٢١٥٩ - أخبرنا الحسين بن الحسن بن أيوب، حدثنا أبو يحيى بن أبي مَسَرَّة المكي.
وأخبرنا بكر بن محمد الصَّيرفي، حدثنا عبد الصمد بن الفضل.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه وأبو بكر بن بالَوَيهِ، قالا: أخبرنا بشر بن موسى؛ قالوا: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا موسى بن عُليّ بن رَبَاح، قال: سمعت أبي يقول: سمعت عمرو بن العاص يقول: بعث إليَّ رسول الله ﷺ، فأتيتُه، فأمرني أن آخذَ عليَّ ثيابي وسلاحي، ثم آتيَه. قال: ففعلتُ، ثم أتيتُه وهو يتوضأ، فصعَّد فِيَّ البصر، ثم طأطأَ، ثم قال: "يا عمرو، إني أُريد أن أبعثَك على جيش، فيُغنِمُك اللهُ ويُسلِّمُك، وأَزعَبُ لك زَعْبةً (^١) صالحةً من المال"، قال: فقلتُ: يا رسول الله، إني لم أُسلِم رغبةً في المال، ولكني أسلمتُ رغبةً في الإسلام، وأن أكونَ مع رسول الله، فقال: "يا عمرو، نِعِمَّا بالمال الصالح للرجلِ الصالح" (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه، إنما خَرَّجا (^٣) في إباحة طلب
_________________
(١) تصحف في النسخ الخطية إلى: وأرغب لك رغبة، بالراء المهملة ثم بالغين المعجمة، وإنما هي بالزاي المعجمة ثم بالعين المهملة، من: زَعَب يَزعَبُ، أي: أُعطيك دُفعةً من المال، وأصل الزَّعْب: الدفع والقَسْم. قاله ابن الأثير في "النهاية".
(٢) إسناده صحيح. أبو يحيى بن أبي مَسَرَّة: هو عبد الله بن أحمد بن أبي مَسَرَّة، وعبد الصمد بن الفضل: هو ابن موسى البَلْخي، وأبو بكر بن إسحاق: هو أحمد بن إسحاق بن أيوب الصِّبْغي، وأبو بكر بن بالَوَيهِ: هو محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ الجلّاب النَّيسابوري. وأخرجه أحمد ٢٩/ (١٧٧٦٤) عن عبد الله بن يزيد المقرئ، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد أيضًا (١٧٧٦٣) و(١٧٨٠٢)، وابن حبان (٣٢١٠) و(٣٢١١) من طرق عن موسى بن عُلَيّ، به. وسيأتي برقم (٢٩٦٣) من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث عن موسى بن عُلَي.
(٣) البخاري (٢٨٤٢) و(٦٤٢٧)، ومسلم (١٠٥٢).
[ ٣ / ٩٨ ]
المال حديثَ أبي سعيد الخُدْري: "من أخذه بحقِّه فنِعمَ المعونةُ هو" فقط.
٢١٦٠ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرنا سليمان بن بلال.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا إسماعيل بن قُتيبة، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا سليمان بن بلال.
وأخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل، حدثنا جدِّي، حدثنا إسماعيل بن أبي أُويس، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني عبد الله بن سليمان بن أبي سَلَمة، أنه سمع معاذ بن عبد الله بن خُبيب الجُهَني يحدِّث عن أبيه، عن عمِّه: أنَّ رسول الله ﷺ خرج عليهم وعليه أثرُ غُسل، وهو طيّبُ النفس، قال: فظننا أنه ألمَّ بأهله، فقلنا: يا رسول الله، نراكَ أصبحت طيِّبَ النفسِ، قال: "أجل، والحمدُ لله"، قال: ثم ذكر الغِنى، فقال رسول الله ﷺ: "لا بأس بالغِنى لمن اتّقى، والصحة لمن اتّقى خيرٌ من الغنى، وطِيبُ النفسِ من النعيم" (^١).
هذا حديث مدنيٌّ صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه، والصحابي الذي لم يُسمِّه سليمان بن بلال هو يَسارُ بن عبد الله الجُهَني (^٢).
٢١٦١ - أخبرنا أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ويحيى بن بُكَير، قالا: حدثنا الليث بن سعد.
_________________
(١) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد ٣٨/ (٢٣١٥٨) و(٢٣٢٢٨)، وابن ماجه (٢١٤١) من طريقين عن عبد الله بن سليمان بن أبي سلمة، بهذا الإسناد.
(٢) كذا جزم الحاكم بأنَّ اسمه يسار بن عبد الله، بينما أفاد ابن منده في "معرفة الصحابة" أنَّ اسمه عبيد، كما نقله عنه الحافظ في "النكت الظراف" ١١/ ١٦٩ (١٥٦٠٦)، وفي "تهذيب التهذيب" في ترجمة عبد الله بن خبيب، وسماهُ ابن الأثير في "أُسْد الغابة" عبيد بن معاذ بن أنس.
[ ٣ / ٩٩ ]
وأخبرنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي وأبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور، قالا: حدثنا عُمر (^١) بن حفص السَّدُوسي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا الليث بن سعد، عن بُكير بن عبد الله بن الأشَجّ، عن الضحَّاك بن عبد الرحمن بن خالد بن حِزام، عن جده خالد بن حِزام: أنَّ حكيم بن حِزام أعانَ (^٢) بفرسين يوم حُنَين (^٣) فأُصيبا، فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: أصيبَ فرسايَ يا رسول الله، فأعطاهُ، ثم استزادَه فزادَه، ثم استزادَه، فقال رسول الله ﷺ: "يا حكيمُ، إنَّ هذا المالَ خَضِرةٌ حُلْوةٌ، ومن سأل الناسَ أعطَوه، والسائلُ منها كالآكِلِ ولا يَشبَعُ" (^٤).
_________________
(١) تحرَّف في (ب) إلى: عثمان، وفي (ع) إلى: عمرو، وهو عمر بن حفص أبو بكر السَّدوسي، له ترجمة في "تاريخ بغداد" ١١/ ٢١٦.
(٢) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: أغار، من الغارة، والمثبت على الصواب من "تلخيص المستدرك" للذهبي، ومن "إتحاف المهرة" للحافظ (٤٣٥٥) من المعونة، وهو الذي في مصادر تخريج الحديث عدا "تاريخ دمشق"، ونظنه تحرَّف فيها أيضًا، والله أعلم.
(٣) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: خيبر، وجاء على الصواب في مصادر التخريج، وحكيم لم يسلم إلّا في فتح مكة بعد خيبر، وقد شهد حنينًا.
(٤) حديث صحيح دون ذكر الإعانة بفرسين، وهذا إسناد ضعيف لجهالة الضحاك بن عبد الرحمن، فلم يرو عنه غير بكير بن الأشج، وقد تفرَّد بذكر الإعانة بالفرسين، ثم هو مرسلٌ فلم يذكر أحدٌ من أصحاب الليث في إسناده خالد بن حزام إلّا عاصم بن علي - وهو ابن عاصم الواسطي - وهو لا بأس به لكن له ما يُنكر، وخالفه أبو الوليد الطيالسي وعيسى بن حماد وغيرهما من الثقات، فرووه عن الليث فلم يذكروا خالد بن حزام، وكذلك رواه عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج. وعلى فرض صحة ذكر خالد بن حزام في إسناده على التنزُّل، فهو منقطع أيضًا إن كان خالد المذكور هو ابنَ حزام على ظاهر ما وقع هنا، وأنه أخو حكيم بن حزام، وقد مات في حياة النبي ﷺ قبل أخيه حكيم، فيتعذر سماع الضحاك منه، وإن كان هو خالد بن حكيم بن حزام، ونسب إلى جده، فيمكن سماع الضحاك منه، وعلى أي حالٍ فلا يثبت ذكر خالد في إسناده كما بينّا، والله أعلم. لكن روي الحديث من وجوه أخرى صحيحة عن حكيم بن حزام، فالاعتماد عليها في تصحيح هذا الحديث. =
[ ٣ / ١٠٠ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢١٦٢ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرنا سليمان بن بلال، حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن سُويد، عن أبي حُميد الساعِدي، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أجمِلُوا في طلبِ الدُّنيا، فإنَّ كلًّا مُيسَّرٌ لما كُتِبَ له منها" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢١٦٣ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا عبد الله بن الليث المروَزي، حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي
_________________
(١) = وأخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" ٦/ ٥٢، وابن قانع في "معجم الصحابة" ١/ ١٦٥، والطبراني في "الكبير" (٣١١٢) من طريق أبي الوليد الطيالسي، والطبراني (٣١١٢) من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، ومن طريق شعيب بن يحيى التُّجِيبي، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١٥/ ١١١ من طريق عيسى بن حماد، أربعتهم عن الليث بن سعد، عن بكير، عن الضحاك، عن حكيم بن حزام، إلّا عيسى فقال: أنَّ حكيم بن حزام، فذكره. وأخرجه الطبراني (٣١١٣) و(٣١١٤) من طريق عمرو بن الحارث، عن بكير، عن الضحاك، فأما في الموضع الأول فقال: عن حكيم، وفي الموضع الثاني فقال: أنَّ حكيم بن حزام. وأخرجه البخاري (١٤٧٢) و(٢٧٥٠)، ومسلم (١٠٣٥) من طرق عن الزُّهْري، عن عروة بن الزُّبَير وسعيد بن المسيب، عن حكيم بن حزام. لكن دون ذكر أنَّ القصة كانت في حُنين. وقد ورد النص بأنها كانت في حنين في رواية عبد الرزاق (١٦٤٠٧) عن معمر، وكذا في رواية ابن وهب في "جامعه" (٥٨٥ - أبو الخير) عن يونس بن يزيد، كلاهما عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيب مرسلًا. وانظر ما سيأتي برقم (٦١٦٣).
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه ابن ماجه (٢١٤٢) من طريق عُمارة بن غَزِيَّة، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، بهذا الإسناد. لكن بلفظ: "فإنَّ كُلًّا مُيسَّر لما خُلِقَ له". وللإجمال في الطلب عدةُ أحاديث سيذكرها المصنف بعد هذا الحديث.
[ ٣ / ١٠١ ]
هِلال، عن محمد بن المُنكَدِر، عن جابر بن عبد الله، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تَستبطِئوا الرزقَ، فإنه لم يَكُن عبدٌ لِيموتَ حتى يبلُغَ آخرَ رِزقٍ هو له، فأجمِلُوا في الطلَب؛ أَخْذِ الحلال وتَرْكِ الحرام" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
وشاهدُه عن أبي الزُّبَير عن جابر صحيح على شرط مسلم:
٢١٦٤ - أخبرَناه أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جُرَيج، عن أبي الزُّبَير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ أحدَكُم لن يموتَ حتى يَستكمِلَ رزقَه، فلا تَستبطِئوا الرزقَ، واتقُوا اللهَ أيها الناسُ، وأجمِلُوا في الطلَبِ، خُذُوا ما حَلَّ، ودَعُوا مَا حَرُمَ" (^٢).
وأيضا شاهدٌ عن ابن مسعود، بزيادات ألفاظٍ:
٢١٦٥ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان، حدثنا ابن بُكير (^٣)، حدَّثني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن سعيد بن أبي أُميّة الثقفي، عن يونس بن كَثير (^٤)، عن ابن مسعود، أنَّ رسول الله ﷺ
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل عبد الله بن الليث المروَزي، فقد روى عنه جمع من الثقات، ولا يُعرف بجرح، وقد توبع. أحمد بن عيسى: هو المصري المعروف بالتُّسْتَري. وأخرجه ابن حبان (٣٢٣٩) من طريق حرملة بن يحيى، عن عبد الله بن وهب، بهذا الإسناد. وانظر ما بعده، وما سيأتي برقم (٨١٢٢). وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أبي يعلى (٦٥٨٣)، وإسناده حسن.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات، وقد صرَّح ابن جُرَيج وأبو الزُّبَير بسماعهما عند ابن الطيوري في "الطيوريات" (١٢٧). وأخرجه ابن ماجه (٢١٤٤) من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن جُرَيج، به.
(٣) وقع في (ب): ابن أبي بكير، بإقحام لفظة "أبي"، وإنما هو يحيى بن عبد الله بن بكير، كثيرًا ما يُنسب لجده.
(٤) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: بكير، والمثبت على الصواب من رواية البيهقي في "الاعتقاد" =
[ ٣ / ١٠٢ ]
قال: "ليس من عَمَلٍ يُقرِّب إلى الجنة إلّا قد أمرتُكم به، ولا عَمَلٍ يُقرِّب إلى النار إلّا قد نهيتُكم عنه، فلا يَستبطئنَّ أحدٌ منكم رزقَه، إنَّ جبريل ﵇ ألقَى في رُوعِي أنَّ أحدًا منكم لن يَخرُجَ من الدنيا حتى يَستكمِلَ رزقَه، فاتقُوا اللهَ أيها الناسُ وأَجمِلُوا في الطَّلَبِ، فإن استبطأَ أحدٌ منكم رزقَه فلا يطلُبْه بمعصيةٍ، فإنَّ الله لا يُنالُ فضلُه بمعصيةٍ" (^١).
_________________
(١) = ص ١٧٣ إذ روى هذا الحديث عن الحاكم، وجاء على الصواب أيضًا في "إتحاف المهرة" ١١/ (١٤٠٠٨).
(٢) صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لجهالة كلٍّ من يونس بن كثير وسعيد بن أبي أمية الثقفي، لكنهما متابَعان، وليس هذا الثاني بسعيد بن أبي أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص الذي ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، كما ظنه بعض المعاصرين، فذاك أُمويّ، وصاحب يونس بن كثير ثقفيّ، وجاء في "تاريخ البخاري" تسميته بسعيد بن أمية الثقفي، دون لفظة "أبي"، وعلى أي حالٍ فكلاهما مجهولٌ الأموي والثقفي. وقد روي الحديث عن ابن مسعود من وجه آخر لكنه منقطع كما سيأتي، إلّا أن له شواهد يتقوّى بها إن شاء الله تعالى. وأخرجه البيهقي في "الاعتقاد" ص ١٧٣، وفي "القضاء والقدر" (٢٣٥) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٢٧، وإسحاق بن راهويه كما في "المطالب العالية" (٩٢٧)، وهناد في "الزهد" (٤٩٤)، وابن مردويه في "ثلاثة مجالس من أماليه" (٢٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٨٩١)، والبغوي في "شرح السنة" (٤١١١) و(٤١١٣) من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الملك بن عمير وزبيد بن الحارث اليامي - وبعضهم يقتصر على أحدهما - كلاهما عن ابن مسعود. ولفظ ابن أبي شيبة: عن عبد الملك بن عمير، قال: أُخبرتُ أنَّ ابن مسعود قال. وقال الحافظ ابن حجر في "المطالب": فيه انقطاع. وهو كما قال، لأنهما لم يدركا ابن مسعود. وقد وصله من هذا الطريق أبو عمر هبيرة بن محمد التمار في روايته عن هُشَيم عن إسماعيل بن أبي خالد، فقال: عن زبيد الإيامي، عن مُرّة - وهو ابن شراحيل الهمْداني - عن ابن مسعود. أخرجه من طريقه الدارقطني في "العلل" ٥/ ٢٧٤ (٨٧٥)، وذكر أنَّ المنقطع أصحُّ. ويشهد للحديث بطوله بنحو لفظه مرسَلُ المطَّلب بن عبد الله بن حَنْطَب عند الشافعي في "الأم" =
[ ٣ / ١٠٣ ]
٢١٦٦ - حدثنا أبو زكريا العَنْبَري وعلي بن عيسى وأبو بكر بن جعفر، قالوا: حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العَبْدي، حدثنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ، حدثنا المُعتمِر بن سليمان، عن أبيه، عن حَنَش بن قيس الرَّحَبي، عن عِكْرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يُغبَطنَّ جامعُ المالِ من غير حِلِّه - أو قال: من غير حقِّه - فإنه إن تَصدَّق لم يُقبَلْ منه، وما بقي كان زادَه إلى النار" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢١٦٧ - حدثنا علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا بِشْر بن موسى الأسدي، حدثنا الحُميدي، حدثنا سفيان، قال: سمعتُه من عاصم ومن عبد الملك بن أعْيَنَ ومن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائلٍ، عن قيس بن أبي غَرَزةَ، قال: كنا قومًا نُسمَّى السماسرةَ،
_________________
(١) = ٩/ ٧٠، وهو مرسل قويُّ الإسناد. ويشهد لأوله دون قصة الرزق حديث أبي ذر عند الطبراني (١٦٤٧)، ورجاله ثقات. ويشهد لشطره الثاني في مسألة الرزق والإجمال في طلبه حديثُ جابر بن عبد الله وحديث أبي حميد السابقين.
(٢) إسناده ضعيف جدًّا من أجل حَنَش بن قيس الرحبي - واسمه حُسين، وحنش لقبه - فهو متروك الحديث، ولهذا تعقَّب المنذري تصحيح الحاكم بقوله: كيف وحنش متروك؟! وأخرجه أبو العباس السرَّاج في "حديثه" (٢٦١٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥١٣٨) من طريق علي بن عاصم الواسطي، عن أبي علي حنش الرحبي، به. وأخرجه ابن حبان في "المجروحين" ١/ ٢٤٢ من طريق حصين بن نمير، عن حنش، لكنه قال: عن عطاء عن ابن عمر! وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: "من تصدق بعَدل تمرةٍ من كسب طيّب، ولا يقبل اللهُ إلّا الطيّب، وإنَّ الله يتقبلها بيمينه، ثم يربّيها لصاحبه كما يربّي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل"، أخرجه البخاري (١٤١٠) ومسلم (١٠١٤) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري. وقال ﷺ: "من جمع مالًا حرامًا ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر، وكان إصرُه عليه"، وقد سلف عند المصنف برقم (١٤٥٦) من حديث أبي هريرة أيضًا، وإسناده حسن في المتابعات والشواهد. وانظر تمام شواهده هناك.
[ ٣ / ١٠٤ ]
وكنا نَبيع بالبَقيع (^١)، فأتانا رسول الله ﷺ، فسمَّانا بأحسنَ من اسمِنا، فقال: "يا معشرَ التجار، إنَّ هذا البيعَ يحضُرُه الكذبُ واليمينُ فشُوبُوهُ بالصدقةِ" (^٢).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه؛ لِما قدَّمتُ ذِكرَه من تفرُّد أبي وائل بالرواية عن قيس بن أبي غَرَزَة (^٣)، وهكذا رواه منصورُ بن المعتمِر والمغيرةُ بن
_________________
(١) وقع في (ز): بالنقيع، بالنون، معلَّمًا فوقها بعلامة تصحيح، ولم يظهر إعجامها في (ص). وفي (ب) و(ع): البقيع، بالباء الموحدة، وهو الذي جاء في سائر مصادر تخريج الحديث، وهو الصحيح، والبقيع الذي كان السوق فيه هو بقيع الخيل، ويسمى أيضًا بقيعَ المصلَّى، وقد ضبطه أبو الحسن السَّمْهودي في "وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى" ٢/ ٢٦١ - ٢٦٢، وفرَّق بينه وبين النقيع الذي بالنون، لأنَّ هذا الذي بالنون الحِمى الذي حَمَاه رسولُ الله ﷺ لإبل الفَيء والصدقة، وخطَّأ النوويَّ في تسميته بقيعَ الغرقد أيضًا، لكن ذلك ليس خطأً، كما سيأتي بيانه عند الحديث (٢٣١٦).
(٢) إسناده صحيح من جهة جامع بن أبي راشد، حسن من جهة صاحبيه الآخرين عبد الملك بن أعين وعاصم: وهو أبي النَّجود المعروف بابن بهدلة. سفيان: هو ابن عيينة، وأبو وائل: هو شقيق بن سلمة. وأخرجه أحمد ٢٦/ (١٦١٣٤)، وأبو داود (٣٣٢٧)، والنسائي (٤٧٢٠) و(٤٧٢١) من طرق عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. ولم يذكر أحمد في روايته عبد الملك بن أعين، واقتصر النسائي في الموضع الأول عليه. وأخرجه الترمذي (١٢٠٨) من طريق أبي بكر بن عياش، عن عاصم وحده، به. وقال: حسن صحيح. وأخرجه أحمد (١٦١٣٥)، وأبو داود (٣٣٢٦)، وابن ماجه (٢١٤٥)، والترمذي (١٢٠٨ م) من طريق الأعمش، عن أبي وائل، به. وانظر ما بعده. السماسرة: جمع سِمْسَار، وهو القيّم بالأمر الحافظ له، وهو في البيع اسمٌ للذي يدخُل بين البائع والمشتري متوسِّطًا لإمضاء البيع، والسمسرة: البيع والشراء. وقوله: فشوبوه، أي: اخلطوه، وإنما أمرهم بالصدقة لما يجري بينهم من الكذب والربا والزيادة والنقصان في القول، لتكون كفارةً لذلك.
(٣) انظر الكلام على هذه المسألة عند الحديث المتقدم برقم (٩٧).
[ ٣ / ١٠٥ ]
مِقْسَم وحَبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل.
أما حديث منصورٍ:
٢١٦٨ - فأخبرَناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفّار، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، حدثنا أبو حُذيفة ومحمد بن كثير، قالا: حدثنا سفيان الثَّوْري، عن منصور.
وأخبرنا أبو بكر بن إسحاق وأبو محمد بن موسى، قالا: أخبرنا محمد بن أيوب، أخبرنا يحيى بن المغيرة السَّعْدي، حدثنا جَرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن قيس بن أبي غَرَزَة الغِفاري، قال: كنا بالمدينة، فنبيعُ الأوساقَ ونبتاعُها، وكنا نسمي أنفسَنا السماسرةَ ويُسمِّينا الناسُ، فخرج علينا رسولُ الله ﷺ ذاتَ يوم، فسمَّانا باسمٍ هو خَيرٌ مِن الذي سمَّينا أنفسَنا وسمّانا الناسُ، فقال: "يا مَعشَرَ التجار، إنه يشهدُ بيعكم اللغوُ والحَلِفُ، فَشُوبُوه بصدقةٍ" (^١).
وأما حديث المغيرة:
٢١٦٩ - فحدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا إبراهيم بن مَرْزُوق، حدثنا أبو داود الطَّيالِسي.
وأخبرنا أبو عمرو بن السَّمّاك، حدثنا علي بن إبراهيم الواسطي، حدثنا وهب بن جَرير.
وأخبرني عبد الرحمن بن الحسن القاضي بهَمَذَان، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا آدم بن أبي إياس.
_________________
(١) إسناده صحيح. أحمد بن محمد بن عيسى: هو القاضي البِرْتي، وأبو حذيفة: هو موسى بن مسعود النَّهدي، ومحمد بن كثير: هو العَبْدي، وأبو بكر بن إسحاق: هو أحمد بن إسحاق بن أيوب الصِّبغي، وأبو محمد بن موسى: هو عبد الله بن محمد بن موسى الكَعْبي، ومحمد بن أيوب: هو ابن الضُّريس الرازي، وجرير: هو ابن عبد الحميد، وأبو وائل: هو شقيق بن سلمة. وأخرجه النسائي (٤٧٢٣) و(٦٠١٢) من طريقين عن جرير بن عبد الحميد، بهذا الإسناد.
[ ٣ / ١٠٦ ]
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق وعلي بن حَمْشاذَ، قالا: أخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا مسلم بن إبراهيم؛ قالوا: حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن أبي وائل، عن قيس بن أبي غَرَزَة، قال: أتانا النبيُّ ﷺ إلى السوق، فقال: "يا مَعشَرَ التجار، إنَّ هذا السوقَ يخالِطُها حَلِفٌ، فشُوبُوها بصدقةٍ" (^١).
وأما حديث حَبيب بن أبي ثابت:
٢١٧٠ - فأخبرَناه أبو عبد الله الصفّار، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا أبو المثنَّى، حدثنا مُسدَّد، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت.
وأخبرنا عبد الرحمن بن الحسن القاضي، حدثنا إبراهيم بن الحُسين، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة.
وأخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا أبو المثنَّى، حدثنا علي بن الجَعْد، حدثنا شعبة.
وأخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن حَبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن قيس بن أبي غَرَزَة، قال: جاءنا رسول الله ﷺ ونحن نبيع الرَّقيقَ بالمدينة، وكنا نُسمَّى السماسرةَ، فسمّانا بأحسنَ مما سمَّينا به أنفسَنا، فقال: "يا معشرَ التجار، إنَّ هذا البيعَ يحضُرُه اللغوُ والأيمانُ، فشُوبُوه بالصدقة" (^٢)، هذا لفظ حديث الثَّوْري.
_________________
(١) إسناده صحيح. إبراهيم بن الحسين: هو ابن علي، المعروف بابن دِيْزِيل. وأخرجه أحمد ٢٦/ (١٦١٣٦)، والنسائي (٤٧٢٢) من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، بهذا الإسناد.
(٢) إسناده صحيح. أبو حذيفة: هو موسى بن مسعود النَّهدي، وسفيان: هو الثَّوري، وأبو المثنى: هو معاذ بن المثنّى، ويحيى: هو ابن سعيد القطان. =
[ ٣ / ١٠٧ ]
٢١٧١ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، حدثنا كَثير بن هشام، حدثنا كُلْثوم بن جَوشَنٍ القُشَيري، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "التاجرُ الصَّدوق، والأمينُ المُسلِم، مع الشهداء يومَ القيامة" (^١).
كُلْثومٌ هذا بصريٌّ قليل الحديث، ولم يُخرجاه.
وله شاهدٌ في مَرَاسيل الحسن:
٢١٧٢ - أخبرَناه علي بن محمد بن عُقبة الشَّيباني، حدثنا إبراهيم بن إسحاق
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ٢٦/ (١٦١٣٧) عن بَهْز بن أسد، عن شعبة، بهذا الإسناد. وأخرجه أيضًا (١٦١٣٨) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثَّوري، به.
(٢) إسناده جيد كما قال الذهبي في "الميزان" في ترجمة كلثوم بن جوشن، فقد وثَّق كلثومًا هذا البخاريُّ وابنُ معين، وضعَّفه أبو حاتم، وقال أبو داود: منكر الحديث، واضطرب فيه قول ابن حبان، فأورده في "الثقات"، وأيضًا في "المجروحين" وأورد له هذا الحديث الواحد، وحُكم الذهبيِّ الذي قدّمناه كان ردًّا عليه في تضعيفه هذا الحديث، فمثل هذا الرجل حقُّه أن يكون جيد الحديث كما انتهى إليه الذهبي، والله أعلم. أيوب: هو ابن أبي تَميمة السَّختياني. وأخرجه ابن ماجه (٢١٣٩) عن أحمد بن سنان، عن كثير بن هشام، بهذا الإسناد. لكن بلفظ: "التاجر الأمين الصدوق المسلم … ". قال الذهبي: هذا الحديث صحيح المعنى، ولا يلزم من المعية أن يكون في درجتهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ الآية. قلنا: ومنه قوله ﷺ: "المرء مع من أحب" جوابًا لمن سأله فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم؟ فأجابه النبي ﷺ بذلك. أخرجه البخاري (٦١٦٩)، ومسلم (٢٦٤٠) من حديث عبد الله بن مسعود، والبخاري (٦١٧٠)، ومسلم (٢٦٤١) من حديث أبي موسى الأشعري. وقد ورد مثل ذلك أيضًا في حديث عمرو بن مرة الجهني عند ابن خزيمة (٢٢١٢) وابن حبان (٣٤٣٨) وغيرهما: أنَّ رجلًا جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلّا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمتُ رمضان، وقمتُه، فممّن أنا؟ قال: "من الصدِّيقين والشهداء".
[ ٣ / ١٠٨ ]
الزُّهْري، حدثنا يَعلى بن عُبيد، حدثنا سفيان، عن أبي حمزة، عن الحسن، عن أبي سعيد الخُدْري، عن النبي ﷺ قال: "التاجرُ الصَّدوق الأمينُ مع النبيين والصِّدِّيقين والشهداء" (^١).
٢١٧٣ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا محمد بن شاذان الجَوهري، حدثنا مُعلَّى بن منصور، أخبرنا إسماعيل بن زكريا، أن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم حدَّثهم عن إسماعيل بن عُبيد بن رِفاعة بن رافع الزُّرقي، عن أبيه، عن جده: أنه خرج مع رسول الله ﷺ إلى المصلَّى بالمدينة، فوجد الناسَ يَتبايعُون، فقال: "يا معشرَ التُّجار". فاستجابوا له، ورفعوا أبصارَهم وأعناقَهم إلى رسول الله ﷺ، فقال: "إنَّ التُّجارَ يُبْعَثُون يوم القيامة فجّارًا، إلَّا مَن اتَّقى وبَرَّ وصَدَقَ" (^٢).
_________________
(١) حسن بما قبله، وهذا إسناد رجاله ثقات غير أنَّ الحسن - وهو البصري - لم يسمع من أبي سعيد الخُدْري فيما نصَّ عليه بهز بن أسد وابن المديني وابن معين وأشار إليه الحاكم هنا. سفيان: هو الثَّوري، وأبو حمزة: هو عبد الله بن جابر البصري. وأخرجه الترمذي (١٢٠٩) من طريقين عن سفيان الثَّوري، بهذا الإسناد. وقال: حديث حسن.
