث أبي هريرة:
١٤٨ - فأخبرناه أبو النَّضْر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه، حدثنا عثمان بن سعيد الدَّارِمي وصالح بن محمد بن حبيب الحافظ قالا: حدثنا سعيد ابن سليمان الواسطي، حدثنا أبو بكر بن عيَّاش، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يجتمعُ أن تكونوا لعَّانِينَ صِدِّيقِينَ" (^٢).
تابعه إسرائيلُ بن يونس عن أبي حصين:
١٤٩ - حدثنا علي بن حَمْشَاذ العَدْل، حدثنا هشام بن علي السَّدُوسي، حدثنا عبد الله
_________________
(١) أخرج رواية حماد هذه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٣٠٦٣)، ولفظه: ليس المؤمن بطعّان ولا لعّان. ورواية الوقف هذه شاذَّة لمخالفتها رواية الأكثرين عن كثير بن زيد مرفوعًا.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل أبي بكر بن عياش. أبو حصين: هو عثمان بن عاصم، وأبو صالح: هو ذكوان السمّان. وأخرجه ابن الأعرابي في "معجمه" (٤٩٠)، والطبراني في "الأوسط" (٥٤٩٥)، وفي "الدعاء" (٢٠٨٠) من طريق إبراهيم بن إسحاق الصيني، عن قيس بن الربيع، عن أبي حصين، بهذا الإسناد. وإبراهيم الصيني متروك، وقيس فيه ضعف لكن يعتبر به. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٤٤٧) و(٨٧٨٢)، ومسلم (٢٥٩٧) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "لا ينبغي لصدِّيق أن يكون لعّانًا". وانظر ما بعده.
[ ١ / ٣٢١ ]
ابن رَجَاءٍ (^١)، حدثنا إسرائيل، عن أبي حَصِين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا يجتمعُ (^٢) أن تكونوا العَّانينَ صِدِّيقين" (^٣).
وأما حديث أبي الدَّرداء:
١٥٠ - فحدَّثَناه أبو بكر بن عبد الله، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن عبد الله بن عمَّار، حدثنا المُعافى بن عِمْران، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلَمَ وأبي حازم، عن أم الدَّرداء قالت: سمعتُ أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يكون اللعَّانون شهداءَ ولا شفعاء" (^٤).
_________________
(١) في المطبوع: علي بن عبد الله بن رجاء، بزيادة "علي بن" وهو خطأ.
(٢) في النسخ الخطية لا "تجتمعوا"، والمثبت من المطبوع، وهو الجادَّة.
(٣) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي من أجل عبد الله بن رجاء - وهو الغُداني - وقد خالفه عبيد الله بن موسى عند الخرائطي في "مساوئ الأخلاق" (١٩)، فرواه عن إسرائيل موقوفًا على أبي هريرة، والمحفوظ في حديث أبي هريرة الرفعُ كما في الحديث السابق. وهشام بن علي السدوسي، هكذا يقع منسوبًا في الغالب عند المصنف إلى القبيلة، وأحيانًا ينسبه إلى بلده سيراف، وهي مدينة في محافظة بوشهر الإيرانية على ساحل الخليج العربي، تبعد عن البصرة في العراق - وهي المدينة التي نزلها هشام بن علي وسكنها - ما يقرب من ٤٠٠ كم. وهشام هذا وثّقه الدارقطني كما في "سؤالات الحاكم له" (٢٣٧)، وذكره ابن حبان في "الثقات" ٩/ ٢٣٤، وانظر "تاريخ الإسلام" ٦/ ٨٤٣.
(٤) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل هشام بن سعد، وقد توبع. أبو حازم: هو سلمة ابن دينار. وأخرجه مسلم (٢٥٩٨) (٨٦)، وأبو داود (٤٩٠٧) من طريقين عن هشام بن سعد، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٤٥ / (٢٧٥٢٩)، ومسلم (٢٥٩٨) (٨٥) من طريق معمر، ومسلم أيضًا، وابن حبان (٥٧٤٦) من طريق حفص بن ميسرة، كلاهما عن زيد بن أسلم وحده، عن أم الدرداء، به. قال النووي في "شرح مسلم": معناه: لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار. وقوله: "ولا شهداء" فيه ثلاثة أقوال: أصحُّها وأشهرها: لا يكونون شهداء يوم القيامة على الأُمم بتبليغ رسلهم إليهم الرسالات. والثاني: لا يكونون شهداء في الدنيا، أي: لا تُقبل شهادتهم =
[ ١ / ٣٢٢ ]
وقد خرَّجه مسلم بهذا اللفظ.
وأما حديث سمُرةَ بن جندُب:
١٥١ - فحدَّثناه علي بن حَمْشَاذَ وعبد الله بن محمد الصَّيدلاني قالا: حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا مُسلم بن إبراهيم، حدثنا، هشام، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة، عن النبي ﷺ قال: "لا تَلاعَنُوا بِلَعْنةِ الله، ولا بغضب الله، ولا بالنَّارِ" (^١).
هذه الأحاديث التي خرَّجتُها في هذا الباب بألفاظها المختلفة كلُّها صحيحة الإسناد.
١٥٢ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا الحسن بن سفيان الشَّيباني، حدثنا محمد سَلَمة المُرادي، حدثنا حجَّاج بن سليمان بن القُمْريِّ -ومات قبل ابن وهب - حدثنا أبو غسان المدني، عن أبي حازم، عن سهل بن سعدٍ
_________________
(١) = لفسقهم. والثالث: لا يُرزقون الشهادة، وهي القتل في سبيل الله.
(٢) إسناده صحيح، وسماع الحسن - وهو البصري - من سمرة صحيح، هكذا قال علي بن المديني وغيره فيما نقله الترمذي في "جامعه" (١٢٣٧)، ومن جملة من صحَّح سماعَه البخاريُّ والمصنف فيما يأتي برقم (٧٩٢)، وقال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ٣/ ١٨٤: ثبت سماعُ الحسن من سمرة ولقيَه بلا ريبٍ، وقال في "تاريخ الإسلام" ٢/ ٥٠٢: سماعه منه ثابت، فالصحيح لزومُ الاحتجاج بروايته عنه، ولا عبرة بقول من قال من الأئمة: لم يسمع الحسن من سمرة، لأن عندهم علمًا زائدًا على ما عندهم من نفي سماعه منه. انتهى، وذهب جماعة إلى أنَّ رواية الحسن عن سمرة كتاب، قال العلائي في "جامع التحصيل": وذلك لا يقتضي الانقطاع. وانظر بيان اختلاف أهل العلم في هذه المسألة عند الزيلعي في "نصب الراية" ١/ ٨٨ - ٩٠. وأخرجه أبو داود (٤٩٠٦) عن مسلم بن إبراهيم، بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي (١٩٧٦) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن هشام الدَّستوائي، به. وأخرجه أحمد ٣٣/ (٢٠١٧٥) من طريق همّام بن يحيى، عن قتادة به. قوله: "ولا بالنار" أي: أن يقول: أدخلك الله النار، أو النار مثواك، ونحوه.
[ ١ / ٣٢٣ ]
الساعدي، أنه سمع النبيَّ ﷺ يقول: "إنَّ الله كريمٌ يحبُّ الكرم، ويحبُّ معالي الأخلاق ويكره سَفْسافَها" (^١).
١٥٣ - حدَّثَناه أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العَبدي.
وحدثنا أحمد بن بن محمد بن سَلَمة، حدثنا عثمان بن سعيد؛ قالا: حدثنا أحمد ابن يونس، حدثنا فُضَيل بن عيَاض، حدثنا الصنعاني محمد بن ثَوْر، عن مَعمَر، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الله كريمٌ يحبُّ الكرم ومعالي الأخلاق، ويُبغِضُ سَفْسافَها" (^٢).
_________________
(١) حديث حسن، وفي إسناده لينٌ من جهة حجاج بن سليمان -وهو الرُّعيني المصري- وإن تساهل المصنف فيما يأتي فقال: ثقة مأمون! وذكره ابن حبان في "الثقات" أيضًا، وقال ابن عدي: يحدث عن الليث وابن لهيعة أحاديث منكرة وإذا روى حجاج هذا عن غير ابن لهيعة فهو مستقيم إن شاء الله تعالى، أما أبو زُرعة الرازي فقال: منكر الحديث، وقال ابن يونس المصري في "تاريخه": في حديثه خطأ ومناكير. قلنا: لكن الحديث بطرقه وشاهده المذكور لاحقًا من حديث جابر حسنٌ إن شاء الله، وقد اختُلف فيه على أبي حازم - وهو سلمة بن دينار - كما سيأتي في الحديث التالي. أبو غسان المدني: هو محمد بن بن مطرِّف.
(٢) حديث حسن، ورجال إسناده ثقات، لكن اختلف فيه كما سيأتي. وأخرجه ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (٦)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٢)، وابن قانع في "معجم الصحابة" ١/ ٢٦٩، والطبراني في "الكبير" (٥٩٢٨)، و"الأوسط" (٢٩٤٠)، وأبو نعيم في "الحلية" ٣/ ٢٥٥، والبيهقي في "الآداب" (١٨٧)، و"الأسماء والصفات" (٨٨)، و"شعب الإيمان" (٧٦٤٦) من طرق عن أحمد بن عبد الله بن يونس، بهذا الإسناد. وتابع معمرًا على هذه الرواية أبو غسان المدني كما في الحديث السابق. وخالف عبدُ الرزاق محمد بن ثَوْر فرواه عن معمر عن أبي حازم عن أبي حازم عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن النبي ﷺ مرسلًا، أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢٠١٥٠)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه البيهقي في "السنن" ١٠/ ١٩١، و"الشعب" (٧٦٤٨)، و"الأسماء والصفات" (٨٩)، والبغوي في "شرح السنة" (٣٥٠٣). =
[ ١ / ٣٢٤ ]
هذا حديث صحيح الإسنادين جميعًا ولم يُخرجاه، وحجَّاج بن قُمْريٍّ شيخٌ من أهل مصر ثقةٌ مأمونٌ، ولعلَّهما أعرضا عن إخراجه بأنَّ الثوريَّ أعضَلَه.
١٥٤ - كما أخبرَناه الحسن بن حَلِيم المروَزي، حدثنا أبو الموجِّه، حدثنا عَبْدانُ، حدثنا عبد الله، عن سفيان قال: سمعتُ أبا حازم، عن طلحة بن عبيد الله (^١) بن كريز الخُزاعي، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله كريمٌ يحبُّ الكرم ومعالي الأمور، ويُبغِضُ - أو قال: يَكرَه - سَفْسافَها" (^٢).
_________________
(١) = وتابعه على روايته من حديث أبي حازم عن طلحة بن كريز مرسلًا: سفيانُ الثوري في الحديث التالي عند المصنف، وعبدُ العزيز بن أبي حازم عند ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (٧)، كلاهما عن أبي حازم به. وهو الراجح، والله تعالى أعلم. وتابع أبا حازم في روايته إياه عن طلحة بن كَريزِ مرسلًا سليمانُ بنُ سُحَيم، أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٩/ ١٠٠، وهناد في "الزهد" (٨٢٨)، والشاشي في "مسنده" (٢٠)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٦٢٨) من طريق حجّاج بن أرطاة، عن سليمان بن سحيم، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، عن النبي ﷺ مرسلًا، وفي أوله: "إنَّ الله جوادٌ يحب الجُود". وأخطأ الشاشي فظنَّ طلحة هذا هو الصحابي طلحة بن عبيد الله التَّيمي فأدخله في مسنده، والصواب أنه آخر من التابعين. وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا، أخرجه البزار (١٩٦٧ - كشف الأستار)، وابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (١٠)، وابن الأعرابي في "معجمه" (٢٠٠٤)، والطبراني في "الأوسط" (٦٩٠٦)، وسنده حسن. وله شواهد أخرى، أحدها من حديث الحسين بن علي عند ابن عدي في "الكامل" ٣/ ٦، والطبراني في "الكبير" (٢٨٩٤)، وآخر من حديث سعد بن أبي وقاص عند ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (٨)، وثالث من حديث ابن عباس عند أبي نعيم في "الحلية" ٥/ ٢٨، وأسانيدها واهية لا تصلح للتقوية. والسَّفساف: الأمر الحقير والرديء من كل شيء، وهو ضدُّ المعالي والمكارم، وأصله ما يطير من غبار الدقيق إذا نُخِل، والتراب إذا أُثير. قاله ابن الأثير في "النهاية" (سفسف).
(٢) تحرَّف في نسخنا الخطية إلى: عبد، والذي في مصادر ترجمة طلحة باتفاق: عُبيد الله، مصغرًا.
(٣) حديث حسن، وهذا إسناد مرسل، طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز تابعيٌّ ثقة، ومن دونَه ثقات. =
[ ١ / ٣٢٥ ]
وهذا لا يُوهِنُ حديث سهل بن سعد على ما قدَّمتُ ذِكرَه من قَبُول الزّيادات من الثقات، والله أعلم.
١٥٥ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا محمد بن أيوب، حدثنا أبو الرَّبيع الزَّهْراني وأحمد بن إبراهيم قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن الصَّقْعَب بن زهير.
وحدثني محمد بن صالح بن هانئ - واللفظ له - حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثنا أبو قُدَامة، حدثنا وهب بن جَرير، حدثنا أبي قال: سمعتُ الصَّقعَب بن زهير يحدِّث عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: أتى النبيَّ- ﷺ أعرابيٌّ عليه جُبَّة من طَيَالسةٍ مكفوفةٍ بالدِّيباج - أو مزرورة بالديباج (^١) - فقال: إنَّ صاحبَكم هذا يريد يرفعُ كلَّ راعٍ وابنِ راعٍ، ويضعُ كلَّ فارسٍ وابن فارسٍ، فقام النبي ﷺ مُغْضَبًا، فأخذ بمَجامِعِ ثوبه فاجتَذَبَه وقال: "ألا أَرى عليك ثيابَ مَن لا يَعقِلُ" ثم رجع رسول الله ﷺ فجلس فقال: "إنَّ نوحًا لما حَضَرَته الوفاةُ دعا ابنَيهِ فقال: إني قاصٌّ عليكما الوصيةَ، آمرُكما باثنين وأنهاكما عن اثنين: أنهاكما عن الشِّرك والكِبْر، وآمرُكما بلا إله إلا الله، فإنَّ السماواتِ والأرضَ وما فيهما لو وُضِعَت في كِفَّة الميزان، ووُضِعَت لا إله إلا الله في الكِفَّة الأخرى، كانت أرجحَ منهما، ولو أنَّ السماواتِ والأرضَ وما فيهما كانت حَلْقَةً فَوُضِعَت لا إله إلّا الله عليهما، لقَصَمَتهُما، وآمركما بسبحانَ الله وبحمدِه، فإنها صلاةُ كلِّ شيء، وبها يُرزَقُ كلُّ شيء" (^٢).
_________________
(١) = أبو الموجِّه: هو محمد بن عمرو الفَزَاري، وعَبْدان: هو عبد الله بن عثمان المروزي، وعبدان لقبه، وعبد الله: هو ابن المبارك. وأخرج طرفًا منه البخاري في "التاريخ الكبير" ٤/ ٣٤٧ عن بشر -وهو ابن محمد المروزي- عن عبد الله بن المبارك، بهذا الإسناد. وانظر تمام تخريجه والكلام عليه في الحديث السابق.
(٢) قوله: "أو مزرورة بالديباج" سقط من المطبوع.
(٣) إسناده صحيح. أبو الربيع الزهراني: هو سليمان بن داود العَتَكي، وأبو قدامة: هو عبيد الله بن سعيد السرخسي. وأخرجه أحمد ١١/ (٦٥٨٣) عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، بإسناده. =
[ ١ / ٣٢٦ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجا للصَّعَب بن زهير، فإنه ثقةٌ قليل الحديث.
١٥٥ م - سمعت أبا الحسن علي بن محمد بن عمر يقول: سمعت عبد الرحمن ابن أبي حاتم يقول: سألت أبا زُرْعة عن الصَّقْعب بن زهير، فقال: ثقة، وهو أخو العلاء بن زهير.
وهذا من الجنس الذي نقول: إنَّ الثقة إذا وَصَلَه، لم يَضُرَّه إرسالُ غيره.
١٥٦ - فقد أخبرني علي بن عيسى الحِيرِي، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيانُ، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم قال: قال رجل للنبي ﷺ: ما رأيتُ رجلًا أعطى لراعي غنمٍ من محمدٍ، ثم ذكره بنحوٍ منه.
١٥٧ - حدثنا علي بن حَمْشاذ العدلُ، حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم الرازيُّ، حدثنا ابن نُمَير ويحيى بن أيوب وأبو موسى الأنصاري ومنصور بن أبي مُزاحِم ومحمد بن الصَّبّاح قالوا: حدثنا أبو بكر بن عيَّاش.
وأخبرني عبد الله بن محمد بن موسى، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا الحسن ابن محمد الطَّنافسي (^١)، حدثنا أبو بكر بن عيَّاش.
وحدثنا علي بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثنا شُجَاع بن مخلد وإسماعيل بن سالم قالا: حدثنا أبو بكر، عن أبي حصين - وفي حديث إسماعيل بن سالم: حدثنا أبو حصين - عن أبي بُرْدةَ قال: كنت جالسًا عند عبيد الله بن زياد فأُتي برؤوس الخوارج، كلما جاء رأسٌ قلت: إلى النار، فقال لي عبد الله بن يزيد الأنصاري:
_________________
(١) = وأخرجه أحمد أيضًا ١١/ (٧١٠١) عن وهب بن جرير، بإسناده. الطيالسة: جمعُ الطَّيلسان، وهو نوع من الأكسية. والديباج: ضرب من الثياب منسوج من الحرير.
(٢) تحرّف في المطبوع إلى: الطيالسي.
[ ١ / ٣٢٧ ]
أوَلا تَعلَمُ يا ابنَ أخي أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ عَذَابَ هذه الأُمَّةِ جُعِلَ فِي دنياها" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعلم له عِلَّة، ولم يُخرجاه.
وله شاهد صحيح:
_________________
(١) حديث ضعيف لاضطرابه - وليس كما قال المصنف: لا أعلم له علة- فقد اختُلف فيه على أبي بردة اختلافًا كثيرًا في الإسناد والمتن كما أشار إلى ذلك الإمام البخاري في "التاريخ الكبير" ١/ ٣٨ - ٤٠، ومن ضمن الاختلاف في المتن قوله: "إنَّ أمتي أمة مرحومة، ليس عليها في الآخرة حساب ولا عذاب .. " وهو الآتي عند المصنف برقم (٧٨٤١) و(٨٥٧٧)، وأعلَّه البخاري في "تاريخه" وقال: والخبر عن النبي ﷺ في الشفاعة وأنَّ قومًا يعذَّبون ثم يخرجون أكثر وأبين وأشهر. وانظر التعليق على الحديث (١٩٦٧٨) من "مسند أحمد". ابن نمير: هو محمد بن عبد الله بن نمير، وأبو موسى الأنصاري: هو إسحاق بن موسى الأنصاري الخطمي، وأبو حصين: هو عثمان بن عاصم بن حُصين. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٩٣٤١) عن أبي عبد الله الحاكم، عن علي بن عيسى، بإسناده. وأخرجه البخاري في "تاريخه" ١/ ٣٨، ويعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" ١/ ٣٦١، والبغوي في "معجم الصحابة" (١٦٢٣)، والطحاوي في "شرح المشكل" (٢٦٨)، وأبو نعيم الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" ١/ ٦٦، والحلية ٨/ ٣٠٨، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٠٠٠)، والبيهقي في "الشعب" (٩٣٦١)، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٥/ ٣٣٤ - ٣٣٥ من طرق عن أبي بكر بن عياش، به. وسيأتي من طريق أبي بكر بن عياش أيضًا برقم (٧٨٤٢)، وبرقم (٧٨٤١) من حديث رباح بن الحارث عن أبي بردة عن رجل من الأنصار عن أبيه، وله صحبة، وبرقم (٨٥٧٧) من حديث سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى الأشعري. وفي الباب عن أنس بن مالك عند ابن ماجه (٤٢٩٢)، وسنده ضعيف جدًا. وعن أبي هريرة موقوفًا عند إسحاق بن راهويه في "مسنده - قسم أبي هريرة" (٢٢٧)، وأبي يعلى (٦٢٠٤) بلفظ: إنَّ هذه الأمة أمة مرحومة، لا عذاب عليها إلَّا ما عذَّبت هي أنفسها، قيل: وكيف تعذب أنفسها؟ قال: أما كان يوم النهروان عذابًا؟ أما كان يوم الجمل عذابًا؟ أما كان يوم صفين عذابًا؟ وسنده صحيح، وليس فيه ذكر للآخرة.
[ ١ / ٣٢٨ ]
١٥٨ - حدَّثَناه علي بن حَمْشاذَ، حدثنا موسى بن هارون والحسن بن سفيان قالا: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن زكريا (^١) بن إبراهيم بن سُوَيد النَّخَعي - وكان ثقةً - عن الحسن بن الحَكَم النَّخَعي، عن أبي بُردة قال: سمعتُ عبد الله بن يزيد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عذابُ أُمتي في دُنياها" (^٢).
١٥٩ - حدثنا أبو أحمد بكر بن محمد الصَّيْرفي بمَرُو، حدثنا أبو قلابة الرَّقاشي، حدثنا أزهَرُ بن سعد، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن أبي بلج، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه قال: ذُكِرَ الطاعونُ عند أبي موسى الأشعريِّ، فقال أبو موسى: سألنا عنه رسول الله ﷺ، فقال: "وَخْزُ إخوانكم - أو قال (^٣): أعدائكم - من الجنِّ، وهو لكم شهادةٌ" (^٤).
_________________
(١) تحرّف لفظ "بن" في النسخ الخطية والمطبوع إلى: عن، فصارا راويين، وليس كذلك، ويحيى ابن زكريا بن إبراهيم ترجمه غير واحد منهم ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٩/ ١٤٥ وذكر أنه روى عن الحسن بن الحكم وروى عنه عثمان بن أبي شيبة، وقال: سألت أبي عنه فقال: ليس به بأس، صالح الحديث.
(٢) حديث مضطرب كسابقه. وأخرجه ابن حبان في ترجمة الحسن بن الحكم النخعي من "المجروحين" ١/ ٢٣٣، والطبراني في "الأوسط" (٧١٦٤)، و"الصغير" (٨٩٣) من طريقين عن عثمان بن أبي شيبة، بهذا الإسناد.
(٣) قوله: "أو قال" ليس في نسخنا الخطية، وأشار في حاشية (ص) إلى وجوده في نسخة.
(٤) إسناده حسن. أبو قلابة الرقاشي: هو عبد الملك بن محمد البصري الضرير، وأبو بلج: هو يحيى بن أبي سليم. وأخرجه الروياني في "مسنده" (٥١٤) عن نصر بن علي، عن أزهر بن سعد، بهذا الإسناد. وأخرجه البزار (٣٩٠١) من طريق ابن أبي عدي، عن حاتم بن أبي صغيرة، به. وانظر ما بعده. وأخرج نحوه أحمد ٣٢/ (١٩٥٢٨) و(١٩٧٤٣) من طريق زياد بن علاقة، عن رجل، عن أبي موسى. وجاء الرجل مسمّى عنده في (١٩٧٤٤) بأسامة بن شريك. وله طرق أخرى عن أبي موسى تقوِّيه، ولذلك ذهب الحافظ ابن حجر في "الفتح" ١٧/ ٥١١ - ٥١٢ إلى تصحيحه.
[ ١ / ٣٢٩ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
وهكذا رواه أبو عَوَانة عن أبي بَلْج:
١٦٠ - أخبرنيه أبو الطاهر عبد الله بن محمد الدِّهْقان، حدثنا أبو بكر بن رجاء ابن السِّنْدي، حدثنا عباس بن عبد العظيم العَنبَري ومحمد بن أبي عتَّاب قالا: حدثنا يحيى بن حمَّاد، حدثنا أبو عَوَانة، عن أبي بَلْج، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه عبد الله بن قيس، عن النبي ﷺ نحوه (^١).
١٦١ - أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن عُقبة الشَّيباني بالكوفة، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الزُّهري، حدثنا محمد بن عُبيد الطَّنافسي، عن عبيد الله.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا أبو المثنَّى ومحمد بن أيوب قالا: حدثنا مُسدَّد، حدثنا يحيى، عن عُبيد الله، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن لَعِبَ بالنَّرْد، فقد عصى الله ورسوله" (^٢).
_________________
(١) إسناده حسن كسابقه من أجل أبي بلج. أبو بكر بن رجاء: هو محمد بن محمد بن رجاء الإسفراييني الحافظ، وأبو عوانة: هو وضَّاح اليَشْكُري. وأخرجه أحمد ٣٢ / (١٩٧٠٨) عن بكر بن عيسى، عن أبي عوانة، بهذا الإسناد.
(٢) حديث حسن، وهذا إسناد رجاله ثقات إلّا أنه منقطع بين سعيد بن أبي هند وأبي موسى على ما هو مبيَّن في التعليق على الحديث (١٩٥٠١) من "مسند أحمد"، فإنَّ سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى، وقد روي من وجه آخر عن أبي موسى عند أحمد ٣٢/ (١٩٦٤٩) يتقوَّى به الحديث. أبو المثنى: هو معاذ بن المثنى العنبري، ويحيى: هو ابن سعيد القطّان، وعبيد الله: هو ابن عمر العُمري. وأخرجه أحمد ٣٢/ (١٩٥٨٠) عن يحيى القطان، بهذا الإسناد - وتابعه عليه عنده محمد بن عبيد الطنافسي. وأخرجه ابن ماجه (٣٧٦٢) من طريقين عن عبيد الله بن عمر، به. وأخرجه أحمد (١٩٥٥١)، وأبو داود (٤٩٣٨)، وابن حبان (٥٨٧٢) من طريق موسى بن ميسرة، وأحمد (١٩٥٢١) من طريق أسامة بن زيد الليثي، كلاهما عن سعيد بن أبي هند، به. وانظر ما بعده.
[ ١ / ٣٣٠ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه لوهم وَقَعَ لعبد الله بن سعيد بن أبي هند لسُوء حفظه فيه:
١٦٢ - أخبرناه أحمد بن جعفر القَطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق قال: سمعتُ عبد الله بن سعيد بن أبي هند يحدِّث عن أبيه، عن رجل، عن أبي موسى، أنَّ النبي ﷺ قال: "مَن لَعِبَ بالكِعَاب -أو قال: بالكَعَبات- فقد عصى الله ورسوله" (^١).
وهذا مما لا يُوهِنُ حديث نافع ولا يُعلِّله، فقد تابع يزيدُ بن عبد الله بن الهادِ نافعًا على روايته عن سعيد بن أبي هند:
١٦٣ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا إسماعيل بن قُتيبة، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا الليث بن سعد، عن ابن الهادِ، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الأشعريِّ قال: سمعتُ النبي ﷺ وذُكِرَ عنده النَّرْدُ فقال: "عصى الله ورسوله، عصى الله ورسولَه، مَن ضَرَبَ بكِعَابها يلعبُ بها" (^٢).
١٦٤ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق وعلي بن حمشاذَ قالا: حدثنا بشرُ بن موسى، حدثنا عبد الجبار بن العلاء العطَّار بمكة، حدثنا سفيان بن عُيَينة، عن مِسعَر، عن إبراهيم السَّكسكي، عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ خِيارَ عبادِ الله الذين يُراعُونَ الشمس والقمر والنجوم والأظلَّة لذكر الله" (^٣).
_________________
(١) حديث حسن، وقد اختُلف في إسناده على سعيد بن أبي هند كما هو مبيَّن في التعليق عليه في "مسند أحمد" ٣٢/ (١٩٥٠١)، حيث رواه عن عبد الرزاق بهذا الإسناد.
(٢) حديث حسن، وهذا إسناد رجاله ثقات إلّا أنه منقطع كما سبق.
(٣) حديث ضعيف لاضطرابه، فقد اختُلف فيه على مسعر عن إبراهيم السكسكي، فقد انفرد سفيان بن عيينة عنه في جعله من حديث ابن أبي أوفى مرفوعًا، وخالفه جمع من أصحاب مسعر فجعلوه من رواية إبراهيم السكسكي عن بعض أصحابه عن أبي الدرداء موقوفًا عليه كما سيأتي في الحديث التالي، وهو الذي صحَّحه البزار في "مسنده" بإثر (٣٣٥١) أنه موقوف، فإن كان سفيان - وهو حافظ ثقة - حفظه، فإنَّ الخلل فيه إما من مسعر بن كِدَام، وهو ثقة ثبت، أو من إبراهيم بن =
[ ١ / ٣٣١ ]
قال بشر بن موسى: ولم يكن هذا الحديث عند الحُميديِّ في "مسنده".
هذا إسناد صحيح، وعبد الجبار العطَّار ثقة، وقد احتجَّ مسلم والبخاري بإبراهيم السَّكسكي (^١)، وإذا صحَّ مثلُ هذه الاستقامة لم يَضُرَّه توهينُ من أفسد إسناده.
١٦٥ - أخبرَناه أبو العباس السَّيّاري بمَرُو، أخبرنا أبو الموجِّه، أخبرنا عَبْدانُ، أخبرنا عبد الله، عن مسعر، عن إبراهيم السَّكسَكي قال: حدثني أصحابُنا، عن أبي الدَّرداء أنه قال: إِنَّ أَحبَّ عباد الله إلى الله الذين يحبِّبون الله إلى الناس، والذين يُراعُونَ الشمس والقمر (^٢).
_________________
(١) = عبد الرحمن السكسكي، وهو الراجح، فإنَّ إبراهيم هذا - وإن خرَّج له البخاري - ليس بذاك القوي في حفظه، فهو علَّته، والله تعالى أعلم. وأخرجه البيهقي ١/ ٣٧٩ عن أبي عبد الله بن الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الحسين المروزي في زياداته على "زهد ابن المبارك" (١٣٠٤)، والبزار (٣٣٥١)، والطبراني في "الدعاء" (١٨٧٦)، وأبو طاهر المخلص في "المخلصيات" (٣١٠٢)، وأبو نعيم في "الحلية" ٧/ ٢٢٧، والبغوي في "شرح السنة" (٣٩٨)، والضياء المقدسي في "المختارة" ١٣/ (١٧١) و(١٧٢) من طرق عن الجبار بن العلاء به. وأخرجه يحيى بن صاعد في زياداته على "الزهد" (١٣٠٥)، والبزار (٣٣٥٠) من طريق يحيى ابن أبي بكير، عن سفيان بن عيينة، به. وفي الباب عن أبي هريرة مرفوعًا عند عبد بن حميد (١٤٣٨)، والبيهقي ١/ ٣٧٩، وهو ضعيف، في إسناد عبد بن حميد أبانُ - وهو ابن أبي عياش - وهو متروك، وفي إسناد البيهقي من لا يُعرف. وعن أنس بن مالك مرفوعًا أيضًا عند الطبراني في "الأوسط" (٤٨٠٨)، وإسناده ضعيف. وذكر فيه أنَّ المراد بمن يراعي الشمس المؤذِّنون.