(٢) حسن لغيره، إسماعيل بن عبيد بن رفاعة وإن لم يرو عنه غير عبد الله بن عثمان بن خُثيم صحَّح حديثَه هذا الترمذيُّ والطبريُّ في "تهذيب الآثار" في مسند علي ص ٤٧، وصححه كذلك ابنُ حبان، ويشهد له حديث عبد الرحمن بن شبل الآتي بعده. وأخرجه ابن ماجه (٢١٤٦)، والترمذي (١٢١٠)، وابن حبان (٤٩١٠) من طرق عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، بهذا الإسناد. وقد ورد عند البيهقي في "الشعب" (٤٥٠٧) من حديث البراء بن عازب كلفظ حديث رفاعة هذا، ولكنه معلول بعلتين: أولاهما: أنَّ المحفوظ في لفظه أنه كلفظ حديث قيس بن أبي غَرَزة الذي تقدم عند الحاكم بالأرقام (٢١٦٧ - ٢١٧٠)، فقد أخرجه كذلك ابن أبي شيبة ٧/ ٢١، والترمذي في "العلل الكبير" (٣٠٩)، والروياني في "مسنده" (٤٢٠)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٢٠٨٢)، وتمام الرازي في "فوائده" (١١٦٤) من طُرق عن عبد الله بن بكر، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار، عن البراء بن عازب، وعند بعضهم: أنَّ البراء بن عازب قال. وهذا يشير إلى العلة الثانية، وهي أنَّ عمرو بن دينار لم يسمع من البراء، كما نصَّ عليه ابنُ معين والبخاريُّ. وعليه فلم يُصب =
[ ٣ / ١٠٩ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢١٧٤ - أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد السَّمّاك ببغداد، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو راشد الحُبْراني، أنه سمع عبد الرحمن بن شِبْلٍ يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ التجار هم الفُجّار"، قالوا: يا رسول الله، أليس قد أحلَّ اللهُ البيعَ؟! قال: "بلى، ولكنهم يَحلِفونَ فيأثَمُون، ويحدِّثُون فيَكذِبُونَ" (^١).
_________________
(١) = الشيخ ناصر الألباني ﵀ في تجويد إسناده في "الصحيحة" ٣/ ٤٤١ (١٤٥٨).
(٢) حديث صحيح، رجاله ثقات غير عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي، فهو حسن الحديث في المتابعات والشواهد، وقد توبع. وقد اختُلف في إسناد هذا الحديث على يحيى بن أبي كثير، فقد رواه هشام - وهو ابن أبي عبد الله الدَّستُوائي - عنه عن أبي راشد الحُبْراني، مُصرِّحًا بسماع يحيى من أبي راشد، كما وقع هنا، وكما عند الطبري في "تهذيب الآثار" في مسند علي ص ٤٨ و٥٠ من غير طريقٍ عن هشام الدَّستُوائي. وخالفه أبان بن يزيد العطَّار وعلي بن المبارك - وهما ثقتان - فروياه عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلّام عن جده أبي سلّام عن أبي راشد الحُبْراني، فزاد في الإسناد رجلين زيد بن سلّام وجدَّه كما سيأتي بيانه في الطريق التالية، وزيد وجده ثقتان. ووافق أبانَ وعليًّا معمرُ بن راشد، غير أنه أسقط من إسناده أبا راشد الحُبْراني. وقد صحَّح أبو حاتم الرازي رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي راشد، وكذا رواية يحيى عن زيد بن سلّام عن جده عن أبي راشد كما نقله عنه ابنه في "العلل" (١٦٧٤). وأما البيهقي فرجَّح في "الآداب" (٩٦٠) رواية هشام، بقوله: هشام أحفظ. قلنا: وأما معمرٌ فوهمَ في إسقاطه أبا راشد الحُبْراني من إسناده، لما سيأتي بيانه، والله أعلم. وأخرجه البيهقي في "الآداب" (٩٦٠)، وفي "شعب الإيمان" (٤٥٠٥) عن أبي عبد الله الحاكم بهذا الإسناد. وأخرجه الطبري في "تهذيب الآثار" في مسند علي ص ٤٨ و٥٠ من طريق معاذ بن هشام ومن طريق محمد بن أبي عدي، وأحمد بن منيع في "مسنده" كما في "إتحاف الخيرة" للبوصيري (٢٧٥٥/ ٢) و(٢٧٥٥/ ٥)، والطبري في "تهذيب الآثار" ص ٥٠ من طريق إسماعيل ابن عُليَّة، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٢٠٧٧)، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" (١٢٢) من =
[ ٣ / ١١٠ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
وقد ذكر هشامُ بن أبي عبد الله سماعَ يحيى بن أبي كثير من أبي راشد، وهشام ثقة مأمون، وأدخل أبانُ بن يزيدَ العَطّار بينهما زيد بن سَلّام.
٢١٧٥ - حدَّثَناه علي بن حَمْشاذَ العَدْلُ، حدثنا محمد بن عيسى بن السَّكَن الواسطي، حدثنا عفّان بن مسلم، حدثنا أبان بن يزيدَ العَطّار، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سَلَّام، عن أبي راشد الحُبْراني، عن عبد الرحمن بن شِبْل، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "التُّجّارُ هم الفُجّار، التُّجّارُ هم الفُجّار، التُّجّارُ هم الفُجَّار"، قالوا: يا رسول الله، أليس قد أحلَّ الله البيع؟! قال: "بلى، ولكنهم يقولون ويَكذِبُون، ويَحلِفُون فيَأثَمُون" (^١).
_________________
(١) = طريق عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، أربعتهم عن هشام الدستوائي، به. وأخرجه أحمد ٢٤/ (١٥٦٦٦/ ١)، وعبد بن حميد (٣١٤) عن عبد الرزاق، وابن المنذر في "الأوسط" (٨٢٥٣)، وأبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (٨٠٠) من طريق عبد الله بن المبارك، كلاهما عن معمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام، عن جده أبي سلّام، عن عبد الرحمن بن شبل. فأسقط من إسناده أبا راشد الحُبْراني. وأخرجه الطبري ص ٥٠ من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن معمر، عن يحيى، عن زيد بن سلّام، عن عبد الرحمن بن شبل. فأسقط من إسناده أبا راشد الحبراني وأبا سلّام. وكلا الروايتين عن معمر وهمٌ، إذ الصحيح في رواية يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلّام ذكرُ جده أبي سلّام وذكرُ أبي راشد كما سيأتي بيانه في الطريق التالية.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد اختُلف فيه على يحيى بن أبي كثير كما بيناه عند الطريق السابقة، وقد وقع في إسناد الحاكم هنا وهمٌ، حيث سقط من إسناده ذكرُ أبي سلّام ممطور بين زيد بن سلام وأبي راشد الحُبْراني، فالصحيح في رواية يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلّام أنها عن جده أبي سلّام عن أبي راشد، وهذا الوهم ممَّن دون عفان بن مسلم فيما يغلب على ظننا. فقد أخرجه أحمد ٢٤/ (١٥٦٦٩)، وأبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" كما في "إتحاف الخيرة" (٢٧٥٥/ ٥)، وأخرجه أيضًا البيهقي في "الشعب" (٤٥٠٤) من طريق محمد بن العباس المؤدب، وهو في "جزء عفان بن مسلم برواية محمد بن عبد الله الخلال" ضمن مجموع "أحاديث الشيوخ =
[ ٣ / ١١١ ]
٢١٧٦ - أخبرنا الحسن بن يعقوب العَدْل، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا وهب بن جَرير بن حازم.
وأخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه وأبو بكر بن جعفر القَطِيعي؛ قال أبو بكر بن إسحاق: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت يونس بن عُبيد يحدِّث عن الحسن، عن عمرو بن تَغْلِبَ، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ مِن أشراطِ الساعة أن يَفيضَ المالُ، ويَكثُرَ الجهلُ، وتَظهَرَ الفِتَنُ، وتَفْشُوَ التجارةُ" (^١).
_________________
(١) = الكبار" (١٧١)، أربعتهم (أحمد وابن أبي شيبة ومحمد بن العباس والخلّال) عن عفان بن مسلم، عن أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام، عن جده أبي سلّام، عن أبي راشد الحُبْراني، عن عبد الرحمن بن شبل. وعليه فما وقع عند ابن قانع في "معجم الصحابة" ٢/ ١٧٥ عن محمد بن العباس المؤدب عن عفان بإسقاط أبي سلّام وهم أيضًا، وقد كان لابن قانع أوهام، بينما إسناد البيهقي إلى محمد بن العباس في غاية الضبط والثقة. وأخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٢٠٧٨)، والطبراني ١٩/ (٧١١) من طريق موسى بن إسماعيل، عن أبان بن يزيد، به. بذكر أبي سلّام في إسناده. وأخرجه الطبري في "تهذيب الآثار" ص ٥٠، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٥/ ٢٦٦، وفي "شعب الإيمان" (٤٥٠٣) من طريق علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، به. بذكر أبي سلام في إسناده كذلك.
(٢) إسناده صحيح. الحسن: هو ابن أبي الحسن البصري. وهو في "مسند أحمد" ٣٩/ (٢٤٠٠٩/ ٧٨)، لكن بلفظ: "ويظهر القلم" بدل الفتن، ودون ذكر كثرة الجهل. وأخرجه النسائي (٦٠٠٥) عن عمرو بن علي الفلّاس، عن وهب بن جرير، بهذا الإسناد. كلفظ رواية أحمد. والذي في مطبوع النسائي: "ويظهر الجهل" مع أنَّ الذي في أصله الخطي: "ويظهر القلم"، وهو الصحيح الموافق لرواية أحمد، فلا مَعدِل عنه، ولا وجه للقول بأنه تحريف كما ادعى المعلِّق على "سنن النسائي الكبرى". وقد فسَّر عمرو بن تغلب صحابي الحديث ظهور القلم بقوله: فإن كان الرجل ليبيع البيع فيقول: =
[ ٣ / ١١٢ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه، وإسناده على شرطهما صحيح، إلّا أنَّ عمرو بن تَغْلِب ليس له راوٍ غير الحسن (^١).
٢١٧٧ - حدثنا محمد بن صالح بن هانئ وإبراهيم بن عِصْمة العَدْل، قالا: حدثنا السَّرِيّ بن خُزيمة، حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، حدثنا زُهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن محمد بن جُبير بن مُطعِم، عن أبيه: أنَّ رجلًا أتى رسولَ الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، أيُّ البلدان شَرٌّ؟ فقال: "لا أدري"، فلما أتاه جبريل ﵇، فقال: "يا جبريل، أيُّ البلدان شَرٌّ؟ قال: لا أدري حتى أسألَ ربي، فانطَلَقَ جبريلُ، فمَكُثَ ما شاء الله أن يمكُث، ثم جاء، فقال: يا محمد، إنك سألتَني: أيُّ البلدان شَرٌّ؟ وإني قلتُ: لا أدري، وإني سألتُ ربي، فقلت: أيُّ البلدان شَرٌّ؟ فقال: أسواقُها" (^٢).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
وقد رواه قيس بن الربيع وعمرو بن ثابت بن أبي المِقْدام عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل (^٣).
_________________
(١) = حتى أستأمر تاجر بني فلان، ويُلتمس في الحي العظيم الكاتب ولا يُوجد. وقال عز الدين بن الأثير في "أسد الغابة" في ترجمة عمرو بن تغلب: يعني: يكثر الذين يكتبون، فإنَّ الكتابة كانت قليلة في العرب.
(٢) قد ذكرنا فيما سلف عند الحديث (٩٧) أنَّ هذه الدعوى من الحاكم غير مسلَّمة في شرط الصحيح، على أنَّ البخاري قد أخرج حديثًا آخر للحسن عن عمرو بن تغلب في أشراط الساعة أيضًا برقم (٢٩٢٧)، فتأكد بطلان تلك الدعوى، والله ولي التوفيق.
(٣) إسناده حسن في المتابعات والشواهد من أجل عبد الله بن محمد بن عقيل، كما تقدم برقم (٣٠٧).
(٤) أخرجه من طريق قيس الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" كما في "بغية الباحث" للهيثمي (٤٢٠)، والطبراني في "الكبير" (١٥٤٥). وأما طريق عمرو بن ثابت فقد تقدَّمت عند المصنف برقم (٣٠٨).
[ ٣ / ١١٣ ]
وله شاهد صحيح:
٢١٧٨ - حدَّثَناه عبد الله بن محمد بن موسى العَدْل، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا علي بن الحسن الهِسنْجاني ويحيى بن المغيرة السَّعْدي، قالا: حدثنا جَرير، عن عطاء بن السائب، عن مُحارِب بن دِثَار، عن عبد الله بن عمر، قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أيُّ البقاع خَيرٌ؟ فقال: "لا أدري"، قال: فأيُّ البقاع شَرٌّ؟ قال: "لا أدري"، فأتاه جبريلُ (^١)، فقال: "سَلْ ربَّك، فقال جبريل: ما نسألُه عن شيء" قال: فانتفَضَ انتفاضةً كاد أن يُصعَقَ منهما محمدٌ ﷺ، فلما صَعِدَ جبريلُ قال الله: "سألك محمدٌ: أيُّ البقاع خيرٌ؟ فقلتَ: لا أدري، وسألك: أيُّ البقاع شَرٌّ؟ فقلتَ: لا أدري، قال: فقال: نعم، قال: فحَدِّثْه أَنَّ خير البِقاعِ المساجدُ، وأنَّ شَرَّ البِقاعِ الأَسواقُ" (^٢).
٢١٧٩ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا مُسدَّد، حدثنا يزيد بن زُريع، حدثنا خالدٌ الحذّاء، عن أبي مَعْشَر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "لِيَليَنِّي منكم أُولُو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يَلُونهم، ولا تختَلِفُوا فتختلفَ قلوبُكم، وإياكُم وهَيْشاتِ الأسواق" (^٣).
_________________
(١) قوله: فأتاه جبريل، أثبتناه من "تلخيص المستدرك" للذهبي، وسقط من نسخنا الخطية، وقد جاء على حاشية (ز) ما نصّه: في حاشية الأصل: لعله سقط منه: فلما نزل جبريل سأله، فقال: لا أدري.
(٢) حسن لغيره، وهذا إسناد رجاله ثقات، لكن عطاء بن السائب اختلط بأخرة، وسماع جرير - وهو ابن عبد الحميد - منه بعد اختلاطه، وقد تقدم برقم (٣١٠).
(٣) إسناده صحيح. خالد الحذّاء: هو ابن مهران، وأبو معشر: هو زياد بن كليب، وإبراهيم: هو ابن يزيد النَّخَعي، وعلقمة: هو ابن قيس النَّخَعي. وأخرجه أبو داود (٦٧٥) عن مُسدَّد، بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم (٤٣٢)، والترمذي (٢٢٨)، وابن حبان (٢١٨٠) من طرق عن يزيد بن زُريع، به. =
[ ٣ / ١١٤ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجه البخاري.
٢١٨٠ - أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبُوبي، حدثنا سعيد بن مسعود، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوّام بن حَوشَب، عن إبراهيم السَّكْسَكِي، عن ابن أبي أَوفى: أنَّ رجلًا أقامَ سلعةً له، فحلَفَ بالله لقد أُعطيَ بها ما لم يُعْطَ بها، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية [آل عمران: ٧٧] (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه (^٢)، إنما اتفقا على حديث عمرو بن دينار والأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: رجل حَلَفَ على سِلْعةٍ له، الحديث (^٣)،
_________________
(١) = وانظر لأوله حديث أبي مسعود البدري السالف برقم (٨٩١). هيشات الأسواق: اختلاطها وما يُوكَسُ فيها الإنسان ويُغبَن، وأن يُحتال عليه فيُسرَق.
(٢) إسناده حسن من أجل إبراهيم السَّكْسَكي - وهو ابن عبد الرحمن - وقد أخرج له البخاري هذا الحديث الواحد، وقال ابن عدي: لم أجد له حديثًا منكر المتن. وأخرجه البخاري (٢٦٧٥) من طريق يزيد بن هارون، بهذا الإسناد. بلفظ: "أعطَى بها ما لم يُعطَها". وأخرجه أيضًا (٢٠٨٨) و(٤٥٥١) من طريق هُشَيم بن بشير، عن العوّام بن حوشب، به. وزاد: ليُوقع فيها رجلًا من المسلمين. قوله: أُعطي بها ما لم يُعطَ بها، ضبط بضم الهمزة وكسر الطاء في "أُعطي"، وضم الياء وفتح الطاء في "يعط"، والمعنى: دُفِعَ له فيها من قِبل المُستامين ما لم يكن أحدٌ دفعه. وضبط أيضًا بفتح الهمزة والطاء في الأول، وضم الياء وكسر الطاء في الثاني، بمعنى: دَفَعَ بها من ماله ما لم يكن دفعه على الحقيقة. أفاده القسطلّاني في "إرشاد الساري" ٤/ ٣٠ عند شرح الحديث (٢٠٨٨). ولا يمنع من ضبطه بضم الهمزة وكسر الطاء في الأول، مع ضم الياء وكسر الطاء في الثاني، ويكون له معنيان: أحدهما: أنه دُفع له فيها من قبل المستامين ما لم يدفعه هذا المستام الأخير، والثاني: أنه دُفع له من قبل المستامين ما أَبَى أن يدفع السلعة به. وكل هذه صور تقع من التجار، ويُحمل الحديث عليها جميعًا.
(٣) بل قد أخرجه البخاري كما قدَّمنا!
(٤) أخرجه البخاري (٢٣٦٩)، ومسلم (١٠٨)، ولفظه عند مسلم: "حلف له بالله لَأَخذها بكذا وكذا، فصدّقه وهو على غير ذلك".
[ ٣ / ١١٥ ]
وهذا غير ذاك بزيادة نزول الآية وغيرها.
٢١٨١ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن سِنان القزّاز، حدثنا وهب بن جَرير، حدثنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدِّث عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شُمَاسة، عن عُقْبة بن عامر الجُهَني، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "المسلمُ أخو المسلمِ، ولا يَحِلُّ لمسلمٍ إن باع من أخيه بيعًا فيه عَيبٌ أن لا يُبيِّنَه له" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢١٨٢ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه وعلي بن حَمْشاذَ العَدْل، قالا: أخبرنا بشر بن موسى، حدثنا الحُميدي، حدثنا سفيان، حدثنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: مَرَّ النبيُّ ﷺ برجلٍ يبيع طعامًا، فأعجبه، فأدخل يدَه فيه، فإذا هو بطعامٍ مَبْلُولٍ، فقال النبيُّ ﷺ: "ليس مِنّا مَن غَشَّنا" (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه هكذا (^٣)، وقد رواه محمد وإسماعيل ابنا جعفر بن أبي كثير عن العلاء.
_________________
(١) إسناده حسن كما قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٧/ ٥٠، يحيى بن أيوب - وهو الغافقي - صدوق حسن الحديث، ومحمد بن سنان القزاز حسن الحديث في المتابعات والشواهد، وقد توبع. جرير: هو ابن حازم. وأخرجه ابن ماجه (٢٢٤٦) عن محمد بن بشار، عن وهب بن جرير، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٢٨/ (١٧٤٥١) من طريق عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، به.
(٢) إسناده صحيح. الحُميدي: هو عبد الله بن الزُّبَير المكي، وسفيان: هو ابن عيينة، وعبد الرحمن: هو ابن يعقوب مولى الحُرَقة. وأخرجه أحمد ١٢/ (٧٢٩٢)، وأبو داود (٣٤٥٢)، وابن ماجه (٢٢٢٤) من طريق سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. بلفظ: "ليس منا من غَشَّ". وانظر تالييه.
(٣) بل قد أخرجه مسلم (١٠٢) من طريق إسماعيل بن جعفر الآتية برقم (٢١٨٤)!
[ ٣ / ١١٦ ]
أما حديث محمد بن جعفر:
٢١٨٣ - فأخبرَناه أبو النضر الفقيه وأبو الحسن العَنَزي (^١)، قالا: حدثنا عثمان بن سعيد الدارِمي، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: جاء النبي ﷺ إلى السُّوق، فرأى حِنطةً مُصَبَّرة، فأدخل يدَه فيها، فوَجَدَ بَلَلًا، فقال: "ألا مَن غشَّنا فليس مِنّا" (^٢).
وأما حديث إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير:
٢١٨٤ - فأخبرَناه دَعْلَج بن أحمد السِّجْزي، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا يحيى بن أيوب.
وحدثنا أبو الفضل بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن محمد بن يزيد، حدثنا علي بن حُجر؛ قالا: حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ مَرَّ على صُبْرةٍ من طعام، فأدخل يدَه فيه، فنالتْ أصابعُه بَلَلًا، فقال: "ما هذا يا صاحبَ الطعام!؟ " فقال: أصابتْه السماءُ يا رسول الله، قال: "أفلا جعلتَه فوقَ الطعامِ حتى يَراهُ الناسُ"، ثم قال: "مَن غشَّ فليس مِنّي" (^٣).
_________________
(١) تصحف في (ز) و(ب) إلى: العنبري، وإنما هو العَنَزي كما في (ص) و(ع)، وهو أحمد بن محمد بن عَبْدُوس، له ترجمة في "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٥١٩.
(٢) إسناده صحيح كسابقه. وقوله: "مُصبَّرة" أي: مُكدَّسَة.
(٣) إسناده صحيح. موسى بن هارون: هو ابن عبد الله الحمّال، ويحيى بن أيوب: هو المَقابري، وأبو الفضل بن إبراهيم: هو محمد بن إبراهيم بن الفضل المزكّي النيسابوري، وإبراهيم بن محمد بن يزيد: هو إبراهيم بن محمد بن خالد بن يزيد المروَزي. وأخرجه مسلم (١٠٢)، والترمذي (١٣١٥) عن علي بن حُجر، ومسلم (١٠٢) عن يحيى بن أيوب المقابري، بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم (١٠٢) عن قتيبة بن سعيد، وابن حبان (١٩٠٥) من طريق موسى بن إسماعيل، كلاهما عن إسماعيل بن جعفر، به. =
[ ٣ / ١١٧ ]
وقد أخرج مسلم حديث سُهيل عن أبيه عن أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال: "مَن غَشّنا فليس مِنّا" (^١). وأما شرحُ الحالِ في هذه الأحاديث فلم يخرجاه (^٢)، وكلُّها صحيحة على شرط مسلم.
٢١٨٥ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدُّوري، حدثنا أبو الجَوّاب الأحوص بن جَوّاب، حدثنا عمار بن رُزَيق، حدثنا عبد الله بن عيسى، عن عُمير بن سعيد، عن عمِّه، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى البقيع، فرأى طعامًا يباع في غَرائر، فأدخل يده، فأخرج شيئًا كَرِهَه، فقال: "مَن غشّنا فليس مِنّا" (^٣).
_________________
(١) = وصُبْرة الطعام، بضم الصاد المهملة وسكون الباء: ما جُمع من الطعام بلا كيل ولا وزن، بعضه فوق بعض.
(٢) أخرجه مسلم (١٠١) من طريقين عن سهيل - وهو ابن أبي صالح السمّان - به.
(٣) بل قد أخرجه مسلم كما قدَّمنا من طريق إسماعيل بن جعفر عن العلاء.
(٤) صحيح لغيره، وهذا إسناد جيدٌ إن شاء الله، وقد اختُلف في اسم التابعي المذكور، فسماه عمار بن رُزَيق عن عبد الله بن عيسى - وهو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى -: عمير بن سعيد، وخالف عمارًا شريكُ بن عبد الله النخعي كما سيأتي تخريجه، فرواه عن عبد الله بن عيسي، فسماه: جميع بن عمير، وقال: عن خاله، وخالفهما قيس بن الربيع كما قال الدارقطني في "العلل" ٦/ ٢٤ (٩٥٤)، فرواه عن عبد الله بن عيسى، فسماه سعيد بن عمير. ونظن أنَّ هذا الأخير هو الصحيح في اسمه، وأنه هو نفسه الذي يروي عنه وائل بن داود حديث "أفضل الكسب" الآتي عند المصنف، فقد رواه سفيان الثَّوري عن وائل بن داود برقم (٢١٨٨)، فسماه سعيد بن عمير، فوافق قيس بن الربيع، وأخطأ شريك النخعي مرة أخرى فرواه عن وائل بن داود برقم (٢١٨٧) فسماه جميع بن عمير، وقال: عن خاله. ونظن أيضًا أنه نفسه الذي يروي عنه سعيد بن سعيد أبو الصبَّاح التغلبي حديث فضل الصلاة على النبي ﷺ الذي أخرجه النسائي في "الكبرى" (٩٨٠٩) و(٩٨١٠)، فقد سماه سعيد بن عمير، وقُيّد في بعض الروايات بسعيد بن عمير بن عقبة بن نِيار. وعليه يدل صنيع البخاري في "تاريخه الكبير" ٣/ ٥٠٢ حيث أورد في ترجمة سعيد بن عمير حديث فضل الصلاة على النبي ﷺ الذي قُيّد فيه بأنه ابنُ عقبة بن نيار، وحديث أطيب الكسب. فخلصنا بذلك إلى أنَّ الصحيح اسم التابعي سعيد بن عمير، وأنَّ شريكًا كان يخطئ في اسمه =
[ ٣ / ١١٨ ]
هذا حديث صحيح، وعَمُّ عمير بن سعيد: هو الحارث بن سويد النَّخَعي (^١).
٢١٨٦ - حدثنا أبو بكر إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الفقيه بالرَّيّ، حدثنا محمد بن الفَرَج الأزرق، حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن يزيد بن أبي مالك، حدثنا أبو سِبَاع، قال: اشتريتُ ناقةً من دار واثِلةَ بن الأسْقَع، فلما خرجتُ بها أدركَني واثلةُ وهو يجُرُّ إزاره، فقال: يا عبدَ الله، اشتريتَ؟ قلتُ: نعم، قال: بُيِّنَ لك ما فيها؟ قلت: وما فيها؟ إنها لَسَمينةٌ ظاهرةُ الصِّحّة؟ قال: أردتَ بها سفرًا أو أردتَ بها لحمًا؟ قلت: أردتُ بها الحجَّ، قال: فارتجِعْها، فقال صاحبُها: ما أردتَ إلّا هذا أصلحك الله؟ تُفسِدُ عَليَّ، قال: إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يَحِلُّ لأحدٍ يبيعُ شيئًا إلّا بيَّن ما فيه، ولا يَحِلُّ لمن عَلِمَ ذلك إلّا بَيَّنَه" (^٢).
_________________
(١) = دائمًا، وأنَّ عمار بن رُزيق قلب اسمه، وإذا ثبت ذلك فسعيد بن عمير هذا هو ابن عقبة بن نِيار، وعمه أبو بردة بن نيار، يعني عمَّ أبيه، وقد روى عن سعيد جمعٌ وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال عنه يعقوب بن سفيان: لا بأس به. وأخرجه ابن أبي خيثمة في السفر الثاني من "تاريخه الكبير" (٢٥٥١) عن أبيه زهير بن حرب، عن أبي الجوّاب الأحوص بن جوّاب، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٢٥/ (١٥٨٣٣) و٢٧/ (١٦٤٨٩) من طريقين عن شريك النخعي، عن عبد الله بن عيسى، عن جميع - وفي الموضع الثاني قال: أو أبي جميع - عن خاله أبي بردة. وانظر تمام تخريجه في "المسند". ويشهد له حديث أبي هريرة السابق. والغرائر جمع غِرارة: وهي وعاء من صوف أو شعر أو خيش، يوضع فيه الحبوب والتبن.
(٢) كذا جزم الحاكم بأنَّ صحابي الحديث هو الحارث بن سويد النخعي، وإنما هو أبو بردة بن نيار كما بينّاه، ولم نجد للحاكم في ذلك سلفًا، والله تعالى أعلم.
(٣) إسناده ضعيف لجهالة أبي سباع، ولانقطاعه، فقد قال ابن معين فيما نقله عنه عباس الدُّوري: أبو جعفر الرازي لم يسمع من يزيد بن أبي مالك شيئًا. وأخرجه أحمد ٢٥/ (١٦٠١٣) عن أبي النضر هاشم بن القاسم، بهذا الإسناد. وأخرج المرفوع منه ابن ماجه (٢٢٤٧) من طريق بقية بن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن =
[ ٣ / ١١٩ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢١٨٧ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدُّوري، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا شَريك، عن وائل بن داود، عن جُميع بن عُمير، عن خاله أبي بُردة، قال: سُئل رسول الله ﷺ: أيُّ الكسب أطيبُ أو أفضلُ؟ قال: "عَمَلُ الرجلِ بيده، وكلُّ بَيعٍ مَبْرُورٍ" (^١).
_________________
(١) = مكحول وسليمان بن موسى، عن واثلة، رفعه بلفظ: "من باع عيبًا لم يُبيّنه لم يَزَل في مقت الله، ولم تزل الملائكة تلعنه". وإسناده ضعيف أيضًا لضعف بقية وشيخه معاوية بن يحيى. ولقوله: "لا يحل لأحد يبيع شيئًا إلّا بيَّن ما فيه" شاهد من حديث عقبة بن عامر الذي تقدم برقم (٢١٨١)، وإسناده حسن.