(٢) هذا ذهولٌ من المصنف، فإنَّ مسلمًا لم يرو له شيئًا.
(٣) إسناده ضعيف لجهالة أصحاب إبراهيم السكسكي، وإبراهيم هذا في حفظه ضعفٌ. وانظر ما قبله. أبو العباس السياري: اسمه القاسم بن القاسم السياري، وأبو الموجِّه: محمد بن عمرو الفزاري، وعبدان: عبد الله بن عثمان المروزي، وعبد الله: هو ابن المبارك، وهو في "الزهد" له برقم (١٣٠٣)، ولفظه فيه من قوله: "والذين يراعون … " كالحديث السابق. =
[ ١ / ٣٣٢ ]
هذا لا يُفسد الأولَ ولا يعلَّله، فإنَّ ابن عُيينة حافظ ثقة، وكذلك ابن المبارك، إلا أنه أتى بأسانيد أُخَرَ كمعنى الحديث الأول.
١٦٦ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني.
وأخبرنا أبو النَّضْر الفقيه، وأبو الحسن العَنَزي، قالا: حدثنا عثمان بن سعيد الدَّارِمي.
وحدثني أحمد بن يعقوب الثقفي، حدثنا محمد بن أيوب؛ قالوا: حدثنا محمد ابن الصَّباح، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن الجُمحي، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أَوصني، قال: "تَعبُدُ اللهَ لا تُشْرِكُ به شيئًا، وتقيمُ الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصومُ شهر رمضان، وتحجُّ وتعتمرُ (^١)، وتسمعُ وتطيعُ" (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه كذلك وكيع في "الزهد" (٣٤٩)، وعنه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣١٢، وأخرجه أبو إسحاق الخُتَّلي في "المحبة لله" (١٠١) عن محمد بن سابق، والبيهقي ١/ ٣٧٩ من طريق جعفر بن عون، ثلاثتهم (وكيع وابن سابق وابن عون) عن مسعر، بهذا الإسناد.
(٢) في (ص) والمطبوع: "وتحج البيت وتعتمر".
(٣) رجاله ثقات عن آخرهم غير سعيد بن عبد الرحمن الجمحي فهو - وإن خرَّج له مسلم. صدوق له أوهام، وقال ابن عدي في "الكامل": يهم في الشيء بعد الشيء، فيرفع موقوفًا أو يصل مرسلًا لا عن تعمُّد. قلنا: وهذا ما وقع له في هذا الحديث، فقد خالفه من هو أوثق منه وأحفظ بدرجات، وهو محمد بن بشر العبدي في الحديث التالي عند المصنف، فرواه عن عبيد الله بن عمر عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري عن عمر بن الخطاب موقوفًا عليه، وهذا الذي رجَّحه غير واحد من أهل العلم منهم البخاري في "تاريخه الكبير" ٣/ ٤٩٤، وابن حبان في "المجروحين" ١/ ٣٢٣ وقال في رواية الجمحي: هذا خطأ فاحش. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٣٦٩٠) من طريق أبي القاسم علي بن المؤمَّل الماسَرْجِسي، عن محمد بن أيوب. وهو ابن الضُّريس. وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (١٠٧٠)، والطحاوي في "شرح المشكل" (٢٦٥٨) من طرق عن محمد بن الصبَّاح -وهو الدُّولابي- به. =
[ ١ / ٣٣٣ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فإنَّ رُواته عن آخرهم ثقاتٌ، ولم يُخرجاه توقِّيًا:
١٦٧ - لِمَا سمعتُ عليَّ بن عيسى يقول: سمعت الحسين بن محمد بن زياد يقول: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا محمد بن بشر قال: حدَّثنيه عبيد الله بن عمر العُمَري، عن يونس بن عُبيد، عن الحسن قال: جاء أعرابيٌّ إلى عمر فسأله عن الدِّين، فقال: يا أمير المؤمنين، علِّمني الدِّينَ، قال: تَشْهَدُ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وتقيمُ الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصومُ رمضان، وتحجُّ البيت، وعليك بالعَلَانيَةِ، وإياك والسِّرَّ، وإياك وكلَّ شيءٍ يُستحيا منه، قال: فإِذا لَقِيتُ اللهَ قلتُ: أَمَرني بهذا عمرُ بن الخطَّاب فقال: يا عبد الله، خُذْ بهذا، فإِذا لَقِيتَ اللهَ فقل ما بدا لك (^١).
قال القبَّاني (^٢): قلت لمحمد بن يحيى: أيُّهما المحفوظُ: حديثُ يونس عن الحسن عن عمر، أو نافعٌ عن ابن عمر؟ فقال محمد بن يحيى: حديث الحسن أَشبَهُ.
قال الحاكم: فرضي الله عن محمد بن يحيى، تَورَّع عن الجواب حَذَرًا لمخالفة
_________________
(١) = وذكره البخاري في "تاريخه" ٣/ ٤٩٤ معلَّقًا عن محمد بن الصباح، به.
(٢) رجاله ثقات عن آخرهم إلا أنه منقطع، الحسن - وهو بن أبي الحسن البصري - لم يدرك عمر بن الخطاب. وأخرجه البيهقي في "الشعب" (٣٦٩١) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن حبان في "المجروحين" ١/ ٣٢٣ عن ابن خزيمة، عن محمد بن رافع، به. ورجَّحه على الرواية السابقة عند المصنف. وتابع يونس بن عبيد عليه جريرُ بن حازم عند ابن المبارك في "الجهاد" (١٦٤)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٤٤/ ٣٥٨. وهو المحفوظ.
(٣) هو الحسين بن محمد بن زياد شيخ علي بن عيسى فيه، وشيخه محمد بن يحيى: هو الذُّهْلي الحافظ.
[ ١ / ٣٣٤ ]
قوله ﷺ: "دَعْ ما يريبكُ إلى ما لا يَرِيبكُ" (^١)، ولو تأمَّل الحديثين لظَهَرَ له أنَّ الألفاظ مختلفة، وهما حديثان مُسنَدان وحكاية، ولا يُحفَظ لعبيد الله عن يونس بن عبيد غيرُ حديث الإمارة وقد تفرَّد به الدَّرَاوَرْدي (^٢)، وسعيد بن عبد الرحمن الجُمحي ثقة مأمون، وقد رواه عنه غيرُ محمد بن الصبَّاح، على أنَّ محمد بن الصباح أيضًا ثقة مأمون.
١٦٨ - أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دُحَيم الشَّيباني بالكوفة، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غَرَزَة (^٣) الغفاري، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن سعد بن عُبيدة، عن ابن عمر قال: قال عمر: لا وأبي، فقال رسول الله ﷺ: "لا تحلفوا بآبائكم، مَن حَلَفَ بِشيءٍ دونَ الله فقد أشرك" (^٤).
١٦٩ - أخبرناه أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن أبيه والأعمش ومنصور، عن سعد بن عُبيدة، ابن عمر قال: كان عمرُ يحلِفُ: وأَبي، فنهاه النبيُّ ﷺ،
_________________
(١) سيأتي عند المصنف مسندًا برقم (٢١٩٩) من حديث الحسن بن علي، وسنده صحيح.
(٢) يشير إلى حديث يونس بن عبيد عن الحسن البصري عن عبد الرحمن بن سمرة أنَّ رسول الله ﷺ قال له: "لا تسأل الإمارة"، أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (٥٩٤٤)، وابن الأعرابي في "معجمه" (١٥٠٢) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن يونس بن عبيد، به. وهو عند البخاري (٦٦٢٢) ومسلم (١٦٥٢) من غير هذا الوجه عن الحسن. وفي توثيق الحاكم سعيد بن عبد الرحمن الجمحي على الإطلاق تساهلٌ مفرط.
(٣) تحرَّف هذا الاسم في المطبوع إلى: أحمد بن حازم عن أبي عروة.
(٤) رجاله ثقات إلّا أنَّ فيه علَّة الانقطاع بين سعد بن عبيدة وابن عمر كما سيأتي بيانه في الحديث التالي. إسرائيل: هو ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي. وأخرجه أحمد ١/ (٣٢٩) عن أبي سعيد مولى بني هشام، عن إسرائيل، بهذا الإسناد.
[ ١ / ٣٣٥ ]
فقال: "مَن حَلَفَ بشيءٍ من دون الله، فقد أشرك"، وقال الآخرُ: "فهو شركٌ" (^١).
١٧٠ - أخبرنا عبد الله بن محمد بن موسى، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير، عن الحسن بن عُبيد الله، عن سعد بن عُبيدة، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "مَن حَلَفَ بغير الله فقد كَفَرَ" (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ، وإنما أودعتُه كتاب الإيمان للفظ الشِّرك فيه، وفي حديث مُصعب بن المِقدام عن إسرائيل: "فقد كفر" (^٣).
فأما الشيخان فإنما أخرجاه من حديث سالم ونافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر: أنَّ النبي ﷺ قال لعمر: "إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" (^٤) فقط، وهذا غيرُ ذاك (^٥).
_________________
(١) رجاله ثقات إلّا أنَّ فيه علَّةً وهي الانقطاع بين سعد بن عبيدة وابن عمر، فإنَّ سعدًا لم يسمع هذا الحديث من ابن عمر، بينهما فيه راوٍ اسمه محمد الكندي كما بيَّنه منصورٌ -وهو ابن المعتمر- في رواية غير سفيان الثوري عنه كما عند أحمد ٩/ (٥٣٧٥) و(٥٥٩٣)، ولعلَّ هذا أصحُّ من صنيع الأعمش وغيره حيث اختصروه فأوهموا أنه من مسموعات سعد بن عبيدة عن ابن عمر، ومحمد الكندي هذا لا يعرف، وانظر تتمة هذا البيان في التعليق على "مسند أحمد" ٨/ (٤٩٠٤) - حيث رواه عن عبد الرزاق بهذا الإسناد - والله تعالى أعلم.
(٢) رجاله ثقات كسابقه. جرير: هو ابن عبد الحميد، وقد سلف من طريقه برقم (٤٥).
(٣) لم نقف علي هذه الرواية مسندةً فيما بين أيدينا من المصادر، وانظر ما سبق برقم (١٦٨) من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، وقد سلف برقم (٤٥) بلفظ: "فقد كفر" في حديث الحسن بن عبيد الله النخعي عن سعد بن عبيدة.
(٤) هو من حديث سالم -وهو ابن عبد الله بن عمر عند البخاري برقم (٦٦٤٧)، ومن حديث نافع - وهو مولى ابن عمر - عنده برقم (٦١٠٨)، ومن حديث عبد الله بن دينار عنده برقم (٣٨٣٦)، وهو عند مسلم من حديث الثلاثة برقم (١٦٤٦).
(٥) بل هما واحد والقصة واحدة، إذ لا يُتصوّر في عمر ﵁ أن يكون سمع نهي النبي ﷺ عن الحلِفِ بالآباء، ثم يعود فيحلف بأبيه، وقد ثبت عنه في الحديث نفسه أنه قال - كما في حديث سالم-: والله ما حلفتُ بها منذ سمعت النبيَّ ﷺ ذاكرًا ولا آثرًا.
[ ١ / ٣٣٦ ]
١٧١ - أخبرني أبو الحسن أحمد بن محمد بن سَلَمة العنزي، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري، حدثنا أبو غسَّان، عن حسَّان بن عطيَّة، عن أبي أُمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ: "العِيُّ والحياءُ شُعبتانِ من الإيمان، والبَذَاءُ والجَفَاءُ: شُعبتانِ من النَّفاق" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
وله شاهدٌ صحيح على شرطهما:
١٧٢ - حدَّثَناه أبو النَّضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه بالطابَرَان وأبو نصر أحمد بن سهل الفقيه ببُخارى قالا: حدثنا صالح بن محمد بن حبيب حدثنا الحافظ، حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي، حدثنا هُشَيم، عن منصور بن زاذانَ، عن الحسن، عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ: "الحياءُ من الإيمان، والإيمانُ في الجنَّة، والبَذَاءُ من الجَفَاء، والجفاءُ في النار" (^٢).
وله شاهدٌ ثانٍ على شرط مسلم:
١٧٣ - أخبرنا أحمد بن محمد بن عَبدُوس، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا عثمان بن أبي شَيْبة، حدثنا محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "الحياءُ من الإيمان، والإيمانُ في الجنَّة،
_________________
(١) صحيح دون ذكر العيّ، وهذا إسناد - وإن كان رواته من رجال الشيخين - ضعيف لانقطاعه بين حسّان بن عطية وأبي أمامة كما سبق بيانه برقم (١٧)، فهو هناك من طريق يزيد بن هارون عن أبي غسان: وهو محمد بن مطرِّف.
(٢) إسناده صحيح، هُشيم - وإن عنعنه وهو مدلِّس - قد صرَّح بسماعه فيه في بعض المصادر. وأخرجه ابن ماجه (٤١٨٤)، وابن حبان (٥٧٠٤) من طريق إسماعيل بن موسى الفزاري عن هشيم، بهذا الإسناد. البَذَاء: هو الفُحش في القول، والجفاء: هو غِلَظ الطبع وقساوة القلب، وهذا يؤدي إلى التباعد عن الناس والغلظة عليهم وترك صِلَتهم وبِرّهم.
[ ١ / ٣٣٧ ]
والبَذَاءُ من الجَفَاء، والجفاءُ في النار" (^١).
١٧٤ - أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيه، حدثنا أبو المثنى، حدثنا القعنبي، حدثنا يزيد بن زُريع.
وأخبرنا محمد بن يعقوب الشَّيباني، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا مُسدَّد، حدثنا يزيد بن زُريع، عن خالدٍ الحذَّاء، عن أبي قلابة، عن أبي قلابة، عن عائشة قالت: قال: رسول الله ﷺ: "من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسَنُهم خُلُقًا، وألطَفُهم بأهله" (^٢).
رواةُ هذا الحديث عن آخرهم ثقاتٌ على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ.
١٧٥ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا هارون بن سليمان الأصبهاني، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كُهيل، عن عمران بن الحَكَم (^٣) السُّلَمي، عن ابن عباس قال: قالت قريشٌ للنبي ﷺ: ادعُ ربَّك أن يجعل لنا
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن عمرو: وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي، وقد توبع. وأخرجه الترمذي (٢٠٠٩) عن أبي كريب، عن محمد بن بشر، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ١٦/ (١٠٥١٢)، والترمذي (٢٠٠٩)، وابن حبان (٦٠٨) من طرق عن محمد ابن عمرو، به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن حبان (٦٠٩) من طريق سعيد بن أبي هلال، عن أبي سلمة، به. وإسناده صحيح.
(٢) صحيح لغيره، وهذا إسناد رجاله ثقات عن آخرهم إلا أنه لا يُعرَف لأبي قلابة- وهو عبد الله بن زيد الجَرْمي - سماع من عائشة كما قال الترمذي، وقال المصنف فيما سلف بإثر حديث رقم (٢) في رواية أبي قلابة هذه عن عائشة: أخشى أنَّ أبا قلابة لم يسمعه عن عائشة. أبو المثنى: هو معاذ بن المثنى العنبري، والقعنبي: هو عبد الله بن مسلمة. وأخرجه أحمد ٤٠ / (٢٤٢٠٤) و٤١ / (٢٤٦٧٧)، والترمذي (٢٦١٢)، والنسائي (٩١٠٩) من طرق عن خالد الحذَّاء بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن. ويشهد له حديث أبي هريرة المتقدم برقم (١) و(٢)، وهو حديث صحيح.
(٣) كذا وقع في هذا الموضع والذي يليه في النسخ الخطية: عمران بن الحكم، والذي في مصادر ترجمته: عمران أبو الحكم، واسمه عمران بن الحارث.
[ ١ / ٣٣٨ ]
الصَّفَا ذهبًا ونؤمنَ بك، قال: "أتَفعَلونَ؟ " قالوا: نعم، فدَعَا، فأتاه جبريل فقال: "إنَّ الله يقرأُ عليك السلام ويقول: إن شئتَ أصبحَ الصَّفَا ذهبًا، فمن كَفَرَ بعد ذلك عذَّبْتُه عذابًا لا أعذِّبُه أحدًا من العالمين، وإن شئتَ فتحتُ لهم أبواب التوبة والرَّحمة" قال: "بل باب التوبةِ والرَّحمة" (^١).
١٧٦ - أخبرناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني، حدثنا أحمد بن محمد ابن عيسى القاضي، حدثنا أبو نُعيم ومحمد بن كثير: قالا: حدثنا سفيان، عن سَلَمة ابن كُهيل، فذكره بإسناده نحوه (^٢).
هذا حديث صحيح محفوظ من حديث الثَّوري عن سلمة بن كُهيل، وعِمران ابن الحَكَم السُّلَمي تابعيٌّ كبير محتجٌّ به، وإنما أهملا هذا الحديث - والله أعلم - لخلافٍ وقع من يحيى بن سلمة بن كهيل في إسناده، ويحيى كثيرُ الوهم على أبيه.
١٧٧ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عَمْرَويهِ الصَّفّار ببغداد، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، حدثنا الأحوص بن جوَّاب، حدثنا يحيى بن سَلَمة بن كُهيل، عن أبيه، عن عمران بن الجَعْد، عن ابن عباس: أنَّ قريشًا قالت: يا محمدُ، ادعُ ربَّك أن يجعل الصَّفا ذهبًا ونؤمن لك، فقال رسول الله ﷺ: "أتفعلون؟ " قالوا: نعم، فأتى جبريلُ النبي ﷺ فقال: "استوثق" ثم أتي جبريلُ فقال: "يا محمدُ، إِنَّ الله قد أعطاك ما سألت، إن شئتَ أصبحَ لك الصَّفا ذهبًا، ومن كَفَرَ بعد ذلك عذَّبتُه عذابًا
_________________
(١) إسناده صحيح. سفيان: هو الثوري. وأخرجه أحمد ٤/ (٢١٦٦) عن عبد الرحمن بن مهدي بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد أيضًا ٥/ (٣٢٢٣) عن وكيع عن سفيان، به. وسيأتي من طريق سفيان عند المصنف برقم (١٧٦) و(٣٢٦٤) و(٧٧٩٣). وأخرجه بنحوه أحمد ٤ / (٢٣٣٣)، والنسائي (١١٢٢٦) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
(٢) إسناده صحيح كسابقه.
[ ١ / ٣٣٩ ]
لا أعذَّبه أحدًا من العالمين، وإن شئتَ فتحتُ لهم باب التوبة والإنابة" فقال رسول الله ﷺ: "بابُ التوبة والرَّحمة أحبُّ إليَّ" (^١).
هذا الوَهْمُ لا يُوهِنُ حديث الثوري، فإني لا أعرف عمران بن الجعد في التابعين، إنما روى إسماعيلُ بن أبي خالد عن عمران بن أبي الجعد، فأمّا عمران بن الجعد فإنه من أتباع التابعين.
١٧٨ - أخبرنا دَعلَج بن أحمد السِّجْزي ببغداد، حدثنا محمد بن علي بن زيد المكي، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن وعبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطَّلب، عن المطَّلب، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن عَمِلَ سيئةً فكَرِهَها حين يعملُ، وعَمِلَ حسنةً فسُرَّ بها، فهو مؤمنٌ (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ، وقد ذكرتُ فيما تقدَّم (^٣) من خطبة عمر بالجابِيَة وأنهما لم يخرجاه، وهذا بغير ذلك اللفظ أيضًا.
١٧٩ - حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السَّماك، حدثنا الحسن بن سلّام، حدثنا قبيصة.
وأخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد (^٤) المحبوبي بمرو، حدثنا أحمد بن سيَّار، حدثنا محمد بن كَثير؛ قالا حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شَبِيب، عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ: يا أبا ذرٍّ، اتَّقِ اللهَ حيثُ كنتَ،
_________________
(١) إسناده ضعيف جدًا، يحيى بن سلمة بن كهيل متروك الحديث.
(٢) صحيح لغيره، وهذا إسناد منقطع، فإنَّ المطَّلب لم يدرك أبا موسى. وهو مكرر الحديث (٣٢).
(٣) بإثر الحديث (٣٢)، لكن وقع هناك ذهولًا أنهما خرّجا حديث عمر بالجابية. والجابية: موضع قريب من نَوَى جنوب دمشق.
(٤) في (ز) و(ب) والمطبوع: أحمد بن محمد، وهو خطأ، وجاء في (ص) على الصواب.
[ ١ / ٣٤٠ ]
وأتبع السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ الناسَ بخُلُق حسنٍ" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
١٨٠ - أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشَّعراني، حدثنا جدِّي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني حَرْمَلة بن عمران التُّجِيبي، أنَّ أبا السمط (^٢) سعيد بن أبي سعيد المَهْري حدَّثه عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو (^٣): أنَّ معاذ بن جبل أراد سفرًا، فقال: يا رسول الله، أَوصني، قال: "اعبُدِ الله ولا تُشْرِكْ به شيئًا" قال: يا رسول الله، زِدْني، قال: "إذا أسأتَ فأحسن" قال يا رسول الله، زِدْني، قال: "اسْتَقِمْ ولتُحسِّن خُلُقَك" (^٤).
_________________
(١) حديث حسن، وهذا إسناد رجاله ثقات، محمد بن كثير -وهو العبدي- ومن فوقه من رجال الشيخين غير ميمون بن أبي شبيب، فهو صدوق حسن الحديث روى له مسلم في مقدمة "صحيحه"، وروايته عن أبي ذر مرسلة، فإنه لم يسمع منه كما قال أبو حاتم الرازي وغيره، وقد جعل بعضهم هذا الحديث من رواية ميمون عن معاذ بن جبل كما هو مبيَّن في تعليقنا على "مسند أحمد". سفيان: هو الثوري. وحديث أبي ذر أخرجه أحمد ٣٥ / (٢١٣٥٤) و(٢١٤٠٣) و(٢١٥٣٦)، والترمذي (١٩٨٧) من طرق عن سفيان، بهذا الإسناد. وحسَّنه الترمذي، وكذا الحافظ ابن حجر في "الأمالي المطلقة" ص ١٣١. وأخرج بعضه أحمد ٣٥/ (٢١٤٨٧) من طريق الأعمش، عن شمر بن عطية، عن أشياخه، عن أبي ذر. وهذا إسناد جيد لولا جهالة الأشياخ، ومثل هذا الإسناد يعتبر به في المتابعات والشواهد. ويشهد له حديث معاذ بن جبل التالي.
(٢) كذا وقع في أصول "المستدرك"، وهو كذلك في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم ٤/ ٣٢، ونصَّ على وقوعه كذلك عنده قاسم بن قطلوبغا في كتابه "الثقات" (٤٤٣٣)، وقد وقع في عامّة مصادر التخريج مكنّى أبا السُّميط بضم أوله مصغَّرًا، ونصَّ عليه ابن ماكولا في "الإكمال" ٤/ ٣٦٠ - ٣٦١.
(٣) تحرّف في (ص) والمطبوع إلى: عمر.
(٤) حسن لغيره، وهذا إسناد محتمل للتحسين، عبد الله بن صالح -وهو كاتب الليث- وإن كان في حفظه شيء، قد توبع، وسعيد المهري روى عنه اثنان وذكره ابن حبان في "الثقات". =
[ ١ / ٣٤١ ]
هذا حديث حسن صحيح الإسناد من رواية المصريِّين، ولم يُخرجاه.
١٨١ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن سنان القزَّاز، حدثنا أبو عاصم، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿الذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ [النجم: ٣٢]، قال: هو أن يأتي الرجلُ الفاحشة ثم يتوب منها، قال: وقال رسول الله ﷺ:
"اللهمَّ إِن تَغفِرْ تَغفِرْ جمّا … وأيُّ عبدٍ لك لا ألَمّا" (^١)
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، وإنما خرَّجا حديث عبد الله بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس أنه قال: لم أرَ شيئًا أقربَ باللَّمَم من الذي قال أبو هريرة: "كُتِبَ على ابن آدم حظُّه من الزنى" الحديث (^٢).
والذي عندي أنهما تَرَكا حديثَ عمرو بن دينار للحديث الذي:
١٨٢ - حدَّثَناه عبد الرحمن بن الحسن القاضي، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا
_________________
(١) = وسيأتي مرة أخرى من طريق عبد الله بن صالح برقم (٧٨٠٨). وأخرجه ابن حبان (٥٢٤) من طريق عبد الله بن وهب عن حرملة بن عمران، بهذا الإسناد. وروى نحوه ميمونُ بن أبي شبيب عن معاذ كما في الحديث السابق، أخرجه من طريقه أحمد ٣٦/ (٢١٩٨٨) و(٢٢٠٥٩)، والترمذي بإثر (١٩٨٧).
(٢) صحيح موقوفًا، وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد من أجل محمد بن سنان القزاز، وقد توبع ومن فوقه ثقات، إلّا أنَّ الحافظ ابن كثير قال في "تفسيره" ٧/ ٤٣٦: في رفعه نظر، وقال الحافظ ابن حجر في "الأمالي الحلبية": سنده صحيح وفي رفعه نكارة، وقال البيهقي في "شعب الإيمان": المحفوظ هو الموقوف؛ وهي الرواية التالية عند المصنف، وهي أصح إسنادًا. أبو عاصم: هو الضحاك بن مخلد النبيل، وعطاء: هو ابن أبي رباح. وأخرجه الترمذي (٣٢٨٤) عن أحمد بن عثمان النوفلي - وهو ثقة - عن أبي عاصم، بهذا الإسناد. وقال: حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق. وسيأتي برقم (٣٧٩٢) و(٧٨١٢) من طريق روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق.
(٣) أخرجه البخاري برقم (٦٢٤٣) و(٦٦١٢)، ومسلم برقم (٢٦٥٧)، وسيأتي بنحوه عند المصنف برقم (٣٧٩٤) من طريق أبي صالح السمّان عن أبي هريرة مرفوعًا.
[ ١ / ٣٤٢ ]
آدم بن أبي إياس، حدثنا شُعبة.
وأخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن غالب، حدثنا عفَّان بن مسلم، حدثنا شُعبة، حدثنا منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] قال: الذي يُلِمُّ بالذَّنْب ثم يَدَعُه، ألم تسمع قول الشاعر:
إنْ تَغفر اللهمَّ تَغفِرْ جَما … وأيُّ عبدٍ لك لا ألما (^١)
وهذا التوقيف لا يُوهِنُ سند الأوَّل، فإنَّ زكريا بن إسحاق حافظ ثقة، وقد حدَّث به روح بن عُبادة عن زكريا، وقد ذكرتُ في شرائط هذا الكتاب إخراج التفاسير عن الصحابة.
١٨٣ - أخبرنا أحمد بن جعفر القَطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا سُريج بن النعمان، حدثنا فُليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "كلُّ أُمتي يدخل الجنة إلا من أبى" قالوا: ومَن يأبى يا رسول الله؟ قال: "مَن عصاني فقد أبى" (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح من جهة أبي بكر بن إسحاق، وأما عبد الرحمن بن الحسن شيخ المصنف في الإسناد الأول فضعيف، وهو موقوف، وهو المحفوظ كما قال البيهقي، وانظر ما قبله. منصور: هو ابن المعتمر. وأخرجه البيهقي في "السنن" ١٠/ ١٨٥، وشعب الإيمان (٦٦٥٦) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد - واقتصر في "السنن" على طريق آدم بن أبي إياس، وقال بإثره في "الشعب": هذا هو المحفوظ موقوف. والشاعر الذي أشار إليه ابن عباس، قيل: هو أبو خراش الهُذَلي، وقيل: أمية بن أبي الصلت، هكذا في كتب اللغة. واللَّمم: صغائر الذنوب، وقيل: هو مقاربة الذنب من غير مواقعة له.
(٢) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن من أجل فُليح بن سليمان. وهو في "مسند أحمد" ١٤ / (٨٧٢٨)، وقرن فيه بسريج يونس بن محمد المؤدب. وأخرجه البخاري (٧٢٨٠) عن محمد بن سنان العَوَقي، عن فليح بهذا الإسناد. فاستدراكه =
[ ١ / ٣٤٣ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه!
وله إسناد آخر عن أبي هريرة على شرطهما:
١٨٤ - أخبرنا أحمد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني أبي، عن صالح بن كَيْسان، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لتدخُلُنَّ الجنةَ إِلَّا مَن أَبي وشَرَدَ على الله كشِرَادِ البعير" (^١).
وله شاهد أيضًا عن أبي أُمامة الباهلي:
١٨٥ - أخبرناه أبو بكر بن إسحاق، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان، حدثنا يحيى بن بُكير، حدثني الليث، عن سعيد بن أبي هلال، عن علي بن خالد (^٢) قال: مرَّ أبو أُمامة الباهلي على خالد بن يزيد بن معاوية، فسأله عن أَليَن كلمةٍ سمعها من رسول الله ﷺ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كلكم يدخلُ الجنةَ إِلَّا من شَرَدَ على الله شِرَادَ البعير على أهلِه" (^٣).
_________________
(١) = ذهولٌ من الحاكم هنا، ثم عاد وتنبَّه إلى تخريج البخاري له فيما سيأتي بإثر حديث الأعرج عن أبي هريرة برقم (٧٨١٨). وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري عند ابن حبان (١٧)، والطبراني في "الأوسط" (٨٠٨)، وإسناده حسن. وآخر عن أبي أمامة، وهو الحديث الآتي عند المصنف برقم (١٨٥).
(٢) إسناده صحيح. وانفرد به الحاكم من هذا الطريق، ولم نقف عليه فيما بين أيدينا من كتب الإمام أحمد بن حنبل، وسيأتي برقم (٧٨١٨) من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن إبراهيم بن سعد، وهو مما انفرد به أيضًا.
(٣) في (ب): عن أبي خالد، وهو خطأ، ولا تعرف لعلي هذا كُنية.
(٤) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن من أجل علي بن خالد. وأخرجه أحمد ٣٦/ (٢٢٢٦) عن قتيبة بن سعيد، عن ليث -وهو ابن سعد- بهذا الإسناد. وسيأتي برقم (٧٨١٩) من طريق عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال. ويشهد له ما قبله.
[ ١ / ٣٤٤ ]
١٨٦ - حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا الحسين بن الفضل البَجَلي، حدثنا هَوْذة بن خَليفة، حدثنا عَوْف، حدثني محمد بن سيرين وخلاس، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ لله مئة رحمةٍ، قَسَمَ منها رحمةً بين أهل الدنيا فوَسِعَتهم إلى آجالهم، وأخَّرَ تسعة وتسعين لأوليائه، وإنَّ الله ﷿ قابضٌ تلك الرحمة التي قَسَمَها بين أهل الدنيا إلى التسع والتسعين، فكَمَّلَها مئة رحمةٍ لأوليائه يوم القيامة" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، إنما اتَّفقا فيه على حديث الزُّهْري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وسليمان التَّيمي عن أبي عثمان عن سلمان مختصرًا سلمان مختصرًا (^٢)، ثم خرَّجه مسلم (^٣) من حديث عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة أكمل من الحديثين.
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي، وخلاس - وهو ابن عمرو - لم يسمع أبا هريرة فهو من جهته منقطع إلا أنه من جهة محمد بن سيرين متصل. عوف: هو ابن أبي جميلة الأعرابي. وأخرجه أحمد ١٦ / (١٠٦٧٠) عن روح بن عبادة ومحمد بن جعفر، عن عوف، بهذا الإسناد. وسيأتي برقم (٧٨٢١) من طريق محمد بن سيرين وحده عن أبي هريرة. وأخرجه بنحوه أحمد ١٤ / (٨٤١٥)، ومسلم (٢٧٥٢) (١٨)، والترمذي (٣٥٤١) من طريق عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرّقة، وأحمد ١٦ / (١٠٨١٠) من طريق أبي صالح السمان، والبخاري (٦٤٦٩) من طريق سعيد المقبري، ثلاثتهم عن أبي هريرة.
(٢) وقع للحاكم هنا وهمان: الأول: أنهما لم يخرجاه من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وإنما أخرجاه من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، البخاري برقم (٦٠٠٠) ومسلم برقم (٢٧٥٢) (١٧)، وهو من هذا الوجه أيضًا عند ابن حبان برقم (٦١٤٨). الثاني: أنهما لم يتفقا عليه من حديث سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان، وإنما انفرد به مسلم برقم (٢٧٥٣) (٢٠)، وسيأتي عند المصنف برقم (٧٨٢٠) من طريق داود بن أبي هند عن أبي عثمان.
(٣) برقم (٢٧٥٢) (١٩)، وأخرجه أيضًا من هذا الطريق أحمد ١٥ (٩٦٠٩)، وابن ماجه (٢٤٩٣)، وابن حبان (٦١٤٧).
[ ١ / ٣٤٥ ]
وله شاهد على نَسَقِ حديث عوفٍ:
١٨٧ - أخبرنا أبو العباس عبد الله بن الحسين القاضي بمرو، حدثنا الحارث ابن أبي أُسامة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجَّاج بن أبي زينب قال: سمعتُ أبا عثمان النَّهْدي يحدِّث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الله خَلَقَ يوم خلق السماواتِ والأرضَ مئة رحمةٍ، كلُّ رحمةٍ طِبَاقُها طباقُ السماوات والأرض، فقَسَمَ رحمةً بينَ جميع الخلائق، وأخَّرَ تسعةً وتسعين رحمةً لنفسِه، فإذا كان يوم القيامة رَدَّ هذه الرحمةَ، فصار مئةُ رحمةٍ يَرحَمُ بها عبادَه" (^١).
وله شاهد آخر مُفسَّر عن جُندُب بن عبد الله:
١٨٨ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدُّوري، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، حدثني الجُرَيري، عن أبي عبد الله الجَسْري، حدثنا جُندُب قال: جاء أعرابيٌّ فأناخَ راحلتَه ثم عَقَلَها، فصلى خلف رسول الله ﷺ، فلما سَلَّمَ رسولُ الله ﷺ أتى راحلته فأطلق عِقالَها، ثم رَكِبَها، ثم نادى: اللهمَّ ارحمني ومحمدًا، ولا تُشرِك في رحمتنا أحدًا، فقال رسول الله ﷺ: "ما تقولون، أهو أضَلُّ أم بعيرُه؟ ألم تسمعوا ما قال؟ " قالوا: بلى، فقال: "لقد حَظَرَ رحمةً واسعةً، إِنَّ الله خلق مئةَ رحمةٍ، فَأَنزلَ رحمةً تَعَاطَفُ بها الخلائقُ جِنُّها وإنسُها وبهائمُها، وعنده تسعةٌ وتسعون، تقولون: أهو أضَلُّ أم بعيره؟ " (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح لكن من حديث سلمان الفارسي، والحجاج بن أبي زينب ليس بذاك القوي وقد خولف في إسناده، وأعلَّه به الحافظ ابن حجر في "إتحاف المهرة" (١٩٠٨٧) فقال: الحجاج ضعيف، وخالفه سليمان التيمي وغيره من الثقات فرووه عن أبي عثمان عن سلمان. قلنا: وسيأتي حديث سلمان عند المصنف برقم (٧٨٢٠). أبو عثمان النهدي: هو عبد الرحمن بن ملّ. وأما حديث أبي هريرة، فقد أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" ٣/ ٣٧٦ - ٣٧٧، والدولابي في "الكنى والأسماء" (٢٠٤٢)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (٣٣٢) من طرق عن يزيد ابن هارون، بهذا الإسناد.
(٢) إسناده فيه لين من أجل أبي عبد الله الراوي عن جندب، وأبو عبد الله هذا: هو الجسمي لا =
[ ١ / ٣٤٦ ]
١٨٩ - أخبرنا أحمد جعفر القَطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شُعبة، عن عَدِيِّ بن ثابت وعطاءِ بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس؛ رَفَعَه أحدهما إلى النبي ﷺ: "إِنَّ جبريل كان يَدُسُّ في فم فِرعَونَ الطينَ مَخافة أن يقول: لا إله إلَّا الله" (^١).
_________________
(١) = الجسري كما وقع هنا، فقد نسبه جشميًا أحمدُ بن حنبل في "مسنده" ٣١/ (١٨٧٩٩) عن عبد الصمد بن عبد الوارث، وتابعه على ذلك علي بن نصر الجهضمي عند أبي داود (٤٨٨٥)، وعبد الوارث بن عبد الصمد عند الدولابي في "الكنى والأسماء" (١٤٤٣)، كلاهما عن عبد الصمد ابن عبد الوارث، بينما تابع عباسًا الدوريَّ في نسبته جَسْريًا محمود بن غيلان عند الروياني في "مسنده" (٩٥٧)، ورواية الثلاثة بما فيهم الإمام أحمد بن حنبل، أوثق وأتقن وبخاصة أنَّ عبد الوارث بن عبد الصمد في رواية الدولابي سماه عباسًا، أما الجسري فاسمه حِميري بن بشير، وهو ثقة، وأما الجشمي فقد روى عنه الجُريري -وهو سعيد بن إياس- وقتادة، وذكره ابن حبان في "الثقات" ٥/ ٢٥٩، ولم يؤثر توثيقه عن غيره، ففي حاله جهالة. وقد صحَّ الحديث بغير هذا السِّياق. وسيأتي عند المصنف برقم (٧٨٢٢) من طريق يزيد بن هارون عن الجريري، وقال فيه: عن أبي عبد الله الجسري، ويزيد روايته عن الجريري بعد الاختلاط فلا يُعتبر بها عند المخالفة، والله تعالى أعلم. وشطره الأول له أصل من حديث أبي هريرة عند أحمد (٧٢٥٥) والبخاري (٦٠١٠) وغيرهما. ولشطره الثاني انظر ما قبله. قوله: "هو أضلُّ" أي: أجهلُ، لأنه لا يقول ما قال ذلك الأعرابي إلا جاهل بالله وسعة رحمته، حيث حجَّر وضيَّق الواسع.
(٢) صحيح موقوفًا على ابن عباس، والراجح أنَّ الذي رفعه منهما هو عدي بن ثابت، وستأتي روايته منفردًا برقم (٣٣٤٢) من طريق النضر بن شميل عن شعبة عنه، وقد نُقل عن شعبة أنه قال فيه: كان رفاعًا. وذكر المصنف في الموضع المشار إليه أن أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عباس. ورواية شعبة عن عطاء بن السائب قبل اختلاطه، فالإسناد صحيح. والحديث في "مسند أحمد" ٤/ (٢١٤٤) و٥ / (٣١٥٤). وانظر تتمة الكلام عليه هناك. وأخرجه النسائي (١١٧٤)، وابن حبان (٦٢١٥) من طريقين عن محمد بن جعفر، بهذا الإسناد. وانظر ما بعده. وسيأتي بنحوه برقم (٧٨٢٧) من طريق علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس مرفوعًا. =
[ ١ / ٣٤٧ ]
١٩٠ - حدثنا أبو عليٍّ الحافظ، أخبرنا عَبْدانُ الأهوازي، حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا شعبة، أخبرني عَدِيُّ بن ثابت وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ أنه ذكر: "أَنَّ جبريل جَعَلَ يَدُسُّ في فم فرعونَ الطينَ خَشْية أن يقول: لا إله إلَّا الله، فيرحمه الله"، أو قال: "خشية أن يرحمه الله" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
١٩١ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو زُرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، حدثنا أحمد بن خالد الوَهْبي، حدثنا محمد بن إسحاق.
وأخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا إسماعيل ابن عُلَيَّة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الواحد بن حمزة ابن (^٢) عبد الله بن الزُّبير، عن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن عائشة قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته: "اللهم حاسِبني حسابًا يسيرًا"، فلما انصرف قلت: يا رسول الله، ما الحساب اليسيرُ؟ قال: "يُنظَرُ في كتابه ويُتَجاوَزُ عنه، إنه مَن نُوقِشَ الحساب يومئذٍ يا عائشةُ هَلَكَ، وكلُّ ما يصيبُ المؤمنَ يكفِّرُ (^٣) الله عنه، حتى الشوكةُ تَشُوكُه" (^٤).
_________________
(١) = وعلي بن زيد -وهو ابن جُدعان- ضعيف.
(٢) صحيح موقوفًا كسابقه. وأخرجه الترمذي (٣١٠٨) عن محمد بن عبد الأعلى بهذا الإسناد. وأشار إلى أن أحد الرجلين - أي عطاء بن السائب وعدي بن ثابت - ذكره عن النبي ﷺ، أي: مرفوعًا، والذي رفعه هو عدي بن ثابت كما تقدَّم، وقال الترمذي حديث حسن صحيح. وسيأتي برقم (٧٨٢٦) من طريق يحيى بن حكيم عن خالد بن الحارث.
(٣) تحرَّف لفظ "بن" في النسخ الخطية إلى: عن.
(٤) تحرّف في (ب) والمطبوع إلى: يلقي.
(٥) حديث صحيح دون قصة دعائه ﷺ في الصلاة بـ "اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا" فهي زيادة =
[ ١ / ٣٤٨ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ، إنما اتَّفقا على حديث ابن أبي مُليكة عن عائشة أنَّ رسول الله رسول الله ﷺ قال: "مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ" (^١).
١٩٢ - أخبرنا الحسن بن حَلِيم المروَزي، حدثنا أبو الموجِّه، حدثنا عَبْدانُ، حدثنا عبد الله، أخبرنا أبو بكر بن أبي مريم الغسَّاني، عن ضَمْرة بن حبيب، عن شدَّاد بن أَوْس قال: قال رسول الله ﷺ: "الكيِّسُ من دان نفسَه وعَمِلَ لما بعد الموت، والعاجزُ من أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله" (^٢).
_________________
(١) = شاذّة، فقد انفرد بها محمد بن إسحاق -وهو صدوق حسن الحديث- وخالفه عبد الواحد بن زياد -وهو ثقة- عند أحمد ٤٢ / (٢٥٥١٥) فلم يذكرها، وإسناده قوي. وأما حديث ابن إسحاق فهو عند أحمد ٤٠ / (٢٤٢١٥)، وصرَّح فيه بسماعه من عبد الواحد ابن حمزة. وأخرجه ابن حبان (٧٣٧٢) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن محمد بن إسحاق، بهذا الإسناد. وسيأتي عند المصنف برقم (٩٤٩) و(٧٨٢٨) و(٨٩٤٢) من طريق ابن إسحاق، وصرَّح عنده في الموضعين الأوَّلَين بالسماع، وانظر (١٢٩٤) و(١٣٠٠) و(٨٩٤٣).
(٢) أخرجه البخاري برقم (١٠٣) و(٤٩٣٩) و(٦٥٣٦)، ومسلم برقم (٢٨٧٦) من طرق عن ابن أبي مليكة. وسيأتي بنحوه من طريقه عند المصنف برقم (٧٨٩١). كما أنهما اتفقا على حديث عروة بن الزبير عن عائشة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه، حتى الشوكة يُشاكها"، أخرجه البخاري برقم (٥٦٤٠)، ومسلم برقم (٢٥٧٢).
(٣) إسناده ضعيف لضعف أبي بكر بن أبي مريم، وغالى الذهبي في "تلخيص المستدرك" فوصفه بأنه واهٍ. أبو الموجِّه: هو محمد بن عمرو الفَزَاري، وعبدان: لقب واسمه عبد الله بن عثمان المروزي، وعبد الله: هو ابن المبارك. وأخرجه أحمد ٢٨ (١٧١٢٣)، والترمذي (٢٤٥٩) من طريقين عن عبد الله بن المبارك، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن. وأخرجه ابن ماجه (٤٢٦٠)، والترمذي (٢٤٥٩) من طريقين عن أبي بكر بن أبي مريم، به. وسيأتي عند المصنف برقم (٧٨٣١).
[ ١ / ٣٤٩ ]
هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يُخرجاه.
١٩٣ - أخبرنا أبو العباس عبد الله بن الحسين القاضي بمرْو، حدثنا الحارث ابن أبي أسامة، حدثنا رَوْح بن عُبادة، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن ابن عَوْف، حدثني حَسَن (^١) بن عثمان بن عبد الرحمن بن عوف وعبد الرحمن بن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عامر بن سعد، عن أبيه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "المؤمنُ مُكفَّرٌ" (^٢).
_________________
(١) = وأحسن منه في هذا المعنى ما سيأتي برقم (٨٨٣٧) من حديث ابن عمر: أنَّ النبي ﷺ سئل: أيُّ المؤمنين أكيسُ؟ فقال: "أكثرهم للموتِ ذكرًا، وأحسنهم له استعدادًا قبل أن ينزل بهم، أولئك من الأكياس". وإسناده حسن. قوله: "من دان نفسه" معناه -كما قال الترمذي-: من حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يُحاسب يوم القيامة.
(٢) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: حسين، مصغرًا، والصواب، حسن، كما في مصادر ترجمته، منها "التاريخ الكبير" للبخاري ٢/ ٣٠٠، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم ١٣/ ٢٥، و"الثقات" لابن حبان ٤/ ١٢٣.
(٣) إسناده ضعيف جدًا، محمد بن عبد العزيز - وهو ابن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري - قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وذكره الدارقطني في "الضعفاء والمتروكين"، وليس مجهولًا كما قال الحاكم، بل المجهول جهالة حالٍ هو الحسن ابن عثمان بن عبد الرحمن، ومتابعة عبد الرحمن بن حميد -وهو ثقة- له هنا لا تفيد شيئًا، فإنَّ الراوي عنهما متروك الحديث. وأخرجه البزار في "مسنده" (١١٢٩)، والخطابي في "غريب الحديث" ١/ ٦٩٠ من طريق سهل ابن بكار، عن محمد بن عبد العزيز، عن الحسن بن عثمان، بهذا الإسناد. وسيأتي برقم (٧٨٣٢) من طريق محمد بن سعد العوفي عن روح بن عبادة، ليس فيه قوله: "حدثني حسن بن عثمان بن عبد الرحمن بن عوف" فإن صحّ ما في النسخ الخطية، وإلَّا فإنَّ محمد بن سعد العوفي يكون قد أسقطه، فصار عبد الرحمن بن حميد قرينًا لمحمد بن عبد العزيز المتروك ومتابعًا له، والعوفي ليس بذاك القوي، ولا سيما وقد خالف الحارث بن أبي أسامة وهو حافظ ثقة. تنبيه: وقع في "غريب الحديث" للخطابي: عن الحسن بن عثمان عن الزهري، بزيادة "عن"=
[ ١ / ٣٥٠ ]
قد اتَّفقا على عبد الرحمن بن حُميد بن عبد الرحمن.
وهذا حديث غريب صحيح، ولم يُخرجاه لجهالة محمد بن عبد العزيز الزُّهري هذا.
١٩٤ - أخبرنا أبو الحُسين (^١) أحمد بن عثمان الأَدَمي ببغداد، حدثنا أبو قِلابةَ، حدثنا حجَّاج بن نُصَير، حدثنا شدَّاد بن سعيد.
وأخبرني أبو بكر بن إسحاق الفقيه، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حَنبَل، حدثنا عُبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا حَرَمِيُّ بن عُمَارة، حدثنا شدَّاد بن سعيد أبو طلحة الرَّاسبي، عن غَيْلان بن جرير، عن أبي بُردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: "تُحشَرُ هذه الأُمة على ثلاثة أصناف: صنفٍ يدخلون الجنة بغير حساب، وصنفٍ يُحاسبون حسابًا يسيرًا ثم يدخلون الجنة، وصنفٍ يجيئون على ظُهورهم أمثالُ الجبال الراسياتِ ذنوبًا، فيَسأَلُ الله عنهم -وهو أعلمُ بهم- فيقول: ما هؤلاء؟ فيقولون: هؤلاءِ عَبيدٌ من عبادِك، فيقول: حُطُّوها عنهم واجعَلُوها على اليهود والنصارى، وأدخِلوهم برحمتي الجنة" (^٢).
_________________
(١) = وهو خطأ، فإنَّ الزهري هي نسبة الحسن نفسه، ووقع فيه أيضًا: سهل بن بكار ثنا الحسن بن عثمان، بإسقاط محمد بن عبد العزيز، وبناءً عليه وهم الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ في "السلسلة الصحيحة" (٢٣٦٧) فجعل طريق الخطابي متابعًا لطريق الحاكم، وهما في الحقيقة طريق واحد فيهما محمد بن عبد العزيز هذا. قوله: "المؤمن مكفَّر" قال الخطابي: معناه: أنه مرزَّأٌ (أي: مصابٌ) في نفسه وأهله، وأنه لا يزال يُنكَب وتصيبه المكاره فتكون كفارةً لذنوبه. وفسّره الدَّيلمي في "الفردوس" (٦٥٥٠) بأنَّ المؤمن يصطنع المعروف فلا يُشكَر، وبنحوه فسّره الهيثمي في "كشف الأستار عن زوائد البزار" (١٩٠٧) فقال: يعني: تُكفَر نعمتُه لأنَّ ابن أبي الدنيا ذكر أحاديث مثل هذا في مثل هذا الباب.
(٢) تحرَّف في (ص) و(ب) والمطبوع إلى: أبو الحسن. وانظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٥٦٨.
(٣) ضعيف بهذا اللفظ، وهو لحجّاج بن نصير، وهو ضعيف، وقد تابعه عليه عفان بن مسلم =
[ ١ / ٣٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عن شدّاد أبي طلحة الراسبي فيما سيأتي عند المصنف برقم (٩٠٠٩)، لكن تبقى علته في شداد أبي طلحة، فهو - وإن كان موثَّقًا - ربما أخطأ كما قال ابن حبان، وقد خولف في لفظه كما سيأتي، وأعلَّه به البيهقي في "شعب الإيمان" بإثر الحديث (٣٧٣) وقال: ليس هو ممَّن يُقبل منه ما يخالف فيه. وأخرجه الرُّوياني في "مسنده" (٥٠٦) عن محمد بن معمر عن الحجاج بن نصير، بهذا الإسناد. وسيأتي عن عند المصنف برقم (٧٨٣٧) من طريقين آخرين عن الحجاج بن نصير. وأما حَرَمِيُّ بن عمارة فقد رواه عن شدادٍ فيما سيأتي برقم (٧٨٣٦) مختصرًا بلفظ: "ليجيئنَّ أقوام من أُمتي بمثل الجبال ذنوبًا، فيغفرها لهم ويضعها على اليهود والنصارى". أخرج حديث حرميٍّ مسلمٌ (٢٧٦٧) (٥١) عن محمد بن عمرو بن أبي روّاد، عن حرمي بن عمارة، به - وزاد فيه بعد قوله: "ويضعها على اليهود والنصارى": فيما أحسب أنا؛ قال أبو رَوْح - وهو حرميٌّ -: لا أدري ممَّن الشكُّ. ولفظ حرميٍّ عن شدّادٍ الراسبي شاذٌ أيضًا، وقال البيهقي معقِّبًا على هذه الرواية بإثر تخريجه له في كتابه "البعث والنشور" (٩٠): إلّا أنَّ اللفظ الذي تفرَّد به شداد أبو طلحة بروايته في هذا الحديث، وهو قوله: "ويضعها على اليهود والنصارى" مع شكٍّ الراوي فيه، لا أراه محفوظًا، والكافر لا يُعاقب بذنب غيره، قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وإنما لفظ الحديث على ما رواه سعيد بن أبي بردة وغيره عن أبي بردة. قلنا: يشير إلى ما أخرجه مسلم (٢٧٦٧) (٥٠) من طريق همام عن قتادة عن عون -وهو ابن عبد الله بن عتبة- وسعيد بن أبي بردة، كلاهما عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "لا يموت رجلٌ مسلم إلّا أدخل الله مكانه النار يهوديًا أو نصرانيًا". وأخرجه من هذا الطريق أحمد ٣٢ (١٩٤٨٥) و(١٩٥٦٠)، وابن حبان (٦٣٠). وهذا إسناد صحيح، ولفظه أصحُّ ما جاء في حديث أبي بردة هذا عن أبيه. وقد تابع عونًا وسعيدًا عليه طلحةُ ابن يحيى عند مسلم (٢٧٦٧) (٤٩)، وهو صدوق حسن الحديث، وغيرُه كما في التعليق على الحديث (١٩٤٨٥) من "مسند أحمد"، وزاد طلحة بن يحيى فيه: "فيقول: هذا فَكَاكُك من النار". وقوله: "أدخل الله مكانه النار يهوديًا أو نصرانيًا" قال الإمام النووي في "شرح مسلم": معنى هذا الحديث ما جاء في حديث أبي هريرة: "لكل أحدٍ منزل في الجنة ومنزل في النار" فالمؤمن إذا دخل الجنة خَلَفَه الكافر في النار لاستحقاقه ذلك بكفره، ومعنى "فكاكك النار": أنك كنت معرَّضًا لدخول النار وهذا فكاكك، لأنَّ الله تعالى قدَّر لها عددًا يملؤُها، فإذا دخلها الكفار بكفرهم =
[ ١ / ٣٥٢ ]
هذا حديث صحيح من حديث حَرَميِّ بن عُمارة على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، فأما حجَّاج بن نُصَير فإني قَرَنتُه إلى حَرَمىٍّ لأني عَلَوتُ فيه.
١٩٥ - حدثني علي بن بُندار الزاهد، حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا محمد بن المثنى الزَّمِنُ، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا حُميد، عن أنس قال: كان صبيٌّ على ظهر الطريق، فمرَّ النبي ﷺ ومعه ناس، فلما رأت أمُّ الصبي القومَ خَشِيَت أن يُوطأ ابنُها، فسَعَتْ فحَمَلَته، فقالت: ابني ابني، قال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتُلقِيَ ابنَها في النار، فقال رسول الله ﷺ: "ولا اللهُ يُلقي حبيبه في النار" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه.
١٩٦ - أخبرنا أحمد بن سلمان الفقيه ببغداد قال: قُرِئَ على محمد بن الهيثم القاضي وأنا أسمع: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عُقبة بن عامر الجُهَني: أنَّ رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أحدُنا يُذنِبُ، قال: يُكتَبُ عليه، قال: ثم يستغفر منه ويتوب، قال: "يُغفَرُ له ويُتابُ عليه"، قال: فيعودُ فيُذنب، قال: "يُكتَبُ عليه"، قال: ثم يستغفر منه ويتوب، قال: "يُغفَرُ له ويُتابُ عليه"، قال: فيعودُ فيُذنب، قال: "يُكتب عليه"، قال: ثم يستغفر منه ويتوب، قال: "يُغفَرُ له ويُتابُ عليه (^٢)، ولا يَمَلُّ الله حتى تَمَلُّوا" (^٣).
_________________
(١) = وذنوبهم، صاروا في معنى الفكاك للمسلمين. وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه النووي أخرجه ابن ماجه (٤٣٤١) بسند صحيح.
(٢) إسناده صحيح. حميد: هو ابن أبي حميد الطويل. وأخرجه أحمد ١٩ (١٢٠١٨) و(١٣٤٦٧) من طريقين عن حميد الطويل، به. وسيأتي برقم (٧٥٣٤).
(٣) من قوله في الموضع الأول: "قال: فيعود فيذنب" إلى هنا سقط من (ب).
(٤) إسناده حسن في المتابعات والشواهد من أجل عبد الله بن صالح - وهو كاتب الليث - وقد توبع على معنى حديثه هذا، وقد روى له البخاري في "صحيحه" تعليقًا، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين. =
[ ١ / ٣٥٣ ]
هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يُخرجاه.
١٩٧ - أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي، حدثنا إسحاق بن الحسن، حدثنا أبو حُذَيفة، حدثنا سفيان.
وحدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العَنبَري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن عبد الله قال: الكبائرُ من أول سورة النساء إلى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، من أول السورة إلى ثلاثين آيةً (^١).
_________________
(١) = أبو الخير: هو مرثد بن عبد الله اليَزَني. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٦٦٩٥) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الروياني في "مسنده" (١٧٣)، والطبراني في "الكبير" (١٧ (٧٩١)، و"الأوسط" (٨٦٨٩)، و"الدعاء" (١٧٨١) من طريقين عن عبد الله بن صالح، به. وسيأتي برقم (٧٨٥١). وأخرجه الحافظ ابن حجر في "الأمالي المطلقة" ص ١٣٤ من طريق الطبراني، ثم قال: حديث حسن صحيح. وكذا أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٢٠٠ وعزاه للطبراني وحسَّن إسناده. ويشهد لمعناه حديث أبي هريرة الآتي عند المصنف برقم (٧٨٠٠) مستدركًا إياه على الشيخين وصحَّحه على شرطهما، فوهم، فقد أخرجه البخاري برقم (٧٥٠٧) ومسلم برقم (٢٧٥٨) من الطريق ذاته. قوله: "ولا يملُّ الله حتى تملُّوا" قال البغوي في "شرح السنة" ٤/ ٤٩: معناه: لا يَمَلُّ الله وإن مللتم، لأنَّ المَلَال (وهو استثقال الشيء ونفور النفس عنه بعد محبته) عليه لا يجوز. وقيل: معناه: إنَّ الله لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله. وقيل: معناه: لا يترك الله الثواب والجزاء ما لم تملوا من العمل، ومعنى الملال: الترك، وأنَّ من مل شيئًا تركه وأعرض عنه، فكنى بالملال عن الترك، لأنه سبب الترك. وقال الإسماعيلي وجماعة من المحققين: إنما أطلق هذا على جهة المقابلة اللفظية مجازًا. قال القرطبي المحدِّث: ووجه مجازه أنه تعالى لما كان يقطع ثوابه عمن يقطع العمل ملالًا، عبر عن ذلك بالملال من باب تسمية الشيء باسم سببه.
(٢) إسناده صحيح. أبو حذيفة: هو موسى بن مسعود النَّهدي، وسفيان هو الثوري، وأبو الضحى: هو مسلم بن صُبيح. =
[ ١ / ٣٥٤ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وَجَبَ إخراجه على ما شَرَطتُ في تفسير الصحابة.
١٩٨ - حدثنا أبو بكر أحمد بن كامل القاضي إملاء، حدثنا أبو قلابة عبد الملك ابن محمد، حدثنا معاذ بن هانئ حدثنا حرب بن شدَّاد، حدثنا حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الحميد بن سنان، عن عُبيد بن عُمَير، عن أبيه، أنه حدَّثه -وكانت له صحبة- أنَّ رسول الله ﷺ قال في حَجَّة الوداع: "ألا إِنَّ أولياء الله المصلُّونَ؛ من يقيمُ الصلوات الخمسَ التي كُتبنَ عليه، ويصومُ رمضان، ويحتسبُ صومه يرى أنه عليه حقٌّ، ويعطي زكاة ماله يحتسبُها، ويجتنبُ الكبائر التي نهى الله عنها"، ثم إنَّ رجلًا سأله فقال: يا رسول الله، ما الكبائرُ؟ فقال: "هنَّ (^١) تسعٌ: الشِّرك بالله، وقتلُ نفس مؤمنٍ بغير حقٍّ، وفرارٌ يومَ الزَّحْف، وأكلُ مال اليتيم، وأكلُ الرِّبا، وقذفُ المُحصنة، وعقوقُ الوالدين المسلمين، واستحلالُ البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا" ثم قال: "لا يموتُ رجل لم يَعمَل هؤلاء الكبائر، ويقيمُ الصلاة ويؤتي الزكاة، إلا كان مع النبي ﷺ في دارٍ أبوابُها مصاريعُ من ذهب" (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه الطبري في "تفسيره" ٥/ ٣٧ من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، بهذا الإسناد. وأخرجه الطبري ٥/ ٣٧، وابن المنذر في "تفسيره" (١٦٦٦)، والطحاوي في "شرح المشكل" ٢/ ٣٥٤ من طرق عن الأعمش، به. وللأعمش فيه إسناد آخر، فقد أخرجه البزار (١٥٣٢)، والطبري ٥/ ٣٧، والطحاوي ٢/ ٣٥٤، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٣/ ٩٣٣ من طريق الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود. وهو صحيح أيضًا.
(٢) في النسخ الخطية: هو، والمثبت من "سنن البيهقي" ٣/ ٤٠٨ حيث رواه عن المصنف ومن مصادر التخريج، وهو الجادّة.
(٣) إسناده ضعيف لجهالة عبد الحميد بن سنان، وقال البخاري عن حديثه هذا -فيما نقله عنه العقيلي في "الضعفاء" ٢/ ٥٣١ -: فيه نظر. =
[ ١ / ٣٥٥ ]
قد احتجَّا برواة هذا الحديث غيرَ عبد الحميد بن سِنان، فأما عُمَير بن قتادة فإنه صحابيٌّ، وابنه عُبيد متفق على إخراجه والاحتجاج به.
١٩٩ - حدثنا علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا بشر بن حُجْر السَّامِي (^١)، حدثنا عبد العزيز بن أبي سَلَمة، عن محمد بن المنكدر قال: التقى عبدُ الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص، فقال له عبد الله بن عباس: أيُّ آيةٍ في كتاب الله أَرجى عندك؟ قال عبد الله بن عمرو: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]، فقال: لكن قول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، هذا لما في الصُّدور ويُوَسوسُ الشيطانُ، فَرَضِيَ اللهُ من قول إبراهيم بقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه أبو داود (٢٨٧٥)، والنسائي (٣٤٦١) من طريقين عن معاذ بن هانئ بهذا الإسناد. وهو عندهما مختصر. وأخرجه بتمامه الطحاوي في "مشكل الآثار" (٨٩٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٣/ ٩٣١ من طريقين آخرين عن معاذ بن هانئ به -وذكرا فيه الكبيرة التاسعة التي لم تُذكر عند الحاكم: وهي السِّحر. وسيأتي الحديث عند المصنف برقم (٧٨٥٩) من طريق عبد الله بن رجاء عن حرب بن شداد. وفي الباب عن ابن عمر في عدِّ هذه الكبائر التسع، وهو موقوف عليه من قوله، أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٨)، وإسناده قوي. وانظر في أحاديث الكبائر "شرح مشكل الآثار" للطحاوي ٢/ ٣٤٣ - ٣٥٦.