(٢) حسن لغيره، وهذا إسناد قد أخطأ فيه شريك - وهو ابن عبد الله النخعي - في تسمية التابعي، كما قال محمد بن عبد الله بن نمير فيما نقله عنه البيهقي في "شعب الإيمان" (١١٧٣)، وصحَّح أنَّ اسمه سعيد بن عمير، يعني كما قال سفيان الثَّوري وغيره ممن روى هذا الحديث عن وائل بن داود كما سيأتي، وكذلك قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" ٣/ ٣. وانظر لزامًا تعليقنا على الحديث المتقدم برقم (٢١٨٥). وقد اضطرب شريكٌ في إسناده أيضًا: فرواه عنه أسود بن عامر كما وقع في إسناد المصنف هنا، وخالفه سويد بن عمرو الكلبي، فرواه عن شريك، لكنه قال في روايته عنه: عن عمه، بدل: عن خاله. وخالفهما محمد بن أبان الواسطي، فرواه عن شريك، فقال: عن عبد الله بن عيسى - وهو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى - عن جميع بن عمير أو عمير بن جميع، عن خاله أبي بردة بن نيار. والظاهر أنه هنا دخل له حديث في حديث، لأنَّ المحفوظ في هذا الحديث أنه من رواية وائل بن داود، كما رواه الثَّوري وغيره عنه، وأما الحديث الذي يرويه عبد الله بن عيسى فهو حديث "من غشّنا فليس منا"، كما رواه عمار بن رُزيق عنه، ورواه شريك نفسه عنه، وقد تقدم برقم (٢١٨٥)، والله تعالى أعلم. وفيه علة أخرى، وهي أنَّ المحفوظ في هذا الحديث أنه عن سعيد بن عمير مرسلًا، كما نبَّه عليه البخاري وأبو حاتم وغيرهما كما سيأتي بيانه عند الرواية التالية إن شاء الله. وأخرجه أحمد ٢٥/ (١٥٨٣٦) عن أسود بن عامر، بهذا الإسناد. وانظر تمام تخريجه من هذه الطريق فيه. =
[ ٣ / ١٢٠ ]
٢١٨٨ - حدثنا أبو العباس، حدثنا العباس بن محمد، حدثنا الأسود بن عامر، أخبرنا سفيان الثَّوْري، عن وائل بن داود، عن سعيد بن عمير، عن عمه، قال: سُئل رسول الله ﷺ: أيُّ الكسبِ أفضلُ؟ قال: "كَسْبٌ مَبْرُورٌ" (^١).
_________________
(١) = وأخرجه البزار في "مسنده" (٣٧٩٨) عن عبدة بن عبد الله، عن سويد بن عمرو الكلبي، عن شريك، عن وائل بن داود، عن جميع، عن عمه. وأخرجه ابن قانع في "معجم الصحابة" ٣/ ٣٠٤، والطبراني في "الكبير" ٢٢/ (٥١٩) من طريق محمد بن أبان الواسطي، عن شريك، عن عبد الله بن عيسى عن جميع بن عمير أو عمير بن جميع، عن خاله أبي بردة. وانظر تالييه. وفي الباب عن عبد الله بن عمر عند أبي بكر الخلّال في "الحث على التجارة والصناعة والعمل" (٤١)، والطبراني في "الأوسط" (٢١٤٠)، و"الكبير" (١٣٩٣٩)، والإسماعيلي في "معجم شيوخه" ٢/ ٦٤٢ - ٦٤٣، وجوَّد إسناده الدِّمياطي في "المتجر الرابح" ص ٦٣٢، وقال الحافظ في "التلخيص" ٣/ ٣: رجاله لا بأس بهم.
(٢) حسن لغيره، وهذا إسناد رجاله ثقات، لكن الصحيح عن الثَّوري وغيره إرسالُه، فقد قال البخاري في "تاريخه الكبير" ٣/ ٥٠٢: أسنده بعضهم وهو خطأ، ووافقه البيهقي في "السنن الكبرى" ٥/ ٤٣٣ فصحَّح المرسَل، وكذا رجَّح المرسَل أبو حاتم كما في "العلل" لابنه (٢٨٣٧). وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٥/ ٢٦٣، وفي "شعب الإيمان" (١١٧٢) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" ٣/ ١٧٩ - ١٨٠، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (١١٧١) عن أبي نعيم الفضل بن دكين وقبيصة بن عقبة، عن سفيان الثَّوري، عن وائل بن داود، عن سعيد بن عمير، مرسلًا. وأخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٦٩، وابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" (٣١٤) من طريق أبي معاوية، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٥/ ٤٣٣ من طريق محمد بن عبيد الطنافسي، كلاهما عن وائل بن داود، عن سعيد بن عمير، مرسلًا. وتحرَّف اسم عمير في نسخ ابن أبي شيبة الخطية إلى: المسيب، كما نبَّه عليه الشيخ محمد عوامة في طبعته، فالظاهر أنه خطأ قديم تواردت عليه النسخ. =
[ ٣ / ١٢١ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه، ووائل بن داود وابنه بكر بن وائل ثقتان، وقد ذكر يحيى بن مَعِين أنَّ عمَّ سعيد بن عمير البراءُ بن عازب، وإذا اختلفَ الثَّوْري وشريكٌ، فالحُكم للثوريّ.
٢١٨٩ - وحدثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن أحمد بن النضر، حدثنا معاوية بن عمرو، أخبرنا المسعودي، عن وائل بن داود، عن عَبَاية بن رافع بن خَدِيج، عن أبيه، قال: قيل: يا رسول الله، أيُّ الكسبِ أطيبُ؟ قال: "كَسْبُ الرجلِ بيدِه، وكلُّ بَيعٍ مَبْرُورٍ" (^١).
_________________
(١) = وأخرجه ابن أبي حاتم في "العلل" (٢٨٣٧) من طريق أبي إسماعيل المؤدِّب، عن وائل بن داود، عن سعيد بن عمير ابن أخي البراء، عن البراء، كذا رواه موصولًا بذكر البراء، وهو خطأ خالف فيه أبو إسماعيل المؤدّب أصحابَ وائل بن داود، كما تقدم، وأخطأ أيضًا في قوله: سعيد بن عمير ابن أخي البراء، لأنَّ المعروف أنه ابن ابن أخي أبي بردة بن نيار، فأبو بردة عم أبيه كما بيناه عند الحديث (٢١٨٥)، وكما يدل عليه صنيع البخاري في "تاريخه" ٣/ ٥٠٢، وجاء في رواية محمد بن عبيد الطنافسي عن وائل بن داود التي قدّمنا ذكرها: عن سعيد بن عمير أبو أمه البراء، فلا تعارض حينئذٍ، يعني فيكون جدّه لأمه البراءَ وعمُّ أبيه أبا بُردة بن نِيار. وعليه فمن جزم بأنَّ البراء هو عم سعيد بن عمير كابن معين ويعقوب بن سفيان وغيرهما فغير مُصيبٍ، والظاهر أنَّ اعتمادهم في ذلك على رواية أبي إسماعيل المؤدّب المذكورة، وقد بيَّنا أنه لم يُقِم الإسناد، فلا تصلحُ للاعتماد عليها، والله تعالى أعلم.
(٢) حسن لغيره، وهذا إسناد رجاله ثقات، لكن المسعودي - وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهُذلي - كان قد اختلط، وقد خالف في روايته هذا الحديث جميع أصحاب وائل ابن داود كما تقدم في الطريقين السابقتين، إذ رووه عن وائل عن سعيد بن عمير، ولهذا خطّأ روايتَه هذه البيهقي في "السنن الكبرى" ٥/ ٢٦٣، وقال الدارقطني في "الغرائب والأفراد" كما في "أطرافه" لابن طاهر المقدسي ٣/ ٦٤ (٢٠٦٠): تفرَّد به المسعوديُّ، أسنده عن رافع بن خديج. وقال الحافظ في "التلخيص" ٣/ ٣: قول الحاكم في هذا الإسناد: عن أبيه، فيه تجوُّز، فإنه عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج. قلنا: وكذلك وقع في رواية بعض من خرَّجه غير الحاكم: عن أبيه، تجوُّزًا. وأخرجه أحمد ٢٨/ (١٧٢٦٥) عن يزيد بن هارون، عن المسعودي، بهذا الإسناد.
[ ٣ / ١٢٢ ]
وهذا خلافٌ ثالث على وائل بن داود، إلّا أنَّ الشيخين لم يُخرجا عن المسعودي، ومحلُّه الصِّدق (^١).
٢١٩٠ - أخبرني الحسن بن يعقوب بن يوسف العَدْل، حدثنا السَّرِيّ بن خُزيمة، حدثنا عبد الله بن مَسلَمة القَعْنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عِكْرمة، عن ابن عباس: أنَّ رجلًا لَزِمَ غَريمًا له بعشرة دنانير، فقال: والله لا أُفَارِقُك حتَّى تَقضيَني أو تأتيَني بحَمِيلٍ، قال: فتَحمَّل بها النبيُّ ﷺ، فأتاه بقَدْر ما وَعَدَه، فقال له النبيُّ ﷺ: "من أين أصبتَ هذا الذهبَ؟ " قال: من مَعْدِنٍ، قال: "لا حاجةَ لنا فيها، ليس فيها خَيرٌ"، فقَضَاها عنه رسولُ الله ﷺ (^٢).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢١٩١ - حدثنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا الحسن بن سفيان.
وحدثنا علي بن عيسى، حدثنا الحسين بن محمد بن زياد؛ قالا: حدثنا وهب بن بقيّة الواسِطي، حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن الحسن، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لَيأتيَنَّ على الناس زمانٌ لا يبقى فيه أحدٌ إِلَّا أَكَلَ الرِّبا، فإن لم يأكُلْه أصابَه مِن غُبارِه" (^٣).
_________________
(١) هو وإن كان محلُّه الصدق لكنه اختلط كما قدَّمنا، وخالف غيره، فتأكد أنَّ روايته لهذا الحديث في الاختلاط.
(٢) إسناده جيد من أجل عمرو بن أبي عمرو - وهو مولى المطَّلب - فهو صدوق لا بأس به. وأخرجه أبو داود (٣٣٢٨) عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن ماجه (٢٤٠٦) عن محمد بن الصبّاح، عن عبد العزيز بن محمد الدَّراوردي، به. وسيأتي برقم (٢٢٥٩). والحَميل: الكفيلُ والضامنُ. والمعدن: الموضع الذي يُستخرج منه جواهرُ الأرض كالذهب والفضة والنحاس وغير ذلك.
(٣) إسناده ضعيف لانقطاعه، فإنَّ الحسن - وهو البصري - لم يسمع من أبي هريرة، وداود لم يسمع هذا الحديث من الحسن كما نصَّ عليه الدارقطني في "العلل" ١٠/ ٢٥٨ (١٩٩٦)، إلا أنَّ =
[ ٣ / ١٢٣ ]
قد اختلف أئمتُنا في سماعِ الحسنِ عن أبي هريرة، فإن صحَّ سماعُه منه فهذا حديثٌ صحيحٌ.
٢١٩٢ - أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي الشَّيباني بالكوفة، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غَرَزَة، حدثنا جعفر بن عَون، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن القاسم بن يزيد، عن أبي أمامة، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُحتَكَر الطعامُ (^١).
_________________
(١) = الواسطة بينهما قد عُلمت إذ صُرِّح بها في أكثر مصادر التخريج، وهو سعيد بن أبي خيرة. والظاهر أنَّ هذا الاختلاف من داود بن أبي هند، فكان يُسقط أحيانًا ذكر سعيد بن أبي خيرة، كما يدلُّ عليه كلام الدارقطني في "العلل" حيث ذكر أنَّ حفص بن غياث رواه عن داود بن أبي هند أيضًا بإسقاط سعيد بن أبي خيرة. وعلى أيّ حال يبقى في الحديث علة الانقطاع بين الحسن وأبي هريرة. وأخرج أبو داود هذا الحديث (٣٣٣١) عن وهب بن بقية، به فذكر سعيد بن أبي خيرة فيه. وأخرجه ابن ماجه (٢٢٧٨) من طريق إسماعيل ابن عُليَّة، والنسائي (٥٩٩٩) من طريق محمد بن أبي عدي، كلاهما عن داود بن أبي هند عن سعيد بن أبي خيرة، عن الحسن، عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد ١٦/ (١٠٤١٠)، وأبو داود (٣٣٣١) من طريق عباد بن راشد، عن سعيد بن أبي خيرة، به. وأخرج البخاري (٢٠٨٣) من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ من المال، أمِن الحلال أم من الحرام".
(٢) إسناده صحيح، لكن وقع فيه خطأ في تسمية القاسم، حيث قُيد بابن يزيد، وإنما هو القاسم بن عبد الرحمن الدمشقي أبو عبد الرحمن، وهو المعروف بالرواية عن أبي أمامة، وجاء تقييده على الصواب في رواية محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَني في "مسنده" وكذا في رواية ابن المنذر في "الأوسط". وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (١٠٦٩٩) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وفيه: القاسم بن يزيد. وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٦/ ١٠٢، وفي "المسند" كما في "إتحاف الخيرة" للبوصيري (٢٧٤٣/ ٢)، وابن أبي عمر العَدَني في "مسنده" كما في "إتحاف الخيرة" (٢٧٤٣/ ١)، والرُّوياني في "مسنده" (١١٩٩)، وابن المنذر في "الأوسط" (٧٩٨١)، والطبراني في "الكبير" (٧٧٧٦)، =
[ ٣ / ١٢٤ ]
قد أخرج مسلم حديث محمد بن إسحاق (^١)، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن المسيب، عن مَعمَر بن عبد الله بن نَضْلةَ، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يَحتَكِرُ إلّا خاطئٌ".
وهذا الحديث أحدُ ما يُنقَضُ عليه أن لا يصحَّ حديثُ صحابيٍّ لا يروي عنه تابعيان (^٢)، فإنَّ معمرًا هذا ليس له راوٍ غير سعيد بن المسيب، وأما حديث القاسم عن أبي أمامة فليس بذلك اللفظ.
وقد روي في الزَّجْر عن احتكار الطعام والتقاعُد عن مُواساةِ المسلمين في الضِّيق أخبارٌ (^٣) لا بدَّ من ذكرها في هذا الموضع، لمَا دُفِع المسلمونَ إليه في الوقت.
فمنها:
٢١٩٣ - ما أخبرَناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفّار، حدثنا أحمد بن مِهْران، حدثنا عُبيد الله (^٤) بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن علي بن سالم بن ثَوبان، حدثني علي
_________________
(١) = وفي "مسند الشاميين" (٥٩٥)، وأبو طاهر المخلِّص في "المخلصيات" (٢٢٤٠/ ٢) من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، به. والاحتكار المنهيّ عنه شرعًا - كما عرَّفه ابن حجر في "فتح الباري" ٧/ ١٢١ -: هو إمساك الطعام عن البيع وانتظار الغلاء مع الاستغناء عنه وحاجة الناس إليه. قال: وبهذا فسَّره مالك عن أبي الزِّناد عن سعيد بن المسيب.
(٢) كذا قال الحاكم، وهو وهم منه ﵀، لأنَّ مسلمًا إنما رواه من حديث محمد بن عجلان عن محمد بن عمرو بن عطاء برقم (١٦٠٥)، على أنَّ محمد بن إسحاق قد روى هذا الحديث، لكن عن محمد بن إبراهيم التيمي عن سعيد بن المسيب، وروايته عند أحمد ٢٥/ (١٥٧٥٨)، وابن ماجه (٢١٥٤)، والترمذي (١٢٦٧)، وابن حبان (٤٩٣٦).
(٣) انظر تعليقنا على هذه المسألة عند الحديث (٩٧).
(٤) في النسخ الخطية: لأخبار، والمثبت هو الوجه.
(٥) تحرَّف في (ز) و(ب) إلى: عبد الله، مكبرًا.
[ ٣ / ١٢٥ ]
ابن زيد، عن سعيد بن المسيّب، عن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "المحتكِرُ مَلْعُونٌ" (^١).
ومنها:
٢١٩٤ - ما أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا محمد بن أيوب، أخبرنا عمرو بن الحُصين العُقَيلي، حدثنا أصبَغُ بن زيد الجُهَني، عن أبي الزاهِريّة، عن كثير بن مُرّة الحَضْرمي، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن احتكرَ طعامًا
_________________
(١) إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد - وهو ابنُ جُدعان - وجهالة أو ضعف علي بن سالم بن ثوبان، فقد قال البخاري فيما نقله عنه العقيلي وابن عدي: لا يتابع في حديثه، وقال ابن المديني عن هذا الحديث فيما نقله عنه ابن كثير في "مسند الفاروق" (٤٠٤): حديث كوفي ضعيف الإسناد منكر. وأخرجه ابن ماجه (٢١٥٣) من طريق أبي أحمد الزُّبَيري، عن إسرائيل، بهذا الإسناد. وأخرج أحمد (١٣٥)، وابن ماجه أيضًا (٢١٥٥) من طريق أبي يحيى المكي، عن فرُّوخ مولي عثمان بن عفان، عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس أو بجذام". وذكره أحمد ضمن قصة وقعت لفروخ نفسه هو ومولًى لعمر، وأنَّ عمر قال ذلك مخاطبًا لهما، لكن أبا يحيى مجهول كما قال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٩٩٨)، والذهبي في "المغني في الضعفاء" (٧٨٢٥)، وفي "الميزان"، وقال الذهبي: الخبر منكر. قلنا: ومع ذلك جوّد إسناده المنذري في "الترغيب والترهيب" ٢/ ٣٦٤، وحسّنه ابن حجر في "الفتح" ٧/ ١٢٢، وحسَّن ابن كثير في "مسند الفاروق" ١/ ٣٤٧ الحديثَ بمجموع هاتين الروايتين عن عمر، وبما روي من قوله. قلنا: الذي رُوي من قوله في مطلق النهي عن الاحتكار، دون ذكر عقوبته من اللعن أو الإصابة بالجذام والإفلاس، ومن ذلك قوله: لا يبيع في سوقنا مُحتكِر، أخرجه عبد الرزاق (١٤٩٠١) و(١٤٩٠٢) و(١٤٩٠٣) من طرق مرسلة عن عمر رجالها ثقات. ونحوه عند ابن المنذر في "الأوسط" (٧٩٩١)، والبيهقي ٦/ ٢٩، وأبي القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (٣١٤) من مرسل إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة عن عمر، وبمجموعها يحسُنُ الخبر عن عمر بن الخطاب من قوله موقوفًا عليه دون المرفوع، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ١٢٦ ]
أربعين ليلةً، فقد بَرِئَ من الله وبَرِئَ الله منه، وأيُّما أهلُ عَرَصةٍ أصبح فيهم امرؤٌ جائعًا، فقد بَرِئَت منهم ذِمّةُ الله" (^١).
ومنها:
٢١٩٥ - ما أخبرَناهُ محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الغَسِيلي، حدثنا عبد الأعلى بن حماد النَّرْسِي، حدثنا حماد بن سَلَمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن احتكَر يريدُ أن يُغاليَ بها على المسلمين، فهو خاطئٌ، وقد بَرِئ منه ذمةُ الله" (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف جدًّا لأجل عمرو بن الحصين العقيلي، فهو متروك الحديث كما قال الذهبي في "تلخيصه"، وقد وهم فيه فأسقط من إسناده أبا بشر بين أصبغ وأبي الزاهرية، وذكره يزيد بن هارون في روايته عن أصبغ المذكور، وأبو بشر هذا ليس هو جعفر بن إياس الثقة، وإنما هو رجل شامي، قال عنه ابن معين: لا شيء، وقال عنه أبو حاتم: لا أعرفه، وأصبغ بن زيد ثقة، ولم يُصب ابنُ عدي في عدّ هذا من منكراته، إذ ذكر له ثلاثة أحاديث أنكرها عليه، منها هذا وحديثان آخران، فأما هذا الحديث فالأولى أن يكون الحمل فيه على أبي بشر المذكور، وأما الحديثان الآخران فأحدهما يرويه أصبغ عن يحيى بن عبيد الله التيمي، وهو متروك الحديث، فالحمل عليه فيه أَولى من الحمل على أصبغ، وأما الحديث الآخر فقد توبع عليه عند أبي داود وغيره، فلا نكير عليه فيه، والله الموفق. فيبقى الشأن في هذا الحديث في أبي بشر الشامي، وقد قال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في "العلل" (١١٧٤): هذا حديث منكر، وأبو بشر لا أعرفه. أبو الزاهرية: هو حُدير بن كُريب الحمصي. وأخرجه أحمد ٨/ (٤٨٨٠) عن يزيد بن هارون، عن أصبغ بن زيد، عن أبي بشر، عن أبي الزاهرية، به. ويشهد للقسم الأول من الحديث حديث أبي هريرة الآتي بعده، غير أنه لا يُفرَح به لما سيأتي بيانه. وانظر شواهد القسم الثاني منه عند الحديث الآتي برقم (٢١٩٦).
(٢) إسناده ضعيف جدًّا من أجل إبراهيم بن إسحاق الغَسيلي، فقد قال ابن حبان: يسرق الحديث، وكذلك قال الذهبي في "تلخيصه". وقد رُوي الحديثُ من غير طريقه عن محمد بن عمرو - وهو ابن علقمة - لكن دون ذكر البراءة في آخره. فقد أخرجه أحمد ١٤/ (٨٦١٧) عن سُريج بن النعمان، عن أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن =
[ ٣ / ١٢٧ ]
ومنها:
٢١٩٦ - ما أخبرَناه عبد العزيز بن عبد الرحمن الدَّبّاس بمكة، حدثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ، حدثنا عبد العزيز بن يحيى، حدثنا سليمان بن بلال، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمّه، عن عائشة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ليس بالمؤمنِ الذي يَبيتُ شبعانًا وجارُه جائعٌ إلى جَنْبِه" (^١).
ومنها:
٢١٩٧ - ما أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد، حدثنا جدّي، حدثنا إسماعيل بن أبي أُوَيس، حدثني محمد بن طلحة بن (^٢) عبد الرحمن بن طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن المغيرة، عن عمه اليَسَع بن المغيرة، قال: مَرَّ رسولُ الله ﷺ برجلٍ بالسوق، يبيع طعامًا بسعرٍ هو أرخَصُ من سعر السوق، فقال له: "تبيعُ في سوقِنا بسعر هو أرخَصُ من سعرنا؟ " قال: نعم، قال: "صبرًا واحتسابًا؟ " قال: نعم، قال: "أبشِرْ، فإنَّ الجالِبَ إلى سوقِنا كالمجاهد في سبيل الله، والمحتكِرُ في سوقِنا كالمُلحِد في كتاب الله" (^٣).
_________________
(١) = السِّندي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، به - دون قوله: "وقد برئ منه ذمةُ الله". وإسناده ضعيف لضعف أبي معشر، لكن يشهد لهذا القدر من الحديث حديث معمر بن عبد الله عند مسلم، وقد تقدَّمت الإشارة إليه بإثر الحديث (٢١٩٢).
(٢) إسناده واهٍ بمرة، عبد العزيز بن يحيى - وهو المدني نزيلُ نيسابور - اتهمه البخاري وغيره بوضع الحديث وسرقته. وفي الباب ما يغني عنه كحديث ابن عباس الآتي عند المصنف برقم (٧٤٩٤)، وهو حديث حسن بمجموع شواهده، انظرها هناك.
(٣) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: عن. وإنما هو محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن طلحة التيمي.
(٤) إسناده ضعيف لجهالة عبد الرحمن بن أبي بكر بن المغيرة، ولإرساله، لأنَّ اليسع تابعي صغير معروف، كما بينه الحافظ في "الإصابة" ٦/ ٧٢٢. وقول الذهبي ﵀: إسناده مظلم، فيه مجازفة منه. =
[ ٣ / ١٢٨ ]
ومنها:
٢١٩٨ - ما حدَّثَناه أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا محمد بن يونس، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا زيدٌ أبو المُعلَّى.
وحدثنا أبو بكر قال: وأخبرنا الحسين بن محمد بن زياد، حدثنا عَمرو بن علي، حدثنا المُعتمِر بن سليمان، قال: سمعتُ زيدًا أبا المُعلى يحدِّث عن الحسن، عن مَعقِل بن يَسار، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَن دَخَلَ في شيءٍ من أسعارِ المسلمين ليُغْليَ عليهم، كان حقًّا على الله أن يَقذِفَه في مُعظَمِ جهنَّم، رأسُه أسفلَه" (^١).
هذه الأحاديث الستة طلبتُها وخَرَّجتها في موضعها من هذا الكتاب احتسابًا لما فيه الناسُ من الضِّيق، والله يَكشِفُها، وإن لم يكن مِن شرط هذا الكتاب.
٢١٩٩ - أخبرنا أحمد بن كامل، حدثنا عبد الملك بن محمد، حدثنا سعيد بن عامر وعفّان، قالا: حدثنا شعبة.
وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد، حدثنا مُسدَّد، حدثنا
_________________
(١) = وقد روي عن عمر بن الخطاب من قوله بسند حسن: أنَّ احتكار الطعام بمكة إلحاد، فقيّده بمكة. أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" ٧/ ٢٥٥ - ٢٥٦، والأزرقي في "أخبار مكة" ٢/ ١٣٥، والفاكهي في "أخبار مكة" (١٧٧٦)، وابن المنذر في "الأوسط" (٧٩٨٧). وعن عمر أيضًا قال: من جاء أرضنا بسلعةٍ فليبعها كما أراد، وهو ضيفي حتى يخرج، وهو أسوتنا، ولا يَبعْ في سوقنا محتكر. أخرجه عبد الرزاق (١٤٩٠١ - ١٤٩٠٣)، وانظر تمام تخريجه عند الحديث (٢١٩٣).
(٢) إسناده جيد من جهة الحسين بن محمد بن زياد من أجل زيد أبي المعلَّى - وهو زيد بن مرة، ويقال: يزيد بن أبي ليلى - فهو صدوق لا بأس به، وفي الإسناد الآخر محمد بن يونس - وهو الكديمي - ضعيف جدًّا. وأخرجه أحمد ٣٣/ (٢٠٣١٣) عن عبد الصمد بهذا الإسناد. بلفظ: "فإنَّ حقًّا على الله أن يُقعده بعُظْم من النار يوم القيامة". ومُعظَم جهنم وعُظْمها: وسطُها، قال ابن سِيدَهْ: عُظْم الشيء ومُعظَمه: وسطُه.
[ ٣ / ١٢٩ ]
يزيد بن زُريع، حدثنا شعبة، عن بُرَيد بن أبي مريم، عن أبي الحَوْراء قال: سألتُ الحسنَ بن عليٍّ: ما يَذكُر من رسول الله ﷺ؟ قال: سمعتُه يقول: "دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك، فإنَّ الخيرَ اطمَأْنينةٌ، وإنَّ الشرَّ رِيبةٌ" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
وقد رُوي بلفظ آخر:
٢٢٠٠ - حدَّثَناه أبو زكريا العَنْبري وأبو بكر بن جعفر وعلي بن عيسى وعبد الله بن سعد، قالوا: حدثنا محمد بن إبراهيم العَبْدي، حدثنا أبو صالح مَحْبوب بن موسى، حدثنا أبو إسحاق الفَزاري، عن الحسن بن عُبيد الله النَّخَعي، عن بُرَيد بن أبي مريم، عن أبي الحَوْراء، قال: قلتُ للحسن بن علي: مِثلُ مَن كنتَ في عهد رسول الله ﷺ، وماذا عَقَلتَ عنه؟ قال: أتى رجلٌ رسولَ الله ﷺ، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "دَع ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك، فإنَّ الشرَّ رِيبةٌ، والخيرَ اطمَأْنينةٌ" (^٢).
شاهدُه حديث أبي أُمامة الباهِلي:
_________________
(١) إسناده صحيح. عفان: هو ابن مسلم الصَّفّار، ويحيى بن محمد: هو ابن يحيى القطان، ومُسدَّد: هو ابن مُسَرْهَد، وأبو الحَوراء: هو ربيعة بن شيبان السَّعْدي، والحسن بن علي: هو ابن أبي طالب سِبْط رسول الله ﷺ. وأخرجه أحمد ٣/ (١٧٢٣) و(١٧٢٧)، والترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٥٢٠١)، وابن حبان (٧٢٢) من طرق عن شعبة، بهذا الإسناد. وانظر ما بعده، وما سيأتي برقم (٧٢٢٣).
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي من أجل محبوب بن موسى. أبو إسحاق الفَزاري: هو إبراهيم بن محمد بن الحارث. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٥٣٦٣) عن أبي عبد الله الحاكم، عن أبي زكريا العنبري وحده، بهذا الإسناد. وأخرجه الطبراني (٢٧٠٨)، وعنه أبو نعيم في "الحلية" ٨/ ٢٦٤ عن هاشم بن مرثد الطبراني، عن أبي صالح الفراء - وهو محبوب - به.
[ ٣ / ١٣٠ ]
٢٢٠١ - أخبرَناه أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا موسى بن الحسن بن عبّاد، حدثنا عبد الله بن بكر السَّهْمي، حدثنا هشام الدَّستُوائي.
وأخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام الدَّستُوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سَلّام، عن جدِّه ممطور، عن أبي أمامة: أنَّ رجلًا سأل النبيَّ ﷺ: ما الإيمانُ؟ قال: "إذا سرَّتْك حسنتُك وساءتك سيئتُك، فأنت مؤمنٌ" قال: يا رسولَ الله، ما الإثمُ؟ قال: "إذا حاكَ في صدرك شيءٌ فدَعْهُ" (^١).
٢٢٠٢ - أخبرَناه أبو الحسن أحمد بن محمد العَنَزي، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا عبد الله بن صالح، أخبرني معاوية بن صالح.
وأخبرنا أحمد بن جعفر، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبَير بن نُفَير، عن أبيه، عن نَوَّاس بن سِمْعان الأنصاري، قال: سألتُ النبيَّ ﷺ عن البِرِّ والإثمِ، قال: "البِرُّ حسنُ الخُلُق، والإثمُ ما حاكَ في صدرِك وكرهتَ أن يَطَّلعَ عليه الناسُ" (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح، كما تقدم برقم (٣٣). وهو في "مسند أحمد" ٣٦/ (٢٢١٩٩).
(٢) إسناده صحيح. وهو في "مسند أحمد" ٢٩/ (١٧٦٣١). وأخرجه مسلم (٢٥٥٣) عن محمد بن حاتم بن ميمون، عن عبد الرحمن بن مهدي، بهذا الإسناد. فاستدراك الحاكم له ذهولٌ منه. وأخرجه أحمد (١٧٦٣٣)، والترمذي (٢٣٨٩)، وابن حبان (٣٩٧) من طريق زيد بن الحُباب، ومسلم (٢٥٥٣) من طريق عبد الله بن وهب، كلاهما عن معاوية بن صالح، به. وأخرجه أحمد (١٧٦٣٢) من طريق صفوان بن عمرو، عن يحيى بن جابر القاصّ، عن النواس بن سمعان. قال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في "العلل" (١٨٤٩): لم يلق ابنُ جابر النواسَ، قلنا: ذلك أنَّ يحيى بن جابر هذا إنما يروي عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن النواس، فقد روى عدة أحاديث من أحاديث النواس بهذا الإسناد، وكان ابنُ جابر هذا معروفًا بالإرسال ولا اعتماد =
[ ٣ / ١٣١ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٢٠٣ - أخبرنا أبو العباس القاسم بن القاسم السَّيّاري، حدثنا أبو المُوجِّه، حدثنا عَبْدان، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنَّ رسول الله ﷺ تَضَوَّرَ ذاتَ ليلةٍ، فقيل له: ما أسهَرَك؟ قال: "إني وَجدتُ تمرةً ساقِطةً فأكلتُها، ثم ذَكَرتُ تمرًا كان عندنا من تمر الصَّدقة، فما أدري أمِن ذلك كانتِ التمرةُ، أو من تمرِ أهلي، فذلك أسْهَرَني" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٢٠٤ - حدثنا محمد بن صالح، حدثنا أبو سعيد محمد بن شاذان، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع ومحمد بن يحيى، قالوا: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعمَر، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما أدري أتُبَّعٌ لعينًا كان أم لا، وما أدري ذو القَرْنين أنَبيًّا كان أم لا، وما أدري الحدودُ كفاراتٌ لأهلِها أم لا؟ " (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢٢٠٥ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عيسى اللَّخْمي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا أبو مُعَيد حفص بن غَيلان، حدثنا سليمان بن موسى،
_________________
(١) = على ما وقع في بعض طرق حديثه هنا من تصريحه بالسماع من النواس، فهو خطأ من الراوي عن صفوان بن عمرو كما قال أبو حاتم الرازي فيما نقله عنه ابنه في "العلل".
(٢) إسناده حسن من أجل أسامة بن زيد: وهو الليثي. أبو الموجِّه: هو محمد بن عمرو الفزاري المروَزي، وعَبْدان: هو عبد الله بن عثمان بن جبلة المروَزي، وعبدان لقبُه. وأخرجه أحمد ١١/ (٦٧٢٠) عن أبي بكر الحنفي، و(٦٨٢٠) عن وكيع، كلاهما عن أسامة بن زيد، بهذا الإسناد. تَضَوَّر: أي: تَلَوَّى وتَقَلَّب ظهرًا لبطن.
(٣) إسناده صحيح إن شاء الله كما قدّمنا بيانه برقم (١٠٤).
[ ٣ / ١٣٢ ]
عن نافع، عن ابن عُمر، وعن عطاء بن أبي رَبَاح، عن ابن عبّاس؛ أنهما كانا يقولان: عن رسول الله ﷺ: "مَن اشترى بَيعًا فوَجَبَ له، فهو بالخيار ما لم يُفارِقْه صاحبُه، إن شاء أخذَه، فإن فارقَه فلا خِيارَ له" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ.
٢٢٠٦ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا إسماعيل بن قُتيبة، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا مسلم بن خالد، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ رجلًا اشترى مِن رجل غلامًا في زمن النبي ﷺ، فكان عنده ما شاء الله، ثم رَدَّه مِن عَيْبٍ وَجَدَ به، فقال الرجل حين ردَّ عليه الغلام: يا رسول الله، إنه كان استغلَّ غلامي منذ كان عنده، فقال النبي ﷺ: "الخَرَاجُ بالضَّمَان" (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف لضعف أحمد بن عيسى اللَّخْمي، لكنه متابع. وأخرجه ابن حبان (٤٩١٤) و(٤٩١٥) من طريق زيد بن يحيى بن عُبيد، عن أبي مُعَيد حفص بن غيلان، بهذا الإسناد. وأخرجه بنحوه أحمد ٩/ (٥٤١٨) و١٠/ (٦٠٠٦)، والبخاري (٢١٠٧) و(٢١٠٩) و(٢١١١) و(٢١١٢)، ومسلم (١٥٣١)، وأبو داود (٣١٥٤)، وابن ماجه (٢١٨١)، والترمذي (١٢٤٥)، والنسائي (٦٠١٤ - ٦٠٢٢)، وابن حبان (٤٩١٢) و(٤٩١٦) من طرق عن نافع، عن ابن عمر. زادوا "إلّا بيع الخيار" ولفظ بعضهم: "أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر" وبعضهم يقول: "أو يكون بيع خيار"، وكلها بمعنًى. وأخرجه أحمد ٨/ (٤٥٦٦) و٩/ (٥١٣٠)، والبخاري (٢١١٣)، ومسلم (١٥٣١)، والنسائي (٦٠٢٣ - ٦٠٢٨)، وابن حبان (٤٩١٣) من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، بلفظ: "كل بَيِّعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا، إلّا بيع الخيار". قال الترمذي: معنى قوله ﷺ: "إلّا بيع الخيار" معناه: أن يُخيِّر البائعُ المشتري بعد إيجاب البيع، فإذا خيّره فاختار البيع فليس له خِيار بعد ذلك في فسخ البيع، وإن لم يتفرقا. قلنا: وقد جاء بيان ذلك في رواية الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر عند أحمد ١٠/ (٦٠٠٦)، والبخاري (٢١١٢)، ومسلم (١٥٣١)، وابن ماجه (٢١٨١)، والنسائي (٦٠٢٠).
(٢) حديث صحيح إن شاء الله، مسلم بن خالد - وهو الزَّنجي - ضعيف يُعتبَر به في المتابعات =
[ ٣ / ١٣٣ ]
٢٢٠٧ - حدَّثَناه أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد، حدثنا مُسدَّد، حدثنا مسلم بن خالد، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ رجلًا اشترى غلامًا في زمن النبي ﷺ وبه عَيبٌ لم يَعلَمْ به، فاستغلَّه، ثم عَلِمَ العيبَ فردَّه، فخاصمَه إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنه استغلَّه منذ زمان، فقال رسول الله ﷺ: "الغَلَّةُ بالضَّمَان" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
وقد رواه ابنُ أبي ذئب، عن مَخلَد بن خُفَافٍ، عن عُرْوة، عن عائشة مختصرًا (^٢).
٢٢٠٨ - أخبرَناه عبد الرحمن بن حَمْدان الجَلّاب، حدثنا محمد بن الجَهْم، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا ابن أبي ذِئب.
_________________
(١) = والشواهد، وقد تابعه عمر بن علي المقدَّمي عند الترمذي، وجرير بن عبد الحميد عند أبي عوانة (٥٤٩٣)، وله طريق أخرى عن عروة ستأتي، وقد تلقّى العلماء هذا الحديث بالقَبول، والعمل عليه عندهم كما قال الترمذي. وأخرجه أحمد ٤١/ (٢٤٥١٤) و(٢٤٨٤٧)، وأبو داود (٣٥١٠)، وابن ماجه (٢٢٤٣)، وابن حبان (٤٩٢٧) من طرق عن مسلم بن خالد، بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي (١٢٨٦) من طريق عمر بن علي المقدمي، عن هشام بن عروة، به. وقال: حديث حسن غريب. وانظر ما بعده. قوله: "الخراج بالضمان" معناه: أن ما يحصُل من غَلّة العين المبتاعة عبدًا كان أو أمةً أو مِلكًا، وذلك أن يشتريه فيستغلّه زمانًا، ثم يعثُر منه على عيب قديم لم يُطلعه البائع عليه، أو لم يعرفه، فله ردُّ العين المبيعة وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغلَّه، لأنَّ المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه، ولم يكن له على البائع شيء. والباء في قوله: "بالضمان" متعلقة بمحذوف تقديره: الخراج مستحق بالضمان، أي: بسببه. قاله ابن الأثير.
(٢) حديث صحيح كسابقه.
(٣) لكن أخرجه بعضهم من هذه الطريق مطولًا بنحو لفظ مسلم بن خالد كأبي داود الطيالسي والشافعي وغيرهما.
[ ٣ / ١٣٤ ]
وأخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن أيوب، والحسن بن علي بن زياد، قالا: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا ابن أبي ذِئب.
وأخبرنا أحمد بن يعقوب الثقفي، حدثنا عمر بن حفص السَّدُوسي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا ابن أبي ذئب.
وأخبرني عبد الله بن محمد بن موسى، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا علي بن الجَعد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن مَخلَدِ بن خُفَافٍ، عن عُرْوة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ الخَرَاجَ بالضَّمان" (^١).
وحديث عاصم: قضى رسول الله ﷺ أَنَّ الخَرَاج بالضَّمان (^٢).
رواه الثَّوْري وابنُ المبارك ويحيى بنُ سعيد عن ابن أبي ذئب.
أما حديث الثَّوري:
٢٢٠٩ - فأخبرَناه بَكْر بن محمد الصَّيرفي، حدثنا عبد الصمد بن الفضل، حدثنا قَبيصة، حدثنا سفيان.
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل مخلد بن خُفافٍ، فقد وثقه ابن وضَّاح فيما نقله عنه ابن القطان والذهبي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وصحح حديثه هذا الترمذي وابن القطّان في "بيان الوهم والإيهام" ٥/ ٢١١ - ٢١٢، ثم هو متابع كما في الطريقين اللتين قبله. ابن أبي ذئب: هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة. وأخرجه أحمد ٤٣/ (٢٥٩٩٩) عن يزيد بن هارون، وأبو داود (٣٥٠٨) عن أحمد بن يونس، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٤٢/ (٢٥٢٧٦) عن قُرّان بن تمّام، وابن ماجه (٢٢٤٢)، والنسائي (٦٠٣٧) من طريق وكيع بن الجراح، والترمذي (١٢٨٥) من طريق عثمان بن عمر بن فارس وأبي عامر العقدي، والنسائي (٦٠٣٧) من طريق عيسى بن يونس، وابن حبان (٤٩٢٨) من طريق جعفر بن عون، كلهم عن ابن أبي ذئب، به. وسيأتي من طرق أخرى عن ابن أبي ذئب سيخرجها المصنف بعده.
(٢) وأخرجه البيهقي في "السنن" ٥/ ٣٢١ عن أبي عبد الله الحاكم بإسناده.
[ ٣ / ١٣٥ ]
وحدثنا أبو عبد الله الصَّفار، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، حدثنا أبو حُذيفة، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خُفاف، عن عُرْوة، عن عائشة: أنَّ رسول الله ﷺ قضى أنَّ الخَرَاج بالضَّمان (^١).
وأما حديث ابن المبارك:
٢٢١٠ - فأخبرَناه الحسن بن حَلِيم، أخبرنا أبو الموجِّه، حدثنا عَبْدان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا ابنُ أبي ذئب، عن مَخْلَد بن خُفاف، عن عُرْوة، عن عائشة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الخَراج بالضَّمان" (^٢).
وأما حديث يحيى بن سعيد:
٢٢١١ - فأخبرَناه أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا أبو المثنى، حدثنا مُسدَّد، حدثنا يحيى، عن ابن أبي ذئب، عن مَخْلَد بن خُفاف، عن عُرْوة، عن عائشة: أنَّ رسول الله ﷺ قضى أنَّ الخَرَاج بالضَّمان (^٣).
٢٢١٢ - أخبرنا الشيخ أبو الوليد، أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، حدثنا أبو خَيْثمة زُهير بن حَرْب، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قَتَادة، عن الحسن،
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن كسابقه. قبيصة: هو ابن عقبة السُّوَائي، وأبو حذيفة: هو موسى بن مسعود النَّهْدي. وأخرجه أبو داود (٣٥٠٩) من طريق محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان الثَّوري به عن مخلد قال: كان بيني وبين أناس شركة في عبدٍ، فاقتَويتُه (أي: استخدمته) وبعضنا غائب، فأغلَّ عليّ غلَّةً، فخاصمني في نصيبه إلى بعض القضاة، فأمرني أن أردّ الغَلّة، فأتيت عروة بن الزُّبَير، فحدثتُه، فأتاه عروة، فحدّثه عن عائشة، عن رسول الله ﷺ قال: "الخراج بالضمان".
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن كسابقه. أبو الموجِّه: هو محمد بن عمرو الفزاري، وعَبْدان: هو عبد الله بن عثمان بن جَبَلة، وعبد الله: هو ابن المبارك.
(٣) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن. أبو المثنّى: هو معاذ بن المثنى العَنْبري، ومُسدَّد: هو ابن مُسَرْهَد، ويحيى: هو ابن سعيد القطان. وأخرجه أحمد ٤٠/ (٢٤٢٢٤) عن يحيى القطّان، بهذا الإسناد.
[ ٣ / ١٣٦ ]
عن سَمُرة بن جُندُب، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "البَيِّعانِ بالخِيار ما لم يَتَفَرّقا ويأخُذُ كلُّ واحدٍ منهما من البيع ما يَهْوَى" قالها ثلاثًا (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذه الزيادة (^٢).
حدثنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ إملاءً في جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وثلاث مئة:
٢٢١٣ - أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، حدثنا موسى بن إسحاق القاضي، حدثنا عبد الله بن أبي شَيْبة، حدثنا زيد بن الحُباب، عن الحسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بُريدة، عن أبيه: أنَّ سلمان لما قَدِم المدينة أتى رسولَ الله ﷺ بهديةٍ على طَبَقٍ، فوضعها بين يديه، فقال: "ما هذا يا سلمانُ؟ " قال: صدقةٌ عليك وعلى أصحابك، قال: "إني لا آكُلُ الصدقةَ" فرفعها، ثم جاءه من الغدِ بمثلها، فوضعها بين يديه، فقال: "ما هذا؟ " قال: هديةٌ لك، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "كُلُوا" قال: "لمن أنت؟ " قال: لقومٍ، قال: "فاطلُب إليهم أن يُكاتِبُوك"، قال: فكاتَبُوني على كذا وكذا نخلةً أغرِسُها لهم، ويقومُ عليها سلمانُ حتى تُطعِمَ، قال: ففَعَلُوا، قال: فجاء النبيُّ ﷺ فغَرَسَ النخلَ كلَّه إلّا نخلةً واحدةً غرسَها عمرُ، وأطعَمَ نخلُه مِن سَنَتِه إِلَّا تلك النخلةَ، قال
_________________
(١) إسناده صحيح، وقد ثبت سماع الحسن - وهو البصري - من سمرة كما بيناه برقم (١٥١). قتادة: هو ابن دِعامة السَّدُوسي، وهشام: هو ابن أبي عبد الله الدَّستُوائي. وأخرجه النسائي (٦٠٢٩) عن عمرو بن علي الفلّاس، عن معاذ بن هشام، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٣٣/ (٢٠١٨٢) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن هشام: به. دون قوله: "ويأخذ كل واحد" إلى آخره. وأخرجه أحمد (٢٠١٤٢) و(٢٠٢٥٣) من طريق سعيد بن أبي عَروبة، وأحمد أيضًا (٢٠١٨٩) و(٢٠٢٥٢)، والنسائي (٦٠٣٠) من طريق همام بن يحيى، وأحمد (٢٠٢٤١)، وابن ماجه (٢١٨٣) من طريق شعبة بن الحجاج، ثلاثتهم عن قتادة، به. ولم يذكر سعيد وشعبة في روايتهما قوله في الحديث: "ويأخذ كل واحدٍ" إلى آخره، ولفظ همام: "ويأخذ كل واحدٍ منهما ما رضي من البيع".
(٢) يعني بزيادة قوله: "ويأخذ كل واحدٍ منهما من البيع ما يهوى".
[ ٣ / ١٣٧ ]
رسول الله ﷺ: "مَن غَرَسَها؟ " قالوا: عمرُ، فَغَرَسَها رسولُ الله ﷺ من يده، فحَمَلَت من عامِها (^١).
_________________
(١) إسناده قوي، الحسين بن واقد صدوق لا بأس به. وأخرجه أحمد ٣٨/ (٢٢٩٩٧) عن زيد بن الحباب، بهذا الإسناد. وانظر ما بعده. قوله: "يُكاتبوك" من المكاتبة: وهو أن يُكاتِب الرجلُ عبدَه على مالٍ يؤدّيه إليه العبدُ منجّمًا (أي: مقسَّطًا) فإذا أدّاه صار حُرًّا، وسميت كذلك لأنه يكتب على نفسه لمولاه ثمنه، ويكتب مولاه له عليه العتق. وقوله: "أطعَمَ نخلُه" أي: أثمر، أي: صار ذا طَعْم وشيئًا يؤكل منه. وقد اختلفت الروايات فيما أدَّاهُ سلمان الفارسي مقابل مكاتبته، ففي رواية بُريدة هنا أنه أدَّى كذا وكذا نخلة. هكذا دون تقييد، وزاد أحمد في روايته: فاشتراه رسول الله ﷺ بكذا وكذا درهمًا، وعلى أن يغرس نخلًا. وفي رواية ابن عباس، عن سلمان، وستأتي بعده: أنه كاتب على ثلاث مئة نخلة وبأربعين أوقية. وقد ساق ابن إسحاق في "السيرة" روايةَ ابن عباسٍ بطولها. وفي رواية أبي عثمان النهدي عن سلمان الآتية برقم (٢٨٩٨): أنه كاتب على خمس مئة فَسيلة (أي: فسيلة النخل). وفي رواية أبي الطُّفيل عن سلمان الآتية برقم (٦٦٨٩): أنه كاتب على مئة نخلة، وعلى قطعة من ذهب بوزن نواة. ويوافقه مرسل سعيد بن المسيب عند عبد الرزاق (١٥٧٦٥) وغيره، بذكر عدد النخل، لكن دون ذكر قطعة الذهب. ورجاله ثقات. وفي رواية زيد بن صوحان عن سلمان الآتية برقم (٦٦٨٨): أنَّ أبا بكر اشتراه فأعتقه. واختلفت هذه الروايات أيضًا فيما نبت من النخل المذكور، ففي رواية بُريدة هنا أنها نبتت كلها إلّا واحدة، كان عمر بن الخطاب غرسها بيده. وكذلك في رواية أبي عثمان، غير أنه ذكر أنَّ التي لم تنبت كان سلمان نفسه هو من غرسها. وفي رواية ابن عباس أنه ما مات منها نخلة واحدة. وقد أشار البيهقيُّ في "سننه الكبرى" ١٠/ ٣٢٢ إلى بعض هذه الاختلافات، ثم قال: وفي ثبوت بعض هذه الروايات نظر. وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" ٣/ ٥٢٠: وطريق محمد بن إسحاق أقوى إسنادًا، وأحسن اقتصاصًا.
[ ٣ / ١٣٨ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، أخرجه الشيخُ أبو بكر في باب الرخصة في اشتراط البائع خدمةَ العبد المَبيع وقتًا معلومًا.
وله شاهد من حديث ابن عباس عن سلمانَ صحيحٌ على شرط مسلم:
٢٢١٤ - أخبرَناه أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن شاذان الجَوهَري، حدثنا مُعلَّى بن منصور، حدثنا يعقوب أبو يوسف، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لَبيد، عن ابن عباس، حدثني سلمانُ: أنَّ رجلًا من اليهود اشتراهُ، فقَدِم به المدينةَ، قال: فأَتيتُ رسولَ الله ﷺ بهديةٍ، فقلتُ: هذه صدقةٌ، فقال لأصحابه: "كُلُوا"، ولم يأكل. ثم ذكر الحديث نحوه (^١).
٢٢١٥ - حدثنا علي بن حَمْشاذَ العَدْلُ، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق، حدثنا أبو المثنَّى، حدثنا مُسدَّد، حدثنا عبد الوارث بن سعيد.
وحدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا مُسدَّد، حدثنا يزيد بن زُريع؛ كلهم عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبَيعٌ، ولا شَرطانِ في بيعٍ، ولا
_________________
(١) إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق - وهو المطّلبي، صاحب المغازي والسيرة - وقد صرَّح بسماعه في "السيرة النبوية" برواية ابن هشام ١/ ٢١٤، فانتفت شبهة تدليسه. يعقوب أبو يوسف: هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب صاحب الإمام أبي حنيفة. وأخرجه أحمد ٣٩/ (٢٣٧٢٢) عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، و(٢٣٧٣٧) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزُّهْري، عن أبيه، كلاهما عن محمد بن إسحاق، به. وصرَّح ابن إسحاق أيضًا في رواية إبراهيم بن سعد بسماعه، ورواية ابن أبي زائدة مختصرة بذكر الصدقة والهدية. وسيأتي كذلك عند المصنف من طريق أبي قرة الكندي عن سلمان برقم (٧٢٦٣). وسيأتي مطولًا برقم (٦٦٨٨) من طريق زيد بن صوحان وبرقم (٦٦٨٩) من طريق أبي الطفيل، كلاهما عن سلمان.
[ ٣ / ١٣٩ ]
رِبْحُ ما لم يُضْمَن، ولا بيعُ ما ليس عِندَك" (^١).
_________________
(١) إسناده حسن. أيوب: هو ابنُ أبي تَميمة السَّخْتياني. وأخرجه النسائي (٦١٦٠) عن عمرو بن علي الفلاس وحميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، بهذا الإسناد. دون قوله: "ولا ربحُ ما لم يُضمَن". وأخرجه ابن ماجه (٢١٨٨) عن أزهر بن مروان، عن حماد بن زيد، به. دون ذكر السلف والبيع والشرطين في بيع. وأخرجه أحمد ١١/ (٦٦٧١)، وأبو داود (٣٥٠٤)، وابن ماجه (٢١٨٨)، والترمذي (١٢٣٤)، والنسائي (٦١٨١) من طريق إسماعيل ابن عُليَّة، عن أيوب السختياني، به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وانظر ما بعده. وقوله: "لا يحلُّ سلف وبيع .. " يدخل في باب النهي عن بيعتين في بيعة، وذلك مثل أن يقول: أبيعك هذا العبد بخمسين دينارًا على أن تسلفني ألف درهم في متاع أبيعه منك إلى أجل، أو على أن تقرضني ألف درهم، ويكون معنى السلف: القرض، وذلك فاسد لأنه إنما يقرضه على أن يحابيه في الثمن، فيدخل الثمن في حد الجهالة، ولأنَّ كل قرض جرَّ نفعًا مشروطًا فهو ربا، ولأنَّ في العقد شرطًا ولا يصح. وقوله: "ولا شرطان في بيع" وهو أيضًا بمنزلة بيعتين في بيعة، وهو مثل أن يقول: بعتك هذا الثوب حالًا بدينار ونسيئة بدينارين، فهذا بيع تضمن شرطين يختلف المقصود منه باختلافهما، وهو الثمن ويدخله الغرر والجهالة، ولا فرق في مثل ذلك بين شرط واحد أو شرطين أو أكثر عند أكثر العلماء لأنَّ العلة في ذلك واحدة، وفرَّق أحمدُ بين شرط وبين شرطين عملًا بظاهر الحديث. والمراد من هذه الشروط ما يناقض البيوع ويفسدها كالشروط التي تدخل الثمن في حدّ الجهالة أو ما يوقع في العقد أو في تسليم المبيع غررًا، أو يمنع المشتري من اقتضاء حق الملك في المبيع. ولا تدخل في ذلك الشروطُ التي هي من مصلحة العقد أو من مقتضاه، فهي جائزة. وقوله: "ولا ربحُ ما لم يُضمن" فهو أن يبيعه سلعةً قد اشتراها ولم يكن قبضها فهي من ضمان البائع الأول، ليس من ضمانه، فهذا لا يجوز بيعه حتى يقبضه، فيكون من ضمانه. وقوله: "ولا بيع ما ليس عندك" يعني بيع العين دون بيع الصفة، وهو بيع ما ليس عند البائع في الحال، ويدخل في ذلك بيع كل ما ليس بمضمون على البائع أن يحصله، وكذا بيع الرجل مال غيره موقوفًا على إجازة المالك، وعلة النهي عن ذلك كله الغررُ واحتمال الوجود أو العدم، أفاد =
[ ٣ / ١٤٠ ]
هذا حديث على شرطِ جملةٍ من أئمة المسلمين صحيحٌ، وهكذا رواه داود بن أبي هند وعبد الملك بن أبي سليمان وغيرُهم عن عمرو بن شعيب.
ورواه عطاء بن مسلم الخُراساني عن عمرو بن شعيب بزيادات ألفاظٍ:
٢٢١٦ - أخبرَناه أبو بكر أحمد بن إسحاق، أخبرنا علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب القرشي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا يزيد بن زُرَيع الرَّمْلي، حدثنا عطاءٌ الخُراساني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلت: يا رسولَ الله، إني أسمعُ منك أشياءَ أخافُ أن أنساها، فتأذنُ لي أن أكتُبَها؟ قال: "نعم". قال: فكان فيما كَتَبَ عن رسولِ الله ﷺ: أنه لما بَعَثَ عَتَّابَ بن أَسِيدٍ إلى أهل مكة، قال: "أخبِرْهُم أنه لا يجوزُ بيعانِ فِي بَيعٍ، ولا بَيعُ ما لا يُملَكُ، ولا سلفٌ وبَيعٌ، ولا شرطانِ في بَيعٍ" (^١).
_________________
(١) = ذلك كلَّه الخطابي في "معالم السنن" ٣/ ١٤٠ - ١٤٣، وابن الأثير في "النهاية" في المواد (سلف وشرط وضمن).
(٢) حديث حسن، وهذا إسناد ضعيف لضعف يزيد بن زُريع الرمْلي، وهو غير يزيد بن زريع البصري الحافظ الثقة، ولكنه متابع. وأخرجه عبد الرزاق (١٤٢٢٢)، وسحنون في "المدونة" ٢/ ٤٥٧، والنسائي (٥٠١٠)، وابن حبان (٤٣٢١) من طريق ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص قال … وعند النسائي وابن حبان: عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وهذا مرسل، وقال النسائي فيما نقله عنه المزي في "تحفة الأشراف" ٦/ ٣٦٢ (٨٨٨٥): هذا منكر، وهو عندي خطأ، ونقل عنه الزيلعي في "نصب الراية" ٤/ ١٩ قوله: هذا خطأ، وعطاء الخُراساني لم يسمع من عبد الله بن عمرو بن العاص. وأخرجه أبو سعيد عيسى بن سالم الشاشي في "جزئه" (٩٣) من طريق زيد بن أبي أُنيسة، وابن أبي شيبة ٦/ ٥٧٢ من طريق حجاج بن أرطاة، والطبراني في "الأوسط" (١٤٩٨) من طريق أيوب السختياني، والبيهقي ٥/ ٣١٣ من طريق محمد بن عجلان وعبد الملك بن أبي سليمان، و٥/ ٣٣٩ من طريق الأوزاعي، كلهم عن عمرو بن شعيب، به بقصة عتاب بن أسِيد فقط وما بعثه النبي ﷺ به. وقد تقدَّمت قصة عبد الله بن عمرو دون قصة عتّاب بن أَسِيد من طريق عُقَيل بن خالد عن عمرو =
[ ٣ / ١٤١ ]
٢٢١٧ - أخبرني أبو الحسن علي بن أحمد بن قُرقُوب التمّار بهَمَذان، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا أبو اليمان، أخبرني شعيب بن أبي حمزة، عن الزُّهْري، عن عُمارة بن خُزيمة، أنَّ عمَّه حدثه - وكان من أصحاب النبي ﷺ.