(٢) تصحف في النسخ الخطية إلى: الشامي، والصواب ما أثبتنا، نسبةً إلى سامة بن لؤي بن غالب، وبشر هذا عراقيٌّ بصري.
(٣) رجاله ثقات إلا أن محمد بن المنكدر لم يدرك هذا اللقاء بين ابن عباس وعبد الله بن عمرو، فقد توفي عبد الله بن عمرو وابن المنكدر صغير لم يدرك السماع، وأعلَّه بالانقطاع الذهبي في "تلخيصه". عبد العزيز بن أبي سلمة: هو الماجشُون. وأخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص ٢٧٦ - ٢٧٧، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٠٩ من =
[ ١ / ٣٥٦ ]
صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢٠٠ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدُّوري، حدثنا أبو النَّضر، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن عمرو ابن أبي عمرو، عن المطَّلب، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ الرجلَ لَيُدرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه، دَرَجاتِ قائم الليل صائم النهار" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، وشاهدُه صحيح على شرط مسلم:
٢٠١ - أخبرنا أبو سعيد إسماعيل بن أحمد التاجرُ، أخبرنا أبو يعلى، حدثنا إبراهيم بن المستَمِرَّ العُروقي، حدثنا حَبَّان بن هلال، حدثنا حمَّاد بن سَلَمة، عن بُديل، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ الله ليُبلغُ العبد بحُسْن
_________________
(١) = طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن عبد العزيز أبي سلمة، به. وقرن أبو عبيد بابن المنكدر صفوان بن سليم، وصفوان لم يسمع منهما أيضًا، وعبد الله بن صالح في حفظه سوء. وأخرجه أبو داود في "الزهد" (٣٠٣)، والطبري في "تفسيره" ٣/ ٤٩ من طريق شعبة، عن زيد بن علي، عن رجل، عن سعيد بن المسيب قال: اتَّعد عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو أن يجتمعا … فذكر نحوه. وفي إسناده رجل مبهم، وزيد بن علي: أبوه هو زين العابدين علي بن الحسين. وسيأتي الحديث عند المصنف برقم (٧٨٦٣).
(٢) صحيح لغيره، وهذا إسناد رجاله ثقات إلّا أنه منقطع، المطلب - وهو ابن عبد الله بن حنطب - لم يسمع من عائشة في قول الجمهور. أبو النضر: هو هاشم بن القاسم الخراساني. وأخرجه أحمد ٤٠/ (٢٤٣٥٥) و٤١/ (٢٤٥٩٥) عن أبي النضر هاشم بن القاسم، بهذا الإسناد. وقرن أحمد في الموضع الأول بأبي النضر يونس بن محمد المؤدِّب. وأخرجه أحمد ٤١ / (٢٥٠١٣) و٤٢ / (٢٥٥٣٧)، وأبو داود (٤٧٩٨)، وابن حبان (٤٨٠) من طرق عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، به. ويشهد له حديث أبي هريرة التالي عند المصنف، وإسناده حسن. وآخر من حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد ١١/ (٦٦٤٨)، وإسناده حسن. وثالث من حديث أبي أمامة الباهلي عند البغوي في "شرح السنة" (٣٤٩٩)، وإسناده ضعيف.
[ ١ / ٣٥٧ ]
خُلُقِه درجة الصوم والصلاة" (^١).
٢٠٢ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا إبراهيم بن مرزوق البَصري بمصر، حدثنا عمر بن يونس بن القاسم اليَمَامي، حدثني أبي، أنَّ عِكْرمة بن خالد ابن سعيد بن العاص المخزومي حدَّثه: أنه لَقِيَ عبد الله بن عمر بن الخطَّاب فقال له: يا أبا عبد الرحمن، إنَّا بنو المغيرة قومٌ فينا نَخْوةٌ، فهل سمعت رسول الله ﷺ يقول في ذلك شيئًا؟ فقال عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجلٍ يَتعاظَمُ في نفسه ويختالُ في مشيتِه، إلّا لَقِيَ الله وهو عليه غضبانُ" (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين (^٣)، ولم يُخرجاه.
٢٠٣ - أخبرنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب بن يوسف، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا زيد بن الحُبَاب، حدثني موسى بن عُلَيِّ بن رَبَاحٍ، عن أبيه، عن سُرَاقة ابن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا أنبِّئُكم بأهل الجنة؟ المغلوبون الضعفاءُ، وأهلُ النار كلُّ جَعظَرِيٍّ جوَّاظٍ مستكبِرٍ" (^٤).
_________________
(١) صحيح بما قبله، وهذا إسناد حسن من أجل إبراهيم بن المستمرّ، ومن فوقه ثقات من رجال الصحيح. أبو يعلى: هو أحمد بن علي بن المثنَّى الموصلي صاحب "المسند"، وبديل: هو ابن ميسرة العُقيلي، وعطاء: هو ابن أبي رباح. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٣٩٧٠) عن علي بن سعيد الرازي، عن إبراهيم بن المستمر، بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٢٨٤)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٥٣)، والطبراني في "الأوسط" (٦٢٨٣) من طريقين عن أبي صالح السمّان، عن أبي هريرة. وكلا الطريقين فيه ضعفٌ.
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد ١٠/ (٥٩٩٥) عن يحيى بن إسحاق السَّيلَحيني، عن يونس بن القاسم، بهذا الإسناد - بالمرفوع دون القصة.
(٣) لفظ "الشيخين" سقط من النسخ الخطية، وأثبتناه من المطبوع و"إتحاف المهرة" للحافظ ابن حجر (١٠٠٤٥)، وفي "تلخيص" الذهبي: شرط مسلم.
(٤) صحيح لغيره، وهذا إسناد لا بأس برجاله ظاهره الاتصال، إلا أنه في الحقيقة منقطع، فقد =
[ ١ / ٣٥٨ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٠٤ - أخبرنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه ببغداد، حدثنا جعفر بن أبي عثمان الطَّيالسي، حدثنا سهل بن بكَّار، حدثنا حمَّاد سَلَمة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فيما يَحْكي عن ربَّه ﷿ قال: "الكبرياءُ رِدَائي، فمن نازَعَني رِدائي قَصَمتُه" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، إنما أخرجه مسلم من حديث الأغرِّ عن أبي هريرة بغير هذا اللفظ (^٢).
_________________
(١) = رواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ - وهو ثقة متقن - عن موسى بن علي عن أبيه قال: بلغني عن سراقة بن مالك، أخرجه من هذا الطريق أحمد في "مسنده" ٢٩/ (١٧٥٨٥)، وأعلَّه الحافظ ابن حجر بهذا الانقطاع في "إتحاف المهرة" (٤٩٦٧) متعقبًا تصحيح الحاكم له على شرط مسلم. وسيأتي عند المصنف برقم (٦٦٧٦) من طريق عبد الله بن صالح عن موسى بن عُلي، كرواية زيد بن الحباب. وقد رواه أبو عبد الرحمن المقرئ مرة أخرى عن موسى بن عُلي عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ابن العاص، أخرجه أحمد ١١/ (٦٥٨٠)، والإسناد صحيح، وسيأتي من هذا الطريق عند المصنف برقم (٣٨٨٦). وتابع المقرئ في هذه الرواية عن عبد الله بن عمرو: عبدُ الله بنُ المبارك عند أحمد أيضًا (٧٠١٠). فالحديث صحيح متصل من حديث عُلي بن رباح عن عبد الله بن عمرو، أما حديثه عن سراقة ابن مالك فالصواب أنه غير متصل، بل بلغه عنه بلاغًا، والله تعالى أعلم. وله شواهد أخرى، انظرها في التعليق على الحديث (٦٥٨٠) من "مسند أحمد". الجعظريُّ: هو الفظُّ الغليظ المتكبِّر. والجوَّاظ: هو الجافي الغليظ، المختال في مشيته.
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (١٢٢) من طريق يحيى بن محمد بن يحيى، عن سهل بن بكار، بهذا الإسناد، وقرن بقتادة عليَّ بن زيد.
(٣) هو في "صحيح مسلم" (٢٦٢٠) من حديث الأغر عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال =
[ ١ / ٣٥٩ ]
٢٠٥ - حدثنا أبو بكر إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الفقيه بالرَّيّ، حدثنا أبو بكر محمد بن الفَرَج الأزرق، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا شيبان أبو معاوية، عن أشعث بن أبي الشَّعثاء، عن أبي بُردة، عن أبي موسى قال: كان رسول الله ﷺ يَركَبُ الحمارَ ويَلبَسُ الصوف، ويعتقلُ الشاةَ، ويأتي مَدْعاةَ (^١) الضيف (^٢).
٢٠٦ - حدثنا أبو الطيِّب محمد بن أحمد الحِيرِي، حدثنا أبو بكر محمد (^٣) بن نُعيم المَدَني، حدثنا بِشر بن خالد العَسكَري، حدثنا أبو النَّضر هاشم بن القاسم، حدثنا شَيْبان أبو معاوية، عن أشعثَ بن أبي الشَّعْثاء، عن أبي بُردة، عن أبي موسى
_________________
(١) = رسول الله ﷺ: "العزُّ إزارُه، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذَّبتُه". وانظر تمام تخريجه في "مسند أحمد" ١٢ (٧٣٨٢).
(٢) هكذا في (ز) و"تلخيص الذهبي"، وفي (ص): مداعاة، وفي (ب) والمطبوع بالراء، ويغلب على ظننا أنه وقع في هذا الحرف -يعني "مدعاة الضيف"- تصحيف قديم، وأنَّ الصواب فيه: "مَدْعاة الضعيف" كما في بعض المصادر، والمعنى: أنه كان يجيب دعوة الضعيف إلى الطعام، كالعبد المملوك وضعيف الحال، والمَدعاة: المأدُبة وصنيع الطعام.
(٣) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن الفرج الأزرق، وقد توبع في الحديث التالي. وأورده الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" ٨/ ٤٨٤ من هذا الوجه وقال: إسناده جيد. وأخرجه البيهقي في "السنن" ٢/ ٤٢٠، و"شعب الإيمان" (٥٧٤٤)، و"دلائل النبوة" ١/ ٣٢٩ عن أبي عبد الله الحاكم بهذا الإسناد -وسقط من مطبوع "الدلائل" أبو موسى صحابيُّ الحديث. وأخرجه أبو الشيخ في "أخلاق النبي ﷺ" (٣٢٧)، وأبو محمد البغوي في "الأنوار في شمائل النبي المختار" (٧٨٤)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٤/ ٧٦ - ٧٧ من طريقين عن شيبان، به. قوله: "يعتقل الشاة" أن يضع رجلها بين ساقه وفخذه ثم يحلبها، وكل هذه الصفات المذكورة في هذا الحديث دليل على شديد تواضع النبي ﷺ.
(٤) في (ب) والمطبوع: أبو بكر بن محمد، بزيادة "بن" وهو خطأ، والمدني: نسبةً إلى مدينة نيسابور، والأصح في هذه النسبة: المديني، بزيادة الياء فيها، وقد ذكر محمد بن نعيمٍ هذا السمعاني في كتابه "الأنساب" ١١/ ٢٠٣ - ٢٠٤ في رسم (المديني).
[ ١ / ٣٦٠ ]
قال: كان رسول الله ﷺ يركبُ الحمار، ويلبسُ الصوف، ويعتقلُ الشاةَ، ويأتي مراعاة (^١) الضيف (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه، وإنما ذكرتُه في هذه المواضع لأنَّ هذه الخِلالَ من الإيمان.
وله شاهد ينفردُ به زَبَّانُ، ولم يُخرجاه:
٢٠٧ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الرَّبيع بن سليمان، حدثنا عبد الله بن وَهْب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن زَبَّانَ بن فائدٍ، عن سهل بن معاذ بن أنس الجُهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: "مَن ترك اللباس وهو قادرٌ عليه تواضعًا لله، دَعَاهُ اللهُ على رؤوس الخلائق حتى يُخيَّرَ في حُلَل الإيمان يَلبَسُ أَيُّها شاء" (^٣).
٢٠٨ - أخبرنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا علي بن المديني، حدثنا سفيان، حدثنا أيوب بن عائذ الطائيُّ، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: خرج عمرُ بن الخطّاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجرَّاح، فأَتَوْا على مَخَاضةٍ وعمرُ على ناقة له، فنزل عنها وخَلَعَ خُفَّيهِ فوضعهما على عاتقِه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا
_________________
(١) في (ص): مداعاة بالدال المهملة.
(٢) حديث صحيح بسابقه، وهذا إسناد حسن من أجل شيخ المصنف، ومن فوقه ثقات. وأخرجه مختصرًا البزار في "مسنده" (٣١٢٨) عن بشر بن خالد، بهذا الإسناد.
(٣) حديث حسن، وهذا إسناد ضعيف لضعف زَبَّان بن فائد، وقد تابعه أبو مرحوم عبد الرحيم ابن ميمون - وهو حسن الحديث في المتابعات والشواهد - فيما سيأتي عند المصنف نفسه برقم (٧٥٥٩)، ولم ينفرد به زبان كما زعم هنا. وسهل بن معاذ حسن الحديث. وأخرجه أحمد ٢٤ / (١٥٦١٩) من طريق ابن لهيعة، عن زبّان، بهذا الإسناد - بأطول مما هنا. قوله: "من ترك اللباس" يعني: الفاره الفاخر منه. وقوله: "في حُلل الإيمان" أي: حلل أهل الإيمان.
[ ١ / ٣٦١ ]
أمير المؤمنين، أأنت تفعل هذا، أتخلَعُ خُفَّيكَ وتضعُهما على عاتقك وتأخذُ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟! ما يَسرُّني أنَّ أهل البلد استَشرَفُوك، فقال عمر: أوَّه، لو يقولُ (^١) ذا غيرُك أبا عُبيدة، جعلتُه نَكَالًا لأُمة محمدٍ ﷺ، إنا كنا أذلَّ قومٍ فأعزَّنا الله بالإسلام، فمهما نطلبُ العزَّ بغير ما أعزَّنا اللهُ به، أذلَّنا الله (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين لاحتجاجهما جميعًا بأيوب بن عائذٍ الطائي وسائر رواته، ولم يُخرجاه.
وله شاهدٌ من حديث الأعمش عن قيس بن مسلم:
٢٠٩ - حدَّثناه علي بن حَمْشَاذَ العدلُ، حدثنا محمد بن عيسى بن السَّكن الواسطي، حدثنا عمرو بن عَوْن، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن قيس بن مُسلِم، عن طارق بن شِهَاب قال: لمّا قَدِمَ عمرُ الشامَ، لَقِيَه الجنودُ وعليه إزارٌ وخُفَّانِ وعِمامة، وهو آخذٌ برأس بعيره يخوضُ الماء، فقال له -يعني قائل-: يا أمير المؤمنين، تَلْقاكَ الجنودُ وبَطارِقةُ الشام وأنت على حالك هذه؟! فقال عمر: إنا قومٌ أعزنا الله بالإسلام، فلن نبتغي العِزَّ بغيره (^٣).
_________________
(١) في النسخ الخطية: لو يَقُل، على جزم "يقل" بلَوْ، والجادَّة ما أثبتنا، والجزم بلو خلاف الراجح المشهور عند جمهور النحاة، وجَوَّز بعضهم الجزم بها عند الضرورة، انظر "مغني اللبيب" لابن هشام ١/ ٢٧١، و"خزانة الأدب" للبغدادي ١١/ ٢٩٨ - ٣٠١. وقوله: "أوّهْ" بفتح الهمزة وتشديد الواو وكسرها أو فتحها وهاء ساكنة: كلمة تقال عند الشِّكاية والتوجُّع والتحزُّن. وقيل: ساكنة الواو مكسورة الهاء، وربما قلبوا الواو ألفًا فقالوا: آهِ من كذا.
(٢) إسناده صحيح. سفيان: هو ابن عُيينة. وأخرجه ابن المبارك (٥٨٤)، وأبو داود (٦٩)، وابن أبي الدنيا (١١٧) - ثلاثتهم في "الزهد"- والمحاملي في "أماليه" (٢٣٩)، وأبو نعيم في "الحلية" ١/ ٤٧، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧٨٤٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٥/ ٤٤ من طرق عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. وانظر ما بعده، وسيأتي برقم (٤٥٣١) من طريق الحميدي عن سفيان.
(٣) إسناده صحيح. أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير، والأعمش: هو سليمان بن مهران. =
[ ١ / ٣٦٢ ]
٢١٠ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا بشر بن موسى، حدثنا الحُميدي، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن عبد الله بن عامر، عن عبد الله بن عمرو، يبلُغ به النبيَّ ﷺ قال: "ليس منَّا من لم يَرحَمُ صغيرنا، ويعرف حقَّ كبيرِنا" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتجَّ بعبد الله بن عامر اليَحصَبي، ولم يُخرجاه.
وشاهده الحديث المعروف من حديث محمد بن إسحاق وغيره عن عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وفي حديث عِكرمة عن ابن عباس: "ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر"، وإنما تركته لأنَّ راويَه ليث بن أبي سُلَيم (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ١٣/ ٤١ و٢٦٣، وهناد في "الزهد" (٨١٧) عن أبي معاوية، بهذا الإسناد. وانظر ما قبله.
(٢) إسناده صحيح. سفيان: هو ابن عيينة، وابن أبي نجيح: هو عبد الله، وعبد الله بن عامر ليس هو اليحصبي كما ظنَّه المصنف وصحَّحه على شرط مسلم بناءً عليه، وإنما هو عُبيد الله - مصغرًا - بن عامر المكي، غَلِطَ الحاكم باسمه ونسبه، وقد نبَّه على غلطه تلميذُه البيهقي في "شعب الإيمان" بإثر الحديث (١٠٤٧٢)، وعبيد الله هذا -وإن لم يرو عنه غير ابن أبي نجيح- وثَّقه يحيى بن معين في رواية عثمان الدارمي عنه، وليس هو من رجال الشيخين وهو متابع. وأخرجه أحمد ١١/ (٧٠٧٣)، وأبو داود (٤٩٤٣) من طرق عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (٦٧٣٣) و(٦٩٣٥)، والترمذي (١٩٢٠) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو. وفي الباب عن عبادة بن الصامت، سيأتي عند المصنف برقم (٤٢٦). وآخر عن أبي هريرة، سيأتي أيضًا عنده برقم (٧٥٤٠). وانظر تتمة أحاديث الباب في "مسند أحمد" عند الحديث (٦٧٣٣).
(٣) ليث ضعيف لسوء حفظه واضطراب حديثه. وحديث ابن عباس هذا أخرجه أحمد ٤/ (٢٣٢٩)، والترمذي (١٩٢١)، وابن حبان (٤٥٨). وسقط ليث من سند ابن حبان وهو خطأ.
[ ١ / ٣٦٣ ]
٢١١ - حدثنا أبو أحمد حمزة بن العباس العَقَبي ببغداد، حدثنا عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا نُعيم بن حمَّاد.
وأخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمرو، حدثنا أحمد بن سيَّار، حدثنا وارث (^١) بن عبيد الله، قالا: حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا خالد بن مهران الحَذَّاء، عن عِكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "البَرَكةُ مع أكابركم" (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يُخرجاه.
٢١٢ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا مسدَّد.
وحدثنا علي بن حمشاذَ، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، قالا: حدثنا يحيى - يعنيانِ ابن سعيد - حدثنا ابن عَجْلانَ، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إني أُحرِّجُ عليكم حقَّ الضعيفَين: اليتيم والمرأة" (^٣).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢١٣ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا العباس بن الوليد بن مَزيَد البيروتي، أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعيَّ يقول: حدثني أبو كثير الزُّبيدي، عن أبيه؛ وكان يجالس أبا ذرٍّ، قال: فجمع حديثًا، فلقي أبا ذر وهو عند الجَمْرة الوسطى
_________________
(١) كذا في النسخ الخطية، وهو مسمَّى في مصادر ترجمته عبد الوارث.
(٢) إسناده صحيح، نعيم بن حماد وعبد الوارث بن عبيد الله يشدُّ أحدهما الآخر، وقد توبعا. وأخرجه ابن حبان (٥٥٩) من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن المبارك، بهذا الإسناد.
(٣) إسناده قوي من أجل ابن عجلان: واسمه محمد يحيى بن سعيد: هو القطّان. وهو في "مسند أحمد" ١٥/ (٩٦٦٦). وأخرجه ابن ماجه (٣٦٧٨)، والنسائي (٩١٠٤) من طريقين عن يحيى القطان، بهذا الإسناد. وسيأتي برقم (٧٣٤٤) من طريق الليث بن سعد عن ابن عجلان. قوله: "إني أحرِّج" أي: أضيّق على الناس في تضييع حقوقهما وأشدّد عليهم في ذلك وأحرِّمه عليهم.
[ ١ / ٣٦٤ ]
وحولَه الناس، قال: فجلستُ إليه حتى مسَّت رُكبتي ركبته، فنسيت ذلك الحديث، وتفلَّتَ مني كلُّ شيء شيء أردتُ أن أسأله عنه، فرفعتُ رأسي إلى السماء فجعلتُ أتذكَّر، فقلت: يا أبا ذر دُلَّني على عمل إذا عَمِلَ به العبدُ دخل الجنة، قال: قال رسول الله ﷺ: "تؤمن بالله" قلت: يا رسول الله، إنَّ مع الإيمان عملًا؟ قال: "يَرضَخُ مما رَزَقَه الله" قلت: يا رسول الله، فإن كان مُعدِمًا لا شيء له؟ قال: "يقولُ معروفًا بلسانه" قلت: فإن كان عَيبًا لا يُبلِّغ عنه لسانُه؟ قال: "فليُعن مغلوبًا" قلت: فإن كان ضعيفًا لا قوَّةَ له؟ قال: "فليَصنَعْ لأخرَقَ" قلت: فإن كان أخرق؟ فالتفت إليَّ فقال: "ما تريد أن تَدَعَ في صاحبك خيرًا؟ " قال: "يَدَعُ الناسَ من أذاهُ" قلت: يا رسول الله، إنَّ هذا ليسيرٌ كلُّه، قال: "والذي نفسي بيده ما منهنَّ خَصْلَةٌ يَعْمَلُ بها عبدٌ يبتغي بها وجه الله، إلَّا أَخَذَت بيده يوم القيامة فلم تُفارقه حتى تُدخِلَه الجنة" (^١).
_________________
(١) حديث حسن، وهذا الإسناد لم يُقِمه العباس بن الوليد -وهو صدوق لا بأس به- وأقامه عبد الرحمن بن إبراهيم الملقَّب بدُحيم -وهو أحفظ وأوثق وأتقن من العباس- فرواه عن الأوزاعي قال: حدثني أبو كثير السُّحيمي عن أبيه قال: سألت أبا ذر .. فذكره، أخرجه من هذا الطريق ابن حبان في "صحيحه" (٣٧٣)، وسمَّى أبا كثير السحيمي هذا يزيد بن عبد الله بن أذينة، ويقال: يزيد بن عبد الرحمن أذينة، وهو ثقة من رجال مسلم، وأبوه لم نتبينه، لكن يُفهم من رواية الحاكم أنه كان من جلساء أبي ذر. وأما أبو كثير الزبيدي فهو راوٍ آخر كوفيٌّ ولم يخرج له مسلم شيئًا، وعليه فإنَّ كلام المصنف بإثر الحديث فيه وهمٌ وتخليط. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣٠٥٥) عن أربعة مشايخ - أحدهم أبو عبد الله الحاكم - عن أبي العباس محمد بن يعقوب، بهذا الإسناد - وفيه: حدثني أبو كثير عن أبيه، ولم ينسبه. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" ١١/ ١٧، والطبراني في "الكبير" (١٦٥٠)، والبيهقي في "الشعب" (٣٠٥٧) من طريق عكرمة بن عمار، عن أبي زُميل سماك بن الوليد، عن مرثد بن مرثد عبد الله الزِّماني، عن أبيه، عن أبي ذر. وهذا إسناد محتمل للتحسين، وهو يشدُّ الإسناد السابق. وأخرج نحوه البزار (٤٠٧٨) من طريق العوام بن جويرية، عن الحسن البصري، عن أبي ذر. وهذا إسناد ضعيف لضعف العوّام، والحسن لم يدرك أبا ذر فهو منقطع أيضًا. =
[ ١ / ٣٦٥ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتج في كتابه بأبي كثير الزُّبيدي واسمه يزيد بن عبد الرحمن بن أُذينة، وهو تابعيٌّ معروف يقال له: أبو كثير الأعمى، وهذا الحديث لم يُخرجاه.
٢١٤ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا محمد بن غالب بن حَرْب، حدثنا عفّان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن مُصعَب بن سعد، عن أبيه - قال الأعمش: ولا أعلمُه إلا عن النبي ﷺ قال: "التَّوْدَةُ في كلِّ شيء خيرٌ إلا في عمل الآخرة" (^١).
_________________
(١) = وأخرج البخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤) من طريق أبي مراوح، عن أبي ذر قال: سألت النبي ﷺ: أيُّ العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله، وجهاد في سبيله" قلت: فأيُّ الرّقاب أفضل؟ قال: "أغلاها ثمنًا، وأنفسُها عند أهلها" قلت: فإن لم أفعل؟ قال: "تُعِين صانعًا أو تصنع لأخرق" قال: فإن لم أفعل؟ قال: "تدعُ الناس من الشر، فإنها صدقة تصدَّقُ بها على نفسك". الرَّضْخ: العطيّة القليلة. والأخرق: من ليس في يده صنعة.
(٢) ضعيف مرفوعًا، فإنَّ في رواية عبد الواحد بن زياد - وهو ثقة - عن الأعمش مقالًا وبخاصة إذا خولف، وقد خالفه هنا أثبت الناس في الأعمش وهو سفيان الثوري، فرواه عنه عن مالك بن الحارث عن عمر بن الخطاب من قوله، هكذا رواه غير واحد عن سفيان فيما أخرجه وكيع في "الزهد" (٢٦١) - ومن طريقه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٤ - ومسدَّد في "مسنده" كما في "المطالب العالية" (٣٢٧٦)، وأحمد في "الزهد" (٦٢٥)، وفي هذا الإسناد انقطاع، فإنَّ مالك بن الحارث - وهو السلمي الرقّي - لم يدرك عمر. وتابع سفيان على كون هذا الحديث من قول عمر: إسماعيل بنُ مسلم المكي، عن أبي معشر زياد بن كليب، عن إبراهيم النخعي، عن عمر بن الخطاب. أخرجه ابن أبي الدنيا في "الزهد" (٥٧)، و"قصر الأمل" (١٣٩)، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (١٠١٢٠)، وإسماعيل ابن مسلم فقيه مفتٍ إلّا أنه كان ضعيفًا في الحديث. وأما حديث سعد بن أبي وقاص، فقد أخرجه أبو داود (٤٨١٠) عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن عفان بن مسلم، بهذا الإسناد. والتُّؤدة: التأنِّي والتمهُّل.
[ ١ / ٣٦٦ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢١٥ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا بكَّار بن قُتيبة القاضي بمصر، حدثنا صفوان بن عيسى القاضي، حدثنا الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُبَاب، عن سعيد بن أبي سعيد المَقبُري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لمّا خَلَقَ اللهُ آدمَ ونَفَخَ فيه الروحَ عَطَسَ، فقال: الحمدُ لله، فحَمِدَ الله بإذن الله، فقال له ربُّه: رَحِمَك ربُّك يا آدم، وقال له: يا آدمُ، اذهب إلى أولئك الملائكة -إلى ملأٍ منهم جلوس- فقل: السلامُ عليكم، فذهب فقالوا: وعليك السلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه، ثم رجع إلى ربِّه، فقال: هذه تحيَّتُك وتحيَّةُ بَنِيك وبنيهم، فقال الله له ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت، فقال: اخترتُ يمين ربي، وكِلْنا يَدَيْ ربي يمينٌ مُباركة، ثم بَسَطَها، فإذا فيها آدمُ وذُرِّيتُه، فقال: أي ربِّ، ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذُرِّيّتُك، فإذا كلُّ إنسانٍ مكتوبٌ عمرُه بين عينيه، وإذا فيهم رجلٌ أضوَؤُهم -أو قال: من أضوئهم- لم يكتب له إلّا أربعين سنة، قال: يا ربِّ، زِدْ في عمرِه، قال: ذاك الذي كُتِبَ له، قال: فإني قد جعلتُ له من عمري ستين سنةً، قال: أنت وذاك، قال: ثم أُسكِنَ الجنةَ ما شاء الله، ثم أُهبِطَ منها آدمُ يعدُّ لنفسه، فأتاه مَلَكُ الموت، فقال له آدم: قد عَجِلتَ، قد كُتِبَ لي ألفُ سنة، قال: بلى، ولكنك جعلتَ لابنك داودَ منها ستين سنة، فَجَحَدَ فَجَحَدَت ذريتُه، ونَسِيَ فنَسِيَت ذريتُه، فيومئذٍ أُمِرَ بالكتاب والشُّهود" (^١).
_________________
(١) رجاله ثقات غير الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب فهو صدوق له أوهام، وقد اختُلف في رفع قصة عرض ذرية آدم عليه ووقفها، وأما قصة العطاس والتحية فصحيحتان. وأخرجه الترمذي (٣٣٦٨)، وابن حبان (٦١٦٧) من طريق محمد بن بشار، والنسائي (٩٩٧٥) عن سوار بن عبد الله، كلاهما عن صفوان بن عيسى، بهذا الإسناد - وحديث سوار مختصر بقصة العطاس والتحية فقط، وقال الترمذي: حديث حسن. وسيتكرر عند المصنف بالإسناد نفسه برقم (٧٨٧٤) مختصرًا بقصة العطاس. وأخرجه أبو يعلى (٦٥٨٠) من طريق إسماعيل بن رافع، عن سعيد المقبري، به. وإسماعيل ضعيف منكر الحديث. =
[ ١ / ٣٦٧ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتجَّ بالحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُبَاب، وقد رواه عنه غيرُ صفوان (^١)، وإنما خرَّجتُه من حديث صفوان لأني عَلَوتُ فيه.
وله شاهدٌ صحيح:
_________________
(١) = وخالف محمد بن عجلان فرواه عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام موقوفًا من قوله. أخرجه النسائي (٩٩٧٦)، وقال: هذا هو الصواب. وخالفهم جميعًا أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السِّندي، فرواه عن المقبري عن أبي هريرة موقوفًا عند ابن الصواف في الثاني من "أجزائه" (٣٢)، وأبي القاسم بن بشران في "الأمالي" (٦٣٣). وأبو معشر ليّن الحديث يعتَبر به. وأخرجه النسائي (٩٩٧٧) من طريق أبي خالد الأحمر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا مختصرًا بقصة العطاس والتحية. وقال عقبه: منكر؛ يعني أنه ليس محفوظًا من هذا الطريق كما بيّنّاه عند الحديث التالي. وستأتي قصة عرض ذرية آدم عليه وحدها برقم (٣٢٩٦) و(٤١٧٧) من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة. وهشام فيه لين. وأخرج قصة العطاس وحدها ابنُ حبان (٦١٦٤) من طريق حفص بن عاصم، عن أبي هريرة. وإسناده حسن في المتابعات والشواهد. وأخرج قصة التحية ضمن حديثٍ: أحمد ١٣ / (٨١٧١)، والبخاري (٣٣٢٦) و(٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١)، وابن حبان (٦١٦٢) من طريق همّام بن منبِّه، عن أبي هريرة. ولقصة العطاس انظر حديث ابن عباس الآتي عند المصنف برقم (٣٠٧٣)، وحديث أنس الآتي برقم (٧٨٧٥)، وكلاهما موقوف. وفي باب قصة عرض ذرية آدم عليه عن ابن عباس عند أحمد في "المسند" (٢٢٧٠). وفي سنده ابن جُدعان، وفيه ضعف. وانظر تتمة تخريجه فيه.
(٢) رواه عنه أبو خالد الأحمر، أخرجه من طريقه النسائي (٩٩٧٧) عن الحارث بن عبد الرحمن ابن أبي ذُباب، قال: حدثني سعيد المقبري ويزيد بن هرمز، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مختصرًا - قال: "خلق الله آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له، فجلس فعطس … " فذكر قصة العطاس والتحية فقط. لكنه جاء عند الطبري في "تاريخه" ١/ ١٥٥ بطوله.
[ ١ / ٣٦٨ ]
٢١٦ - حدَّثَناه أبو بكر محمد بن علي الفقيه الشاشيُّ في آخرين، قالوا: حدثنا أبو عَرُوبة، حدثنا مَخلَد بن مالك، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن داود بن أبي هند، عن الشَّعْبي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه (^١).
٢١٧ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا هشام بن علي السَّدوسي، حدثنا سهل بن بكَّار، حدثنا هشام بن أبي عبد الله.
قال: وأخبرنا (^٢) الحسين بن محمد بن زياد، حدثنا محمد بن بشّار ومحمد بن المثنَّى قالا: حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قَتَادة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: أتعجَبُون أن تكون الخُلَّة لإبراهيم، والكلامُ لموسى، والرؤيةُ لمحمدٍ ﷺ (^٣).
_________________
(١) رجاله لا بأس بهم، وسيأتي الكلام على رواية أبي خالد سليمان بن حيان الأحمر لاحقًا. أبو عروبة: هو الحسين بن محمد الحرّاني. وأخرجه النسائي (٩٩٧٧) من طريق آدم بن أبي إياس، عن أبي خالد الأحمر، بهذا الإسناد. مختصرًا بقصة العطاس والتحية، وقال عنه: منكر. وأخرجه الطبري في "تاريخه" ١/ ١٥٥ من طريق أبي خالد الأحمر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، وعن الأعمش عن أبي صالح، وعن داود بن أبي هند عن الشعبي، وعن الحارث بن أبي ذباب عن سعيد المقبري ويزيد بن هرمز، خمستهم عن أبى هريرة، وساق لفظ حديث الحارث بن أبي ذباب السابق عند المصنف، فأوهَمَ أنَّ هذا اللفظ لجميع هؤلاء الرواة عن أبي هريرة، ولم يتابع أبو خالد الأحمر على هذا الجمع لهذه الأسانيد بهذا اللفظ، وفي حفظه شيء كما قال البزار وابن عدي، والظاهر أنه لأجل ذلك قال النسائي عن حديثه هذا: منكر.
(٢) القائل: "وأخبرنا" هو شيخ المصنف أبو بكر بن إسحاق.
(٣) إسناده صحيح. هشام بن أبي عبد الله: هو الدَّستُوائي. وسيأتي عند المصنف برقم (٣١٥١) و(٣٧٨٩) من طريق إسحاق بن إبراهيم - وهو ابن راهويه. عن معاذ بن هشام. وسيأتي برقم (٤١٤١) من طريق عاصم الأحول عن عكرمة مرفوعًا دون ذكر الرؤية، ولا يصح رفعُه كما سنبيّنه هناك. الخُلَّة: الصداقة والمحبّة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" ٦/ ٥٠٩ - ٥١٠: وأما الرؤية فالذي =
[ ١ / ٣٦٩ ]
هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يُخرجاه.
وله شاهدٌ صحيح عن ابن عباس في الرُّؤية:
٢١٨ - أخبرّناه أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه وأبو الحسن علي بن محمد الشَّرعاوَشُوني البخاريَّانِ ببُخارى، قالا: حدثنا صالح بن محمد بن حَبيب الحافظ، حدثنا محمد بن الصَّبَّاح.
_________________
(١) = ثبت في "الصحيح" [هو في "صحيح مسلم" (١٧٦) (٢٨٥)] عن ابن عباس أنه قال: "رأى محمدٌ ربه بفؤاده مرتين"، وعائشة أنكرت الرؤية، فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد. والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة، أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: رأى محمدٌ ربه، وتارة يقول: رآه محمد، ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك الإمام أحمد، تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده، ولم يقل أحد أنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق، ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس، ففهم منه رؤية العين. وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، كما في "صحيح مسلم" (١٧٨) عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ فقال: "نور، أنَّى أراه". وقد قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى. وكذلك قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى. وفي "الصحيحين" عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾، قال: هي رؤيا عين أُريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، وهذه رؤيا الآيات، لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم بأنه رأى ربه بعينه وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه. وقد ثبت بالنصوص نازع فيه بعضُهم من رؤية نبينا محمد ﷺ، خاصةً، واتفقوا على أن المؤمنين يرون الله يوم الصحيحة واتفاق سلف الأمة: أنه لا يرى الله أحدٌ في الدنيا بعينه، إلَّا ما القيامة عيانًا كما يرون الشمس والقمر.
[ ١ / ٣٧٠ ]
وحدثنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثَّقَفي، حدثنا أحمد بن يحيى الحُلْواني، حدثنا محمد بن الصَّبَّاح الدُّولابي، حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم، عن الشَّعْبي وعكرمة، عن ابن عباس، قال: رأي محمدٌ ﷺ ربَّه (^١).
وله شاهدٌ ثالث صحيح الإسناد:
٢١٩ - أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمرو، حدثنا سعيد بن مسعود، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس قال: قد رأى محمد ﷺ ربَّه (^٢).
٢٢٠ - أخبرناه أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي، حدثنا إسحاق بن الحسن، حدثنا أبو حُذيفة، حدثنا سفيان، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: رآه مرَّتين (^٣).
_________________
(١) إسناده قوي. عاصم: هو ابن سليمان الأحول، والشعبي: هو عامر بن شراحيل. وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (٤٣٥)، وابن خزيمة في "التوحيد" ١/ ٤٨٦ و٤٨٧، وابن منده في "الإيمان" (٧٦٠) من طرق عن محمد بن الصباح، بهذا الإسناد. ووقع في المطبوع من ابن أبي عاصم وابن خزيمة: الشعبي عن عكرمة، وهو خطأ في هذا الإسناد. وأخرجه عبد الله بن أحمد في "السنة" (١٠٤٤) عن محمد بن بكار، عن إسماعيل بن زكريا، به. وسيأتي بنحوه برقم (٣٢٧٣) من طريق عكرمة عن ابن عباس. وانظر الحديث (٢٥٨٠) من "مسند أحمد"، وهو من طريق عكرمة عن ابن عباس أيضًا.
(٢) إسناده حسن. وأخرجه ابن حبان (٥٧) من طريق أحمد بن سنان القطان، عن يزيد بن هارون، بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي (٣٢٨٠) من طريق يحيى بن سعيد الأُموي، عن محمد بن عمرو، به.
(٣) إسناده حسن من أجل أبي حذيفة: وهو موسى بن مسعود النَّهدي. إسحاق بن الحسن: هو الحَرْبي، وسفيان: هو الثوري، وعطاء: هو ابن أبي رباح. وأخرجه ابن منده في "الإيمان" (٧٥٩)، واللالكائي في "أصول الاعتقاد" (٩١٢) من طريقين عن سفيان الثوري، بهذا الإسناد. وفي أحد الطريقين عنه: راه بفؤاده مرتين. =
[ ١ / ٣٧١ ]
قد اعتمد (^١) الشيخان في هذا الباب أخبار عائشة بنت الصِّدّيق وأُبيِّ بن كعب وعبد الله بن مسعود وأبي ذر: أنَّ رسول الله ﷺ رأى جبريلَ ﵇ (^٢).
وهذه الأخبار التي ذكرتها صحيحةٌ كلها، والله أعلم.
٢٢١ - حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرازي، حدثنا أبو زُرْعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازيُّ.
وحدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ إملاءً، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن أيوب المُخرِّمي.
وأخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد الصَّيرَفي بمَرْو، حدثنا أبو الموجِّه محمد بن عمرو الفَزَاري، قالوا: حدثنا سعيد بن محمد الجَرْمي، حدثنا عبد الواحد بن واصل، حدثنا محمد بن ثابت البُناني، عن عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن نَوفَل، عن أبيه، عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله ﷺ: "للأنبياء منابرُ من ذهبٍ" قال: "فيجلسون عليها ويبقى مِنبَري لا أجلسُ عليه -أو لا أقعدُ عليه- قائمًا بين يَدَيْ ربي مَخافة أن يَبعَثَ بي إلى الجنة وتبقى أُمتي من بعدي، فأقول: يا ربِّ، أُمَّتِي
_________________
(١) = وأخرجه عبد الله بن أحمد في "السنة" (١١٣٨) من طريق موسى بن طارق، عن ابن جريج، به. وصرَّح ابن جريج فيه بالسماع من عطاء. وأخرجه أحمد ٣/ (١٩٥٦)، ومسلم (١٧٦) و(٢٨٥) و(٢٨٦) من طريق أبي العالية، عن ابن عباس - عند أحمد: بقلبه، وعند مسلم: بفؤاده.
(٢) في النسخ الخطية: اعتمده، والصواب بحذف الهاء، كذلك هو في "تلخيص المستدرك" للذهبي.
(٣) حديث عائشة عند البخاري برقم (٣٢٣٤) و(٤٨٥٥) ومسلم (١٧٧)، وحديث ابن مسعود عند البخاري برقم (٣٢٣٢) ومسلم (١٧٤)، وحديث أبي ذر لعلّه يريد ما أخرجه مسلم (١٧٨) عنه: أنه سأل رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ فقال: "نورٌ أنَّى أراه"، وأما حديث أُبي بن كعب فلم نقف عليه. وفاته أن يذكر حديث أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال: رأى جبريل، وهو عند مسلم برقم (١٧٥).
[ ١ / ٣٧٢ ]
أُمَّتي، فيقول الله ﷿: يا محمدُ، ما تريدُ أن أصنَعَ بِأُمُّتِك؟ فأقول: يا ربِّ، عَجِّلْ حسابهم، فيُدعى بهم فيُحاسبون، فمنهم من يدخلُ الجنةَ برحمة الله، ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي، فما أزالُ أشفَعُ حتى أُعطَى صِكَاكًا برجالٍ قد بُعِثَ بهم إلى النار، و[يأتي] مالكٌ (^١) خازنُ النار، فيقول: يا محمدُ، ما تركت للنار لغَضَبِ ربّك في أمَّتِك من بقيَّةٍ" (^٢).
هذا حديث صحيح الإسناد، غير أنَّ الشيخين لم يحتجَّا بمحمد بن ثابت البُنَاني، وهو قليل الحديث يجمع حديثه، والحديث غريبٌ في أخبار الشفاعة، ولم يُخرجاه.
٢٢٢ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا بحر بن نصر بن سابق الخَولاني، حدثنا بشر بن بكر، حدثني ابن جابر قال: سمعت سُليم بن عامر يقول: سمعت عوف بن مالك الأشجعيَّ يقول: نَزَلْنا مع رسول الله ﷺ منزلًا فاستيقظتُ من الليل، فإذا لا أرى شيئًا أطول من مُؤخرة رَحْلي، قد لَصِقَ كلُّ إنسان وبعيرُه بالأرض، فقمتُ أتخلَّلُ الناس حتى دفعتُ إلى مضجع رسول الله ﷺ، فإذا هو ليس فيه، فوضعتُ يدي على الفراش فإذا هو باردٌ، فخرجتُ أتخلَّلُ الناس وأقول: إنا لله وإنا إليه راجعون،
_________________
(١) في المطبوع وآتى مالكًا، ومالك في (ز) و(ص) مرفوع لا منصوب، إلّا أنه سقط منهما لفظ "يأتي"، ومكانه في (ز) بياض، فاجتهدنا بإثباته، والله تعالى أعلم، وفي مصادر التخريج: حتى إنَّ مالكًا خازن النار ليقول …
(٢) إسناده ضعيف لضعف محمد بن ثابت البناني، وقال الذهبي في "تلخيص المستدرك": محمد ضعَّفه غير واحد والحديث منكر. وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ٢/ ٥٩٨ - ٥٩٩ عن أبي زرعة الرازي، بهذا الإسناد. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١٠٧٧١)، و"الأوسط" (٢٩٣٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٤/ ٩٥ من طريق إبراهيم بن عبد الله بن أيوب المخرِّمي به - وإبراهيم المخرمي هذا ليس بثقة كما قال الدارقطني، ولكنه متابع وعلّة الإسناد في غيره. وأخرجه ابن أبي الدنيا في "حسن الظن بالله" (٦١) عن سعيد بن محمد الجرمي، به. وأخرجه أبو القاسم بن بشران في "أماليه" (٥٠٤) من طريق أبي قَبيصة محمد بن عبد الرحمن، عن سعيد الجرمي، به.
[ ١ / ٣٧٣ ]
ذُهِبَ برسول الله ﷺ، حتى خرجتُ من العسكر كلِّه، فنظرتُ سَوَادًا فمضيتُ فرميتُ بحجر فمضيتُ إلى السواد، فإذا معاذُ بن جبل وأبو عُبيدة بن الجرَّاح وإذا بين أيدينا صوت كدَوِيِّ الرَّحَا أو كصوت القصباء (^١) حين يصيبها الريح، فقال بعضنا لبعض: يا قوم اثبتُوا حتى تُصبحوا أو يأتيكم رسول الله ﷺ، فَلَبِثْنا ما شاء الله ثم نادى: "أَثَمَّ معاذُ بن جبلٍ وأبو عُبيدة وعوفُ بن مالك؟ " فقلنا: نعم، فأقبل إلينا، فخَرَجْنا لا نسألُه عن شيء ولا يُخبِرُنا حتى قَعَدَ على فراشه فقال: "أتدري ما خيّرني به ربي الليلة؟ " فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنَّه خيَّرني بين أن يُدخِلَ نصفَ أُمتي الجنةَ وبين الشفاعةِ، فاخترتُ الشفاعةَ" فقلنا: يا رسول الله، ادعُ اللهَ أن يجعلنا من أهلها، قال: "هي لكلِّ مُسلِمٍ" (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتجَّ بسُليم بن عامر، وأما سائرُ رواته فمتَّفَقٌ عليهم، ولم يُخرجاه.
وقد رواه سعيد بن أبي عَرُوبة وهشام بن سَنبَر، عن قتادة، عن أبي المليح، عن عوف بن مالك.
أما حديث سعيد:
٢٢٣ - فحدَّثَناه الحسن بن يعقوب العَدل، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا سعيد.
قال (^٣): وحدثنا الحسين بن محمد بن زياد، حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادة، أنَّ أبا المَلِيح الهُذَلي
_________________
(١) في النسخ الخطية: الهضباء، ولا معنى لها هنا، والصواب ما أثبتناه، وقد سلف على الصواب في الحديث رقم (٣٦).
(٢) إسناده صحيح. وقد سلف برقم (٣٦).
(٣) القائل هو الحسن بن يعقوب العدل شيخ المصنف، فإنَّ الحسين بن محمد بن زياد -وهو القبّاني- من شيوخه.
[ ١ / ٣٧٤ ]
حدَّثهم، أنَّ عوف بن مالك قال: كنَّا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفارِه، فذكر الحديث (^١).
وأما حديث هشام الدَّستُوائي (^٢):
٢٢٤ - فحدَّثَناه أبو زكريا العَنبَري وعلي بن عيسى بن إبراهيم قالا: حدثنا إبراهيم ابن أبي طالب، حدثنا محمد بن المثنَّى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قَتَادة، عن أبي المليح، عن عوف بن مالك قال: كنَّا مع النبي ﷺ، فذكر الحديث بطوله (^٣).
حديث قتادة هذا حديث صحيح على شرطهما، ولم يُخرجاه.
وقد روى هذا الحديث أبو قِلابة عبدُ الله بن زيد الجَرمي عن عوف بن مالك:
٢٢٥ - أخبرني الحسين بن علي بن محمد بن يحيى التميمي، حدثنا محمد بن المسيَّب، حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن خالد الحذَّاء، عن أبي قلابة، عن عوف بن مالك، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بعض مَغازيه، فانتهينا ذات ليلةٍ فلم نَرَ رسول الله ﷺ في مكانه، وإذا أصحابُنا [كأنَّ على رؤوسهم الصخرَ] (^٤)
_________________
(١) إسناده صحيح. وأخرجه الترمذي مختصرًا (٢٤٤١) عن هناد بن السريِّ، عن عبدة بن سليمان، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٣٩/ (٢٤٠٠٣) عن محمد بن بكر البُرساني، عن سعيد بن أبي عروبة، به. وأخرجه أحمد أيضًا (٢٤٠٠٢)، وابن حبان (٢١١) و(٦٤٦٣) و(٦٤٧٠) من طريق أبي عوانة، وأحمد (٢٤٠٠٩) من طريق شيبان النحوي، كلاهما عن قتادة، به.
(٢) وهو هشام بن أبي عبد الله سَنبَر الدَّستوائي.
(٣) إسناده صحيح. وأخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" ٢/ ٦٤٢ عن أبي موسى - وهو محمد بن المثنى - بهذا الإسناد. وانظر ما قبله.
(٤) ما بين المعقوفين ليس في (ص) و(ب)، وهذا الحديث وما بعده إلى حديث (٢٢٧) في ورقة فقدت من النسخة (ز)، وقد أثبتنا هذه الزيادة من رواية إسحاق بن شاهين -وهو أبو بشر الواسطي- عند الروياني في "مسنده" (٦٠٠)، وابن خزيمة في "التوحيد" ١/ ٣٩٣ - ٣٩٤، وفي المطبوع من "البعث" لابن أبي داود (٤٣) في روايته: "كأنَّ على رؤوسهم الطير"، وهي كذلك في =
[ ١ / ٣٧٥ ]
وإذا الإبلُ قد وَضَعَت جرانها، فإذا أنا بخيالٍ، فإذا معاذُ بن جبل، فتصدَّى لى وتصدَّيتُ له، فقلت: أين رسول الله ﷺ؟ قال: وَرَائي، وذكر الحديث (^١).
وهذا صحيح من حديث أبي قلابة على شرط الشيخين.
وقد رُوِيَ هذا الحديث عن أبي موسى الأشعري عن عوف بن مالك بإسنادٍ صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه:
٢٢٦ - حدَّثناه أبو علي الحسين بن علي الحافظ، أخبرنا الحسين بن عبد الله بن يزيد القَطَّان الرَّقّي بالرَّقّة، حدثنا عبد الرحمن بن حماد أبو بكر الواسطي، حدثنا خالد بن عبد الله بن خالد الواسطي، عن حُميد بن هلال (^٢)، عن أبي بُردة، عن أبي موسى (^٣)، عن عوف بن مالك: أنهم كانوا مع النبي ﷺ في بعض مغازيه، قال عوف: فسمعتُ خَلْفي هَزِيزًا كَهَزيزِ الرَّحَى، فإذا أنا بالنبي ﷺ، فقلت: إنَّ النبي ﷺ إذا كان في أرض العدوِّ كان عليه الحرسُ، فقال رسول الله ﷺ: "أتاني آتٍ من ربي يخيِّرني بين أن يُدخِلَ شَطْرَ أُمَّتي الجنة وبين الشفاعةِ، فاخترتُ الشفاعة"، فقال معاذ بن جبل:
_________________
(١) = رواية وهب بن بقية عن خالد بن عبد الله الواسطي عند ابن حبان (٧٢٠٧)، وأما رواية وهب عند ابن أبي عاصم في "السنة" (٨١٩) ففيها: "كأنَّ على رؤوسهم الصخرة"، وفي رواية عمرو بن عون عن خالد الواسطي عند الطبراني في "الكبير" ١٨/ (١٣٣): "كأنَّ على رؤوسهم الصخور".
(٢) إسناده صحيح. أبو قلابة: هو عبد الله بن زيد الجرمي. وانظر تخريج الحديث في التعليق السابق. والجران: مقدَّم عنق البعير من مذبحه إلى منحره، فإذا برك البعير ومدَّ عنقه على الأرض قيل: ألقى جرانه بالأرض.
(٣) هكذا في نسخ "المستدرك"، وكذا هو في "إتحاف المهرة" للحافظ ابن حجر (١٦٠٥١) معزوًّا للحاكم لكن بإسقاط "بن خالد" من اسم خالد بن عبد الله، وكل هذا خطأ، والصواب أنه من رواية خالد بن عبد الله الواسطي عن خالد الحذّاء البصري عن حميد بن هلال كما سبق في مصادر التخريج في الحديث السابق.
(٤) هكذا وقع للمصنف، وكذلك هو عند ابن خزيمة وابن حبان، وعند غيرهم: عن أبي بردة ابن أبي موسى عن عوف، أي: أنه من رواية أبي بردة عن عوف، وهو الصواب.
[ ١ / ٣٧٦ ]
يا رسول الله، قد عرفتَ قِوَائي فاجعَلْني منهم، قال: "أنت منهم"، قال عوف بن مالك: يا رسول الله، قد عرفت أنا تَرَكْنا قومَنا وأموالنا رَغَبًا لله ولرسوله، فاجعَلْنا منهم، قال: "أنت منهم"، فانتهينا إلى القوم وقد ثارُوا، فقال النبي ﷺ: "اقعُدُوا" فقعدوا، كأنه لم يَقُمْ أحد منهم، قال: "أتاني آتٍ من ربي فخيَّرني بين أن يُدخِلَ شطرَ أمَّتي الجنة وبين الشفاعةِ، فاخترتُ الشفاعة" فقالوا: يا رسول الله، اجعلنا منهم، فقال: "هي لمن مات لا يُشرِكُ بالله شيئًا" (^١).
٢٢٧ - حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن الحسن، أخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا علي بن هاشم بن البريد، حدثنا عبد الجبار ابن العباس الشِّبامي (^٢)، عن عَوْن بن أبي جُحَيفة السُّوَائي، عن عبد الرحمن بن عَلْقمة الثقفي، عن عبد الرحمن بن أبي عَقِيل الثقفي قال: قَدِمتُ على رسول الله ﷺ في وفد ثقيفٍ، فعَلِقْنا طريقًا من طرق المدينة حتى أنخنا بالباب، وما في الناس رجلٌ أبغض إلينا من رجل نَلِجُ عليه منه، فدخلنا وسلَّمنا وبايعنا، فما خرجنا من عنده حتى ما في الناس رجلٌ أحبَّ إلينا من رجلٍ خرجنا من عنده، فقلت: يا رسول الله، ألا سألت ربَّك مُلكًا كمُلك سليمان؟ فضحك وقال: "لعلَّ لصاحبكم عند الله أفضل من مُلك سليمان، إنَّ الله لم يبعث نبيًا إلا أعطاه دعوةٌ، فمنهم من اتخذ بها دنيا فأُعطيها، ومنهم من دعا بها على قومه فأُهلِكُوا بها، وإنَّ الله أعطاني دعوةً فاختبأتُها عند ربي شفاعةً لأمَّتي يوم القيامة" (^٣).
_________________
(١) حديث صحيح ورجاله ثقات. وانظر تخريجه في الحديث السابق، فإنَّ في مصادر تخريجه الإسنادين جميعًا. وانظر أيضًا تخريج الحديث (٢٣٩٧٧) من "مسند أحمد"، حيث رواه من طريق أبي المليح عن أبي بردة عن عوف بن مالك.
(٢) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: الشامي، والصواب ما أثبتنا كما في مصادر ترجمته، وشِبَام: جبل باليمن قريب من صنعاء.
(٣) إسناده حسن. علي بن عبد العزيز: هو أبو الحسن البغوي. =
[ ١ / ٣٧٧ ]
وقد احتجَّ مسلم بعليِّ بن هاشم، وعبدُ الرحمن بن أبي عقيل الثقفي صحابيٌّ قد احتَجَّ به أئمتُنا في مسانيدهم، فأمّا عبد الجبار بن العباس فإنه ممَّن يُجمَع حديثُه وتُعَدُّ مسانيدُه في الكوفيين (^١).
٢٢٨ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني. وحدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفّار، حدثنا أحمد بن مهدي الأصبهاني. وأخبرني أبو محمد أحمد بن عبد الله المُزني، حدثنا علي بن محمد بن عيسى، قالوا: حدثنا أبو اليَمَان الحَكَم بن نافع البَهْراني، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزُّهري، حدثنا أنس بن مالك، عن أم حَبيبة، عن النبي ﷺ أنه قال: "أُريتُ ما تلقى
_________________
(١) = وأخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" ٢/ ٦٤٩ - ٦٥٠ عن محمد بن عثمان بن أبي صفوان، عن سليمان بن داود، بهذا الإسناد. وأخرجه أيضًا من طريق محمد بن إسماعيل الأنصاري، عن علي بن هاشم بن البريد، به. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (١١٣٤ - بغية الباحث)، ومن طريقه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٤٦٤٩) عن عبد العزيز بن أبان، عن عبد الجبار بن العباس، به. وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" ٨/ ١٦٣، وابن أبي شيبة في "مسنده" (٦٤٢) و"مصنفه" ١١/ ٤٨٢، وابن شبّة في "تاريخ المدينة" ٢/ ٥١٢ - ٥١٣، ويعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٦٠٠)، وفي "السنة" (٨٢٤)، والبزار (٣٤٥٩ - كشف الأستار)، والدولابي في "الكنى والأسماء" (٩١٤)، وأبو القاسم البغوي في "معجم الصحابة" (١٩٢٣)، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٤٣٦)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٣٩٦٨)، وابن قانع في "معجم الصحابة" ٢/ ١٧٠ - ١٧١، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٤٦٤٩)، والبيهقي في "دلائل النبوة" ٥/ ٣٥٨، والخطيب البغدادي في "المتفق والمفترق" (٩٣٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣٥/ ٤٤ من طريق أبي خالد الدالاني الأسدي، عن عون بن أبي جحيفة، به. وأبو خالد الأسدي صدوق حسن الحديث.
(٢) قال الذهبي في "تلخيصه" متعقبًا الحاكم في كلامه على عبد الجبار: قوّاه بعضهم وكذَّبه أبو نعيم الملائي، وليس الحديث بثابت. انتهى كذا قال هنا، وهو غلوٌّ منه ﵀، وذكر هو الحديث مرة أخرى في كتابه "إثبات الشفاعة" (٦٤) من طريق أبي خالد الأسدي وقال فيه: إسناده مقارب؛ يعني أنه قابل للتحسين.
[ ١ / ٣٧٨ ]
أمَّتي بعدي وسَفْكَ بعضهم دماءَ بعضٍ، وسَبَقَ ذلك من الله كما سَبَقَ في الأُمم قبلهم، فسألتُه أن يُولِيَني يوم القيامة شفاعةً فيهم، ففعل" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، والعِلَّة عندهما فيه أنَّ أبا اليَمَان حدَّث به مرتين، فقال مرةً: عن شعيب عن الزُّهري عن أنس، وقال مرةً: عن شعيب عن ابن أبي حُسَين عن أنس. وقد قدَّمنا القولَ في مثل هذا: أنه لا يُنكر أن يكون الحديثُ عند إمام من الأئمة عن شيخين، فمرةً يحدِّث به عن هذا ومرةً عن ذاك.
وقد حدَّثني أبو الحسن عليُّ بن محمد بن عمر، حدثنا يحيى بن محمد بن صاعدٍ، حدثنا إبراهيم بن هانئ النيسابوري قال: قال لنا أبو اليَمَان: الحديثُ حديثُ الزُّهري، والذي حدَّثتُكم عن ابن أبي حُسين غَلِطتُ فيه بورقةٍ قلبتُها.
قال الحاكم: هذا كالأخذِ باليد، فإنّ إبراهيم بن هانئ ثقةٌ مأمونٌ (^٢).
٢٢٩ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الحميد الصنعاني بمكة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد، أخبرنا عبد الرزاق.
وحدثنا علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري وأبو بكر بن زَنجَوَيهِ وأبو بكر بن عَسكَر وإسحاق بن رُزيق، قالوا: حدثنا عبد الرزاق.
_________________
(١) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد ٤٥ / (٢٧٤١٠) عن أبي اليمان، بهذا الإسناد.
(٢) وتابع إبراهيم بن هانئ على هذا المعنى يحيى بنُ معين، فقد روى ابن عساكر في "تاريخه" ١٥/ ٧٢ - ٧٣ بسند قوي عن جعفر بن محمد بن أبان الحرّاني أنه سأل يحيى بن معين عن هذا الحديث فقال يحيى: أنا سألت أبا اليمان فقال: الحديث حديث الزهري، فمن كتبه عني من حديث الزهري فقد أصاب، ومن كتبه عني من حديث ابن أبي حسين فهو خطأ، إنما كتبته في آخر حديث ابن أبي حسين فغلطتُ فحدَّثتُ به من حديث ابن أبي حسين، وهو صحيح من حديث الزهري، هكذا قال يحيى.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وحدثنا عليٌّ، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا أحمد بن يوسف السُّلَمي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعمَر، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "شفاعتي لأهلِ الكبائرِ من أمَّتي" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ، إنما خرَّجا حديث قَتَادة عن أنس بطوله (^٢)، ومن تَوهَّم أنَّ هذه لفظة من الحديث (^٣) فقد وَهِم، فإنَّ هذه شفاعة فيها قَمْعُ المبتدِعة المفرِّقة بين الشفاعة لأهل الصغائر والكبائر.