وحدثنا علي بن حَمْشاذَ العَدْلُ، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي والحسن بن علي بن زياد، قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي أُويس، حدثنا أخي أبو بكر، عن سُليمان بن بلال، عن محمد بن أبي عَتيق، عن ابن شهاب، عن عُمارة بن خُزيمة، أنَّ عمَّه أخبره - وكان من أصحاب رسول الله ﷺ: أنَّ رسول الله ﷺ ابتاعَ فرسًا من رجل من الأعراب، فاستَتْبعَه رسولُ الله ﷺ ليقضيَ ثمنَ فرسِه، فأسرع رسولُ الله ﷺ المشيَ، وأبطأ الأعرابيُّ، فطَفِقَ رجالٌ يَعترِضُون الأعرابيَّ ويُساوِمونه الفرسَ، ولا يَشعُرون أنَّ رسولَ الله ﷺ قد ابتاعَه، حتى زاد بعضُهم الأعرابيَّ في السَّومِ، فلما زادُوا، نادى الأعرابيُّ: يا رسولَ الله، إن كنتَ مبتاعًا هذا الفرس فابتَعْه، وإلّا بِعتُه، فقامَ رسولُ الله ﷺ حين سمع نداءَ الأعرابيِّ، حتى أتى الأعرابيَّ، فقال رسول الله ﷺ: "أوَلَيس قد ابتَعْتُ منكَ؟ " قال: لا، والله ما بِعتُكَهُ، قال: "بل ابتَعْتُه منكَ"، فطَفِقَ الناس يَلُوذُون برسول الله ﷺ وبالأعرابيِّ وهما يَتراجَعان، فَطَفِقَ الأعرابيُّ يقول: هَلُمَّ شهيدًا أني بايَعْتُك، فقال خُزيمةُ: أشهدُ أنك بايَعْتَه، فأقبَلَ رسولُ الله ﷺ على خُزيمة، فقال: "بمَ تَشهدُ؟ " فقال: بتصديقِك، فجعلَ رسولُ الله ﷺ شهادةَ خُزيمةَ شهادةَ رجُلين (^١).
_________________
(١) = ابن شعيب عن أبيه ومجاهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص برقم (٣٦٣)، ومن طريق يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو برقم (٣٦٤).
(٢) إسناده صحيح. إبراهيم بن الحسين: هو ابن ديزيل، وأبو اليمان: هو الحكم بن نافع، ومحمد بن أبي عتيق: هو ابن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، وثقه الدارقطني في "سؤالات الحاكم"، والذهبي في "تاريخ الإسلام" ٣/ ٧٢٩، وإنما ذكرنا ذلك في شأن ابن أبي عتيق، لأنه فات الحافظين المزي وابن حجر ذكر توثيق الدارقطني. =
[ ٣ / ١٤٢ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ورجاله باتفاق الشيخين ثقاتٌ، ولم يُخرجاه، وعُمارة بن خزيمة سمعَ هذا الحديث من أبيه أيضًا:
٢٢١٨ - حدَّثَناه الأستاذُ أبو الوليد، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب ومحمد بن إسحاق، قالا: حدثنا عَبْدة بن عبد الله الخُزاعي، حدثنا زيد بن الحُبَاب، حدثني محمد بن زُرَارة بن عبد الله بن خُزيمة بن ثابت، حدثني عُمارة بن خُزيمة، عن أبيه خُزيمة بن ثابت: أنَّ رسول الله ﷺ ابتاعَ من سَواء بن الحارث المُحاربي (^١) فرسًا، فجَحَدَهُ، فشَهِدَ له خُزيمةُ بن ثابت، فقال له رسول الله ﷺ: "ما حَمَلَك على الشهادة ولم تَكُنْ معه؟ " قال: صدَقْتَ يا رسول الله، ولكن صدَّقتُك بما قُلتَ، وعرفتُ أنك لا تقول إلّا حقًّا، فقال: "مَن شَهِدَ له خُزيمةُ أو شَهِدَ عليه فحَسْبُه" (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ٣٦/ (٢١٨٨٣)، وأبو داود (٣٦٧) من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع، بإسناده. وأخرجه النسائي (٦١٩٨) من طريق محمد بن الوليد الزُّبَيدي، عن ابن شهاب الزُّهْري، به. قوله: يلوذُون، أي: يُحيطون. قال الخطابي في "معالم السنن" ٤/ ١٧٣: هذا حديث يضعه كثير من الناس في غير موضعه، وقد تذرّع به قوم من أهل البدع إلى استحلال الشهادة لمن عُرف عنده بالصدق على كل شيء ادّعاه، وإنما وجه الحديث ومعناه: أنَّ النبي ﷺ إنما حكم على الأعرابي بعلمه، إذ كان النبي ﷺ صادقًا بارًّا في قوله، وجرت شهادة خزيمة في ذلك مجرى التوكيد لقوله، والاستظهار بها على خصمه، فصارت في التقدير شهادته له وتصديقه إياه على قوله كشهادة رجلين في سائر القضايا.
(٢) وقع في (ز): المحارمي، بالميم بدل الباء الموحدة، مصححًا عليها، وهو خطأ، والصواب المحاربي، كما وقع في (ص) وغيرها، وقد ذكر هذا الرجلَ في وفد بني محارب غيرُ واحد من أصحاب السير والمغازي، كابن سعد في "الطبقات" ١/ ٢٥٨، وانظر "أسد الغابة" لابن الأثير ٢/ ٣٣٠.
(٣) حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف لجهالة محمد بن زرارة بن عبد الله بن خزيمة، فلم يرو عنه غير زيد بن الحُباب، وقد روى عبدة بن عبد الله أيضًا عن زيد بن الحباب عن محمد بن زرارة قال: حدثني المطلب بن عبد الله بن حنطب، قال: قلت لبني سواء بن الحارث: أبوكم الذي جحد بيعة رسول الله ﷺ … أخرجه ابن منده في "معرفة الصحابة" ١/ ٨٠٩، وعنه أبو نعيم =
[ ٣ / ١٤٣ ]
٢٢١٩ - أخبرني أبو عون محمد بن أحمد بن ماهَان الجزّار بمكة، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن مِنْهال، حدثنا حماد بن سَلَمة، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن جابر، قال: بِعْنا أمهاتِ الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمرُ نهانا فانتَهَينا (^١).
_________________
(١) = في "المعرفة" (٣٥٦٤)، وهذا أشبه في رواية محمد بن زرارة، لأنَّ الزُّهْري قد خالفه كما في الطريق الذي قبله فأسنده عن عمارة بن خزيمة عن عمه، فجعله عن عم عمارة بن خزيمة، وليس عن أبيه، وإن كان عمارة يروي عن أبيه غير ما حديثٍ، والله تعالى أعلم. وأخرجه البيهقي ١٠/ ١٤٦ عن أبي عبد الله الحاكم بهذا الإسناد. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مسنده" (١٩)، والبخاري في "تاريخه الكبير" ١/ ٨٧، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٠٨٤)، وأبو يعلى في "مسنده الكبير" كما في "المطالب العالية" (٤٠١٩/ ٣)، وابن المنذر في "الأوسط" (٦٧٥٢)، والطبراني في "الكبير" (٣٧٣٠)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٢٣٥٧)، والخطيب في "الأسماء المبهمة" ص ١٢١ - ١٢٢، وفي "موضح أوهام الجمع والتفريق" ٢/ ١٠٦، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١٦/ ٣٦٦، وابن بشكوال في "غوامض الأسماء" ص ٣٦٠، وابن الأثير في "أسد الغابة" ٢/ ٣٣١ من طرق عن زيد بن الحباب، به. وبعضهم سمى الأعرابي في روايته: سواء بن قيس، قال الحافظ في "الإصابة" ٣/ ٢٥١: أظنه وهمًا، ثم ذكر رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب التي أشرنا إليها قريبًا، وقد جاء اسمه فيها سواء ابن الحارث، كرواية الأكثرين.
(٢) إسناده صحيح. عطاء: هو ابن أبي رباح. وأخرجه أبو داود (٣٩٥٤)، وابن حبان (٤٣٢٤) من طريقين عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٢٢/ (١٤٤٤٦)، وابن ماجه (٢٥١٧)، والنسائي (٥٠٢١) و(٥٠٢٢)، وابن حبان (٤٣٢٣) من طريق ابن جُرَيج، أخبرني أبو الزُّبَير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كنا نبيع سَرَاريَّنا وأمهاتِ أولادنا والنبي ﷺ فينا حيٌّ، لا نرى بذلك بأسًا. قال البيهقي في "سننه الكبرى" ١٠/ ٣٤٨: ليس في شيء من الطرق أنه اطلع على ذلك وأقرهم عليه ﷺ. وقال ابن حزم في "المحلى" ٩/ ٢١٩: ليس فيه أنَّ رسول الله ﷺ علم ذلك. وقد ثبت عن علي بن أبي طالب أنه قال: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يُبَعن، ثم رأيتُ بعد أن يُبعن، قال عَبيدة السَّلماني: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحبّ إليَّ =
[ ٣ / ١٤٤ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
وله شاهد صحيح:
٢٢٢٠ - أخبرَناه أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن غالب ويوسف بن يعقوب، قالا: حدثنا عمرو بن مرزوق، أخبرنا شعبة، عن زيدٍ العَمِّي، عن أبي الصِّدِّيق الناجِيّ، عن أبي سعيد الخُدْري، قال: كنا نبيعُ أمهاتِ الأولاد على عهدِ رسول الله ﷺ (^١).
٢٢٢١ - فحدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ وأبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ، قالا: حدثنا السَّرِيّ بن خُزيمة، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، حدثنا شَريك، عن حسين بن عبد الله، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "أيُّما أَمةٍ وَلَدَت من سيِّدها، فهي حُرّةٌ بعد موتهِ" (^٢).
_________________
(١) = من رأيك وحدك في الفُرقة. أخرجه عبد الرزاق (١٣٢٢٤). لكن ثبت عن علي أنه رجع عن ذلك أخيرًا إلى رأي عمر، وذلك فيما قاله لِعَبيدة السَّلْماني وشريح: اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف، حتى يكون للناس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي. أخرجه البخاري (٣٧٠٧). قال البَغَوي في "شرح السنة" ٩/ ٣٧٠: هذا يدلُّ على أنه وافق الجماعة على أنها لا تُباع، واختلاف الصحابة إذا خُتم باتفاق وانقرض العصر عليه، كان إجماعًا. قلنا: لكن يعكّر على القول بالإجماع ما رواه سفيان بن عيينة في "جزئه" برواية زكريا بن يحيى (١٩) عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: والله ما أمُ ولدك إلّا بمنزلة شاتك أو بعيرك. قال البخاري في "تاريخه الكبير" ٢/ ٣٨٨: هذا المعروف من فُتيا ابن عباس. قلنا: ولعلَّ قصد ابن عباس أنَّ حكمها كذلك في حال حياة سيدها من حيث عدم استحقاقها حقوق الزوجة الحرة، وعدم ترتب الآثار اللازمة فيه كما في نكاح المسلم للمرأة الحرة، كعدم جواز الزيادة على الأربع في النكاح، والله تعالى أعلم.
(٢) إسناده ضعيف لضعف زيد العَمّي: وهو ابن الحواري أبو الصِّدّيق الناجي: هو بكر بن عمرو، ويقال: ابن قيس. وأخرجه أحمد ١٧/ (١١١٦٤)، والنسائي (٥٢٣) من طريقين عن شعبة، بهذا الإسناد.
(٣) إسناده ضعيف لضعف حسين بن عَبد الله: وهو ابن عُبيد الله بن عباس الهاشمي، وشريك =
[ ٣ / ١٤٥ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
وقد تابعه أبو بكر بن أبي سَبْرة القرشي عن حُسين:
٢٢٢٢ - أخبرَناه أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه ببُخارى، حدثنا أبو عِصمة سهل بن المتوكِّل، حدثنا عبد الله بن مسلمة القَعْنبي، حدثنا أبو بكر بن أبي سَبْرة، عن حُسين بن عبد الله، عن عِكْرمة، عن ابن عباس: أنَّ رسول الله ﷺ قال لأم إبراهيم حين وَلَدتْه: "أعتقَها ولدُها" (^١).
_________________
(١) = - وهو ابن عبد الله النخعي - في حفظه سوء. وأخرجه أحمد ٤/ (٢٧٥٩) و٥/ (٢٩١٠)، وابن ماجه (٢٥١٥) من طرق عن شريك النخعي، بهذا الإسناد. ورواه بنحو هذا اللفظ الدارقطني في "السنن" (٤٢٣٢) من طريق سفيان الثوري، عن حسين بن عبد الله، به. وإسناده واهٍ، فيه من اتُّهم بالكذب.
(٢) إسناده ضعيف جدًّا من أجل أبي بكر بن أبي سَبْرة، فقد اتُّهم بوضع الحديث، وحسين بن عبد الله ضعيف، وقد تُوبعا بمتابعات لا يُعتدُّ بها كما سيأتي، وقد أُعلَّ هذا الخبر بما رواه عكرمة عن عمر من قوله موقوفًا عليه، وبما رواه عطاء عن ابن عباس من قوله أيضًا، كما سنبينه إن شاء الله تعالى. وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" ١٠/ ٢٠٤، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" قسم مسند ابن عباس (٩٥٥)، وابن ماجه (٢٥١٦)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٣١٣٢)، وابن حبان في "المجروحين" ١/ ٢٤٢، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء" ٧/ ٢٩٧، والدارقطني (٤٢٣٣) و(٤٢٣٧ - ٤٢٣٩)، والبيهقي ١٠/ ٣٤٦ من طرق عن أبي بكر بن أبي سَبْرة، بهذا الإسناد. ووقع عند ابن ماجه: أبو بكر النَّهْشَلي: بدل ابن سَبْرة، وهو خطأ نبَّه عليه المزي في "تهذيب الكمال" ٣٣/ ١٠٨. وأخرجه الدارقطني (٤٢٣٤) من طريق محمد بن إسماعيل الجعفري، عن عبد الله بن سلمة بن أسلم، عن حسين بن عبد الله الهاشمي، به. والجعفري وعبد الله وحسين ضعفاء. وأخرجه البيهقي ١٠/ ٣٤٦ من طريق أبي أويس، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة مولى ابن عباس، مرسلًا. ووقع في المطبوع: عن ابن عباس، وهو خطأ، وأبو أويس - وهو عَبد الله بن عبد الله الأصبحي - فيه لِين، وحسين ضعيف. =
[ ٣ / ١٤٦ ]
٢٢٢٣ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، حدثنا عفَّان بن مسلم وحَبّان بن هلال، قالا: حدثنا حماد بن سَلَمة، أخبرنا حُميد، عن أنس: أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الحبِّ حتى يَشتَدَّ، وعن بيع العِنب حتى يَسْوَدّ، وعن بيع التمر حتى يحمرَّ ويَصفرَّ (^١).
_________________
(١) = وقد تابع حُسينًا الهاشمي عبدُ الكريم الجزري عند ابن حزم في "المحلى" ٩/ ١٨، لكن في الإسناد إليه مصعب بن سعيد أبو خيثمة المصيصي، وهو صاحب مناكير وبلايا، وكان يصحف ويدلس وكُفَّ في آخر عمره، فلا اعتداد بمتابعته هذه. وتابع حسينًا كذلك عبدُ الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين الهاشمي عند الدارقطني (٤٢٣٥)، ومن طريقه البيهقي ١٠/ ٣٤٦، من طريق علي بن أبي سارة عنه. وابن أبي سارة هذا ضعيف جدًّا، فلا اعتداد بهذه المتابعة أيضًا. وقد أُعِلَّ هذا الحديث بعلتين أخريين: أولاهما: أنَّ المحفوظ فيه عن عكرمة روايته عن عمر بن الخطاب مرسلًا، كما أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٤٠٦، وأبو القاسم البَغَوي في "الجعديات" (١٧٤٨)، والبيهقي ١٠/ ٣٤٦ من طريق سفيان الثَّوري، عن أبيه، عن عكرمة قال: قال عمر بن الخطاب في أم الولد: أعتقها ولدها وإن كان سقطًا. وعند البَغَوي ومن طريقه البيهقي: عن عكرمة عن عمر. وعكرمة لم يدرك عمر، ولكنه على إرساله أصح من المرفوع. وقد روي عن عمر من وجوه أخرى صحاح من فتواه، كما تقدَّم برقم (٢٢١٩). والعلة الثانية: أنَّ المحفوظ عن ابن عباس فتواه بخلاف برواية حسين الهاشمي عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا، كما أخرجه سفيان بن عيينة في "جزئه" برواية زكريا بن يحيى المروَزي (١٩) عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: والله ما أمُّ ولدك إلّا بمنزلة شاتِك أو بعيرِك. قال البخاري في "التاريخ الكبير" ٢/ ٣٨٨: هذا المعروف من فتيا ابن عباس. قلنا: لكن قد يُحمل قول ابن عباس على مَحملٍ لا يُخالف ما نُقل عن عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة كما أوضحناه عند الحديث (٢٢١٩)، والله تعالى أعلم. وانظر ما قبله.
(٢) إسناده صحيح. حميد: هو ابن أبي حميد الطويل. وأخرجه أحمد ٢١/ (١٣٦١٣)، والترمذي (١٢٢٨) من طريق عفان بن مسلم، بهذا الإسناد. لكنه قال: نهى عن بيع الثمرة حتى تَزْهُو، بدل قوله: عن بيع التمر حتى يحمرّ ويصفرَّ. ولم يذكر =
[ ٣ / ١٤٧ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه (^١)، إنما اتفقا على حديث نافع عن ابن عمر في النهي عن بيع التمر حتى يُزهِي (^٢).
_________________
(١) = الترمذي هذا الحرف فيه، وحسّن الحديث. وأخرجه أحمد (١٣٣١٤)، وأبو داود (٣٣٧١)، وابن ماجه (٢٢١٧)، والترمذي (١٢٢٨)، وابن حبان (٤٩٩٣) من طرق عن حماد بن سلمة، به. وعند أحمد وابن ماجه في روايتهما: نهى عن بيع الثمرة حتى تَزهُو، وعند ابن حبان: عن بيع النخل حتى يزهُو، بدل قوله: عن بيع التمر حتَّى يحمرَّ ويصفر. ولم يذكر أبو داود والترمذي هذا الحرف. وأخرجه أحمد ١٩/ (١٢١٣٨) عن يحيى بن سعيد القطان، والبخاري (٢٢٠٨)، ومسلم (١٥٥٥) من طريق إسماعيل بن جعفر، والبخاري (٢١٩٥) من طريق عبد الله المبارك، و(٢١٩٧) من طريق هُشَيم بن بشير، والبخاري (١٤٨٨)، ومسلم (١٥٥٥)، والنسائي (٦٠٧٢)، وابن حبان (٤٩٩٠) من طريق مالك، خمستهم عن حميد الطويل، عن أنس، بالاقتصار على النهي عن بيع الثمر حتى يزهو. زاد بعضهم: قيل لأنس: ما زَهوُها؟ قال: تحمرّ وتصفرّ، وعند بعضهم: تحمرّ، فقط. ولا خلاف بين ذكر التمر - بالمثناة - وبين ذكر الثمرة أو الثمر - بالمثلثة - فقد قال ابن الأثير في "النهاية" في مادة (ثمر): الثمر: الرُّطب ما دام في رأس النخلة، فإذا قُطع فهو الرُّطب، فإذا كُنز فهو التمر. قلنا: وعليه تكون الرواية التي بالتاء المثناة مجازًا باعتبار ما سيؤول إليه ثمر النخل بعد قطعِه. وروى شعبة عند ابن أبي شيبة في "المصنف" ٧/ ١١٦ قصة العنب منه عن حميد، فوقفه على أنس.
(٢) كذا جزم الحاكم بأنهما لم يخرجاه، وهو ليس على إطلاقه، فقد أخرجا منه قطعةً كما بيّناه.
(٣) أخرجه البخاري (٢١٩٤)، ومسلم (١٥٣٤) من طريق نافع، عن ابن عمر، لكن لفظه عند البخاري وبعض روايات مسلم: أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحُه. زاد مسلم في رواية: قال: يبدو صلاحُه: حُمرته وصُفرته. واقتصار الحاكم على أنهما اتفقا على إخراجه من حديث نافع عن ابن عمر، فيه نظر، فقد اتفقا أيضًا على إخراجه باللفظ الذي أشرنا إليه من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر، أخرجه البخاري (١٤٨٦)، ومسلم (١٥٣٥) (٥٢). =
[ ٣ / ١٤٨ ]
٢٢٢٤ - أخبرنا الشيخ أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا علي بن عبد العزيز والعباس بن الفضل الأسفاطي، قالا: حدثنا عَتيقُ بن يعقوب الزُّبَيري، حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثني إبراهيم بن طَهْمان، عن أبي الزُّبَير المكي، قال: سمعت أبا أُسَيد الساعِدِيَّ، وابنُ عباس يُفتي: الدينار بالدينارين، فقال له أبو أُسَيد الساعِدي، وأغلَظَ له، قال: فقال ابن عباس: ما كنت أظنَّ أنَّ أحدًا يعرف قَرابتي من رسول الله ﷺ يقول لي مثلَ هذا يا أبا أُسَيد، فقال أبو أُسَيد: أشهدُ لَسمعتُ من رسول الله ﷺ يقول: "الدِّينارُ بالدينارِ، والدِّرهمُ بالدرهمِ، وصاعُ حِنْطةٍ بصاعِ حِنْطةٍ، وصاعُ شعيرٍ بصاعِ شَعيرٍ، وصاعُ مِلْح بصاعِ ملحٍ، لا فضلَ بينهما في شيءٍ من ذلك"، فقال ابن عباس: إنما هذا شيءٌ كنتُ أقوله برأيي، ولم أسمعْ فيه بشيءٍ (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه بهذه السِّياقة. وعَتيق بن يعقوب شيخٌ قرشيٌّ من أهل المدينة.
٢٢٢٥ - أخبرنا أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي وصالح بن محمد بن حبيب الحافظ، قالا: حدثنا أبو نصر عبد الملك بن عبد العزيز التمّار، حدثنا حماد بن سَلَمة، حدثنا ثابت البُنَاني، عن أنس بن مالك:
_________________
(١) = واتفقا كذلك على إخراجه باللفظ المذكور من حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، أخرجه البخاري (٢١٨٣)، ومسلم (١٥٣٨) (٥٧).
(٢) إسناده قوي من أجل عبد العزيز بن محمد - وهو الدَّراوردي - فهو صدوق لا بأس به. وأخرجه الشاشي في "مسنده" (١٥١٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" ١٩/ (٥٩٥)، وابن عبد البر في "التمهيد" ٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥ من طريق علي بن عبد العزيز - وهو أبو الحسن البغوي - بهذا الإسناد. وأخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "جزء ما رواه أبو الزُّبَير عن غير جابر" (١٥)، ومن طريقه أخرجه الذهبي في "تاريخ الإسلام" ٣/ ٥٢١، وفي "سير أعلام النبلاء" ٥/ ٣٨٦ من طريق علي بن حرب، عن عَتيق بن يعقوب، به.
[ ٣ / ١٤٩ ]
أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إنَّ لفلانٍ نخلةً وأنا أُقِيمُ حائطي بها، فمُرْه أن يُعطِيَني أُقيمُ حائطي بها، فقال له النبيُّ ﷺ: "أعطِها إياهُ بنخلةٍ في الجنة" فأبى، وأتاهُ أبو الدَّحْداح، فقال: بِعْني نخلَك (^١) بحائطي، قال: ففعل، قال: فأتى النبيَّ ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني قد ابتَعْتُ النخلةَ بحائطي، فجَعَلَها له، فقال النبي ﷺ: "كم مِن عِذْقٍ رَدَاحٍ لأبي الدَّحْداح في الجنة" مِرارًا، فأتى امرأتَه، فقال: يا أمَّ الدَّحْداح، اخرُجي من الحائط، فإنه بعتُه بنخلةٍ في الجنة، فقالت: قد ربحتَ البيعَ؛ أو كلمةً نحوها (^٢).
هذا حديثٌ صحيح على شرط مسلم.
وله شاهدٌ من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري:
٢٢٢٦ - أخبرَناه أبو بكر محمد بن حاتم العَدْل بمَرْو، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي، حدثنا أبو حذيفة النَّهْدي، حدثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن جابر بن عبد الله: أنَّ رجلًا أتى رسولَ الله ﷺ فقال: إِنَّ لفلانٍ في حائطي عِذْقًا، وقد آذاني وشَقَّ عَليَّ مكانُ عِذْقِه، فأرسلَ إليه رسولُ الله ﷺ فقال: "بِعْني عِذقَكَ الذي في حائط فلانٍ" قال: لا، قال: "هَبْهُ" قال: لا، قال: "فبِعْنِيهِ بعِذْقٍ في الجنة" قال: لا، فقال رسول الله ﷺ: "ما رأيتُ أبخلَ منك إلّا الذي يَبخلُ بالسلام" (^٣).
_________________
(١) كذا في النسخ الخطية، وفي سائر مصادر تخريج الحديث: نخلتك، وهو الجادة.
(٢) إسناده صحيح. ثابت البُناني: هو ابن أسْلَم. وأخرجه ابن حبان (٧١٥٩) عن أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، عن أبي نصر التمّار، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ١٩/ (١٢٤٨٢) عن حسن بن موسى الأشيب، عن حماد بن سلمة، به. قوله: "عِذْقٌ رَدَاحٌ" أي: قِنْوُ نخلةٍ ثقيلٌ عظيمٌ، يعني لامتلائه. والحائط: البستان.
(٣) حسن بشواهده، دون قوله: "ما رأيت أبخل … إلخ"، عبد الله بن محمد بن عَقيل حسن الحديث في الاعتبار، ويشهد لحديثه حديثُ أنس السابق وغيره. وأخرجه أحمد ٢٢/ (١٤٥١٧) عن أبي عامر العَقَدي، عن زهير بن محمد، به. =
[ ٣ / ١٥٠ ]
٢٢٢٧ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ما لا أُحصِيه من مرةٍ، حدثنا هِلال بن العلاء بن هلال بن عمر الرَّقِّي، حدثنا أبي العلاء بن هلال، حدثني أبي هلال بن عمر، حدثني أبي عمرُ بن هلال، حدثني أبو غالِبٍ، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: "كفى بالمرءِ مِن الكَذِبِ أن يحدِّث بكُلِّ ما سَمِعَ، وكفى بالمرء مِن الشُّحِّ أن يقول: آخُذُ حَقِّي لا أترُكُ منه شيئًا" (^١).
هذا إسناد صحيح، فإنَّ آباء هلال بن العلاء أئمةٌ ثقات! وهلال إمام أهل الجزيرة في عصره.
_________________
(١) = ويشهد له بنحوه حديث أبي صالح عن بعض أزواج النبي ﷺ عند أحمد ٣٨/ (٢٣٠٨٥)، ورجاله ثقات. وقد ورد في غير هذه القصة أنَّ أبخل الناس من يبخل بالسلام، من حديث أبي هريرة موقوفًا عليه عند البخاري في "الأدب المفرد" (١٠٤٢)، وابن حبان (٤٤٩٨)، وإسناده صحيح، وقد روي مرفوعًا، لكن الصحيح وقفه كما قال الدارقطني في "العلل" (٢٢٣٤). وعن عبد الله بن مغفَّل مرفوعًا عند الطبراني في "الأوسط" (٣٣٩٢)، وفي "الصغير" (٣٣٥)، وفي "الدعاء" (٦١)، وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" ١/ ١٩٨: إسناده جيد.
(٢) إسناده ضعيف لضعف العلاء بن هلال بن عمر الرقي وضعف أبيه، وجهالة عمر بن هلال جدّ العلاء. وهو في "المدخل إلى الصحيح" للحاكم ١/ ١٣٩ - ١٤٠. وأخرجه الخطيب البغدادي في "المتفق والمفترق" (١٢٧٦) عن أبي سعيد محمد بن موسى الصيرفي، عن أبي العباس محمد بن يعقوب، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن الأعرابي في "معجمه" (٢٣٩٦)، ومن طريقه القضاعي في "مسند الشهاب" (١٤١٥) عن هلال بن العلاء، به. وأخرج شطره الثاني فقط ابنُ عدي في "الكامل" ٥/ ٢٢٣ عن صالح بن أبي الجن وعصمة بن بجماك، عن هلال بن العلاء، به. ولشطره الأول شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع" أخرجه مسلم في مقدمة "صحيحه" (٥) في باب النهي عن الحديث بكل ما سمع. وآخر من حديث عمر بن الخطاب موقوفًا، وثالث من حديث عبد الله بن مسعود موقوفًا كذلك في مقدمة "صحيح مسلم" أيضًا في الباب المذكور (٥).
[ ٣ / ١٥١ ]
٢٢٢٨ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، حدثنا موسى بن داود الضَّبِّي وعفان بن مسلم، قالا: حدثنا حماد بن سَلَمة.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سَلَمة، عن ثابت، عن أنس: أنَّ النبي ﷺ اشترى صَفيَّة من دِحْيةَ الكَلْبي بسبعة أَرؤُسٍ (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه!