وله شاهدٌ بهذا اللفظ عن قتادة وأشعثَ بن جابر الحُدَّاني.
أما حديث قتادة:
٢٣٠ - فحدثنا علي بن حَمْشاذ العَدْل، حدثنا الحسن بن سهل بن عبد العزيز المجوِّز والعباس بن الفضل الأَسفاطي، قالا: حدثنا الخليل بن عُمَر بن إبراهيم، حدثنا عمر بن سعيد الأبَحُّ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "الشَّفاعةُ لأهلِ الكبائرِ من أمَّتي" (^٤).
وأما حديث أشعث بن جابر:
_________________
(١) إسناده صحيح. وأخرجه الترمذي (٢٤٣٥)، وابن حبان (٦٤٦٨) من طرق عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وانظر الحديثين التاليين.
(٢) هو عند البخاري برقم (٤٤٧٦)، ومسلم برقم (١٩٣) (٣٢٢).
(٣) أي: حديث قتادة عن أنس عندهما.
(٤) حديث صحيح بما قبله وما بعده، وهذا إسناد ضعيف، عمر بن سعيد الأبح قال البخاري في "تاريخه" ٦/ ١٤٣: منكر الحديث، وقال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" ٦/ ١١١: ليس بقوي. وأخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" ٢/ ٦٥٣ عن محمد بن يحيى ويحيى بن محمد بن السكن، عن الخليل بن عُمر، بهذا الإسناد. وتحرَّف في المطبوع منه إلى: الخليل بن عَمْرو، وكلاهما صدوق من رجال "التقريب" إلّا أنَّ الذي روى عن عمر الأبح هو الخليل بن عُمَر.
[ ١ / ٣٨٠ ]
٢٣١ - فأخبرَناه أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا إسماعيل بن إسحاق القاضي وأبو المثنَّى العَنبَري قالا: حدثنا سليمان بن حَرْب، حدثنا بِسطامُ بن حُرَيث، عن أشعثَ الحُدَّاني، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "شفاعتي لأهلِ الكبائرِ من أمَّتي" (^١).
وله شاهد صحيح على شرط مسلم:
٢٣٢ - حدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عيسى التِّنِّيسي، حدثنا عمرو بن أبي سَلَمة، حدثنا زهير بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "شفاعتي لأهل الكبائرِ من أمَّتي" (^٢).
قد احتجَّا جميعًا بزهير بن محمد العَنبَري، وقد تابعه محمدُ بن ثابت البُنَاني عن جعفر:
٢٣٣ - حدَّثَناه أبو علي الحسين بن علي الحافظ، أخبرنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثنا محمد بن بشَّار وإسحاق بن منصور قالا: حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن ثابت البُنَاني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أنَّ النبي ﷺ قال: "شفاعتي لأهلِ الكبائرِ من أمَّتي".
قال أبو جعفر: وقال لي جابر: يا محمدُ، مَن لم يكن من أهل الكبائر، فما له وللشفاعةِ (^٣).
_________________
(١) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد ٢٠/ (١٣٢٢٢)، وأبو داود (٤٧٣٩) عن سليمان بن حرب، بهذا الإسناد.
(٢) حديث صحيح بما قبله، وهذا إسناد ضعيف لضعف أحمد بن عيسى التنيسي، وقد توبع، وعمرو بن أبي سلمة - وإن كان في روايته عن زهير بن محمد كلام - قد توبع أيضًا. وأخرجه ابن حبان (٦٤٦٧) من طريق محمد بن يحيى الذُّهْلي وأحمد بن يوسف السُّلمي - وهما ثقتان - عن عمرو بن أبي سلمة، بهذا الإسناد. وتابع عمرًا الوليدُ بن مسلم عن زهير بن محمد فيما سيأتي عند المصنف برقم (٣٤٨٣). وانظر الحديث التالي.
(٣) صحيح لغيره كما سبق، وهذا إسناد ضعيف لضعف محمد بن ثابت البُنَاني، وقد توبع كما =
[ ١ / ٣٨١ ]
حدثنا الحاكمُ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ إملاءً في رجب سنة ثلاث وتسعين:
٢٣٤ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان، حدثنا يحيى بن بُكَير، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حَبِيب، عن سالم بن أبي سالم، عن معاوية بن مُعتِّب، عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: سألتُ رسولَ الله ﷺ: ماذا ردَّ إليك ربُّك في الشفاعة؟ فقال: "والذي نفسي بيده، لقد ظننتُ أنك أولُ من يسألُني عن ذلك؛ لِمَا رأيتُ من حِرْصِك على العلم، والذي نفسي بيده لَمَا يُهِمُّني من انقصافِهم على باب الجنة، أهمُّ عندي من تمام شفاعتي، وشفاعتي لمن شَهِدَ أن لا إله إلّا الله مخلِصًا، يُصدِّقُ قلبُه لسانَه، ولسانُه قلبَه" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، فإنَّ معاوية بن مُعتِّب مِصْري من التابعين. وقد خرَّج البخاري (^٢) حديث عمرو بن أبي عمرو مولى المطَّلِب، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله، مَن أسعدُ الناسِ بشفاعتك؟ الحديث، بغير هذا اللفظ والمعنى قريبٌ منه.
٢٣٥ - حدثنا يحيى بن منصور القاضي، حدثنا أبو بكر محمد بن النَّضْر بن سَلَمة الجارودي، حدثنا محمود بن غَيْلان، حدثنا المؤمَّل، حدثنا المبارَك بن فَضَالة، حدثنا
_________________
(١) = في الحديث السابق. أبو داود: هو الطيالسي سليمان بن داود. وأخرجه الترمذي (٢٤٣٦) عن محمد بن بشار وحده، بهذا الإسناد. وقال: حديث حسن.
(٢) إسناده قابل للتحسين من أجل معاوية بن معتِّب كما هو مبيَّن في تعليقنا على "مسند أحمد" ١٣/ (٨٠٧٠)، حيث أخرجه عن هاشم بن القاسم وأبي سلمة الخزاعي، عن الليث بن سعد، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن حبان (٦٤٦٦) من طريق عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، به. وأخرجه مختصرًا أحمد ١٦/ (١٠٧١٣) من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معاوية بن معتب، به - فأسقط من الإسناد سالم بن أبي سالم، والصواب إثباته.
(٣) في "صحيحه" برقم (٩٩) و(٦٥٧٠).
[ ١ / ٣٨٢ ]
عبيد الله بن أبي بكر، عن جدِّه أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله ﷿: أَخرِجوا من النار من قال: لا إله إلّا الله وفي قلبه مِثقالُ ذَرَّةٍ من الإيمان، أَخرِجوا من النار من قال: لا إله إلّا الله، وفي قلبه مِثقالُ بُرَّة من الإيمان، أخرِجوا من النار من قال: لا إله إلّا الله، أو ذَكَرَني أو خافَني في مَقَامٍ" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجا قوله: "من ذكرني أو خافني في مقام" (^٢).
وقد تابع أبو داود مؤمَّلًا على روايته واختصره:
٢٣٦ - أخبرَناه أبو محمد يحيى بن منصور، حدثنا أبو بكر الجارُودي، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا أبو داود، حدثنا مُبَارك بن فَضَالة، عن عُبيد الله بن أبي بكر، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله (^٣): أَخرِجوا من النار مَن ذَكَرَني أو خافَني في مَقامٍ" (^٤).
٢٣٧ - أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السَّمّاك ببغداد، حدثنا علي بن إبراهيم الواسطي، حدثنا وَهْب بن جَرير، حدثنا شعبة.
وأخبرنا عبد الرحمن بن الحسن القاضي، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا آدم بن
_________________
(١) إسناده حسن، مؤمَّل - وهو ابن إسماعيل - وإن كان في حفظه شيء قد توبع كما في الحديث التالي. وله شاهد بنحوه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي القاسم الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة" (٣٠٠)، وإسناده حسن.
(٢) يعني في حديث الشفاعة، فقد أخرجاه مطولًا: البخاري برقم (٧٥١٠)، ومسلم برقم (١٩٣) (٣٢٦)، كلاهما من حديث معبد بن هلال العنزي عن أنس.
(٣) قوله: "يقول الله" لم يرد في (ز) و(ص)، وأثبتناه من "تلخيص المستدرك" للذهبي.
(٤) إسناده حسن، وقد صرَّح مبارك بن فضالة بالتحديث في رواية القاسم بن بشر عن أبي داود - وهو سليمان بن داود الطيالسي - عند اللالكائي في "أصول الاعتقاد" (٢٠٦٧). وأخرجه الترمذي (٢٥٩٤) عن محمد بن رافع، عن أبي داود الطيالسي، بهذا الإسناد. وقال: حديث حسن.
[ ١ / ٣٨٣ ]
أبي إياس، حدثنا شعبة (^١)، حدثنا خالد، عن عبد الله بن شَقيق، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له: ابن أبي الجَدْعاء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليَدخُلَنَّ الجنةَ بشفاعةِ رجلٍ من أمَّتي أكثرُ من بني تَميمٍ" (^٢).
هذا عبد الله بن أبي الجَدْعاء صحابيٌّ مشهور، مخرَّجٌ ذِكرُه في المسانيد، وهو من ساكني مكة من الصحابة.
٢٣٨ - حدثنا بصحَّة ما ذكرتُه أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا أبو المثنَّى، حدثنا مُسدَّد، حدثنا بِشْر بن المفضَّل، حدثنا خالد، عن عبد الله بن شَقيق قال: جلستُ إلى قوم أنا رابعُهم، فقال أحدهم: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ليَدخُلَنَّ الجنةَ بشفاعةِ رجلٍ من أمتي أكثرُ من بني تَميمٍ" قال: قلنا: سِواكَ يا رسول الله؟ قال: "سِوايَ".
قلت: أنت سمعتَه من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، فلمّا قام قلتُ: مَن هذا؟ قالوا: هذا ابنُ أبي الجَدْعاء (^٣).
هذا حديث صحيح قد احتجَّا برُواتِه، وعبدُ الله بن شقيق تابعيٌّ محتَجٌّ به، وإنما تَرَكاه لما قدَّمنا ذِكرَه من تفرُّد التابعي عن الصحابي (^٤).
_________________
(١) من قوله: "وأخبرنا عبد الرحمن" إلى هنا سقط من (ب). وإبراهيم بن الحسين هذا: هو المشهور بابن دِيزيل، حافظ ثقة.
(٢) إسناده صحيح، وعبد الرحمن بن الحسن في أحد إسناديه - وإن كان ضعيفًا - متابَع هنا. خالد: هو ابن مِهران الحذّاء. وأخرجه أحمد ٣٨/ (٢٣١٠٥) عن محمد بن جعفر، عن شعبة، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٢٥/ (١٥٨٥٧) و(١٥٨٥٨)، وابن ماجه (٤٣١٦)، والترمذي (٢٤٣٨) من طريقين عن خالد الحذاء، به. وانظر ما بعده.
(٣) إسناده صحيح. وأخرجه ابن حبان (٧٣٧٦) من طريق نصر بن علي الجهضمي، عن بشر بن المفضل، بهذا الإسناد. وانظر ما قبله، وسيأتي برقم (٥٨٣٤).
(٤) تقدَّم تعقيبنا على قوله هذا عند الحديث رقم (٩٧).
[ ١ / ٣٨٤ ]
٢٣٩ - أخبرنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب العَدْل وأبو عمرو محمد بن جعفر الزاهد قالا: حدثنا إبراهيم بن علي، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عبد الله بن قيس الأَسَدي، عن الحارث بن أُقَيْش قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مُسلمَينِ يقدِّمانِ ثلاثةً لم يَبلُغوا الحِنْثَ، إلّا أدخَلَهما الله الجنةَ بفضلِ رحمتِه إياهما" قالوا: يا رسول الله، وذو الاثنين؟ قال: "وذو الاثنين".
وقال رسول الله ﷺ: "إنَّ من أمَّتي مَن يَدخُل الجنةَ بشفاعته أكثرُ من مُضَرَ، وإنَّ من أمَّتي من سيُعظَّمُ للنار حتى يكونَ إحدى زواياها" (^١).
_________________
(١) صحيح لغيره، وهذا إسناد محتمل للتحسين من أجل عبد الله بن قيس الأسدي، فقد ذكره ابن حبان في "ثقاته" ٥/ ٤٢ وذكر أنه هو الذي روى أيضًا عن ابن مسعود وعنه أبو حرب بن أبي الأسود، وأورد احتمالًا أن يكون هو أيضًا الذي روى عنه ابن عباس وعنه أبو إسحاق السبيعي! لكن لأبعاض هذا الحديث شواهد سيأتي ذكرها. أبو معاوية: هو محمد بن خازم الضرير. وأخرجه أحمد ٢٩/ (١٧٨٥٨) و(١٧٨٥٩) وابنه عبد الله ٣٧/ (٢٢٦٦٥)، وابن ماجه (٤٣٢٣) من طرق عن داود بن أبي هند، بهذا الإسناد - وهو عند أحمد في الموضع الأول وابن ماجه مختصر. وانظر ما بعده وما سيأتي برقم (٨٩٦٧). ولقصة ثواب تقديم الولد شاهدٌ من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عند البخاري (١٢٤٩) و(١٢٥٠)، ومسلم (٢٦٣٣) و(٢٦٣٤). ويشهد لقصة الشفاعة حديث أبي أمامة عند أحمد ٣٦/ (٢٢٢١٥). وآخر من مرسل الحسن البصري سيأتي عند المصنف برقم (٥٨٢٦). وثالث بنحوه من حديث ابن أبي الجدعاء، وهو الحديث السابق عند المصنف. وأما القصة الأخيرة ففي معناها حديث زيد بن أرقم عند أحمد ٣٢/ (١٩٢٦٦) بلفظ: "إنَّ الرجل من أهل النار ليعظم للنار حتى يكون الضِّرس من أضراسه كأُحد"، وإسناده صحيح. وانظر تتمة شواهده بهذا المعنى عند حديث ابن عمر من "مسند أحمد" ٨/ (٤٨٠٠). وأما ما وقع في حديث الحارث بن أقيش هنا من لفظ "من أمتي" وأنه أحد زوايا النار، فلم يرد إلَّا في هذا الخبر، وقد يراد بالأمّة هنا - كما قال ابن خزيمة في "التوحيد" ٢/ ٧٤٤ - مَن قد بُعث النبي ﷺ إليهم فلم يجيبوا إلى ما دعاهم إليه من الإيمان، لا من أمته الذين أجابوه فآمنوا به، وارتكبوا بعض المعاصي. قوله: "لم يبلغوا الحِنث" أي: لم يبلغوا الحُلُم فتكتب عليهم الآثام، والحنث: الذَّنْب.
[ ١ / ٣٨٥ ]
هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، والحارث بن أُقيش مخرَّج حديثه في مسانيد الأئمة، وهو من النَّمَط الذي قدَّمنا ذِكرَه من تفرُّد التابعي الواحد عن رجلٍ من الصحابة.
وهكذا رواه شعبةُ عن داود بن أبي هند:
٢٤٠ - أخبرَناه أبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ، حدثنا الحسن بن علي بن شبيب المَعْمَري، حدثنا المنذر بن الوليد الجارُودِي، حدثني أَبي، حدثنا شُعْبة، عن داود بن أبي هند، عن عبد الله بن قيس، عن الحارث بن أُقيش قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الرجل من أمَّتي لَيدخُلُ الجنةَ، فيَشفَعُ لأكثرَ من مُضَرَ" (^١).
٢٤١ - أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن أيوب الطُّوسي، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الحَنظَلي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرَّقِّي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن الطُّفيل بن أُبيِّ بن كعب، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامةِ كنتُ إمامَ النبيِّين وخطيبَهم وصاحبَ شفاعتِهم، غيرَ فَخْرٍ" (^٢).
٢٤٢ - حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا السَّرِيُّ بن خُزيمة، حدثنا أبو حُذيفة النَّهْدي، حدثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن الطفيل
_________________
(١) إسناده محتمل للتحسين كسابقه.
(٢) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد من أجل عبد الله بن محمد بن عقيل. عبيد الله بن عمرو: هو الأسدي الرَّقِّي. وأخرجه أحمد ٣٥/ (٢١٢٥٨)، وابنه عبد الله في زياداته عليه (٢١٢٥٣)، وابن ماجه (٤٣١٤) من طرق عن عبيد الله بن عمرو الرقي، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (٢١٢٤٩)، وابنه عبد الله (٢١٢٥٦) من طريق شريك النخعي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، به. وانظر ما بعده. ويشهد له غير ما حديث، انظر هذه الشواهد عند هذا الحديث في "المسند" ٣٥/ (٢١٢٤٥)، وعند حديث أبو هريرة فيه ١٥/ (٩٦٢٣).
[ ١ / ٣٨٦ ]
ابن أُبي بن كعب، عن أبيه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا كان يومُ القيامةِ كنتُ إمامَ النبيِّينَ وخطيبَهم وصاحبَ شفاعتِهم، غيرَ فَخْرٍ" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه لتفرُّد عبد الله بن محمد بن عَقيل بن أبي طالب، ولمَا نُسِبَ إليه من سوء الحفظ، وهو عند المتقدِّمين من أئمَّتنا ثقةٌ مأمونٌ! (^٢).
٢٤٣ - أخبرنا الحسن بن يعقوب بن يوسف العَدْل، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا سعيد، عن قَتَادة، عن مسلم بن يَسَار، عن حُمْران بن أبَان، عن عثمان بن عفّان، عن عمر بن الخطّاب قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إني لَأعلمُ كلمةً لا يقولُها عبدٌ حقًّا من قلبِه فيموتُ على ذلك، إلّا حُرِّم على النار: لا إلهَ إلا اللهُ" (^٣).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ ولا بهذا الإسناد، إنما اتَّفقا على حديث محمود بن الرَّبيع عن عِتْبان بن مالكٍ الحديثَ الطويلَ، في آخره: "وإنَّ الله قد حرَّم على النار من قال: لا إله إلَّا الله" (^٤).
_________________
(١) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد كسابقه. أبو حذيفة النهدي: هو موسى بن مسعود، وزهير بن محمد: هو التميمي الخراساني. وأخرجه أحمد ٣٥/ (٢١٢٤٥)، والترمذي بإثر (٢٦١٣) من طريق أبي عامر العقدي، عن زهير بن محمد، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وسيأتي عند المصنف برقم (٧١٤٥) من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن زهير.
(٢) كذا قال هنا! وفي "سؤالات السِّجزي له" (٧٨) قال فيه: عُمِّر فساء حفظه فحدَّث على التخمين. وقوله هذا أقرب إلى رأي الجمهور فيه.
(٣) إسناده قوي. سعيد: هو ابن أبي عروبة. وأخرجه ابن حبان (٢٠٤) من طريق محمد بن يحيى الأزدي، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفّاف، بهذا الإسناد. وانظر رواية عبد الوهاب الآتية عند المصنف برقم (١٣١٤).
(٤) أخرجه البخاري برقم (٤٢٥)، ومسلم برقم (٦٥٧) (٢٦٣).
[ ١ / ٣٨٧ ]
وقد خرَّجاه أيضًا من حديث شُعْبة، وبِشْر بن المفضَّل، وخالد الحذَّاء (^١)، عن الوليد أبي بِشْر عن حُمْرانَ عن عثمان عن النبي ﷺ: "مَن مات وهو يعلمُ أن لا إله إلا الله، دَخَلَ الجنة"، وليس فيه ذِكرُ عمر.
وله شاهدٌ بهذا الإسناد عن عثمان، ولم يُخرجاه:
٢٤٤ - حدَّثَناه أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه ببغداد، حدثنا الحسن بن مُكْرَم، حدثنا عثمان بن عمر ورَوْح بن عُبادة قالا: حدثنا عِمران بن حُدَير، عن عبد الملك بن عُبيد قال: سمعت حُمْرانَ بن أبَان قال: سمعت عثمانَ بن عفَّان - وكان قليل الحديث عن رسول الله ﷺ (^٢) - عن رسول الله ﷺ قال: "مَن عَلِمَ أنَّ الصلاةَ عليه حقٌّ واجبٌ، دَخَلَ الجنةَ" (^٣).
٢٤٥ - حدثنا مُكرَم بن أحمد القاضي ببغداد، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السُّلَمي، حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال، حدثني أبو بكر بن أبي أُوَيس، عن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن يَسَار الأعرج، أنه سمع سالمَ بن عبد الله بن عمر يحدِّث عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاثةٌ لا يَدخُلون الجنةَ: العاقُّ بوالدَيهِ، والدَّيُّوثُ، ورَجِلَةُ النساءِ" (^٤).
_________________
(١) كذا في النسخ الخطية: وخالد، والصواب: عن خالد الحذاء، فإنَّ شعبة وبشرًا إنما يرويانه عن خالد، فرواية شعبة عند أحمد ١/ (٤٦٤) والنسائي (١٠٨٨٦) و(١٠٨٨٧)، ورواية بشر بن المفضل عند مسلم (٢٦) وابن حبان (٢٠١). ورواه أيضًا إسماعيل ابن عُليَّة عند مسلم (٢٦) عن خالد الحذاء. وقول المصنف: "خرَّجاه أيضًا" يريد الشيخين، ذهولٌ منه.
(٢) قوله: "عن رسول الله ﷺ" من (ز) وحدها.
(٣) إسناده ضعيف لجهالة عبد الملك بن عبيد. وأخرجه عبد الله بن أحمد في زياداته على "المسند" ١/ (٤٢٣) عن عبيد الله بن عمر القواريري، عن عثمان بن عمر وحده، بهذا الإسناد. وانظر في هذا الباب حديث حنظلة الكاتب عند أحمد ٣٠/ (١٨٣٤٥).
(٤) إسناده حسن من أجل عبد الله بن يسار الأعرج. =
[ ١ / ٣٨٨ ]
٢٤٦ - حدَّثَناه أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد، حدثنا ابن أبي أُويس، حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن يَسَار الأعرج، أنه سمع سالمَ بن عبد الله يحدِّث عن أبيه، عن عمر بن الخطاب: أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثةٌ لا يدخلونَ الجنَّةَ: العاقُّ بوالدَيهِ، والدَّيُّوثُ، ورَجِلَةُ النساءِ" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه، والقلبُ إلى رواية أيوب بن سليمان أميَلُ حيث لم يَذكُرْ في إسناده عمرَ.
٢٤٧ - أخبرنا أبو الحُسين عُبيد الله بن أحمد التاجر ببغداد، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السُّلَمي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح.
وأخبرني إبراهيم بن إسماعيل القارئ، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا حَرمَلة بن يحيى، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبَير بن نُفَير، عن أبيه، عن نوَّاس بن سِمْعانَ صاحب النبي ﷺ، عن رسول الله ﷺ قال: "ضَرَبَ اللهُ مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى كَنَفَيِ الصِّراطِ سُوران فيهما أبوابٌ مُفتَّحة، وعلى الأبواب سُتورٌ مُرْخاة، وعلى الصراط داعٍ يدعو يقول: يا أيها الناس، اسلُكوا
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ١٠/ (٦١٨٠)، والنسائي (٢٣٥٤) من طريق عمر بن محمد - وهو ابن زيد العُمَري - عن عبد الله بن يسار، بهذا الإسناد - وجمعا إليه الحديث الآتي عند المصنف برقم (٧٤٢١). الديُّوث: هو الذي لا يغار على أهله. ورَجِلةُ النساء: المترجِّلة، وهي التي تتشبَّه بالرجال في زيِّهم وهيئتهم.
(٢) هذا الحديث سقط من (ب) والمطبوع. وفي إسناده إسماعيل بن أبي أويس، وله أخطاء في أحاديث، وهذا منها، فإنَّ الحديث من مسند عبد الله بن عمر لا من مسند أبيه عمر، وقد خالفه في هذا مَن هو أوثق منه بدرجات، وهو أيوب بن سليمان في الحديث السابق، والقول قول أيوب كما أشار المصنف. وأخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" ٢/ ٨٥٩ عن محمد بن يحيى، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه أبي بكر عبد الحميد، بهذا الإسناد.
[ ١ / ٣٨٩ ]
الصراطَ جميعًا ولا تَعوَجُّوا، وداعٍ يدعو على الصراط، فإذا أراد أحدُكم فتحَ شيءٍ من تلك الأبواب قال: ويلَكَ لا تَفتَحْه، فإنك إنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْه، فالصراطُ: الإسلامُ، والسُّتورُ: حدودُ الله، والأبوابُ المفتَّحة: محارِمُ الله، والداعي الذي على رأسِ الصراط: كتابُ الله، والداعي من فوقُ: واعظُ اللهِ في كل مُسلِم" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولا أعرفُ له عِلَّةً، ولم يُخرجاه.
٢٤٨ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه وعلي بن حَمْشَاذَ العَدْل قالا: أخبرنا عُبيد بن شَرِيك البزَّار، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرني نافع بن يزيد [حدثني جعفر بن ربيعة] (^٢) عن عُبيد الله (^٣) بن عبد الرحمن بن السائب، أنَّ عبد الحميد بن عبد الرحمن بن أَزهَرَ، حدَّثه عن أبيه عبد الرحمن بن أَزهَر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّمَا مَثَلُ العبدِ المؤمن حين يصيبُه الوَعْكُ والحُمَّى، كَمَثَلِ حديدةٍ تَدخُلُ النارَ فيذهبُ خَبَثُها ويبقى طيِّبُها" (^٤).
_________________
(١) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد ٢٩/ (١٧٦٣٤) من طريق الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، بهذا الإسناد. وفيه: "واعظ الله في قلب كل مسلم". وأخرجه بنحوه أحمد ٢٩/ (١٧٦٣٦)، والترمذي (٢٨٥٩)، والنسائي (١١١٦٩) من طريق خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، به. وقال الترمذي: حديث حسن.
(٢) ما بين المعقوفين سقط من نسخ "المستدرك" هنا، والصواب إثباته كما قال الحافظ ابن حجر في "إتحاف المهرة" (١٣٤٦٩)، فإنَّ الحاكم سيكرره عن علي بن حمشاذ برقم (١٣٠٤) بإثباته، وهو ثابت أيضًا في الإسناد عند كل من أخرج هذا الحديث من طريق ابن أبي مريم.
(٣) في نسخنا الخطية: عبد الله، مكبرًا، والصواب أنه عبيد الله مصغرًا، وهو كذلك في "إتحاف المهرة".
(٤) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن إن شاء الله، عبيد الله بن عبد الرحمن روى عنه جمع وذكره ابن حبان في "الثقات"، وكذا عبد الحميد بن عبد الرحمن بن أزهر روى عنه غير واحدٍ وذكره ابن حبان في "الثقات"، وعبيد بن شريك - وهو عبيد بن عبد الواحد بن شريك - قال الدارقطني: صدوق، وباقي رجال الإسناد ثقات. ابن أبي مريم: هو سعيد بن الحكم بن أبي مريم. =
[ ١ / ٣٩٠ ]
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه، والذي عندي أنهما تَرَكاه لتفرُّد عبد الحميد عن أبيه بالرواية (^١).
٢٤٩ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق وعلي بن حَمْشاذ قالا: حدثنا عُبيد بن شَرِيك، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرني نافع بن يزيد، حدثني خالد بن يزيد، أنه سمع أبا الزُّبَير المكّي يحدِّث عن جابر بن عبد الله قال: دَخَلَ النبيُّ ﷺ على بعض أهلِه وهو وَجِعٌ به الحُمَّى، فقال النبي ﷺ: "أمُّ مِلدَم؟ " قالت امرأة: نعم، فَلَعَنَها الله، فقال النبي ﷺ: "لا تَلعَنِيها، فإنها تَغسِلُ - أو تُذهِبُ - ذنوبَ بني آدم كما يُذهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحديد" (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٩٣٧٨) عن أبي عبد الله الحاكم، عن علي بن حمشاذ وحده، بهذا الإسناد. وأخرجه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" ١/ ٢٨٤ و٣٥٧، وابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" (٢٤)، والبزار (٣٤٥٦)، والرُّوياني في "مسنده" (١٥٣٩)، وأبو الشيخ في "أمثال الحديث" (٢٧٩)، والطبراني - كما في "إتحاف المهرة" - وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٤٥٩٢)، والخطيب البغدادي في "المتفق والمفترق" (٩٢٢)، والبيهقي في "السنن" ٣/ ٣٧٤، و"الآداب" (٩١٢)، و"الشعب" (٩٣٧٨) من طرق عن سعيد بن أبي مريم، به. وسيأتي عند المصنف برقم (١٣٠٤) و(٥٩٣٦). وله شاهد من حديث عائشة عند ابن حبان (٢٩٣٦)، وإسناده صحيح. وآخر من حديث أم العلاء عند أبي داود (٣٠٩٢)، وإسناده حسن. وحديث جابر بن عبد الله التالي. وفي الباب في هذا المعنى عن عبد الله بن مسعود عند البخاري (٥٦٤٧)، ومسلم (٢٥٧١).
(٢) انظر تعليقنا على هذه المسألة عند الحديث السالف برقم (٩٧).
(٣) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي، عبيد بن شريك صدوق لا بأس به. ابن أبي مريم: هو سعيد بن الحكم بن أبي مريم، وأبو الزبير: هو محمد بن مسلم بن تَدرُس. وأخرجه النسائي (١٠٨٣٥) عن إبراهيم بن يعقوب، عن ابن أبي مريم، بهذا الإسناد. وأخرجه بنحوه مسلم (٢٥٧٥)، وابن حبان (٢٩٣٨) من طريق حجّاج الصوّاف، عن أبي الزبير، عن جابر. فاستدراك المصنف له على الشيخين هنا ذهولٌ منه. وسيأتي برقم (١٢٩٥)، وأشار هناك إلى أنه من هذا الطريق عند مسلم. =
[ ١ / ٣٩١ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولا أعرفُ له عِلَّةً، ولم يُخرجاه!
٢٥٠ - حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى وأبو الحسن بن أبي القاسم العَدَوي قالا: حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق، حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أَبي، حدثني إبراهيم بن طَهْمانَ، عن الحَجَّاج، عن قَتَادة، عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "الأخِلَّاءُ ثلاثةٌ: فأما خليلٌ فيقول: لك ما أعطيتَ وما أمسكتَ فليس لك، فذلك مالُك، وأما خليلٌ فيقول: أنا معك حتى تأتيَ بابَ الملِك، ثم أرجِعُ وأترُكُك، فذلك أهلُك وعَشيرتُك، يُشيِّعونَك حتى تأتيَ قبرَك، ثم يَرجِعون فيَترُكونَك، وأمّا خليلٌ فيقول: أنا معك حيث دخلتَ وحيث خرجتَ، فذلك عملُه، فيقول: والله لقد كنتَ من أهوَنِ الثلاثةِ عليَّ" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، فقد احتجَّا جميعًا بالحجَّاج بن الحجَّاج، ولا أعرفُ له عِلَّةً، ولم يُخرجاه على هذه السِّياقة، وله شاهد قد خرَّجاه:
٢٥١ - حدَّثَناه علي بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيانُ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم، سمع أنسَ بن مالك يَبلُغُ به النبيَّ ﷺ قال: "يَتبَعُ المؤمنَ بعد موتِه ثلاثةٌ: أهلُه، ومالُه، وعملُه، فيَرجِعُ اثنانِ ويبقى واحدٌ (^٢)، يَرجِعُ أهلُه ومالُه، ويبقى عملُه" (^٣).