٢٢٢٩ - أخبرنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب العَدْل، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادة، عن الحسن، عن عُقبة بن عامر الجُهَني: أنَّ رسول الله ﷺ قال في عُهْدة الرَّقيق: "ثلاثُ ليالٍ" (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح. أبو الوليد: هو هشام بن عبد الملك الطيالسي. وأخرجه أحمد ٢١/ (١٣٥٧٥)، ومسلم (١٤٢٧) (٨٧) من طريق عفان بن مسلم، بهذا الإسناد. فاستدراك الحاكم له ذهولٌ منه. وأخرجه أحمد ١٩/ (١٢٢٤٠)، وأبو داود (٢٩٩٧)، وابن ماجه (٢٢٧٢)، وابن حبان (٧٢١٢) من طرق عن حماد بن سلمة، به.
(٢) إسناده ضعيف لانقطاعه، فإنَّ الحسن - وهو ابن أبي الحسن البصري - لم يسمع من عقبة بن عامر، فيما قاله المصنف هنا، وسبقه إلى القول بذلك علي بن المديني، وأحمد فيما نقله عنه الخطابي، وأبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في "العلل" (١١٨٤)، وغيرهم، وقد اختُلف فيه أيضًا عن الحسن، فمرة يُروى عنه عن عقبة كما وقع عند المصنف هنا، ومرة يُروى عنه عن سمرة بن جندب، واختُلف في لفظه كذلك كما أشار إليه الحاكم. وأخرجه أحمد ٢٨/ (١٧٣٨٤) عن إسماعيل ابن عُليَّة، عن سعيد بن أبي عَروبة، به. دون كلام قَتَادة الذي بإثره في شرح الحديث. وتابع ابنَ عُليَّة وعبد الوهاب الخفاف على ذكر عقبة بن عامرٍ هُشَيمُ بنُ بشير عند يونس بن سُريج في "القضاء" (٩٥). =
[ ٣ / ١٥٢ ]
قال سعيد: فقلت لقَتَادة: كيف يكون هذا؟ قال: إذا وَجَدَ المشتري عيبًا بالسِّلعة، فإنه يَردُّها في تلك الأيام، ولا يُسألُ البيّنةَ، فإذا مَضَتْ عليه أيامٌ فليس له أن يَرُدَّها إلّا ببيِّنةِ أنه اشتراها وذلك العيبُ بها، وإلّا فيمينُ البائع أنه لم يَبِعْه وبه داءٌ.
هكذا قال سعيد وهمام عن قَتَادة، وكذلك رواه يونس بن عُبيد عن الحسن:
٢٢٣٠ - أخبرَناه أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عمرو بن عَون، حدثنا هُشَيم، أخبرنا يونس بن عُبيد، عن الحسن، عن عُقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا عُهدةَ فوقَ أربعٍ" (^١).
وأما خلافُ هشام الدَّستُوائي إياهما:
٢٢٣١ - فحدَّثَناه علي بن حَمْشاذَ، حدثنا هشام بن علي السَّدُوسي، حدثنا حجّاج بن مِنْهال، حدثنا هشام.
_________________
(١) = وأخرجه أبو داود (٣٥٠٧) من طريق همام بن يحيى، وأحمد ٢٨/ (١٧٣٨٥) من طريق شعبة بن الحجاج، وأبو داود (٣٥٠٦) من طريق أبان بن يزيد العطّار، ثلاثتهم عن قتادة، به. وأخرجه ابن ماجه (٢٢٤٤) من طريق عَبْدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، به. لكن قال: عن سمرة بن جندب، فجعله من مسند سمرة. وتابع عبدةَ بنَ سليمان على ذلك جماعةٌ منهم أبو عاصم الضحاك بن مخلد عند الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٦٠٩٢)، ومحمد بن بشر عند ابن حزم في "المحلى" ٨/ ٣٧٩ - ٣٨٠، فروياه عن سعيد بن أبي عروبة، فقالا: عن سمرة بن جندب. وكذلك قال هشام الدستوائي في رواية سيأتي التنبيه عليها برقم (٢٢٣١) غير أنه ذكره على الشك، فقال: عن سمرة أو عقبة. لكن الأشبه رواية من رواه عن سعيد بن أبي عروبة بذكر عقبة بن عامر، لموافقتهم رواية من رواه عن قتادة كذلك ممَّن تقدَّم ذكرهم، والله تعالى أعلم.
(٢) إسناده ضعيف لانقطاعه كسابقه. هُشَيم: هو ابن بشير الواسطي. وأخرجه أحمد ٢٨/ (١٧٢٩٢)، وابن ماجه (٢٢٤٥) من طريق هُشَيم بن بشير، بهذا الإسناد. وقد خالف هُشَيمًا إسماعيلُ ابنُ عَليَّة عند ابن أبي شيبة ١٤/ ٢٢٧ فرواه عن يونس عن الحسن مرسلًا.
[ ٣ / ١٥٣ ]
وحدثنا علي بن حَمْشاذَ، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا بُندارٌ وأبو موسى، قالا: حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قَتَادة، عن عقبة بن عامر (^١)، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "عُهدة الرَّقيق أربعُ ليال" (^٢).
هذا حديث صحيح الإسناد غير أنه على الإرسال، فإنَّ الحسن لم يسمع من عقبة بن عامر.
وله شاهدٌ:
٢٢٣٢ - حدثنا علي بن عيسى الحِيْري، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثنا ابن أبي عُمر، حدثنا سفيان، حدثني محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان حَبَّان بن مُنْقِذٍ رجلًا ضعيفًا، وكان قد سُفِع في رأسه مأمومةً، فجعل له رسولُ الله ﷺ الخِيارَ فيما اشترى ثلاثًا، وكان قد ثَقُل لسانُه، فقال له رسول الله ﷺ: "بِعْ وقُل: لا خِلَابةَ". فكنتُ أسمَعُه يقول: لا خِذابةَ لا خِذابةَ.
وكان يشتري الشيءَ ويجيء به أهلَه، فيقولون: هذا غالٍ، فيقول: إنَّ رسول الله ﷺ قد خَيَّرني في بَيعي (^٣).
_________________
(١) كذا وقع للمصنف بإسقاط الحسن، فعدّه خلافًا لهشام، ويغلب على ظننا أنه وهمٌ وقع للحاكم، فإنَّ سائر أصحاب هشام الدستوائي قد أثبتوه في الإسناد، ولأنَّ البيهقي بعد أن أخرجه ٥/ ٣٢٣ من طريق عبد الوهاب بن عطاء الخفاف عن هشام، قال: وكذلك رواه معاذ بن هشام وغيره عن هشام، فلو كان في رواية معاذ بن هشام مفارقةٌ في الإسناد لأشار إليها، والله تعالى أعلم.
(٢) إسناده ضعيف لانقطاعه. وأخرجه أحمد ٢٨/ (١٧٣٥٨) عن عبد الصمد بن عبد الوارث، وأبو بكر الرُّوياني في "مسنده" (١٩١) من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وأبو داود الطيالسي (٩٥٠)، ومن طريقه ابن المنذر في "الأوسط" (٨٠٨٧)، وأخرجه ابن حزم ٨/ ٣٨٠، والبيهقي ٥/ ٣٢٣ من طريق عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، كلهم (عبد الصمد وابن أبي عدي والطيالسي وعبد الوهاب بن عطاء) عن هشام الدَّستوائي، بهذا الإسناد. إلّا أنَّ الطيالسي قال في روايته: عن سمرة أو عقبة.
(٣) حديث صحيح دون قوله في آخر الحديث: وكان يشتري الشيء، إلى آخره، وهذا إسناد =
[ ٣ / ١٥٤ ]
٢٢٣٣ - أخبرني أبو النَّضْر محمد بن محمد الفقيه، حدثنا محمد بن غالب بن حَرْب الضبّي وصالح بن محمد بن حبيب الحافظ، قالا: حدثنا سعيد بن سليمان الواسِطي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن مجبَّر، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنها كانت تَدّانُ، فقيل لها: ما لَكِ والدَّيْنَ، وليس عندك قضاءٌ؟ فقالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما مِن عبدٍ كانت له نِيّةٌ في أداء دَيْنه، إلّا كان له مِن الله عَونٌ"، فأنا ألتَمِسُ ذلكَ العَونَ (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
_________________
(١) = حسن من أجل محمد بن إسحاق - وهو ابن يسار المطّلبي مولاهم، صاحب المغازي - وقد صرَّح بسماعه عند أحمد وغيره، فأُمن تدليسه، لكن قوله الذي أشرنا إليه آخر الحديث مدرج كما سنبينه. ابن أبي عمر: هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَني، وسفيان: هو ابن عيينة. وأخرجه أحمد ١٠/ (٦١٣٤) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق به. دون قوله في آخر الحديث: وكان يشتري الشيء … إلى آخره. وهذه الزيادة المذكورة إنما سمعها ابن إسحاق من محمد بن يحيى بن حَبّان، قال: كان جدي منقذ بن عمرو …، فذكره، وقد جاء بيان ذلك مفصَّلًا في رواية يونس بن بكير عند البيهقي ٥/ ٢٧٣، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى عند الدارقطني (٣٠١١)، كلاهما عن محمد بن إسحاق، فما وقع في رواية الحاكم هنا إدراج، أوهمَ أنَّ هذه الجملة من قول ابن عمر، وليس كذلك. والحديث عند البخاري (٢١١٧)، ومسلم (١٥٣٣) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر مختصرًا بلفظ: أنَّ رجلًا ذكر للنبي ﷺ أنه يُخدَع في البيوع، فقال: "إذا بايعتَ فقل: لا خِلابة"، فكان يقوله. وفي الباب عن أنس بن مالك سيأتي برقم (٧٢٣٨). والخِلابة: الخِداع.
(٢) إسناده ضعيف جدًّا، محمد بن عبد الرحمن بن مجبَّر متروك الحديث، وسيأتي بعده بإسناد أحسن منه، وله شواهد يصح بها. وأخرجه البيهقي ٥/ ٣٥٤ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٥٢٢٢) من طريق محمد بن الفضل السقطي، عن سعيد بن سليمان، به.
[ ٣ / ١٥٥ ]
وقد رُويَ عن محمد بن علي بن الحسين عن عائشة مثلُه:
٢٢٣٤ - أخبرَناه أبو بكر بنُ إسحاق، أخبرنا أبومسلم، حدثنا الحجّاج بن مِنْهال، حدثنا القاسم بن الفضل، قال: سمعتُ محمد بن علي يقولُ: كانت عائشةُ تَدَّانُ، فقيل لها: ما لَكِ والدَّيْنَ؟ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبدٍ كانت له نِيّةٌ في أداء دينِه، إلّا كان له مِن الله عَونٌ"، فأنا ألتَمِسُ ذلكَ العَونَ (^١).
وشاهده حديثُ ميمونة:
٢٢٣٥ - حدَّثَناه أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا أبو الوليد الطَّيالسي، حدثنا جَرير.
وحدثنا الأستاذ أبو الوليد الفقيه، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن منصور، عن زياد بن عمرو بن هند، عن عِمران بن حذيفة، عن ميمونة: أنها كانت تَدّانُ، فتُكثِر، فقيل لها في ذلك، فقالت: لا أدَعُ الدَّين، لأنَّ له من اللهِ عونًا، فأنا ألتمِسُ ذلك العَونَ (^٢).
_________________
(١) صحيح لغيره، وهذا إسناد رجاله ثقات، لكنه منقطع، لأنَّ محمد بن علي - وهو ابن الحسين، المعروف بالباقر - لم يسمع عائشة، وروايته هنا مرسلة. وأخرجه أحمد ٤٠/ (٢٤٤٣٩) و٤١/ (٢٤٦٧٩) و(٢٤٩٩٣) و٤٣/ (٢٥٩٧٧) و(٢٦١٢٧) من طرق عن القاسم بن الفضل، به. وأخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٧٦٠٨) عن محمد بن إسحاق بن إبراهيم، عن أبيه إسحاق المعروف بشاذان، عن سعْد بن الصلت، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. ولا يُعرف هذا الحديث من هذه الطريق إلّا من رواية سعد بن الصلت، ولم يروه عنه غير شاذان، ولا عن شاذان إلّا ابنه، ولم نقف على ترجمة لابنه، فلا يحتمل تفرد مثله بمثل هذا الإسناد. لكن له شواهد يصح بها إن شاء الله، منها: حديث أبي هريرة عند البخاري (٢٣٨٧) وغيره بلفظ: "من أخذ أموالَ الناس يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه اللهُ". وحديثا ميمونة وعبد الله بن جعفر الآتيان بعده.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف لجهالة زياد بن عمرو بن هند، وعمران بن حذيفة، =
[ ٣ / ١٥٦ ]
٢٢٣٦ - أخبرنا جعفر بن محمد بن نُصَير الخُلْدي، أخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم ضِرَار بن صُرَدٍ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فُدَيك.
وأخبرني يحيى بن منصور القاضي، حدثنا أبو بكر محمد بن محمد بن رَجَاء، حدثنا يعقوب بن حُميد بن كاسِب، حدثنا ابن أبي فُديك، حدثنا سعيد بن سفيان الأسلمي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، قال: قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ الله مع الدائنِ حتَّى يقضيَ دَينَه، ما لم يكن فيما يَكرهُه اللهُ" (^١).
_________________
(١) = ثم الأشبهُ أنه عن عمران بن حذيفة أنَّ ميمونة كانت تدّان، يعني مرسلًا، كما نبَّه عليه الدارقطني في "العلل" (٤٠١٦)، وقد اختُلف فيه على منصور كما سيأتي بيانه، وجميع من رواه عن ميمونة غير الحاكم رفع آخره. أبو الوليد الطيالسي: هو هشام بن عبد الملك، وجرير: هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو ابن المعتمر. وأخرجه النسائي (٦٢٣٩) عن محمد بن قدامة، وابن حبان (٥٠٤١) من طريق زهير بن حرب، كلاهما عن جرير، عن منصور، عن زياد بن عمرو، عن عمران بن حذيفة، قال: كانت ميمونة تدّان، الحديث مرسلًا مرفوعًا آخره. وأخرجه ابن ماجه (٢٤٠٨) من طريق عبيدة بن حميد، عن منصور، به. فوصله ورفع آخره. وأخرجه أحمد ٤٤/ (٢٦٨١٦) و(٢٦٨٤٠) من طريق جعفر بن زياد، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن ميمونة مرفوعًا آخره أيضًا. وسالم بن أبي الجعد قد روى حديثًا لميمونة في "الصحيحين" وغيرهما بواسطة كريب عن ابن عباس عنها، وهذا يعني أنه لم يدركها، والله أعلم. وأخرجه النسائي (٦٢٤٠) من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنَّ ميمونة استدانت، هكذا رواه مرسلًا أيضًا ومرفوعًا آخره، ورجاله ثقات، وقد روي موصولًا، لكن قال الدارقطني في "العلل" (٤٠١٩): المرسل أشبه. قلنا: وباجتماع هذه الطرق يصح الحديث إن شاء الله تعالى، فتكون ميمونة وعائشة كلتاهما كانتا تدَّانان وترويان هذا الحديث، والله أعلم بالصواب.
(٢) حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف لجهالة سعيد بن سفيان الأسلمي، وقد روى القاسمُ بن الفضل - وهو ثقة - عن محمد بن علي الباقر والد جعفر بن محمد عن عائشة نحوه، كما تقدم برقم (٢٢٣٤)، وهو أشبه بالصواب، وكأنَّ سعيدًا أخطأ فيه، والله أعلم.
[ ٣ / ١٥٧ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
وشاهدُه حديث أبي أُمامة:
٢٢٣٧ - أخبرَناه أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا أبو المثنّى، حدثنا محمد بن المِنْهال، حدثنا يزيد بن زُريع، حدثنا بِشر بن نُمير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن تَداين بدَين، وفي نفسه وفاؤُه، ثم مات، تجاوز الله عنه، وأرضَى غريمَه بما شاء، ومَن تَداين بدَين وليس في نفسه وفاؤُه، ثم مات، اقتصَّ اللهُ لغَريمِه منه يومَ القيامة" (^١).
٢٢٣٨ - حدثنا الأستاذ أبو الوليد حَسّان بن محمد وأبو بكر محمد بن قُريش، قالا: حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن المِنْهال، حدثنا يزيد بن زُريع، حدثنا عُمارة بن أبي حفصة، عن عِكْرمة، عن عائشة، قالت: كان على رسول الله ﷺ بُردان قِطْريان غَليظان خَشِنان، فقلت: يا رسول الله، إنَّ ثوبَيك خَشِنان غليظان، وإنك تَرشَحُ فيهما فيَثقُلان عليك، وإنَّ فلانًا قَدِمَ له بَزٌّ من الشام، فلو بعثتَ إليه فأخذْتَ منه ثوبَين بنَسيئةٍ إلى مَيسَرة، فأرسلَ إليه رسولُ الله ﷺ، فقال: قد علمتُ ما يريدُ محمدٌ، يريدُ أن يَذهَبَ بِثَوبيَّ ويَمطُلَني بهما، فأتى الرسولُ إلى النبيِّ ﷺ فأخبره، فقال النبيُّ ﷺ: "قد كَذَبَ، قد عَلِمُوا أني أتقاهُم لله وآدَاهُم للأمانة" (^٢).
_________________
(١) إسناده تالف بمرةٍ، بشر بن نمير متروك الحديث، واتهمه بعضهم بالكذب. وأخرجه الطبراني في "معجمه الكبير" (٧٩٣٧) عن إبراهيم بن هاشم البَغَوي، عن محمد بن المنهال، بهذا الإسناد. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" كما في "إتحاف الخيرة" للبوصيري (٢٩٢٢/ ١) من طريق أبي هلال، عن بشر بن نمير، به.
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه الترمذي (١٢١٣)، والنسائي (٦١٧٩) عن عمرو بن علي الفلّاس، عن يزيد بن زُريع، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حسن صحيح. وانظر ما بعده. =
[ ٣ / ١٥٨ ]
هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يُخرجاه.
وقد روي عن شعبة عن عُمارة بن أبي حفصة مختصرًا:
٢٢٣٩ - حدَّثَناه علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا محمد بن شاذان الجوهري، حدثنا عمرو بن مرزوق وعمرو بن حَكّام، قالا: حدثنا شعبة.
وحدثنا علي بن حَمْشاذَ، حدثنا الحُسين بن محمد بن زياد، حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عُمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، ثوباك غَليظانِ فلو نَزَعْتَهما وبعثتَ إلى فلانٍ التاجرِ، فأرسَلَ إليك ثوبين إلى المَيسَرة، قال: فأرسَلَ إليه: "ابعَثْ إِليَّ ثَوبَينِ إِلى المَيسَرةِ"، فأَبَى (^١).
٢٢٤٠ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني.
وأخبرنا أبو بكر أحمد (^٢)، حدثنا محمد بن أيوب والحسين بن بشار، قالا: حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي؛ قالا: حدثنا شَريك، عن سماك بن حَرْب، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: قَدِمَتْ عِيرٌ فابتاع النَّبِيُّ ﷺ منها بيعًا، فربح أَوَاقيَّ (^٣) من
_________________
(١) = والقِطْريُّ: نوع من البُرود حمرٌ لها أعلام فيها بعض الخُشونة. وقوله: ترشح، أي: تعرق، سمي العرقُ رَشْحًا لأنه يخرج من البدن شيئًا فشيئًا، كما يرشح الإناء المتخلخِل الأجزاء. والبَزُّ: الثياب، وقيل: ضَربٌ منها. والنَّسيئة: الدَّين إلى أجل. ويَمطُلني، أي: يُطيل مدافعتي وتأجيلي بوعدٍ بعد وعدٍ للوفاء.
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد ٤٢/ (٢٥١٤١) عن محمد بن جعفر، بهذا الإسناد.
(٣) هو أبو بكر أحمد بن إسحاق شيخه في الإسناد السابق.
(٤) جاء في نسخنا الخطية: أواقًا؛ بحذف الياء من آخر الكلمة، وإعرابها بتنوين الفتح الظاهر =
[ ٣ / ١٥٩ ]
ذَهَبٍ، فتصدَّق بها بين أبناء بني عبد المطّلب، وقال: "لا أَشتَري ما ليس عِندي ثمنُه" (^١).
قد احتجَّ البخاريُّ بعِكْرمة، واحتجَّ مسلمٌ بِسماكٍ وشريكٍ، والحديث صحيح، ولم يُخرجاه.
٢٢٤١ - أخبرنا الشيخ أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا محمد بن غالب، حدثنا بشر بن عُبيد الدّارِسي، حدثنا حماد بن سَلَمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "الدَّينُ رايةُ الله في الأرض، فإذا أراد أن يُذِلَّ عبدًا وَضَعَها في عُنُقِه" (^٢).
_________________
(١) = على ما قبلها، مع أنها في الأصل "أواقيّ" جمع "أوقيَّة" فهي ممنوعة من الصَّرف؛ لكونها على وزن أفاعيل، وما وقع في النسخ الخطية جائزٌ عند بعض العرب، وبه قرأ ابنُ مسعود: (ولَهُ الجَوَارُ) برفع الراء، وقرأ بعضُ السَّلَف (ومِن فَوقِهم غَوَاشٌ). انظر "التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل" لأبي حيان الأندلسي ٩/ ٣٢٨، لكن الوجْهَ هو ما أثبتناه، انظر "إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث" لأبي البقاء العُكبَري ص ٢١١.
(٢) إسناده ضعيف، شريك - وهو ابن عبد الله النخعي - قد تفرَّد به عن سماك بن حرب، واختُلف في وصله وإرساله، كما قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٧/ ٥١١، وسماك في روايته عن عكرمة اضطراب، وقد أشار البخاري في "صحيحه" - كما قال الحافظ - إلى ضعف هذا الحديث في ترجمته بين يدي الحديث (٢٣٨٥) بأنه يخالف مضمون حديث ابن عباس هذا، وضعَّفه أيضًا ابنُ حزم في "المحلى" ٩/ ٦٤، وابن القطّان الفاسي في "بيان الوهم" ٣/ ٣٠١ - ٣٠٢. وأخرجه أحمد ٤/ (٢٠٩٣) و٥/ (٢٩٧٠) و(٢٩٧١)، وأبو داود (٣٣٤٤) من طرق عن شريك النخعي، بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود (٣٣٤٤) عن عثمان بن أبي شيبة وقتيبة بن سعيد، عن شريك، عن سماك، عن عكرمة مرسلًا.
(٣) إسناده ضعيف جدًّا، من أجل بشر بن عُبيد الدارسي، فهو واهٍ، كما قال المنذري في "الترغيب والترهيب" ٢/ ٣٧٠، والذهبي في "تلخيص المستدرك". وقد جاء الحديث من وجهين آخرين عن محمد بن غالب - وهو تمتام الحافظ المعروف بزيادة رجل بين بشر وحماد، وهو أبو موسى المقرئ، ولم نَتبيّن من هو. =
[ ٣ / ١٦٠ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٢٤٢ - أخبرني إسماعيل بن محمد الشَّعراني، حدثنا جدي، حدثنا إبراهيم بن حمزة الزُّبَيري، حدثنا ابن أبي حازم (^١)، عن سُهيل بن أبي صالح، عن موسى بن عُقبة، عن عاصم بن أبي عُبيد، عن أم سَلَمة، عن رسول الله ﷺ: أنه كان يدعُو بهؤلاء الكلماتِ: "اللهم أنتَ الأولُ فلا شيءَ قبلَكَ، وأنت الآخِرُ فلا شيءَ بعدَك، أعوذُ بكَ من شَرِّ كلِّ دابّةٍ ناصيتُها بيدِك، وأعوذ بكَ من الإثمِ والكَسَل، ومن عذابِ القَبرِ، ومن عذابِ النارِ، ومِن فتنةِ الغِنى، ومن فتنةِ الفَقْر، وأعوذُ بكَ من المأثَمِ والمَغرمِ" (^٢).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٢٤٣ - حدثنا علي بن حَمْشاذَ، حدثنا هشام بن علي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة بن أبي الحُسام، حدثنا العلاء بن عبد الرحمن.
وأخبرني أبو بكر بن أبي نصر، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي، حدثنا القَعْنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي كثير مولى محمد بن جَحْش، عن محمد بن جحش، قال: كان رسولُ الله ﷺ قاعدًا حيث تُوضَعُ الجنائز، فرفع رأسَه قِبَلَ السماءِ، ثم خَفَضَ بصرَه فوضع يدَه على جَبْهتِه، فقال: "سبحانَ اللهِ سبحان الله! ما أنزلَ اللهُ من التشديدِ! " قال: فعَرَفْنا وسَكَتْنا، حتى إذا كان
_________________
(١) = وأخرجه أبو بكر الشافعي في "الفوائد المنتقاة" في الجزء الثالث عشر منها (٢٠٩) عن محمد بن غالب، وأبو منصور الدَّيلمي في "مسند الفردوس" كما في "الغرائب الملتقطة" منه للحافظ ابن حجر (١٦٢٦)، و(١٦٢٧) من طريق محمد بن عبد الله بن بَرْزَة، عن محمد بن غالب، عن بشر بن عبيد الدارسي، قال: حدثنا أبو موسى المقرئ، قال: حدثنا حماد بن سلمة، به.
(٢) تحرَّف في (ز) و(ب): مزاحم، وهو خطأ، وابن أبي حازم: هو عبد العزيز.
(٣) إسناده محتمل للتحسين من أجل عاصم بن أبي عبيد كما سلف برقم (١٩٤٣). وأخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (١٣)، وأبو القاسم الأصبهاني في "الحُجة في بيان المحجة" (٣٣) من طريق أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد.
[ ٣ / ١٦١ ]
الغدُ، سألتُ رسولَ الله ﷺ، فقلتُ: يا رسول الله، ما التشديدُ الذي نَزَلَ؟ قال: "في الدَّيْن، والذي نفسُ محمدٍ بيدِه، لو قُتِلَ رجلٌ في سبيل الله، ثم عاشَ ثم قُتل ثم عاشَ، وعليه دَينٌ، ما دخَلَ الجنةَ حتَّى يُقضى دينُه" (^١).
_________________
(١) إسناده حسن من أجل أبي كثير مولي محمد بن جحش، فقد روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وكنا قد ضعفناه في "المسند" ٣٧/ (٢٢٤٩٣) بهذه السياقة، لكونه روي بلفظ آخر سنذكره لاحقًا، ثم ظهر لنا أن لا تعارض بين اللفظين، لأنَّ ثاني اللفظين يمكن أن يكون مختصرًا من اللفظ الذي هنا، وقد جمع الدارقطني في "العلل" (٣٣٨٤) بين طُرق الحديث بلفظيه، فكأنه رآه حديثًا واحدًا، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، فلا يُعِلُّ أحدُ اللفظين الآخر، والله تعالى أعلم. عبد الله بن رجاء: هو الغُدَاني، والقعنبي: هو عبد الله بن مسلمة. وأخرجه أحمد ٣٧/ (٢٢٤٩٣)، والنسائي (٦٢٣٧) من طريقين عن العلاء بن عبد الرحمن به. وأخرجه أحمد ٢٨/ (١٧٢٥٣) من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي كثير، عن محمد بن عبد الله بن جحش: أنَّ رجلًا جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، ماذا لي إن قُتِلتُ في سبيل الله؟ قال: "الجنة"، فلما ولى قال: "إلّا الدَّين، سارّني به جبريل ﵇ آنفًا" وإسناده حسن أيضًا. ويشهد له بهذا اللفظ الثاني المختصر حديث أبي قتادة الذي أخرجه مسلم (١٨٨٥)، وحديث أبي هريرة عند النسائي (٤٣٤٨)، وإسناده صحيح، فهو صحيح لغيره. ويشهد للمرفوع وحده حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم (١٨٨٦) بلفظ: "يغفر للشهيد كلُّ ذنب إلّا الدَّين". وقوله: حيث توضع الجنائز، يعني في مسجد النبي ﷺ، كما جاء في حديث رجم اليهوديين عند البخاري (٧٣٣٢). قال ابن عبد البر في "التمهيد" ٢٣/ ٢٣٨: الدَّين الذي يُحبس به صاحبُه عن الجنة - والله أعلم - هو الذي قد ترك له وفاءً ولم يُوصِ به، أو قدر على الأداء فلم يُؤدِّ، أو ادّانه في غير حقٍّ، أو في سَرَف ومات ولم يؤدِّه، وأما من ادَّان في حقٍّ واجب لفاقةٍ وعُسر، ومات ولم يترك وفاءً، فإنَّ الله لا يحبسه به عن الجنة إن شاء الله، لأنَّ على السلطان فرضًا أن يؤدي عنه دَينَه، إما من جملة الصدقات، أو من سهم الغارمين، أو من الفَيْء الراجع على المسلمين من صنوف الفيء، وقد قيل: إنَّ قول رسول الله ﷺ وتشديده في الدَّين كان قبل أن يفتح الله عليه ما يجب منه الفيء والصدقات لأهلها. وانظر لزامًا "شرح الزرقاني على الموطأ" ٣/ ٥٥ - ٥٦.
[ ٣ / ١٦٢ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٢٤٤ - حدثنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب العَدْل، حدثنا محمد بن عبد الوهاب بن حبيب العَبْدي، حدثنا جعفر بن عَون، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد.
وأخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا محمد بن أحمد بن النضر، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق الفَزَاري، عن إسماعيل بن أبي خالد.