_________________
(١) = الكِير: هو آلة النفخ التي يُنفَخ بها على النار لتتوقَّد.
(٢) إسناده صحيح. الحجاج: هو ابن الحجاج الباهلي البصري الأحول. وهو في "مشيخة ابن طهمان" (١٨٦)، وانظر الحديثين الآتيين برقم (٢٥٢) و(١٣٩١).
(٣) في نسخنا الخطية: واحدة، والمثبت من النسخة المحمودية كما في طبعة الميمان.
(٤) إسناده صحيح. ابن أبي عمر: هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَني، وسفيان: هو ابن عيينة. وأخرجه أحمد ١٩/ (١٢٠٨٠)، والبخاري (٦٥١٤)، ومسلم (٢٩٦٠)، والترمذي (٢٣٧٩)، والنسائي (٢٠٧٥)، وابن حبان (٣١٠٧) من طرق عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد.
[ ١ / ٣٩٢ ]
وقد تابع عمرانُ القطَّانُ الحجَّاجَ فساق الحديثَ بطوله:
٢٥٢ - حدَّثَناه علي بن حَمْشاذَ، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا عمرو بن مرزوق، أخبرنا عِمرانُ القطَّانُ، عن قَتَادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "ما مِن عبدٍ إلّا وله ثلاثةُ أخلَّاءَ" فذكر الحديثَ بطوله، نحو حديث إبراهيم بن طَهْمان (^١).
وله شاهدٌ آخرُ على شرط مسلم:
٢٥٣ - أخبرَناه أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حَنبَل، حدثني أَبي، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا حمَّاد، عن سِمَاك، عن النُّعمان بن بَشِير، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَثَلُ المؤمنِ ومَثَلُ الأجَلِ مَثَلُ رجلٍ له ثلاثةُ أخلَّاءَ، قال له مالُه: أنا مالُك، خُذْ مني ما شئتَ ودَعْ ما شئت، وقال الآخر: أنا معك أحمِلُك وأضَعُك، فإذا متَّ تركتُك؛ قال: هذا عَشِيرَتُه، وقال الثالث: أنا معك أدخُلُ معك وأخرجُ معك، متَّ أو حَيِيتَ؛ قال: هذا عَمَلُه" (^٢).
٢٥٤ - حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا محمد بن عمرو الحَرَشي، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن خارجةَ بن زيد بن ثابت قال: قال زيد بن ثابت: أَمَرني رسول الله ﷺ فتعلَّمتُ له كتابةَ اليهود، وقال: "إني والله ما آمَنُ يهودَ على كِتابي"، فتعلَّمتُه، فلم يمُرَّ بي نصفُ شهرٍ حتى حَذَقتُه، قال أَبي: فكنت أكتبُ له إذا كَتَبَ، وأقرأُ له إذا كُتِبَ إليه (^٣).
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل عمران بن داوَر القطّان. وسيأتي برقم (١٣٩١) من طريق أبي داود الطيالسي عن عمران القطان.
(٢) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن من أجل سماك بن حرب. حماد: هو ابن سلمة. وأخرجه البزار (٣٢٧٢)، والطبراني في "الأوسط" (٧٣٩٦) من طريق النضر بن شُميل، عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر في "مختصر زوائد البزار" (٢٢٠٢). وسيأتي برقم (١٣٩٢) من طريق أبي سلمة التبوذكي عن حماد بن سلمة.
(٣) إسناده حسن. أبو الزناد: هو عبد الله بن ذكوان. وأخرجه أبو داود (٣٦٤٥) عن أحمد بن يونس، بهذا الإسناد. =
[ ١ / ٣٩٣ ]
قد استَشهَدا جميعًا بعبد الرحمن بن أبي الزِّناد.
وهذا حديث صحيح، ولا أعرفُ في الرُّخْصة لتعلُّم كتابةِ أهل الكتاب غيرَ هذا الحديث.
٢٥٥ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو البَختَريّ عبد الله بن محمد بن شاكر، حدثنا أبو أسامة، حدثني الحسين المعلِّم.
وأخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي - واللفظ له - حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا ابن أبي عَدِيّ، عن حسين المعلِّم، عن عبد الله بن بُرَيدة قال: ذُكِرَ لي أنَّ أبا سَبْرةَ بن سَلَمة الهُذَلي سمع ابنَ زياد يسأل عن الحوضِ، حوضِ محمدٍ ﷺ، فقال: ما أُراه حقًّا، بعدما سأل أبا بَرْزةَ الأسلمي والبراءَ بن عازب وعائذَ بن عمرو، فقال: ما أُصدِّق هؤلاء، فقال أبو سَبْرة: ألا أحدِّثُك بحديث شِفاءٍ، بَعَثَني أبوك بمالٍ إلى معاوية، فلَقِيتُ عبدَ الله بن عمرو، فحدَّثني بفِيهِ وكتبتُه بقلمي ما سمعه من رسول الله ﷺ، فلم أَزِدْ حرفًا ولم أَنقُصْ، حدَّثني أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله لا يحبُّ الفاحشَ ولا المتفحِّشَ، والذي نفسُ محمد بيده لا تقومُ الساعةُ حتى يَظهَرَ الفُحْشُ والتفحُّشُ وقطيعةُ الرَّحِم وسوءُ المجاوَرة، ويُخوَّنُ الأمينُ ويُؤتمنُ الخائن، ومَثَلُ المؤمن كمَثَل النَّحْلة أَكَلَت طيّبًا ووَضَعَت طيّبًا ووَقَعَت طيّبًا، فلم تُفسِدْ ولم تَكسِرْ، ومَثَلُ العبد المؤمن مَثَلُ القِطْعة الجيِّدة من الذهب، نُفِخَ عليها فخرجت طيّبةً، ووُزِنَت فلم تَنقُصْ"، وقال ﷺ: "مَوعِدُكم حوضي، عَرْضُه مثلُ طولِه، وهو أبعدُ ممّا بينَ أَيْلةَ إلى مكة، وذاك مسيرةُ شهرٍ، فيه أمثالُ الكواكبِ أباريقُ، ماؤُه أشدُّ بياضًا من الفضَّة، مَن وَرَدَه وشَرِبَ منه لم يَظمَأْ بعده أبدًا".
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ٣٥/ (٢١٦١٨)، والترمذي (٢٧١٥) من طريقين عن ابن أبي الزناد، به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وانظر ما سيأتي برقم (٥٨٩١). وعلَّقه البخاري في "صحيحه" برقم (٧١٩٥) فقال: وقال خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت، فذكر نحوه.
[ ١ / ٣٩٤ ]
فقال ابن زياد: ما حدَّثني أحدٌ بحديثٍ مثلِ هذا، أشهَدُ أنَّ الحوض حقٌّ واجبٌ. وأخذ الصحيفةَ التي جاء بها أبو سَبْرة (^١).
وفي حديث أبي أسامة عن عبد الله بن بُرَيدة عن أبي سَبْرة.
هذا حديث صحيح، فقد اتَّفق الشيخانِ على الاحتجاج بجميع رُوَاته غير أبي سَبْرة الهُذَلي، وهو تابعيٌّ كبير، مبيَّن ذِكرُه في المسانيد والتواريخ، غيرُ مطعونٍ فيه.
وله شاهد من حديث قَتَادة عن ابن بُرَيدة:
٢٥٦ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا هشام بن علي، حدثنا عبد الله بن رَجَاء، حدثنا همَّام، عن قتادة، عن ابن بُرَيدة، عن أبي سَبْرة الهُذَلي، فذكر الحديث بطوله (^٢).
_________________
(١) صحيح لغيره، وهذا إسناد قابل للتحسين إن كان عبد الله بن بريدة سمعه من أبي سبرة الهذلي، فإنَّ عامَّة من رواه عن حسين المعلّم - وكذا غيره عن ابن بريدة - قال فيه: عبد الله بن بريدة عن أبي سبرة، وانفرد ابن أبي عدي بصيغة: ذُكر لي أنَّ أبا سبرة. وأبو سبرة هذا لم يُذكَر في الرواة عنه غير ابن بريدة، وذكره ابن حبان في "ثقاته"، وهو تابعي أدرك عددًا من الصحابة، ولا يُعرف عن أحد أنه جرحه بشيء، فمثله حديثه يقبل التحسين، خاصة أنَّ لحديثه هذا شواهد تصححه كما في التعليق على "مسند أحمد" ١١/ (٦٥١٤) و(٦٨٧٢)، وباقي رجال الإسناد ثقات. أبو أُسامة: هو حماد بن أسامة، وابن أبي عدي: هو محمد، وحسين المعلِّم: هو ابن ذكوان. وأخرجه أحمد ١١/ (٦٥١٤) عن يحيى بن سعيد القطان، عن حسين المعلِّم، بهذا الإسناد. أخرجه بنحوه أحمد أيضًا ١١/ (٦٨٧٢) من طريق مطر الورّاق، عن عبد الله بن بريدة، به.
(٢) صحيح لغيره كسابقه. هشام بن علي: هو أبو علي السِّيرافي، وعبد الله بن رجاء: هو الغُدَاني، وهمام: هو ابن يحيى العَوْذي. وأخرجه البزار (٢٤٥٣)، وأبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (٨٧٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٢٠/ ٤٣ - ٤٤ من طرق عن عبد الله بن رجاء، بهذا الإسناد. وسيأتي بلفظه برقم (٨٧٧٩) من طريق أحمد بن محمد بن عيسى القاضي - وهو البِرْتي - عن عبد الله بن رجاء.
[ ١ / ٣٩٥ ]
٢٥٧ - حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العَنبَري، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثني محمد بن المثنَّى، حدثنا رَوْح بن أسلمَ، حدثنا شدَّاد أبو طَلْحة، حدثنا أبو الوازع جابر بن عمرو الرَّاسِبي قال: سمعت أبا بَرْزةَ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حوضي ما بينَ أَيْلةَ إلى صنعاء عَرْضُه كطولِه، فيه مِيزابانِ يَصُبّانِ من الجنة، أحدُهما وَرِقٌ والآخر ذهبٌ، أحلى من العسل، وأبردُ من الثلج، وأشدُّ بياضًا من اللبن، وألْيَنُ من الزُّبْد، فيه أباريقُ عددَ نجوم السماء، مَن شَرِبَ منه لم يَظمَأْ حتى يدخلَ الجنة" (^١).
قال (^٢): وزاد فيه أيوب عن أبي الوازع عن أبي بَرْزة عن النبي ﷺ أنه قال: "تَنزُو في أيدي المؤمنين".
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتجَّ بحديثين عن أبي طلحة الراسبي عن أبي الوازع عن أبي بَرْزة، وهو غريب صحيح من حديث أيوب السَّختِياني عن أبي الوازع، ولم يُخرجاه.
٢٥٨ - أخبرني أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا محمد بن عبد الوهّاب، حدثنا عمَّار بن عبد الجبار، حدثنا شُعْبة.
وأخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شُعْبة، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي حمزة، عن زيد بن
_________________
(١) صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لضعف روح بن أسلم، وقد توبع. وأخرجه أحمد ٣٣/ (١٩٨٠٤) عن أبي سعيد عبد الرحمن بن عبد الله مولى بني هاشم، وابن حبان (٦٤٥٨) من طريق النضر بن شميل، كلاهما عن شداد أبي طلحة، بهذا الإسناد. وهو بهاتين المتابعتين إسناده حسن. وانظر شواهده في "مسند أحمد".
(٢) القائل هو روح بن أسلم كما جاء مصرَّحًا به عند البزار في "مسنده" (٣٨٤٩) و(٤٤٩٦)، ففيه: وزاد شداد بن سعيد - وهو أبو طلحة - عن أيوب عن أبي الوازع .. إلخ، فأدخل أيوب بين شداد وأبي الوازع، وروح ضعيف. وتنزو: أي: تَثِب وتقفز.
[ ١ / ٣٩٦ ]
أرقمَ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما أنتم جزءٌ من مئة ألفِ جزءٍ ممَّن يَرِدُ عليَّ الحوضَ". فسألوه: كم كنتم؟ قال: ثمان مئة أو تسع مئة (^١).
أبو حمزة الأنصاريُّ هذا: هو طلحة بن يزيد، وقد احتجَّ به البخاري.
٢٥٩ - حدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية.
وحدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، أخبرنا إبراهيم بن يوسف الهِسِنْجاني، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا جَرِير وأبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن طلحة بن يزيد الأنصاري، قال: قال زيد بن أرقم: قال رسول الله ﷺ: "ما أنتم بجُزءٍ من مئةِ ألف جزءٍ ممَّن يَرِدُ عليَّ الحوضَ يومَ القيامة". قال: فقلنا لزيدٍ: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: ما بينَ الستِّ مئةٍ إلى السَّبع مئة (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، ولكنهما تَرَكاهُ للخِلَاف الذي في متنهِ من العَدَد، والله أعلم.
وله شاهد على شرط مسلم، عن زيد بن أرقمَ في ذِكْر الحوض بغير هذا اللفظ:
٢٦٠ - أخبرَناه أبو الفضل الحَسَن بن يعقوب العَدْل، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا جعفر بن عَوْن، أخبرنا أبو حيَّان يحيى بن سعيد بن حيَّان التَّيْمِيُّ، تَيْمُ الرَّبَاب،
_________________
(١) إسناده حسن من أجل أبي حمزة - وهو طلحة بن يزيد الأنصاري مولاهم - وتضعيف هذا الإسناد به في "مسند أحمد" ٣٢/ (١٩٢٦٨) من أجل تفرُّد عمرو بن مرّة بالرواية عنه تعنُّت زائد، فإنه تابعي وثَّقه النسائي في "سننه الكبرى" بإثر حديث ابن مسعود في صوم ثلاثة أيام من غرّة كل شهر برقم (٢٦٨٩)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فهو حسن الحديث إن شاء الله. وهو في "مسند أحمد" ٣٢/ (١٩٣٢١) عن محمد بن جعفر. وأخرجه أحمد أيضًا (١٩٢٩١) و(١٩٣٠٩)، وأبو داود (٤٧٤٦) من طرق عن شعبة، بهذا الإسناد. وانظر ما بعده.
(٢) إسناده حسن كسابقه. أبو معاوية: هو محمد بن خازم الضرير. وأخرجه أحمد ٣٢/ (١٩٢٦٨) عن أبي معاوية، بهذا الإسناد.
[ ١ / ٣٩٧ ]
حدثني يزيد بن حيَّان التَّيمي قال: شهدتُ زيدَ بن أرقمَ وبَعَثَ إليه عبيدُ الله بن زياد، فقال: ما أحاديثُ بَلَغَني عنك تحدِّث بها عن رسول الله ﷺ تَزعُم أنَّ له حوضًا في الجنة؟ فقال: حدثنا ذاك رسولُ الله ﷺ ووَعَدَناه، فقال: كذبتَ، ولكنك شيخ قد خَرِفتَ، قال: أمَا إنه سَمِعَتْه أُذناي من رسول الله ﷺ يعني - وسمعتُه يقول: "مَن كَذَبَ علي متعمِّدًا فليَتَبوَّأْ مقعدَه من النار"، وما كذبتُ على رسول الله ﷺ (^١).
٢٦١ - حدثني أبو منصور محمد بن القاسم العَتَكي، حدثنا أبو سهل بِشْر (^٢) بن سهل اللَّبّاد، حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن خالد بن أبي عِمْران، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من خَرَجَ من الجماعة قِيدَ شِبْرٍ، فقد خَلَعَ رِبْقةَ الإسلام من عُنُقِه حتى يُراجِعَه"، قال: "ومَن مات وليس عليه إمامُ جماعةٍ، فإنَّ مَوْتتَه مَوْتةٌ جاهليَّة".
وخَطَبَ رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس، إني فَرَطٌ لكم على الحوض، وإنَّ سَعَتَه ما بينَ الكوفةِ إلى الحَجَر الأسود، وآنيتَه كعَدَدِ النجوم، وإني رأيتُ أُناسًا من أمَّتي لمّا دَنَوْا منِّي، خرج عليهم رجلٌ فمالَ بهم عنِّي، ثم أقبَلَتْ زُمْرةٌ أخرى ففعل بهم كذلك، فلم يَفلَتْ منهم إلّا كمِثْل النَّعَم"، فقال: أبو بكر: لعلِّي منهم يا نبيَّ الله؟ قال: "لا، ولكنهم قومٌ يخرجون بعدَكم ويمشون القَهْقَرَى" (^٣).
_________________
(١) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد ٣٢/ (١٩٢٦٦) عن إسماعيل ابن عليَّة، عن أبي حيان التيمي، بهذا الإسناد، لكن لم يذكر فيه أنَّ يزيد بن حيان شهد هذه القصة عند عبيد الله بن زياد، وإنما حدَّثه بها زيد بن أرقم، وكذلك هو في حديث يحيى بن سعيد القطان عن أبي حيان التيمي عند الطحاوي في "مشكل الآثار" (٤٠٩).
(٢) في النسخ الخطية: حسن، وهو خطأ فقد تكرر عند الحاكم في غير موضع: بشر، على ما أثبتنا هنا، ومهما يكن من أمر فإننا لم نقف له على ترجمة.
(٣) إسناده ضعيف بهذا السياق، بشر بن سهل اللبّاد هذا قد روى عنه جمع على ما وقع في الأسانيد، ولم يؤثر فيه جرح ولا تعديل، فهو مجهول الحال لكن يعتبر به في المتابعات والشواهد، وقد توبع على بعض ألفاظه. الليث: هو ابن سعد، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاري. =
[ ١ / ٣٩٨ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وقد حدَّث به الحجَّاجُ بن محمد أيضًا عن الليث، ولم يُخرجاه.
٢٦٢ - حدَّثَناه أبو بكر بن إسحاق، حدثنا أبو المثنَّى ومحمد بن أيوب قالا: حدثنا مسدَّد، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا حُمَيد، عن أنس قال: دخلتُ على عُبيد الله بن زياد وهم يتراجعون في ذِكْر الحوض، قال: فقال: جاءكم أنسٌ، قال: يا أنسُ، ما تقولُ في الحوض؟ قال: قلت: ما حَسِبتُ أني أعيشُ حتى أَرى مِثلَكم يَمتَرُونَ في الحوض، لقد تركتُ بعدي عجائزَ ما تُصلي واحدةٌ منهن صلاةً إلّا سألت ربَّها أن يُورِدَها حوضَ محمد ﷺ (^١).
_________________
(١) = وسيأتي القسم الأول منه عند المصنف برقم (٤٠٨) من طريق أبي إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي عن أبي صالح، وهذا الإسناد حسن إن شاء الله، أبو صالح عبد الله بن صالح حسن الحديث في المتابعات والشواهد. وأخرج أوله - وهو الخروج من الجماعة - الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (٤٣٣) من طريق إبراهيم بن الهيثم، عن أبي صالح. وإبراهيم بن الهيثم لا بأس به. وأخرجه أيضًا ابن حبان في "المجروحين" ٢/ ١٣ - ١٤ من طريق عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن نافع، به. وهذا إسناد حسن، فرواية ابن وهب عن ابن لهيعة من صحيح حديثه. وهذا القسم الأول أخرج مثله الدُّولابي في "الكنى والأسماء" (١١٣٤) من طريق الشعبي عن ابن عمر. وإسناده قابل للتحسين. وأخرج نحوه مسلم (١٨٥١) وغيره من طريقي نافع وأسلم مولى عمر، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "من خلع يدًا من طاعة، لقي اللهَ يوم القيامة لا حُجَّة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات مِيتةً جاهلية". وانظر "مسند أحمد" ١٠/ (٥٣٨٦) و(٥٨٩٧)، وابن حبان (٤٥٧٨). وأخرج من القسم الثاني قصة الحوض وعدد آنيته دون ذكر سَعَته: الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٥٢٠) من طريق محمد بن إسماعيل الترمذي، عن أبي صالح. وإسناده حسن إن شاء الله.
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه الحسين المروزي في زياداته على "زهد ابن المبارك" (١٦٠٩)، والآجري في "الشريعة" =
[ ١ / ٣٩٩ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
وله عن حُميد شاهد صحيح على شرطهما:
٢٦٣ - أخبرَناه أبو العباس السَّيّاري بمَرْو، حدثنا أبو الموجِّه، حدثنا عَبْدانُ، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد (^١)، حدثنا حميد، عن أنس قال: دخلتُ على عبيد الله بن زياد وهم يتراجعون في ذِكْر الحوض، ثم ذكره بمثله.
٢٦٤ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدُّورِي، حدثنا عبد الله بن بكر السَّهْمي، حدثنا حاتم بن أبي صَغِيرة، عن سِمَاك بن حَرْب، أنَّ عبد الله بن خَبَّاب أخبرهم قال: أخبرني خبَّابٌ: أنه كان قاعدًا على باب النبي ﷺ، قال: فخرج ونحن قعودٌ، فقال: "اسمَعُوا" قلنا: سَمِعْنا يا رسول الله، قال: "إنَّه سيكون أمراءُ من بعدي، فلا تُصدِّقُوهم بكَذِبِهم ولا تُعِينُوهم على ظُلمِهم، فإنه مَن صدَّقهم بكَذِبِهم وأعانهم على ظُلمِهم، فلن يَرِدَ عليَّ الحوضَ" (^٢).
_________________
(١) = (٨٣٨)، والبيهقي في "البعث والنشور" (١٥٨) من طريقين عن حميد الطويل، به. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٤٩، وابن أبي عاصم في "السنة" (٦٩٨)، وأبو يعلى (٣٣٥٥) من طريق ثابت البناني، عن أنس. وانظر "مسند أحمد" ٢١/ (١٣٤٠٥).
(٢) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: عبد الوهاب بن عبد الحميد.
(٣) صحيح لغيره، وهذا إسناد منقطع بين سماك بن حرب وعبد الله بن خباب، وما وقع في رواية الحاكم من قول سماك: أنَّ عبد الله بن خباب أخبرهم، إن كان المراد أنه ممن أخبرهم عبد الله وأنه سمع هذا الحديث منه، فهذا وهمٌ كما قال الحافظ ابن حجر في "الأمالي المطلقة" ص ٢٢٠، فإنَّ سماكًا لم يسمع من عبد الله بن خباب كما نصَّ على ذلك الإمام أحمد، لأنَّ عبد الله قتلته الخوارج في خلافة علي ﵁ سنة ٣٨ هـ، ولم يكن سماك إذ ذاك قد وُلِدَ أو كان صغيرًا جدًّا لا يميّز. وأخرجه أحمد ٣٤/ (٢١٠٧٤) و٤٥/ (٢٧٢١٨)، وابن حبان (٢٨٤) من طريقين عن حاتم بن أبي صغيرة، بهذا الإسناد. وهو عندهما بالعنعنة وليس عندهما لفظ الإخبار. وله شواهد تصححه، منها حديثا كعب بن عُجرة وجابر بن عبد الله الآتيان، وأحاديث أخرى انظرها عند تخريج حديث ابن عمر في "مسند أحمد" ٩/ (٥٧٠٢).
[ ١ / ٤٠٠ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
وشاهدُه الحديثُ المشهور عن الشَّعْبي عن كعب بن عُجْرة مع الخلاف عليه فيه:
٢٦٥ - أخبرَناه أبو بكر محمد بن إبراهيم البزَّاز ببغداد، حدثنا محمد بن مَسْلَمة الواسطي، حدثنا محمد بن سابق، حدثنا مالك بن مِغوَل، عن أبي حَصِين، عن الشَّعْبي، عن كعب بن عُجْرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذاتَ يومٍ ونحن في المسجد، خمسةٌ من العرب وأربعةٌ من العَجَم، فقال: "تَسْمَعُون؟ " قلنا: سَمِعنا، مرتين، قال: "اسْمَعُوا، إنه سيكون بعدي أمراءُ، فمَن دَخَلَ عليهم فصدَّقهم بكَذِبِهم، وأعانهم على ظُلمِهم، فليس منِّي ولستُ منه، وليس بواردٍ عليَّ الحوضَ، ومَن لم يَدخُلْ عليهم ولم يُصدِّقْهم بكذبهم، ولم يُعِنْهم على ظلمِهم، فهو منِّي وأنا منه، وسيَرِدُ عليَّ الحوضَ" (^١).
رواه مِسعَر بن كِدَام وسفيان الثَّوْري، عن أبي حَصِين، عن الشَّعْبي، عن عاصم العَدَوي، عن كعب بن عُجْرة.
أما حديث الثَّوري:
٢٦٦ - فأخبرَناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفّار، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي، حدثنا أبو نُعيم وأحمد بن عبد الله بن يونس قالا: حدثنا سفيان.
وأما حديث مِسعَر:
٢٦٧ - فأخبرَناه أبو محمد الحسن بن محمد الإسفَرَاييني، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا هارون بن إسحاق الهَمْداني، حدثني محمد بن عبد الوهاب القَنّاد، حدثنا سفيان ومِسعَر، عن أبي حَصِين، عن الشَّعْبي، عن عاصم العَدَوي، عن
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف، فيه محمد بن مسلمة، وفيه مقال - كما سيأتي بيانه عند الحديث (٢٩٦٦) - وفيه انقطاع بين الشعبي وكعب بن عجرة، بينهما في هذا الحديث عاصم العدوي كما سيذكر المصنف. وانظر ما بعده. أبو حَصين: هو عثمان بن عاصم الأسدي، والشعبي: هو عامر بن شَرَاحيل.
[ ١ / ٤٠١ ]
كعب بن عُجْرة قال: خرجَ علينا رسول الله ﷺ ونحن تسعةٌ وبيننا وسائدُ من أَدَمٍ أحمرَ، فقال: "إنَّه سيكون بعدي أمراءُ فمن صدَّقهم بكَذِبِهم وأعانهم على ظُلمِهم، فليس منِّي ولست منه، ولن يَرِدَ عليَّ الحوضَ، ومن لم يُصدِّقْهم بكذبهم ولم يُعِنْهم على ظلمِهم، فهو منِّي وأنا منه، وسيَرِدُ عليَّ الحوضَ" (^١).
وقد شَهِدَ جابر بن عبد الله قولَ رسول الله ﷺ هذا لكعب بن عُجْرة:
٢٦٨ - أخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعمَر، عن ابن خُثَيْم، عن عبد الرحمن بن سابِطٍ، عن جابر بن عبد الله: أنَّ النبي ﷺ قال لكعب بن عُجْرة: "أعاذَكَ اللهُ يا كعبَ بنَ عُجْرة من إمارة السُّفَهاء" قال: وما إمارةُ السفهاء؟ قال: "أمراءُ يكونون بعدي لا يهتَدُون بهَدْيي، ولا يَستنُّون بسُنَّتي، فمن صدَّقهم بكَذِبِهم وأعانهم على ظلمِهم، فأولئك ليسوا منّي ولستُ منهم، ولا يَرِدُون حوضي، ومَن لم يصدِّقهم بكَذِبِهم ولم يُعِنْهم على ظلمِهم، فأولئك منّي وأنا منهم وسيَرِدُون عليَّ حوضي، يا كعبَ بن عُجْرة، لا يدخلُ الجنةَ لحمٌ نَبَتَ من سُحْتٍ، النارُ أَولَى به، يا كعبَ بنَ عُجْرة، الصومُ جُنَّة، والصدقةُ تُطفِئُ الخطيئة، والصلاة قُرْبان - أو قال: برهان -" (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح. وأخرجه الترمذي (٢٢٥٩)، والنسائي (٧٧٨٣ - ٧٧٨٤)، وابن حبان (٢٧٩) من طريق هارون بن إسحاق، بهذا الإسناد - ولم يذكر ابن حبان في حديثه سفيانَ. وأخرجه أحمد ٣٠/ (١٨١٢٦)، والنسائي (٧٧٨٢) و(٨٧٠٥)، وابن حبان (٢٨٢) و(٢٨٣) و(٢٨٥) من طرق عن سفيان الثوري، به. وأخرجه الترمذي (٦١٤) من طريق طارق بن شهاب، عن كعب بن عجرة. وانظر تتمة تخريجه في "مسند أحمد".
(٢) صحيح لغيره، وهذا إسناد قوي من أجل ابن خثيم: وهو عبد الله بن عثمان بن خثيم. والحديث في "مسند أحمد" ٢٢/ (١٤٤٤١). ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أيضًا ابن حبان (٤٥١٤). وسيأتي من هذا الطريق عند المصنف =
[ ١ / ٤٠٢ ]
٢٦٩ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ - حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا عَيّاش بن الوليد الرَّقّام، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا حمَيد، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "دخلتُ الجنةَ فإذا أنا بنهرٍ يجري حافَتَاهُ خِيامُ اللؤلؤ، فضربتُ بيدي إلى مَجرَى الماءِ، فإذا مِسكٌ أَذفَرُ، فقلت لجبريل: ما هذا؟ قال: هذا الكَوْثرُ الذي أعطاكَهُ ربُّك ﷿" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ.
٢٧٠ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، حدثنا سُرَيج بن النُّعمان، حدثنا فُلَيح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي هريرة، أنَّ النبي ﷺ قال: "الجنةُ مئةُ درجة بين كل درجتين كما بينَ السماءِ والأرض، والفِردَوسُ من أعلاها درجةً، ومنها تَفجَّرُ أنهارُ الجنة، فإذا سألتم اللهَ فاسألوه الفِردوسَ" (^٢).
_________________
(١) = برقم (٧٣٤٠) و(٨٥٠٧)، وبرقم (٦١٤٣) من طريق وهيب بن خالد عن ابن خثيم. وأخرجه ابن حبان (١٧٢٣) من طريق حماد بن سلمة، عن ابن خثيم، به - وزاد فيه: "والناس غاديانِ، فمبتاعٌ نفسَه فمعتق رقبته ومُوبقها". وفي الباب عن عبد الرحمن بن سمرة سيرد عند المصنف برقم (٧٣٣٩)، وعن غير واحد من الصحابة ذكرناهم عند حديث ابن عمر في "مسند أحمد" ٩/ (٥٧٠٢).