وأخبرنا أبو عبد الله بن يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا مُسدَّد، حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثني عامرٌ الشَّعبي، عن سَمُرة بن جُندُب، قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ، فلما أقبَلَ قال: "ها هنا مِن بني فُلانٍ أحدٌ؟ " فسكتَ القومُ - وكان إذا ابتغاهم بشيء سكتوا - ثم قال: "ها هنا من بني فُلانٍ أحدٌ؟ "، فقال رجلٌ: هذا فُلانٌ، فقال: "إنَّ صاحِبَكم قد حُبِسَ على باب الجنةِ بدَينٍ كان عليه" فقال رجلٌ: عَليَّ دَينُه، فقَضَاه (^١).
وهكذا رواه فراسٌ عن الشعبي:
٢٢٤٥ - حدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصغَاني، حدثنا يحيى بن حماد وعفان بن مسلم، قالا: حدثنا أبو عَوَانة، عن فِراسٍ.
وحدثنا علي بن حَمْشاذَ، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن سعيد
_________________
(١) إسناده صحيح، وقد وقع تصريح الشعبي بسماعه هذا الحديثَ من سمرة عند أبي داود الطيالسي (٩٣٢)، وسيأتي برقم (٢٢٤٦) أنَّ الشعبي رواه عن سمرة بواسطة سِمعان بن مُشَنَّج، وهو قوي الحديث، لكن لا يُنكر سماعُ الشعبي من سمرة أيضًا، فقد كان عمر الشعبي عند وفاة سمرة قريب الثمانية والثلاثين عامًا، فكيف إذا انضم إلى ذلك تصريحه بالسماع عند الطيالسي، فلا يبعد عند ذلك أن يكون الشعبيُّ قد سمعه على الوجهين، والله أعلم بالصواب. وأخرجه أحمد ٣٣/ (٢٠١٢٤) من طريق شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، به. وقد تابع إسماعيلَ بنَ أبي خالد فراسُ بنُ يحيى، كما في الطريق التالية، والعلاء بن عبد الكريم الياميّ عند الطبراني في "الأوسط" (٣٠٤٩)، وإسناده قويّ.
[ ٣ / ١٦٣ ]
ابن الأصبهاني، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المُحارِبي، عن يزيد الدّالاني، عن فِراسٍ.
وأخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا أبو مسلم ومحمد بن غالب، قالا: حدثنا عمرو بن مرزُوق، حدثنا شعبة، عن فِراسٍ، عن الشعبي، عن سَمُرةَ بن جُندب، قال: صلَّى رسول الله ﷺ ذاتَ يومٍ، فقال: "ها هنا أحدٌ من بني فُلانٍ؟ " فنادى ثلاثًا لا يجيبه أحدٌ، ثم قال: "إنَّ الرجلَ الذي ماتَ بينكم قد احتُبِس عن الجنة مِن أجْلِ الدَّين الذي عليه، فإن شئتُم فافْدُوه، وإن شئتُم فأسلِمُوه إلى عذابِ الله" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، لخلافٍ فيه من سعيدِ بن مَسروق الثَّوْري.
٢٢٤٦ - أخبرَناه أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن الهيثم، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان، حدثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مَسروق، عن الشعبي، عن سِمعان بن مُشنَّج.
وأخبرني أبو بكر بن عبد الله الوَرَّاق، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي شَيْبة، حدثنا وكيع، عن أبيه، عن سعيد بن مسروق، عن الشعبي، عن سِمْعان بن مُشنَّج، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ، نحوه (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح كسابقه. فراس: هو ابن يحيى المُكتِب، وأبو مسلم: هو الكَجِّي الحافظ. وأخرجه أحمد ٣٣/ (٢٠٢٣٢) عن عفان بن مسلم، بهذا الإسناد.
(٢) إسناده حسن من أجل سمعان بن مُشنَّج، فقد وثقه العجلي وابن ماكولا، وذكره ابن خلفون وابن حبان في "الثقات"، وقد صحَّ عن الشعبي عن سمرة مباشرة، دون ذكر سمعان فيه، كما تقدم في الطريقين اللتين قبله، بل جزم النسائي بإثر (٦٢٣٨) أنه لا يَعلَم أحدًا قال في هذا الحديث: عن سمعان، غير سعيد بن مسروق. وأخرجه أبو داود (٣٣٤١) عن سعيد بن منصور، عن أبي الأحوص، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٣٣/ (٢٠٢٣١)، والنسائي (٦٢٣٨) من طريق عبد الرزاق، وأحمد (٢٠٢٣٣) عن أبي سفيان المعمري، كلاهما عن سفيان الثَّوري، عن أبيه - وهو سعيد بن مسروق -، به. ورواه وكيع بن الجراح مرةً عن سفيان الثَّوري، فلم يذكر في إسناده سمعان، أخرجه من طريقه =
[ ٣ / ١٦٤ ]
مُتعذِّرٌ أن تُعلَّلَ روايةُ إسماعيلَ بن أبي خالد وفراسِ بن يحيى من رواية الأئمة الأثبات عنهما، بمثلِ هذه الروايات، والله أعلم.
٢٢٤٧ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سُليمان، حدثنا عبد الله بن وهب قال: سمعتُ حَيْوةَ بن شُريح يحدِّث عن بكر بن عمرو المَعَافِري، عن شعيب بن زُرْعة، عن عُقْبة بن عامر الجُهَني أنه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ لأصحابه: "لا تُخِيفُوا أنفُسَكم" فقيل: يا رسول الله، وما نُخِيفُ أنفُسَنا؟ قال: "بالدَّينِ" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٢٤٨ - أخبرنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب العَدْل، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا سعيد، عن قَتَادة عن سالم بن أبي الجَعْد، عن مَعْدان بن أبي طلحة، عن ثَوْبان، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن فارقَ الرُّوحُ الجسدَ وهو بريءٌ من ثلاثٍ، دخلَ الجنةَ: الغُلولِ، والدَّينِ، والكَنْزِ (^٢) " (^٣).
_________________
(١) = الطبراني في "الكبير" (٦٧٥٦).
(٢) إسناده حسن من أجل بكر بن عمرو المعافري وشعيب بن زُرعة. وأخرجه أحمد ٢٨/ (١٧٤٠٧) عن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن حيوة بن شريح، بهذا الإسناد. وأخرجه أيضًا (١٧٣٢٠) من طريق رشدين بن سعْد، عن بكر بن عمرو، به.
(٣) كذا قُيِّد في (ص) بالنون، وهو الموافق لكلام الترمذي الذي قاله بإثر الحديث (١٥٧٣)، حيث قال: هكذا قال سعيد: الكنز، قال المنذري في "الترغيب والترهيب" ٢/ ٣٧١: يعني بالزاي. قلنا: ونقل ابن الجوزي في "جامع المسانيد" ١/ ٣٩٢ (٧٩٦) عن الدارقطني قوله: إنما هو الكنز، بالنون، ونقل السيوطي في "قوت المغتذي" ١/ ٤١٤ عن العراقي قوله: من رواه بالموحدة والراء (يعني: الكِبْر) فهو تصحيف. قلنا: وقال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" ٣/ ٣٣٨: وكذلك أيضًا ذكر ابن مردويه الحديث في تفسير ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]. قلنا: وأورده ابن عبد البر في "الاستذكار" كما سيأتي في باب ما جاء في الكنز من أبواب الزكاة والفضة. وقال السِّندي في "حاشيته على ابن ماجه" ٢/ ٧٦: هذا هو الموافق لما بعده، إذ الكلام فيما يتعلق بالأموال. قلنا: وتصحف في (ز) و(ب) و(ع) إلى: الكبر، بالباء والراء، وانظر تمام الكلام عليه عند تخريج الحديث.
(٤) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي من أجل يحيى بن أبي طالب وعبد الوهاب بن عطاء، فهما صدوقان لا بأس بهما، وقد توبعا. سعيد: هو ابن أبي عَرُوبة، وقتادة: هو ابن دِعامة.
[ ٣ / ١٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ٣٧/ (٢٢٤٢٧) عن عبد الوهاب بن عطاء الخفَّاف، بهذا الإسناد. لكنه قال في روايته: "الكبر" بالباء والراء بدل: "الكنز" بالنون والزاي. وقد وافق يحيى بنَ أبي طالب على روايته بالنون والزاي الحارثُ بنُ أبي أسامة عند أبي نعيم في "معرفة الصحابة" (١٤١١). وأخرجه الترمذي (١٥٧٣) من طريق ابن أبي عدي، والنسائي (٨٧١١) عن عمرو بن علي الفلَّاس، عن يزيد بن زُريع، كلاهما (ابن أبي عدي ويزيد بن زريع) عن سعيد بن أبي عروبة، به. فقالا في روايتهما: "الكنز" بالنون والزاي. وأخرجه أحمد (٢٢٤٢٧) عن محمد بن بكر البُرساني، وابن ماجه (٢٤١٢) من طريق خالد بن الحارث، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، وأخرجه النسائي (٨٧١١) عن محمد بن عبد الله بن بزيع، وابن حبان (١٩٨) من طريق محمد بن المنهال الضرير وأمية بن بسطام، ثلاثتهم (ابن بزيع وابن المنهال وأمية) عن يزيد بن زُريع، عن سعيد بن أبي عروبة، فقالوا جميعًا في رواياتهم: "الكبر" بالباء والراء. وأخرجه أحمد (٢٢٣٦٩) و(٢٢٣٩٠) و(٢٢٤٢٨) و(٢٢٤٣٤) من طريق همام بن يحيى، و(٢٢٣٦٩) من طريق أبان بن يزيد العطار، و(٢٢٤٢٨) عن محمد بن جعفر، عن شعبة، ثلاثتهم عن قَتَادة، به، ووقع في رواية همام وأبان: "الكبر" بالباء والراء، وأسقط أحمد هذا الحرفَ من رواية شعبة مع أنه ثابت في رواية محمد بن جعفر عنه بالنون والزاي، كما نصَّ عليه أحمد نفسُه فيما أسنده عنه أبو أحمد العسكري في "تصحيفات المحدثين" ١/ ١٤٠، وخطَّأ أحمدُ روايته وصحَّح الرواية بالباء والراء، وإنما دعا أحمد إلى ذلك أنَّ معظم الروايات التي وقعت له في "المسند" مما قدمنا ذكره إنما وقعت بالباء والراء، فصححها وخَطَّأ رواية محمد بن جعفر عن شعبة، وهذا بخلاف ما قدمنا ذكره في التعليق السابق من تخطئة الترمذي والدارقطني وغيرهما لرواية الباء والراء، وترجيحهم رواية النون والزاي وقولهم هو الراجح فيما نُرى، لأنَّ ابن عبد البر قد روى هذا الحديث في "الاستذكار" (١٢٧١٩) من طريق أبي بكر ابن أبي شيبة، عن عفان بن مسلم، عن أبان بن يزيد وهمام، عن قَتَادة به، ووقعت له الرواية بالنون والزاي، وأورد الحديث في باب ما جاء في الكنز من أبواب الزكاة، وهذا يؤيد أنَّ الأشبه في روايتهما ما وافقا عليه مَن رواه بالنون والزاي والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ١٦٦ ]
تابعه أبو عَوَانة عن قَتَادة في إقامة هذا الإسناد:
٢٢٤٩ - أخبرَناه أحمد بن سَلْمان الفقيه ببغداد، حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر، حدثنا أبو الوليد الطَّيالسي وعفّان بن مسلم، قالا: حدثنا أبو عَوَانة، عن قَتَادة، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن مَعْدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن ماتَ وهو بَريءٌ من ثلاثٍ: الكَنْزِ (^١)، والغُلولِ، والدَّينِ، دخَلَ الجنةَ" (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢٢٥٠ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه وعلي بن حَمْشاذَ العَدْل ودَعَلَجُ بن أحمد السِّجِسْتاني، قالوا: أخبرنا هشام بن علي السِّيرافي، حدثنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا سعيد بن سلمة بن أبي الحُسام، حدثني صالح بن كَيسان، عن سَعْد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "نفسُ المؤمنِ مُعَلَّقةٌ بدَينِه حتى يُقضَى عنه" (^٣).
_________________
(١) وقع في النسخ الخطية: الكبر، ولم يظهر إعجامها في (ص)، وقد نصَّ البيهقي في "شعب الإيمان" (٥١٥١) أنه في كتابه عن أبي عبد الله الحاكم: "الكنز" مقيدٌ بالزاي، قال: والصحيح في حديث أبي عَوانة بالراء، ثم نقل كلام الترمذي الذي قاله بإثر الحديث (١٥٧٣) حيث قال: قال أبو عوانة في حديثه: "الكبر".
(٢) إسناده صحيح. أبو الوليد الطيالسي: هو هشام بن عبد الملك، وأبو عوانة: هو الوضّاح بن عبد الله اليشكري. وأخرجه الترمذي (١٥٧٢) عن قتيبة بن سعيد، عن أبي عوانة، عن قتادة، عن سالم، عن ثوبان، فأسقط من إسناده معدان بن أبي طلحة. وقد وافق أبا الوليد الطيالسي وعفان بن مسلم على ذكر معدان جميع من روى هذا الحديث عن قتادة غير أبي عوانة، كما خرّجناه في الطريق السابقة، فلا شكَّ عندئذٍ أن يكون إسقاط معدان وهمًا من قتيبة، والله تعالى أعلم.
(٣) صحيح لغيره، وهذا إسناد رجاله لا بأس بهم، وقد تابع صالح بن كيسان على روايته هذه زكريا بن أبي زائدة، لكن خالفهما شعبة وسفيان الثَّوري وإبراهيم بن سعد، فزادوا في إسناده بين سعد بن إبراهيم - وهو ابن عبد الرحمن بن عوف - وبين أبي سلمة رجلًا هو عمر بن أبي سلمة =
[ ٣ / ١٦٧ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه لِرواية الثَّوْري، قال فيها: عن سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وإبراهيمُ بن سعد على حفظِه وإتقانِه أعرَفُ بحديث أبيه من غيره:
٢٢٥١ - حدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدُّوْري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه.
_________________
(١) = ابن عبد الرحمن بن عوف، وصحح روايتهم يحيى بن معين في رواية الدُّوري ٣/ ٢٨٨، والترمذي بإثر (١٠٧٩)، والدارقطني في "العلل" (١٧٨٠)، وابن التركماني في "الجوهر النقي" بهامش "السنن الكبرى" للبيهقي ٦/ ٧٦، وهو الصحيح إن شاء الله، وإن كان سعد بن إبراهيم قد روى عن عمِّه أبي سلمة عدة أحاديث غير هذا في "الصحيحين" وغيرهما، ويصير إسناد الحديث بزيادة عمر بن أبي سلمة فيه حسنًا، لأنَّ عمر هذا حسن الحديث. وأخرجه أحمد ١٦/ (١٠٥٩٩)، والترمذي (١٠٧٨) من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن سعد بن إبراهيم، به. وأخرجه ابن حبان (٣٠٦١) من طريق إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهْري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ولا يُعرف ذكر الزُّهْري إلّا من هذه الطريق عند ابن حبان وحده، ولم نقف عليه عند غيره، وهو غريب فردٌ، وقد أشار الدارقطني في "العلل" (١٧٨٠) إلى أنَّ مسلم بن خالد قد رواه مرة عن صالح بن كيسان، فقال في إسناده: عن الزُّهْري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. قال: وسعد بن إبراهيم زهري، فإن كان أراد بقوله: الزُّهْري سعد بن إبراهيم، وإلّا فقد وهم. وأخرجه أحمد ١٥/ (٩٦٧٩) و١٦/ (١٠١٥٦) من طرق عن سفيان الثَّوري، وابن ماجه (٤٤١٣)، والترمذي (١٠٧٩) من طريق إبراهيم بن سعد، كلاهما عن سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة. فزادا في الإسناد عمر بن أبي سلمة، وهذا إسناد حسنٌ. وتابعهما شعبة عند أبي الحسين بن المظفر في "حديث شعبة" (١٢٥)، والخطيب في "تلخيص المتشابه في الرسم" ٢/ ٨٧٦، وأبي القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١٣٣٦). وقد صحَّ في هذا الباب غيرُ ما حديث، منها حديث سمرة بن جندب الذي تقدم برقم (٢٢٤٤). وحديث محمد بن جحش المتقدم برقم (٢٤٤٥)، وانظر تمام شواهده والكلام على فقهه هناك. وانظر ما بعده.
[ ٣ / ١٦٨ ]
وأخبرني أحمد بن سهل الفقيه ببُخارى، حدثنا صالح بن محمد بن حَبيب الحافظ.
وأخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا أحمد بن بشر بن سعْد (^١) المَرْثَدي؛ قالا: حدثنا محمد بن جعفر الوَرْكاني، حدثنا إبراهيم بن سعْد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "نفسُ المؤمِنِ مُعلَّقةٌ بدَينهِ حتى يُقضى عنه" (^٢).
٢٢٥٢ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا أبو المثنَّى، حدثنا مُسدَّد، حدثنا خالد بن عبد الله، حدثنا إبراهيم الهَجَري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود،
_________________
(١) تحرَّف في (ز) و(ب) إلى: سعيد. وإنما هو سعْد، بدون الياء، وانظر ترجمته في "تاريخ بغداد" ٥/ ٨٧، و"معجم الأدباء" لياقوت ١/ ٤٥٣.
(٢) صحيح لغيره، وهذا إسناد رجاله ثقات كسابقه، لكن جميع من روى هذا الحديث عن إبراهيم بن سعد عن أبيه، زادوا فيه عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف بين سعد بن إبراهيم وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، كالشافعي وعبد الرحمن بن مهدي وأبي سلمة موسى بن إسماعيل التبوذكي وأبي معمر إسماعيل بن إبراهيم الهذلي وأبي ثابت محمد بن عبد الله المديني ويونس بن محمد المؤدِّب، وغيرهم، حتى إنَّ البيهقي قد رواه في "سننه الكبرى" ٦/ ٤٩ عن أبي عبد الله الحاكم، بإسنادين آخرين له ليسا في "المستدرك" عن إبراهيم بن سعد - أحدهما من طريق الشافعي - فذكر في الإسنادين عمر بن أبي سلمة، فهذا هو المحفوظ في طريق إبراهيم بن سعد، وهو يوافق رواية سفيان الثَّوري وشعبة بن الحجاج اللتين خرجناهما آنفًا عند الطريق السابقة، وعليه فما وقع في إسناد الحاكم هنا من إسقاط عمر وهمٌ، والله أعلم بالصواب. أما رواية الشافعي فهي في "الأم" ١/ ٣١٨ و٣/ ٢١٦، وأما رواية ابن مهدي فهي عند الترمذي (١٠٧٩)، وأما رواية موسى بن إسماعيل التبوذكي فهي عند ابن أبي خيثمة في السفر الثاني من "تاريخه" (٤٠٠٦)، وأما رواية أبي معمر الهُذلي فهي عند أبي يعلى (٦٠٢٦)، وأما رواية أبي ثابت فهي عند البيهقي ٦/ ٤٩، وأما رواية يونس بن محمد فهي عند أبي علي بن شاذان في الجزء الأول من "حديثه" (٧٣). والإسناد بذكر عمر بن أبي سلمة حسن، لأنَّ عمر هذا حسن الحديث.
[ ٣ / ١٦٩ ]
أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ إبليسَ يَئِسَ أن تُعبدَ الأصنامُ بأرض العَرَب، ولكنه سيرضَى بدُونِ ذلك منكم، بالمحقَّرات من أعمالِكم، وهي المُوبِقاتُ، فاتَّقوا المظالمَ ما استطعتم، فإنَّ العبدَ يجيءُ يومَ القيامة وله مِن الحسناتِ ما يُرى أنه يُنجِيه، فلا يزالُ عبدٌ يقومُ فيقولُ: يا ربِّ، إنَّ فلانًا ظَلَمَني مَظلِمةً، فيقال: امحُوا من حَسَناتِه، حتى لا يَبقى له حَسَنةٌ" (^١).
_________________
(١) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن، إبراهيم الهَجَري - وهو ابن مسلم، وإن كان ضعيفًا - قد روى سفيان بن عيينة عنه الشطر الأول من هذا الحديث في يأس الشيطان أن تُعبد الأصنام في أرض العرب ورضاه بالمحقَّرات من الأعمال، ورواية ابن عيينة عنه صالحة كما بيّناه عند الحديث السالف برقم (٢٠٦٣)، وأما الشطر الثاني من الحديث فقد روي عن ابن مسعود من غير هذا الوجه، لكن قد اختُلف في رفعه ووقفه، ومثله لا يقال من قِبَل الرأي، وقد وردت فيه شواهد صريحة في الرفع، ولشطره الأول كذلك شواهد مرفوعة، فصحَّ الحديث في الجملة، والله تعالى أعلم. أبو المثنى: هو معاذ بن المثنَّى العَنْبري، وأبو الأحوص: هو عوف بن مالك الجُشَمي. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٧٠٦٧) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه أبو يعلى (٥١٢٢)، والبيهقي في "الشعب" (٦٨٧٧)، وفي "الآداب" (١٠١٩) من طريق محمد بن دينار بن أبي الفُرات، عن إبراهيم الهجري، به. وأخرج الشطر الأول منه الحميدي (٩٨) عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم الهجري، به. وزاد سفيان ومحمد بن دينار في روايتهما: "فاتقوا المحقَّرات، فإنهن من المُوبِقات، أولًا أُخبركم بمَثَل ذلك، مثل رَكْبٍ نزلوا فلاةً من الأرض ليس بها حطبٌ، فتفرقوا، فجاء ذا بعُودٍ، وجاء ذا بعظمٍ، وجاء ذا برَوثةٍ، حتى أنضَجُوا الذي أرادوا، فكذلك الذُّنوب". ويشهد للشطر الأول حديث أبي هريرة عند أحمد ١٤/ (٨٨١٠) وغيره، بلفظ: "قد أيس أن يُعبد بأرضكم"، وإسناده صحيح. وآخر من حديث سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه عند ابن ماجه (٣٠٥٥)، والترمذي (٢١٥٩)، والنسائي (٤٠٨٥)، وقال: الترمذي: حسن صحيح. ولفظه: "أيس أن يُعبد في بلدكم". وثالث من حديث ابن عباس تقدم عند المصنف برقم (٣٢٢)، وفي إسناده لين. ولفظه كحديث أبي هريرة. ورابع من حديث جابر عند مسلم (٢٨١٢) لكن بلفظ: "إنَّ الشيطان قد أيس أن يعبده المصلُّون =
[ ٣ / ١٧٠ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٢٥٣ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا العباس بن الفضل الأسْفاطي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زُهير، حدثنا عُمارة بن غَزِيّة، عن يحيى بن راشد، عن عبد الله بن عمر (^١)، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن حالَت شفاعتُه دون حَدٍّ مِن حُدُود الله، فقد ضادَّ اللهَ في أمرِه، ومن مات وعليه دَين، فليس ثَمَّ دينارٌ ولا دِرهمٌ، ولكنها الحسناتُ والسيئاتُ، ومن خاصم في باطلٍ وهو يعلمُ، لم يَزَلْ في سَخَطِ الله حتى يَنزِعَ، ومَن قال في مؤمنٍ ما ليس فيه، حُبِسَ في رَدْغةِ الخَبَالِ حتى يأتيَ بالمَخْرَج مما قالَ" (^٢).
_________________
(١) = في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم". وأما الشطر الثاني منه فقد أخرجه الخرائطي في "مساوئ الأخلاق" (٦٤٢) من طريق عمار بن محمد، عن إبراهيم الهَجَري، به. وأخرجه المعافى بن عمران في "الزهد" (٤١)، والدِّينوَري في "المجالسة" (٢٠٥٩) من طريق زاذان أبي عمر، عن ابن مسعود موقوفًا، وإسناده حسن. ورواه أبو عثمان النهدي عن ابن مسعود وغيره من أصحاب النبي ﷺ فيما سيأتي عند المصنف برقم (٢٢٩٩) و(٨٩٢٩)، واختلف في رفعه ووقفه كما سيأتي. ويشهد لهذا الشطر في المرفوع حديث أبي هريرة عند البخاري (٢٤٤٩) بلفظ: "من كانت له مَظلِمة لأخيه من عِرضه أو شيء، فليتحَلَّلْهُ من اليوم، قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهم، إن كان عَمَلٌ صالحٌ أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه". وهو عند مسلم (٢٥٨١) بنحوه. وآخر بمعناه من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب سيأتي عند المصنف بعده. وثالث من حديث بُريدة الأسلمي عند مسلم (١٨٩٧).
(٢) في نسخنا الخطية: عبد الله بن عمرو، وهو خطأ، فإنَّ هذا الحديث لا يعرف إلَّا عن ابن عُمر كما في مصادر التخريج من هذا الوجه، وقد روي عنه أيضًا من غير وجه، ويحيى بن راشد لا تعرف له رواية عن عبد الله بن عَمرو، وقد أخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" ٦/ ٨٢ من طريق أخرى عن عباس بن الفضل الأسفاطي، فذكره على الصواب.
(٣) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي من أجل عباس الأسفاطي، وقد توبع. زهير: هو ابن معاوية الجُعْفي، ويحيى بن راشد: هو أبو هشام الدمشقي. =
[ ٣ / ١٧١ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٢٥٤ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا بحر بن نَصْر بن سابِق الخَوْلاني، حدثنا شعيب بن الليث بن سعد، حدثني أبي.
وحدثنا علي بن حَمْشاذَ، حدثنا عُبيد بن عبد الواحد، حدثنا يحيى بن بُكَير، حدثنا الليث، عن ابن عَجْلان، عن زيد بن أسلَمَ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنَّ رجلًا لم يعمل خيرًا قطُّ، وكان يُدايِنُ الناسَ، فيقولُ لرسوله: خُذْ ما تيسَّر واتْرُكْ ما عَسُر، وتجاوَزْ لعلَّ اللهَ يتجاوزُ عنا، فلما هَلَكَ قال اللهُ: هل عَمِلتَ خيرًا قطُّ؟ قال: لا، إلّا أنه كان لي غلامٌ، وكنت أُدايِنُ الناسَ، فإذا بعثتُه يَتقاضَى قلتُ له: خُذ ما تيسَّر، واترُك ما تَعَسَّر، وتجاوَزْ لعلَّ الله يتجاوزُ عنا، قال الله: فقد تجاوزْتُ عنك" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٢٥٥ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد
_________________
(١) = وأخرجه أبو داود (٣٥٩٧) عن أحمد بن يونس - وهو ابن عبد الله بن يونس، معروف بالنسبة إلى جده - بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٩/ (٥٣٨٥) عن حسن بن موسى، عن زهير بن معاوية، به. والشطر الأول منه في ذكر الشفاعة سيأتي من طريق عبد الله بن عامر عن ابن عمر برقم (٨٣٥٦)، وقصة الخصومة ستأتي برقم (٧٢٢٨) من طريق نافع عن ابن عمر. ورَدْغة الخَبَال: عُصارة أهل النار، والرَّدغة، بفتح الدال وسكونها: الماء والطين، والخَبال: الفساد.
(٢) إسناده قوي. الليث: هو ابن سعد، وابن عجلان: هو محمد، وأبو صالح: هو ذكوان السمّان. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٧٣٠) عن يونس بن محمد المؤدَّب، والنسائي (٦٢٤٧)، وابن حبان (٥٠٤٣) من طريق عيسى بن حماد، كلاهما عن الليث بن سعد، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ١٣/ (٧٥٧٩)، والبخاري (٢٠٧٨) و(٣٤٨٠)، ومسلم (١٥٦٢)، والنسائي (٦٢٤٨)، وابن حبان (٥٠٤٢) و(٥٠٤٦) من طريق عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة، مختصرًا.
[ ٣ / ١٧٢ ]
ابن عبّاد المكي، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن أبي حَزْرة يعقوب بن مجاهد، عن عُبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت: قال خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحيّ من الأنصار قبل أن يهلِكُوا، فكان أولَ من لَقِينا أبو اليَسَر صاحبُ رسولِ الله ﷺ ومعه غُلامٌ له، وعليه بُردٌ ومَعافِريّ، وعلى غلامه بُرْدٌ ومَعافِريّ (^١)، ومعه إضبارة (^٢) صُحُف، فقال له أبي: كأني أرى في وجهك سُفْعةً من غَضَب. قال: أجلْ، كان لي على فلانِ بن فلانٍ الحَراميّ (^٣) مالٌ، فأتيتُ أهلَه، فقلت: أثَمَّ هو؟ قالوا: لا، فخرج ابنٌ له، فقلت له: أين أبوك؟ قال: سمع كلامَك، فدخل أريكةَ أمي، فقلت: اخرُجْ، فقد علمتُ أين أنتَ، فخرج إليَّ، فقلتُ له: ما حَمَلك على أنِ اختبأتَ مني؟ قال: أنا واللهِ أُحدّثُك ولا أَكذِبُك، خشيتُ واللهِ أن أُحَدِّثَك فأَكذِبَك، أو أعِدَك فأُخلِفَك، وكنتَ صاحبَ رسولِ الله ﷺ، وكنتُ واللهِ مُعسرًا، فقلتُ: آللهِ، قال: آللهِ، قال: فقلتُ: آللهِ، قال: آللهِ، قال: فنشر الصحيفةَ ومَحَا الحقَّ، وقال: إن وجدتَ قضاءً فاقضِ، وإلّا فأنتَ في حِلٍّ، فأشهَدُ لبَصُرَتْ عيناي هاتان - ووضع إصبعيه على عينيه - وسمعَتْه أذناي هاتان - ووضع إصبعيه في أذنيه - ووَعَاه قلبي - وأشار إلى نِيَاط قلبه - رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن أَنظَر مُعسِرًا أو وَضَعَ له، أظلَّه اللهُ في ظِلّه" (^٤).