(٢) إسناده صحيح. حميد: هو ابن أبي حميد الطويل. وأخرجه أحمد ١٩/ (١٢٠٠٨) و(١٢١٥١) و٢١/ (١٣٧٧٦)، والنسائي (١١٦٤٢)، وابن حبان (٦٤٧٢) و(٦٤٧٣) من طرق عن حميد الطويل، به. وأخرجه بنحوه أحمد ٢٠/ (١٢٩٨٩) و(١٣١٥٦) و٢١/ (١٣٤٢٥) و(١٤٠٧٩)، والبخاري (٦٥٨١)، وأبو داود (٤٧٤٨)، والترمذي (٣٣٦٠)، والنسائي (١١٤٦٩)، وابن حبان (٦٤٧٤) من طريق قتادة، عن أنس. الأذفر: طيِّب الرِّيح.
(٣) حديث صحيح، فليح بن سليمان ليس بذاك القوي، لكن الإمام البخاري ﵀ قد خرَّج له في "صحيحه" أحاديث منتقاة منها هذا الحديث كما سيأتي، وباقي رجال الإسناد ثقات. =
[ ١ / ٤٠٣ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
وله شاهدٌ صحيح بمثل هذا الإسناد عن أبي هريرة وأبي سعيد:
٢٧١ - أخبرَناه أبو محمد أحمد بن عبد الله المُزَني، حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجيةَ، حدثني محمد بن مَعمَر، حدثنا أبو عامر العَقَدي، حدثنا فُليح. قال: وحدثنا ابن ناجيةَ، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وَهْب، أخبرني فُلَيح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي هريرة وأبي سعيد، عن النبي ﷺ نحوَه (^١).
وكذلك روي بإسناد صحيح عن عُبادة بن الصامت:
٢٧٢ - حدَّثَناه أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن غالب، حدثنا عفّان بن مسلم وأبو الوليد الطَّيالسي قالا: حدثنا همَّام، عن زيد بن أسلمَ، عن عطاء بن يَسَار، عن عبادة بن الصامت، أنَّ النبي ﷺ قال: "الجنةُ مئةُ درجةٍ، ما بين كلِّ درجتَينِ كما بينَ السماء والأرض، والفِردَوسُ مِن أعلاها درجةً، ومنها تَفجَّرُ أنهارُ الجنة، فإذا سألتُم الله فاسألوه الفِردوسَ" (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٤٢١) عن سريج بن النعمان، بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري (٢٧٩٠) و(٧٤٢٣) من طريقين عن فليح بن سليمان، به. فاستدراك الحاكم له ذهولٌ منه. وروي عن فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار أو عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة، أخرجه أحمد ١٤/ (٨٤٢٠) عن يونس بن محمد المؤدب عن فليح. وانظر تتمة تخريجه والكلام عليه فيه.
(٢) حديث صحيح كسابقه. أبو عامر العقدي: هو عبد الملك بن عمرو، وابن وهب: هو عبد الله. وهو في "مسند ابن وهب" برقم (٩٨)، ومن طريقه أخرجه الطبري في "تفسيره" ١٦/ ٣٧، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٣/ ١٠٤٤.
(٣) حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات، لكنه قد اختُلف فيه على عطاء بن يسار، فروي عنه عن عبادة كما هنا، وروي عنه عن أبي هريرة وأبي سعيد كما في الحديث السابق، وروي عنه عن معاذ بن جبل كما عند أحمد ٣٦/ (٢٢٠٨٧) وغيره، وهذا الخلاف لا يضر، فإنَّ الصحابة كلهم عدول. أبو الوليد الطيالسي: هو هشام بن عبد الملك، وهمّام: هو ابن يحيى العَوْذي. =
[ ١ / ٤٠٤ ]
٢٧٣ - أخبرني أحمد بن محمد بن إسماعيل بن مِهْران، حدثنا أَبي، حدثنا هارون بن سعيد الأَيْلي، حدثنا ابن وَهْب، حدثني حُيَيّ، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ، قال: "إنَّ في الجنة غُرفًا [يُرَى] ظاهرُها من باطنِها، وباطنُها من ظاهرِها" فقال أبو مالك الأشعري: لمن يا رسول الله؟ قال: "لمَنْ أطابَ الكلام، وأطعمَ الطعام، وباتَ قانِتًا والناسُ نِيَام" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجَّا جميعًا بحُيَي: وهو أبو عبد الرحمن المَذحِجِي صاحب سليمان بن عبد الملك، ويقال: مولاه (^٢)، ولم يُخرجاه.
٢٧٤ - أخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعمَر، عن قَتَادة، عن أنس في قوله ﷿:
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ٣٧/ (٢٢٦٩٥) عن عفان بن مسلم وحده، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (٢٢٦٩٥) و(٢٢٧٣٨)، والترمذي (٢٥٣٠) من طريقين عن همام، به.
(٢) حديث حسن، وهذا إسناد فيه لِين من أجل حُيي - وهو ابن عبد الله المَعافِري - لكن روي هذا الحديث من وجهٍ حسنٍ عن أبي مالك الأشعري نفسه كما سيأتي، وباقي رجال هذا الإسناد ثقات. أبو عبد الرحمن: هو عبد الله بن يزيد المعافري الحُبُلي. وأخرجه أحمد ١١/ (٦٦١٥) من طريق ابن لهيعة عن حيي بن عبد الله، بهذا الإسناد - ووقع فيه أبو موسى الأشعري مكان أبي مالك الأشعري، وهو خطأ. وسيأتي الحديث عند المصنف برقم (١٢١٥) من طريق أبي الطاهر عن ابن وهب. وأخرجه أحمد ٣٧/ (٢٢٩٠٥)، وابن حبان (٥٠٩) من طريق عبد الله بن معانق، عن أبي مالك الأشعري. وإسناده حسن إن شاء الله. وفي الباب عن علي بن أبي طالب عند عبد الله بن أحمد في زياداته على "المسند" ٢/ (١٣٣٨)، والترمذي (١٩٨٤) و(٢٥٢٧)، وإسناده ضعيف.
(٣) هذا وهمٌ من المصنف رحمه الله تعالى، فإنَّ حُييًّا هذا: هو ابن عبد الله المعافري وليس المذحجي، فإنَّ الثاني لم يرو عنه ابن وهب ولا ابن لهيعة، كما أنه لم يرو عن أبي عبد الرحمن الحبلي.
[ ١ / ٤٠٥ ]
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٤]، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "رُفِعَت لي سِدْرةٌ مُنتهاها في السماء السابعة، نَبِقُها مثلُ قِلَال هَجَرَ، وورقُها مثلُ آذان الفِيَلة، يخرج من ساقها نهرانِ ظاهرانِ ونهرانِ باطنان، قال: قلت: يا جبريل، ما هذانِ؟ قال: أمّا الباطنان، ففي الجنة، وأما الظاهران، فالنِّيلُ والفُرات" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذه السِّياقة.
وله شاهد غريب من حديث شُعْبة عن قَتَادة عن أنس صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه:
٢٧٥ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا محمد بن أحمد بن أنس القُرَشي، حدثنا حفص بن عبد الله السَّلَمي، حدثني إبراهيم بن طَهْمان، عن شُعْبة بن الحجَّاج، عن قتادة، عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "دُفِعتُ إلى السِّدْرة، فإذا أربعةُ أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فأمَّا الظاهران فالنِّيلُ والفُرات، وأما الباطنانِ: فنهرانِ في الجنة، وأُتِيتُ بثلاثة أقداح: قَدَحٌ فيه لبن، وقَدحٌ فيه عسل، وقدحٌ فيه خمر، فأخذتُ الذي فيه اللبنُ فشربتُ، فقيل لي: أصبتَ الفِطْرةَ أنت وأمَّتُك" (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح. وهو في "مسند أحمد" ٢٠/ (١٢٦٧٣). وأخرجه بنحوه أحمد ١٩/ (١٢٣٠١) من طريق حميد الطويل، عن أنس - واقتصر على وصف سدرة المنتهى. وأخرجه كذلك ضمن حديث المعراج الطويل: أحمد ١٩/ (١٢٥٠٥)، ومسلم (١٦٢) (٢٥٩) من طريق ثابت البناني، عن أنس. وانظر ما بعده. السِّدر: نوع من أنواع الشجر ينمو في المناطق الدافئة، والنَّبق: ثمرها. والقِلال: جمع القُلَّة، وهي الجرّة العظيمة، وهجر: قرية قريبة من المدينة كانت تُعمَل بها القِلال.
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه البخاري (٥٦١٠) معلَّقًا عن إبراهيم بن طهمان، بهذا الإسناد. =
[ ١ / ٤٠٦ ]
قال الحاكم أبو عبد الله: قلتُ لشيخنا أبي عبد الله: لمَ لمْ يُخرجا هذا الحديث؟ فقال: لأنَّ أنس بن مالك لم يَسمَعْه من النبي ﷺ، إنما سمعه من مالك بن صَعْصَعةَ.
قال الحاكم: ثم نظرتُ فإذا الأحرفُ التي سمعها من مالك بن صعصعة غيرُ هذه، وليَعلَمْ طالبُ هذا العلم: أنَّ حديث المِعْراج قد سمع أنسٌ بعضَه من النبي ﷺ، وبعضَه من أبي ذرٍّ الغِفاري، وبعضَه من مالك بن صَعْصعةَ، وبعضَه من أبي هريرة (^١).
٢٧٦ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن فُضَيل، حدثنا أبو سِنَان (^٢) ضِرَار بن مُرَّة، عن محارِب بن دِثَار، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "أهلُ الجنة عشرون ومئةُ صَفٍّ، هذه الأُمَّة منها ثمانون صفًّا" (^٣).
_________________
(١) = ووصله الحافظ ابن حجر في "تغليق التعليق" ٥/ ٢٨ من طريق ابن منده في "غرائب شعبة" عن محمد بن إبراهيم بن الحارث الأنصاري، عن محمد بن أحمد بن أنس، به. ووصله أيضًا أبو عوانة في "صحيحه" (٨١٣٤)، ومن طريقه الطبراني في "المعجم الصغير" (١١٣٩)، والحافظ في "التغليق" ٥/ ٢٨ عن محمد بن عقيل الخزاعي، عن حفص بن عبد الله السلمي، به. وأخرجه بنحوه أحمد ٢٩/ (١٧٨٣٤) من طريق شيبان النحوي، عن قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة.
(٢) حديث أنس عن أبي ذر عند البخاري (٣٤٩) و(٣٣٤٢) ومسلم (١٦٣)، وحديثه عن مالك بن صعصعة عند البخاري (٣٢٠٧) و(٣٨٨٧) ومسلم (١٦٤)، وأما حديثه عن أبي هريرة فلم نقف عليه.
(٣) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: أبي سليمان.
(٤) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل أحمد بن عبد الجبار العُطاردي، وقد توبع. وأخرجه الترمذي (٢٥٤٦)، وابن حبان (٧٤٥٩) من طريقين عن محمد بن فضيل، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن. وأخرجه أحمد ٣٨/ (٢٢٩٤٠) و(٢٣٠٠٢) و(٢٣٠٦١) من طريق عبد العزيز بن مسلم القسملي، عن ضرار أبي سنان، به. وسمَّى ابنَ بريدة في الموضع الأخير: عبد الله. وانظر ما بعده.
[ ١ / ٤٠٧ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
وله شاهد من حديث سفيان الثَّوْري عن علقمة بن مَرثَد عن سليمان بن بُريدة عن أبيه:
٢٧٧ - أخبرَناه أبو عبد الله الصَّفّار، حدثنا أَسِيد بن عاصم، حدثنا الحسين بن حفص، عن سفيان.
وحدثنا أبو علي الحافظ، أخبرنا عَبْدانُ الأَهْوازي، حدثنا الحسن بن الحارث، حدثنا مُؤمَّل بن إسماعيل، حدثنا سفيان.
وأخبرنا بكر بن محمد الصَّيرَفي، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا عبد الله بن عمر، حدثنا عمرو بن محمد العَنقَزي، عن سفيان، عن عَلْقمة بن مَرثَد، عن سليمان بن بُرَيدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "أهلُ الجنة عشرون ومئةُ صفٍّ، ثمانون منها من هذه الأُمَّة" (^١).
أرسله يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مَهْدي عن الثَّوري (^٢).
وقد رواه الحارث بن حَصِيرة، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جدِّه:
٢٧٨ - أخبرَناه أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا مسدَّد، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحارث بن حَصِيرة، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه (^٣)، عن عبد الله بن مسعود قال: قال لنا رسول الله ﷺ ونحن
_________________
(١) إسناده صحيح، وإن كان في بعض وجوهه من هو متكلَّم فيه كمؤمل بن إسماعيل، فإنَّ الوجوه الأخرى تحمله وتقوِّيه. عبد الله بن عمر: هو ابن محمد بن أبان الجُعْفي. وأخرجه ابن ماجه (٤٢٨٩) عن عبد الله بن إسحاق الجوهري، عن حسين بن حفص الأصبهاني، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن حبان (٧٤٦٠) من طريق أبي عبيدة بن فضيل بن عياض، عن مؤمل بن إسماعيل، به.
(٢) لم نقف على روايتيهما فيما بين أيدينا من المصادر.
(٣) من قوله: "عن جده" إلى هنا سقط من (ب) والمطبوع.
[ ١ / ٤٠٨ ]
حولَه: "كيف أنتم رُبعَ أهل الجنة، لكم الربعُ ولسائر الأمم ثلاثةُ أرباعٍ" قال: قلنا: كثيرٌ يا رسول الله، قال: "كيف أنتم والثلثَ؟ " قال: قلنا: ذلك أكثرُ، قال: "كيف أنتم والشَّطْرَ؟ " قلنا: ذاك أكثرُ، قال: "أهلُ الجنة عشرون ومئةُ صفٍّ، أنتم منها ثمانون صفًّا" قال: قلنا: فذاكَ الثُّلثانِ يا رسول الله، قال: "أجَلْ" (^١).
عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه في أكثر الأقاويل (^٢).
٢٧٩ - أخبرني أبو قُتيبة سَلْم بن الفضل الأَدَمي بمكة، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا سَلَمة بن شَبِيب، حدثنا الفِرْيابي، حدثنا سفيان الثَّوري، عن محمد بن المنكَدِر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا دَخَلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، قال: يقول الله ﷿: هل تشتهونَ شيئًا فأَزِيدَكم؟ فيقولون: ربَّنا وما فوقَ ما أعطيتَنا؟ قال: يقول: رِضْواني أكبَرُ" (^٣).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
وقد تابع الأشجعيُّ محمدَ بنَ يوسف الفِرْيابي على إسناده ومتنه:
_________________
(١) إسناده فيه لِين، الحارث بن حصيرة ليس بذاك القوي. وأخرجه أحمد ٧/ (٤٣٢٨) عن عفان، عن عبد الواحد بن زياد، بهذا الإسناد. وخالف الحارثَ بنَ حصيرة أبو إسحاق السَّبيعي - وهو إمام حُجّة - فروى عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود نحوه إلّا أنه قال فيه مرفوعًا إلى النبي ﷺ: "إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة"، أخرجه البخاري (٦٥٢٨) ومسلم (٢٢١) وغيرهما. والجمع بين هذا وبين حديث بريدة في الثلثين: أنه قال هذا في النصف عن رجاءٍ، ثم ظهر له ﷺ أنَّ الأمر فوق ما رَجَا فأخبر بما في حديث بريدة، والله أعلم. قاله السندي في حاشيته على "المسند".
(٢) قد ثبّت سماعَه منه عليُّ بن المديني وتلميذه البخاري، وروي عن ابن معين فيه قولان، وتوقّف فيه أحمد، والراجح أنه سمع منه شيئًا قليلًا، وبرأي ابن المديني والبخاري أخذنا ما لم يكن في حديثه نكارة، والله تعالى أعلم.
(٣) إسناده صحيح. الفريابي: هو محمد بن يوسف. وأخرجه ابن حبان (٧٤٣٩) من طريق عباس بن الوليد الخلّال، عن محمد بن يوسف، بهذا الإسناد.
[ ١ / ٤٠٩ ]
٢٨٠ - حدَّثَناه أبو علي الحافظ، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة البغدادي، حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا عُبيد الله بن عبد الرحمن الأشجَعي، عن سفيان، عن محمد بن المنكَدِر، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا دَخَلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ قال الله ﷿: ألا أنبِّئُكم بأكبرَ من هذا؟ قالوا: بلى، وما أكبرُ من هذا؟ قال: الرِّضْوانُ" (^١).
٢٨١ - أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حاتم المعدَّل بمَرْو، حدثنا عبد الله بن رَوْح المدائني، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يُؤتَى بالموت يومَ القيامة في هيئةِ كبشٍ أملَحَ، فيقال: يا أهلَ الجنة، فيَطَّلِعون خائفينَ وَجِلِينَ مخافةَ أن يُخرَجوا مما هم فيه، فيقال: تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموتُ، ثم يقال: يا أهلَ النار، فيَطَّلِعونَ مُستبشِرين فَرِحينَ أن يُخرَجوا ممّا هم فيه، فيقال: أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموتُ، فيأمرُ به فيُذبَح على الصِّراط، فيقال للفريقين: خلودٌ فيما تَجِدُون، لا موتَ فيها أبدًا" (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد جيد. أبو كريب: هو محمد بن العلاء. وأخرجه ابن المقرئ في "معجمه" (١٠٦٧) عن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن الأعرابي في "معجمه" (٨٣٧) عن أبي بكر أحمد بن محمد السعدي، عن أبي كريب، به. وانظر ما قبله.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن عمرو: وهو ابن علقمة بن وقّاص الليثي. وأخرجه أحمد ١٢/ (٧٥٤٦) عن يزيد بن هارون، بهذا الإسناد - وقرن بيزيد عبدَ الله بنَ نمير. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٩٠٦) من طريق أبي بكر بن عياش، وهنّاد في "الزهد" (٢١٢) عن عبدة بن سليمان، وابن ماجه (٤٣٢٧) من طريق محمد بن بشر العبدي، ثلاثتهم عن محمد بن عمرو، به. فهؤلاء مع من قبلهم خمسةٌ ثقات رووه عن محمد بن عمرو مرفوعًا، وهو المحفوظ، وستأتي الإشارة إلى الموقوف لاحقًا عند المصنف. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٨١٧)، والترمذي (٢٥٥٧) في آخر حديث طويل من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. =
[ ١ / ٤١٠ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فإنَّ يزيد بن هارون ثبتٌ وقد أسنده في جميع الروايات عنه، وأَوقَفَه (^١) الفضلُ بن موسى السِّيناني وعبدُ الوهاب بن عبد المجيد عن محمد بن عمرو.
أما حديثُ الفضل بن موسى:
٢٨٢ - فأخبرنا الحسن بن محمد بن حَليم المروَزي، حدثنا أبو الموجِّه، حدثنا يوسف (^٢) بن عيسى، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة قال: يُؤتَى بالموت يومَ القيامة، فذكر الحديث موقوفًا (^٣).
وأما حديث عبد الوهاب بن عبد المجيد:
٢٨٣ - فأخبرَناه أبو محمد بن زياد العَدْل، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا بُندَارٌ، حدثنا عبد الوهاب؛ فذكره بإسناده موقوفًا عن أبي هريرة (^٤).
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٩٠٧) و١٥/ (٩٤٤٩) من طريق عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وأخرجه مختصرًا أحمد ١٤/ (٨٥٣٥)، والبخاري (٦٥٤٥)، وابن حبان (٧٤٤٩) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - بلفظ: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى منادٍ: يا أهل الجنة؛ خلود فلا موت فيه، ويا أهل النار، خلود فلا موت فيه".
(٢) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: ووافقه، وكانت كذلك في (ز) ثم صححت إلى: وأوقفه، وهو الصواب.
(٣) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: سفيان، وكذا هو في "إتحاف المهرة" ١٦/ ١٨٥، وقد تكرر هذا الإسناد عند المصنف في بضعة مواضع بذكر يوسف على الصواب.
(٤) إسناده حسن وقد تابع يوسفَ بنَ عيسى - وهو ثقة - في روايته هذا الحديث موقوفًا عن الفضل بن موسى: الحسينُ المروزيُّ في زياداته على "زهد ابن المبارك" (١٥٣٣)، وخالفهما عليُّ بن خشرم عند ابن حبان (٧٤٥٠) فرواه عن الفضل مرفوعًا، وهو المحفوظ كما في الحديث السابق.
(٥) إسناده حسن كسابقه. بندار: هو محمد بن بشار. ولم نقف على رواية عبد الوهاب هذه عند غير المصنف فيما بين أيدينا من المصادر
[ ١ / ٤١١ ]
وقد اتَّفق الشيخانِ على إخراج هذا الحديث بغير هذا اللفظ من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد (^١).
٢٨٤ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن إسحاق الفاكِهي بمكة، حدثنا أبو يحيى عبد الله بن أحمد بن أبي مَسَرَّة، حدثنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرَقي، حدثنا مُسلم بن خالد، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن ابن سابِطٍ، عن عمرو بن ميمون الأَوْدي قال: قام فينا معاذُ بن جبل فقال: يا بني أَوْدٍ، إني رسولُ رسولِ الله ﷺ، تعلمون! المَعَادُ إلى الله، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامةٌ لا ظَعْنَ فيها (^٢)، وخلودٌ لا موتَ، في أجسادٍ لا تموت (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٤٧٣٠)، ومسلم برقم (٢٨٤٩). ويشهد له أيضًا حديث ابن عمر عند البخاري (٦٥٤٨)، ومسلم (٢٨٥٠).
(٢) هكذا في (ب)، وفي بقية النسخ: فيه.
(٣) خبر صحيح، وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد من أجل مسلم بن خالد - وهو الزَّنجي - فإنه ضعيف يعتبر به، وقد توبع، وباقي رجال الإسناد ثقات. ابن سابط: هو عبد الرحمن. وأخرجه البيهقي في "البعث والنشور" (٥٨٦) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه البزار (٣٦٨٨ - كشف الأستار)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٦٣٠، وأبو نعيم في "الحلية" ١/ ٢٣٦، و"معرفة الصحابة" (٥١٤٠) من طرق عن مسلم بن خالد، به. وأخرجه الطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٣٧٥)، و"الأوسط" (١٦٥١)، و"مسند الشاميين" (١١١٧)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (١٠٧) من طريق بقية بن الوليد، عن حبيب بن صالح الطائي، عن ابن سابط، عن معاذ بن جبل. فأسقط عمرَو بنَ ميمون. وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" (١٥٦٦)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٢٣٦، والخلّال في "السنة" (١١٩٣)، والشاشي في "مسنده" (١٤٠٣)، وابن بطة في "الإبانة" ٢/ ٦٧٧ من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن معاذ بن جبل. ورجاله ثقات إلّا أنه منقطع بين الشعبي ومعاذ. وأخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده" كما في "المطالب العالية" للحافظ ابن حجر (٢٨٦٢) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق السبيعي، عن سعيد بن وهب الهمداني، عن معاذ بن جبل. قال الحافظ: هذا إسناد صحيح.
[ ١ / ٤١٢ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، رواتُه مكِّيُّون، ومسلم بن خالد الزَّنْجي إمام أهل مكة ومُفتِيهم، إلّا أنَّ الشيخين قد نَسَبَاه إلى أنَّ الحديث ليس من صَنْعته، والله أعلم.
٢٨٥ - حدثنا عَبْدانُ بن يزيد الدَّقَّاق، بهَمَذان، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا حمَّاد بن سَلَمة، عن ثابت البُناني وأبي عِمران الجَوْني، عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، عن أبي موسى في قوله ﷿: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، قال: جنَّتَانِ من ذهبٍ للسابقين، وجنَّتانِ من فِضّة للتابعين (^١).
هذا إسناد صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه هكذا، إنما خرَّجا من حديث الحارث بن عُبيد وعبد العزيز بن عبد الصمد، عن أبي عِمران الجَوْني، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، عن النبي ﷺ: "جَنَّتانِ من فضَّة" الحديث، وليس فيه ذكرُ السابقين والتابعين (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح. أبو عمران الجوني: هو عبد الملك بن حبيب الأزدي. وأخرجه البيهقي في "البعث والنشور" (٢١٩) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الدينوري في "المجالسة" (١٤١٤) من طريق سليمان بن حرب، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (١٤٢) من طريق معاذ العنبري، كلاهما عن حماد بن سلمة، به. وخالف مؤمَّل بن إسماعيل عند البيهقي في "البعث" (٢٢٠) فرواه عن حماد بن سلمة بهذا اللفظ مرفوعًا، ومؤمَّل سيئ الحفظ. وتابع حمادَ بنَ سلمة عليه موقوفًا حمادُ بن زيد عند البيهقي في "البعث" (٢١٨). وسيأتي عند المصنف برقم (٣٨١٤) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن حماد بن سلمة.
(٢) أخرجه البخاري (٤٨٧٨) و(٧٤٤٤)، ومسلم (١٨٠) من طرق عن عبد العزيز بن عبد الصمد، بهذا الإسناد - بلفظ: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلّا رداء الكِبْر على وجهه في جنة عدن". ولتمام تخريجه انظر "مسند أحمد" ٣٢/ (١٩٦٨٢).
[ ١ / ٤١٣ ]
٢٨٥ م - سمعتُ أبا الحسن عليَّ بن عمر الحافظ يقول: سمعت أبا الفضل الوزير يقول: سمعت مأمون المصري يقول: قلت لأبي عبد الرحمن النَّسَائي: لمَ تَرَكَ محمدُ بن إسماعيل حديثَ حمّاد بن سلمة؟ فقال: والله إنَّ حماد بن سلمة أخيرُ وأصدقُ من إسماعيل بن أبي أُويس؛ وذكر حكايةً طويلة شبيهة بالاستبدال بالحارث بن عبيد عن حماد.
٢٨٦ - حدثني عبد الله بن عمر بن علي (^١) الجَوهَري بمَرْو من أصل كتابه، حدثنا يحيى بن ساسَوَيهِ بن عبد الكريم، حدثنا سُوَيد بن نصر، حدثنا ابن المبارَك، عن مَعمَر، عن قتادة، عن زُرَارة بن أَوفى، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "يومُ القيامةِ كقَدْرِ ما بينَ الظُّهر والعصر" (^٢).
هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين إن كان سويد بن نصر حَفِظَه، على أنه ثقةٌ مأمونٌ.
٢٨٧ - فقد أخبرنا الحسن بن محمد بن حَلِيم، أخبرنا أبو الموجِّه، أخبرنا عَبْدانُ، حدثنا عبد الله، عن (^٣) مَعمَر، عن قَتَادة، عن زُرَارة بن أَوفى، عن أبي هريرة قال: يومُ
_________________
(١) = أما حديث الحارث بن عبيد فهو بنحوه، أخرجه أحمد ٣٢/ (١٩٧٣١)، والحارث بن عبيد ليس بذاك القوي، وحديثه هذا ليس عند أحدهما، وله عند مسلم (٢٨٣٨) بهذا الإسناد عن أبي موسى مرفوعًا قال: "إنَّ للمؤمن في الجنة لخيمةً من لؤلؤة مجوَّفة، طولها ستون ميلًا، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا"، وهو متابعٌ عليه عنده، وأخرجه البخاري (٣٢٤٣) من طريق همام عن أبي عمران الجوني، ثم ذكر الحارثَ بن عبيد في المتابعات.
(٢) كذا وقع في النسخ الخطية: علي، والمشهور: علَّك، وله ترجمة في "سير أعلام النبلاء" ١٦/ ١٦٨.
(٣) صحيح موقوفًا، يحيى بن ساسويه أو شيخه سويد بن نصر قد رواه من هو أوثق منهما عن عبد الله بن المبارك موقوفًا كما سيأتي في الحديث التالي. وأخرجه أبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" كما في "الغرائب الملتقطة" لابن حجر (٣٥٥٤) من طريق الحاكم في "المستدرك".
(٤) تحرَّف لفظ "عن" في النسخ الخطية إلى: بن.
[ ١ / ٤١٤ ]
القيامة على المؤمنين كقَدْر ما بينَ الظُّهر والعصر (^١).
٢٨٨ - حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا السَّرِيّ بن خُزَيمة، حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ.
وأخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن [أبي] أيوب، أخبرني أبو صَخْر، عن نافع قال: كان لابن عمر صديقٌ من أهل الشام يكاتبُه، فكَتَبَ إليه عبدُ الله بن عُمر: أنه بَلَغَني أنك تكلَّمت في شيءٍ من القَدَر، فإياك أن تكتبَ إليَّ، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّه سيكون في أمَّتي أقوامٌ يكذِّبون بالقَدَر" (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتجَّ بأبي صخرٍ حميد بن زياد، ولم يُخرجاه.
٢٨٩ - حدثنا أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن الفقيه إملاءً، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "القَدَريَّة مَجُوسُ هذه الأُمَّة، إن مَرِضُوا فلا تَعُودُوهم، وإن ماتوا فلا تَشْهَدُوهم" (^٣).
_________________
(١) إسناده صحيح وهو موقوف. أبو الموجِّه: هو محمد بن عمرو الفزاري، وعبدان: هو عبد الله بن عثمان المروزي، وعبد الله: هو ابن المبارك. وهو في "الزهد" لابن المبارك برواية نعيم بن حماد برقم (٣٤٨)، ولفظه فيه: يقصر يومئذ على المؤمن حتى يكون كوقت الصلاة. ورواه عن عبد الله بن المبارك أيضًا أبو أسامة حماد بن أسامة عند ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٩/ ٣٠٤٩.
(٢) إسناده حسن إن شاء الله، وذلك من أجل أبي صخر: وهو حميد بن زياد. والحديث في "مسند أحمد" ٩/ (٥٦٣٩)، وعن أحمد أخرجه أيضًا أبو داود (٤٦١٣).
(٣) إسناده ضعيف لانقطاعه، أبو حازم - وهو سلمة بن دينار - لم يسمع من ابن عمر، وبهذا أعلَّه المنذري في "مختصر سنن أبي داود" ٧/ ٥٨. =
[ ١ / ٤١٥ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن صحَّ سماعُ أبي حازم من ابن عمر، ولم يُخرجاه.
وشاهدُه:
٢٩٠ - ما حدَّثَناه أبو أحمد بكر بن محمد الصَّيرَفي بمَرْو، حدثنا عبد الصمد بن الفضل البَلْخي، حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثني عطاء بن دينار، حدثني حَكِيم بن شَرِيك الهُذَلي، عن يحيى بن ميمون الحضرمي، عن رَبِيعة الجُرَشي، عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ قال: "لا تُجالِسوا أهلَ القَدَر ولا تُفاتحوهم" (^١).
هذا آخر كتاب الإيمان
_________________
(١) = والحديث في "سنن أبي داود" برقم (٤٦٩١). وانظر التعليق على "مسند أحمد" ٩/ (٥٥٨٤).
(٢) إسناده ضعيف لجهالة حكيم بن شريك. وأخرجه أحمد ١/ (٢٠٦)، وأبو داود (٤٧١٠)، وابن حبان (٧٩) من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود (٤٧٢٠) من طريق ابن وهب، عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث وسعيد بن أبي أيوب، به.
[ ١ / ٤١٦ ]