_________________
(١) المَعَافريُّ: ثياب تُعمل بقرية يقال لها: مَعَافِر، وقيل: هي نسبة إلى قبيلة نزلت تلك القرية، وهي بفتح الميم. والبُرْد: شَمْلة مخططة، وقيل: كساء مربّع فيه صِغَر يلبسه الأعراب.
(٢) الإضبارة: الحُزمة.
(٣) الحراميّ: نسبة إلى بني حَرَام.
(٤) إسناده صحيح. أبو اليَسَر: هو كعب بن عمرو السَّلَمي. وأخرجه مسلم (٣٠٠٦) عن هارون بن معروف ومحمد بن عبّاد - واللفظ لهارون - عن حاتم، بهذا الإسناد. فاستدراك الحاكم له ذهولٌ منه. وأخرجه ابن حبان (٥٠٤٤) من طريق عمرو بن زرارة، عن حاتم بن إسماعيل، به. الأريكة: السرير المُرخَى عليه السَّتْر. ونِياط القلب: عِرْق غليظ عُلِّق به القلب بالرئتين.
[ ٣ / ١٧٣ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
وكذلك روي مختصرًا عن زيد بن أسلم (^١) ورِبْعي بن حِراش (^٢) وحَنْظلة بن قيس (^٣)، كلهم عن أبي اليَسَر.
٢٢٥٦ - حدثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المُزَني وأبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي، قالا: حدثنا أبو جعفر محمد بن عبد الله الحَضْرمي، حدثنا أبو بكر بن أبي شَيْبة، حدثنا عَفّان، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، حدثنا محمد بن جُحَادة، عن سليمان بن بُريدة، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن أنظَرَ مُعسِرًا فله بكلِّ يوم صدقةٌ قبل أن يَحِلَّ الدَّينُ، فإذا حَلَّ الدَّينُ فأنْظَرَه بعد ذلك فله بكلِّ يوم مثلُه صدقةً" (^٤).
_________________
(١) أخرجه من طريقه الواحدي في "التفسير الوسيط" ١/ ٣٩٩، لكن زيد بن أسلم يُستبعد جدًّا إدراكه لأبي اليَسَر، فبين وفاتيهما واحد وثمانون عامًا.
(٢) أخرجه من طريقه أحمد ٢٤/ (١٥٥٢١)، وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه من طريقه أحمد ٢٤/ (١٥٥٢٠)، وابن ماجه (٢٤١٩)، وإسناده حسن في المتابعات.
(٤) إسناده صحيح. عفان: هو ابن مسلم الصَّفّار. وأخرجه أحمد ٣٨/ (٢٣٠٤٦) عن عفان بن مسلم، بهذا الإسناد. لكن بلفظ: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة" قال: ثم سمعته يقول: "من أنظر مُعسرًا فله بكل يوم مثليه صدقة" قلت: سمعتك يا رسول الله تقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة" ثم سمعتك تقول: "من أنظر مُعسرًا فله بكل يوم مثليه صدقة" قال له: "بكل يوم صدقة قبل أن يَحِلَّ الدَّين، فإذا حلَّ الدَّين فأنظرَه فله بكل يوم مثليه صدقة". لكن لفظ الحاكم هو المعتمد، وهو الذي رواه جماعة أصحاب عفان غير أحمد، وكذلك هو الذي رواه جماعة أصحاب عبد الوارث. وأخرجه أحمد (٢٢٩٧٠)، وابن ماجه (٢٤١٨) من طريق نُفيع بن الحارث أبي داود الأعمى، عن بريدة. ولفظه على الجادة، لكن أبا داود الأعمى متروك الحديث. ومعنى الحديث: أنه إن أنظره قبل حلول الدَّين كان له بكل يوم صدقة مطلقة غير محددة، وإن أنظره بعد حلول أجل الدَّين كان له بكل يوم مثلُ قدرِ ما أقرضَه صدقةً. =
[ ٣ / ١٧٤ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢٢٥٧ - أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبُوبي - من أصل كتابه -، حدثنا أحمد بن سَيَّار، حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، حدثني الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي مسعود البَدْري، قال: حُوسِب رجلٌ فلم يُوجَد له خَيرٌ، وكان ذا مالٍ، وكان يُدايِنُ الناسَ، وكان يقولُ لغِلْمانِه: من وَجَدتموه غنيًا، فخُذُوا منه، ومن وجدتموه مُعسِرًا، فتجاوَزُوا عنه، لعلَّ اللهَ يتجاوزُ عَنِّي، فقال اللهُ: أنا أحقُّ أن أتجاوَزَ عنه (^١).
هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه (^٢).
وقد أُسند عن عبد الله بن نُمير عن الأعمش:
٢٢٥٨ - حدَّثَناه أبو حامد أحمد بن بالَوَيهِ، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شَيْبة، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن نُمير، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي مسعود، أنَّ
_________________
(١) = وهذه الصدقة المطلقة في الإنظار قبل حُلول أجل الدَّين قد جاء تقييدها في حديث ابن مسعود عند أحمد ٧/ (٣٩١١) وغيره بأنها تعدل شَطْرَ الصدقة. يعني كأنه تصدّق بشطر ما أقرض.
(٢) إسناده صحيح، وقد وقفه سفيان - وهو الثَّوري - لكن رفعه غيره، كما في الطريق التالية، وصحَّ مرفوعًا أيضًا من غير هذا الوجه عن أبي مسعود، كما سيأتي بيانه. الأعمش: هو سليمان بن مِهْران، وأبو وائل: هو شقيق بن سلمة، وأبو مسعود: هو عُقبة بن عمرو الأنصاري ﵁. وأخرجه أحمد ٢٨/ (١٧٠٨٣)، ومسلم (١٥٦١)، والترمذي (١٣٠٧)، وابن حبان (٥٠٤٧) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، عن الأعمش، به مرفوعًا. وسيأتي بعده من طريق عبد الله بن نمير عن الأعمش مرفوعًا كذلك. وأخرجه بنحوه أحمد ٢٨/ (١٧٠٦٤) و٣٨/ (٢٣٣٨٤) و(٢٣٤٦٣)، والبخاري (٢٣٩١)، ومسلم (١٥٦٠)، وابن ماجه (٢٤٢٠) من طريق ربعيّ بن حِراش، عن حذيفة وأبي مسعود مرفوعًا. وسيأتي عند المصنف من هذا الوجه برقم (٣٢٣٦). وانظر ما بعده.
(٣) إن أراد الحاكم طريق الأعمش عن أبي وائل، فقد بيّنا أنَّ مسلمًا أخرجه فلا استدراك عليه، وإن أراد أصل الحديث فقد أخرجاه كلاهما، فلا استدراك عليهما!!
[ ٣ / ١٧٥ ]
رسول الله ﷺ قال: "حُوسِب رجلٌ فلم يُوجَد له خَيرٌ"، فذكره بنحوه (^١).
٢٢٥٩ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا القَعْنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عِكْرمة، عن ابن عباس: أنَّ رجلًا لَزِمَ غَريمًا له بعشرة دنانير، فقال له: والله ما عندي قضاءٌ أَقْضِيكَهُ اليومَ، قال: فواللهِ لا أُفارِقُكَ حتَّى تَقضِيَ أو تأتيَ بحَمِيلٍ يَحمِلُ عنك، قال: واللهِ ما عندي قضاءٌ، وما أجدُ أحدًا يَحمِلُ عني، قال: فَجَرَّه إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، هذا لازِمي واستَنْظرتُه شهرًا واحدًا، فأَبى حتَّى أقضيَه أو آتيَه بحَمِيل، فقلتُ: والله ما أجدُ حَمِيلًا، ولا عندي قضاءٌ اليومَ. فقال له رسولُ الله ﷺ: "هل تَستَنظِرُه إِلّا شهرًا واحدًا؟ " قال: لا، قال: "فأنا أتحمَّل بها عنكَ" قال: فتحمَّلها رسولُ الله ﷺ عنه، فذهب الرجلُ فأتى بقَدْر ما وَعَدَه، فقال له رسولُ الله ﷺ: "من أين أصبتَ هذا الذَّهَب؟ " قال: من مَعْدِنٍ، قال: "فاذهبْ، فلا حاجةَ لنا فيها، ليس فيها خَيرٌ"، فقضاها عنه رسولُ الله ﷺ (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح، محمد بن عثمان بن أبي شيبة - وإن كان تُكُلِّم فيه - قد توبع كما تقدَّم في الطريق التي قبله.
(٢) إسناده جيد. القَعْنبي: هو عبد الله بن مَسلمة، وعمرو بن أبي عمرو: هو مولى المطَّلب بن عبد الله حنَطْب. وأخرجه أبو داود (٣٣٢٨) عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن ماجه (٢٤٠٦) عن محمد بن الصبّاح، عن عبد العزيز بن محمد، به. والحَميل: الكفيل. والمَعدِن: هو الموضع الذي يستخرج منه شيء من جواهر الأرض كالذهب والفضة والنحاس، وغير ذلك، وهو ما يُسمَّى أيضًا بالمنجم. وقوله: "لا حاجة لنا فيها، ليس فيها خير" قال الخطابي: يشبه أن يكون ذلك لسبب عَلِمَه فيه النبيُّ ﷺ خاصة، لا من جهة أنَّ الذهب المستخرج من المعدن لا يباح تملكه وتموُّله، فإنَّ عامة الذهب والورِق مستخرجة من المعادن … قال: ويُحتمل أن يكون ذلك من أجل أنَّ أصحاب المعادن يبيعون ترابها ممن يُعالجه فيحصّل =
[ ٣ / ١٧٦ ]
هذا حديث صحيح على شرط البخاري لعمرو بن أبي عمرو، والدَّرَاوَرْدِي على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٢٦٠ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن سعيد بن هانئ، عن العِرباض بن ساريَة السُّلَمي، قال: بعتُ مِن رسولِ الله ﷺ بَكْرًا، فجئتُ أتقاضَاهُ، فقلتُ: يا رسول الله، اقض ثمنَ بَكْري، قال: "نعم، لا أَقضيكَه إلّا لحِينِه"، ثم قضاني فأحسنَ قضائي، ثم جاءه أعرابيٌّ، فقال: يا رسول الله، اقضني بَكْري فقضاه بعيرًا مُسِنًّا، فقال: يا رسول الله، هذا أفضلُ من بَكْري، فقال: "هو لك، إنَّ خيرَ القومِ خيرُهم قَضاءً" (^١).
_________________
(١) = ما فيه من ذهب أو فضة، وهو غرر، لأنه لا يُدرى هل يوجد فيه شيء أم لا؟ قال: وفيه وجه آخر، وهو أنَّ معناه: ليس لها رَواجٌ، ولا لحاجتنا فيها نجاح، وذلك أنَّ الذي جاء به تَبْرٌ غير مضروب، وليس بحضرته من يضربه دنانير. قال: ويحتمل أن يكون إنما كرهه لما يقع فيه من الشبهة ويدخله من الغرر عند استخراجه من المعدن، وذلك أنهم استخرجوه بالعشر أو الخمس أو الثلث مما يصيبونه، وهو غرر لا يُدرى هل يُصيبُ العاملُ فيه شيئًا أم لا؟ قال: وفيه أيضًا نوع من الخطر والتغرير بالأنفس، لأنَّ المعدن ربما انهار على من يعمل فيه، فكره من أجل ذلك معالجته واستخراج ما فيه. قلنا: وحمله الطحاوي في "شرح المشكل" ١٢/ ٢٢٨ على وجهٍ استحسنه، وهو أنه لما كان هذا الذهب تبرًا غير مضروب، وهو عند الناس دون الدنانير المضروبة، وكان من شريعته ﷺ أنَّ خيار الناس أحسنهم قضاءً، وكان هو أولى الناس بذلك، فلو دفع إليه النبي ﷺ ذلك التبر لم يُحسِن قضاؤه، وهو ﷺ أبعدُ الناس من ذلك، فكره أخذها لذلك وأدّى للذي تحمّل له بها من ماله دنانير لا نقص فيها.
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد ٢٨/ (١٧١٤٩)، والنسائي (٦١٦٩)، وابن ماجه (٢٢٨٦) من طريقين عن معاوية بن صالح، به. =
[ ٣ / ١٧٧ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه بهذه السِّياقة (^١).
٢٢٦١ - أخبرنا عبد الله بن إسحاق الخُزاعي بمكة، حدثنا أبو يحيى بن أبي مَسَرّة.
وأخبرنا بكر بن محمد الصَّيرفي بِمَرْو، حدثنا عبد الصمد بن الفَضْل؛ قالا: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: سمعتُ سفيان بن سعيد الثَّوْري.
وأخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المَحبُوبي بمَرْو، حدثنا أحمد بن سيّار، حدثنا محمد بن كثير.
وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الزاهد، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، حدثنا أبو حُذيفة؛ قالا: حدثنا سفيان، عن سِماك بن حَرْب، عن سُويد بن قيس قال: جلبتُ أنا ومَخْرَمَةُ العَبْدي بَزًّا من هَجَرَ - أو البحرين - فلما كنا بمنًى أتانا رسولُ الله ﷺ فاشترى منا سَراويلَ وقَباءً، ووزَّانٌ يَزِنُ بالأجر، فدفع إليه رسولُ الله ﷺ الثمنَ، فقال: "زِنْ وأَرْجِحْ" (^٢).
رواه شعبة عن سِماك بن حرب:
٢٢٦٢ - حدَّثَناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفّار، حدثنا أحمد بن مَهدي بن رُسْتُم الأصبَهاني، حدثنا المُؤمَّل بن إسماعيل، حدثنا شعبة.
وحدثنا علي بن حَمْشاذَ العدل، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة.
_________________
(١) = والبَكْر، بفتح فسكون: الفتيُّ من الإبل، بمنزلة الغلام من الناس، والأنثى بَكْرة.
(٢) يشير إلى أنهما أخرجاه بسياقة أخرى، فقد أخرجه البخاري (٢٣٠٥)، ومسلم (١٦٠١) من حديث أبي هريرة، ومسلم (١٦٠٠) من حديث أبي رافع، بنحوه.
(٣) إسناده حسنٌ من أجل سِماك بن حرب. أبو حذيفة: هو موسى بن مسعود النَّهْدي. وأخرجه أحمد ٣١/ (١٩٠٩٨)، وأبو داود (٣٣٣٦)، وابن ماجه (٢٢٢٠) و(٣٥٧٩)، والترمذي (١٣٠٥)، والنسائي (٦١٤٠) و(٩٥٩٢)، وابن حبان (٥١٤٧) من طرق عن سفيان الثَّوري، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حسن صحيح. وسيأتي عند المصنف برقم (٧٥٩٥). والقَبَاء: نوع من الثياب مضمومة أطرافُه، وهو يُلبَس فوق الثياب أو القميص.
[ ٣ / ١٧٨ ]
وأخبرنا أبو أحمد بن أبي الحسن، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا بشر بن خالد العسكري، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك بن حَرْب، قال: سمعتُ أبا صفوان يقولُ: بِعتُ من النبيِّ ﷺ سَراويلَ، فَوَزَنَ لي فأرجَحَ (^١).
أبو صفوان كنية سويد بن قيس، هما واحدٌ من صحابيِّي الأنصارِ، والحديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٢٦٣ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عَمرو بن عون، أخبرنا خالد بن عبد الله، عن حسين بن قيس، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابِ الكَيل والوَزْن: "إنكم قد وُلِّيتُم أمرًا
_________________
(١) إسناده حسن، غير أنَّ شعبة لم يضبط اسم صحابي الحديث، وضبطه سفيانُ الثَّوري كما في الطريق السابقة، وتابع سفيانَ على تسميته سويدَ بن قيس كلٌّ من قيس بن الربيع عند أبي داود الطيالسي (١٢٨٨)، وشريك النخعي فيما قاله الدارقطني في "العلل" (٣٣٩١)، وإسرائيل بن يونس السَّبيعي فيما قاله الدارقطني في "المؤتلف والمختلف" ٤/ ٢١٣٦ في رسم مخرمة ومخرفة. قال أبو داود: رواه قيس كما قال سفيان، والقول قول سفيان. قلنا: وكذلك صحَّح النسائي (٦١٤١) والدارقطني في "العلل" رواية سفيان ومن تابعه. على أنَّ الحاكم ومن قبله النسائيُّ - فيما نقله عنه الدولابي في "الكنى" (٤١٣) - قد جزما بأنَّ أبا صفوان كنية سويد بن قيس، فإن ثبت ذلك لم يتعارض قول سفيان ومن تابعه مع قول شعبة، لكن يعكر عليه أنَّ شعبة كان أحيانًا يقيد أبا صفوان بابن عميرة، وأحيانًا يسميه مالك بن عميرة، ومرة يقول: ابن عُمير، ومرة يقول: صفوان، ومرة يقول: ابن صفوان، فهذا اضطراب من شعبة يدلُّ على أنه لم يضبط الاسم. وأخرجه أحمد ٣٩/ (٢٤٠٠٩/ ٤٥)، وابن ماجه (٢٢٢١) والنسائي (٦١٤١) و(٩٥٩٤) من طريق محمد بن جعفر، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٣١/ (١٩٠٩٩) عن حجاج بن محمد، و٣٩/ (٢٤٠٠٩/ ٤٥) عن يزيد بن هارون، وأبو داود (٣٣٣٧) عن حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم، والنسائي (٩٥٩٣) من طريق أبي داود الطيالسي، و(٩٥٩٥) من طريق سهل بن حماد الدلّال، كلهم عن شعبة، به.
[ ٣ / ١٧٩ ]
فيه هَلَكَةُ الأمّةِ السالفةِ" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٢٦٤ - أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن أبي الوزير التاجر، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس.
وأخبرني أبو عمرو إسماعيل بن نُجَيد السُّلَمي، أخبرنا أبو مسلم؛ قالا: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا محمد بن فَضَاء.
وحدثني محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا الحسين بن محمد بن زياد، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا المعتمر بن سليمان، حدثنا محمد بن فَضَاء، عن أبيه، عن علقمة بن عبد الله المُزَني، عن أبيه: أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن كَسْر سِكّةِ المسلمين الجائزةِ بينهم إلّا من بأسٍ، أو أن يُكسَرَ الدرهمُ فيُجعلَ فضةً، ويُكسَرَ الدينارُ فيُجعلَ ذهبًا" (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف جدًّا من أجل حسين بن قيس - وهو أبو علي الرحبي - فهو متروك الحديث. وقد روي عن ابن عباس موقوفًا عليه، وهو الصحيح. وأخرجه الترمذي (١٢١٧) عن سعيد بن يعقوب الطالقاني، عن خالد بن عبد الله، بهذا الإسناد. وقال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث حسين بن قيس، وحسين بن قيس يضعّف في الحديث، وقد روي هذا بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفًا. قلنا: قد أخرجه ابن مردويه في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" ٣/ ٣٥٩ من طريق شريك النخعي، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس، مرفوعًا كذلك. لكن خالف شريكًا فيه جماعة أصحاب الأعمش، فرووه موقوفًا على ابن عباس، وهو الصحيح: فقد أخرجه هناد بن السَّرِيّ في "الزهد" (٦٨١) عن أبي معاوية الضرير، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٦/ ٣٢ من طريق عبد الله بن نمير، وفي "شعب الإيمان" (٤٩٠٤) من طريق يعلى بن عبيد، وابن المنذر في "الأوسط" (٧٨٩٣) من طريق قيس بن الربيع، كلهم عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس موقوفًا، غير أنَّ قيس بن الربيع أسقط من إسناده كريبًا، فوافق في ذلك شريكًا، والصحيح ذكره.
(٢) إسناده ضعيف لضعف محمد بن فضاء وجهالة أبيه فضاء بن خالد الجهضمي. =
[ ٣ / ١٨٠ ]
ولم يذكر الأنصاريُّ في حديثه والدَ علقمة، وذكره المعتمِر.
٢٢٦٥ - أخبرني أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أنس القرشي، حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، أخبرنا حَيْوة بن شُريح، أخبرنا مالك بن خير الزَّبَادي، أنَّ مالك بن سعد التُّجِيبِي حدثه، أنه سمع ابن عباس يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أتاني جبريلُ، فقال: يا محمد، إِنَّ الله لَعَنَ الخمرةَ، وعاصِرَها، ومُعتَصِرَها، وشارِبَها، وحامِلَها، والمحمولةَ إليه، وبائعَها، وساقِيَها، ومُستَقِيَها (^١) " (^٢).
هذا حديث صحيح الإسناد، وشاهده حديث عبد الله بن عمر، ولم يُخرجاه:
٢٢٦٦ - أخبرَناه محمد بن عيسى القزّاز الرازي ببغداد وعبد الله بن موسى العَدْل بنَيسابُور، قالا: حدثنا علي بن الحسين بن الجُنيد، حدثنا المُعافى بن سليمان، حدثنا
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ٢٤/ (١٥٤٥٧)، وأبو داود (٣٤٤٩)، وابن ماجه (٢٢٦٣) من طرق عن المعتمر بن سليمان، بهذا الإسناد، دون قوله: "أو أن يكسر الدرهم … " إلى آخره. قال الخطابي: أصل السكة: الحديدة التي يطبع عليها الدراهم، والنهي إنما وقع عن كسر الدراهم المضروبة على السكة.
(٢) تحرَّفت في (ز) و(ب) إلى: مُسقيها، بحذف المثناة، والساقي والمُسقِي واحدٌ، وأما المُستقي فهو الذي يطلب الخمر، وهو أعمّ من أن يكون شاربًا.
(٣) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن من أجل مالك بن خير الزَّبادي وشيخه مالك بن سعد التُّجِيبي. وأخرجه أحمد ٥/ (٢٨٩٧) عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، بهذا الإسناد. وزاد "ومُبتاعها". وأخرجه ابن حبان (٥٣٥٦) من طريق عبد الله بن وهب، عن حيوة بن شُريح، به. لكنه قال في روايته: "ومسقاها" بدل: "مُستَقيها"، ومسقى الخمر، بفتح الميم وضمها، من الثلاثي والرباعي: موضع شرب الخمر. وسيأتي من طريق ابن وهب عند المصنف برقم (٧٤١٥). ويشهد له حديث عبد الله بن عمر الآتي بعده.
[ ٣ / ١٨١ ]
فُليح بن سليمان، عن سعيد بن عبد الرحمن بن وائل، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لعنَ اللهُ الخمرَ، ولعنَ ساقِيَها، وشاربَها، وعاصِرَها، ومُعتَصِرَها، وحامِلَها، والمحمولةَ إليه، وبائعَها، ومُبتاعَها، وآكلَ ثَمنِها" (^١).
٢٢٦٧ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الرَّبيع بن سليمان، حدثنا يحيى بن سَلَّام، حدثنا حماد بن سَلَمة، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ النبيَّ ﷺ ابتاعَ مِن أعرابي جَزُورًا بتمرٍ، وكان يرى أنَّ التمرَ عنده، فإذا بعضُه عندَه وبعضُه ليس عندَه، فقال: "هل لك أن تأخُذَ بعضَ تمرِك وبعضَه إِلى الجَدَاد؟ " فأَبى، فاستسلَفَ له النبيُّ ﷺ تمرَه، فدَفَعَه إليه (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح، سعيد بن عبد الرحمن بن وائل - وإن كان مجهولًا - لم ينفرد به، فقد روي الحديث من وجهين آخرين عن عبد الله بن عمر. وأخرجه أحمد ١٠/ (٥٧١٦) عن يونس بن محمد، عن فليح بن سليمان، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٨/ (٤٧٨٧) و٩/ (٥٣٩٠)، وأبو داود (٣٦٧٤)، وابن ماجه (٣٣٨٠) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي وأبي طعمة الشامي، عن عبد الله بن عمر. وإسناده جيد. وسيأتي من طريق ثالثة عند الحاكم ضمن حديث مطوّل برقم (٧٤١٤).
(٢) إسناده جيّد، يحيى بن سلّام مختلف فيه، وهو إلى الثقة أقرب، قال عنه أبو حاتم: صدوق، وقال أبو زرعة: لا بأس به، ربما وهم، ووثقه أبو العرب القيرواني وأبو عمرو الداني، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، وضعفه الدارقطني، وقال ابن عدي: يُكتَب حديثه مع ضعفه. قلنا: ولم يُصب الذهبي في إطلاق القول بتضعيفه في "تلخيص المستدرك"، ومال في "تاريخ الإسلام" ٥/ ٢٢٢ إلى تقوية حاله، وهو الأقرب، على أنه لم ينفرد به، فقد توبع. وقد اختُلف في وصل هذا الحديث وإرساله عن هشام بن عروة، فقد رواه جماعة عنه موصولًا منهم حماد بن سلمة ومحمد بن إسحاق ويحيى بن عمير في آخرين ذكرهم الدارقطني في "العلل" (٣٤٩٧)، وذكر أنَّ حماد بن زيد وأنس بن عياض قد روياه عن هشام مرسلًا، وصحح المرسل، لكن وصلُه غير مستنكر باجتماع جماعة عليه، والله أعلم بالصواب. ولما أخرجه العُقيلي (١٨٢٠) من طريق مُرجَّى بن رجاء عن هشام موصولًا، قال: هذا يُروى بغير هذا الإسناد من وجه أصلح من هذا. وأخرجه البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (١١٥٩٢) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. =
[ ٣ / ١٨٢ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٢٦٨ - أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن فراس الفقيه بمكة، حدثنا بكر بن سهل الدِّمْياطي، حدثنا عبد الله بن يوسف التِّنِّيسي، حدثنا عبد الله بن سالم، حدثنا محمد بن حمزة بن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سَلَام، عن أبيه، عن جده: أنَّ زيد بن سَعْنةَ كان من أحبار اليهود أتى النبيَّ ﷺ يتقاضاه، فجَبَذَ ثوبه عن مَنكِبِه الأيمن، ثم قال: إنكم يا بني عبد المطّلب أصحابُ مَطْلٍ، وإني بكم لَعَارِف، قال: فانتَهَره عمرُ، فقال له رسول الله ﷺ: "يا عمرُ، أنا وهو كنا إلى غيرِ هذا منك أحوجَ، أن تأمُرَني بحُسن القَضاءِ، وتأمُرَه بحُسن التَّقاضي، انطلِقْ يا عمرُ أَوفِهِ حَقَّه، أما إنه قد بقيَ مِن أجله
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ٤٣/ (٢٦٣١٢)، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي ﷺ" (٧٦)، والبَغَوي في "الأنوار في شمائل النبي المختار" (٢٢٤) من طريق محمد بن إسحاق، وعبد بن حميد (١٤٩٩)، والبزار ١٨/ (٨٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٦/ ٢٠ من طريق يحيى بن عمير، والعقيلي في "الضعفاء" (١٨٢٠)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٩٨٣) من طريق مُرجَّى بن رجاء، وابن مَنْدهْ في "معرفة الصحابة" كما في "الإصابة" للحافظ ٧/ ٦٣٢ من طريق عبد الملك بن يحيى بن عبّاد، كلهم عن هشام بن عروة، به موصولًا. وخالفهم وكيع بن الجراح عند ابن أبي شيبة ٦/ ٥٩١، وعَبْدة بن سليمان عند إسحاق بن راهويه في "مسنده" كما في "المطالب العالية" (١٤٥٢)، ومعمر بن راشد عند عبد الرزاق في "مصنفه" (١٥٣٥٨)، كلهم عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلًا. وزاد فيهم الدارقطني كما تقدم حماد بن زيد وأنس بن عياض. لكن جاء من طريق أخرى عن عروة بن الزُّبَير موصولًا: فقد أخرجه البزار كما في "كشف الأستار" (١٣٠٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٠٧١٨) من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزُّبَير، عن عروة، عن عائشة. ومحمد بن إسحاق من هنا وإن لم يصرح بالسماع تصلح روايته هذه لتقوية وصل الحديث في الجملة، والله أعلم. والجداد، بفتح الجيم وكسرها، وبمهملتين بينهما ألف: صِرام النخل، وهو قطع ثمرتها. والجَزُور: البعير ذكرًا كان أو أنثى، إلّا أنَّ اللفظة مؤنثة، تقول: هذه الجزور، وإن أردت ذكرًا.
[ ٣ / ١٨٣ ]
ثلاثٌ، فزِدْه ثلاثين صاعًا لتدويرِك عليه" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٢٦٩ - أخبرنا أحمد بن سَلْمان الفقيه ببغداد، حدثنا محمد بن إسماعيل السُّلَمي، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عُبيد الله بن أبي جعفر، عن نافع، عن ابن عمر وعائشة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن طَلَبَ حقًّا فليطلُبْ في عَفافٍ، وافٍ أو غيرُ وافٍ" (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف، بكر بن سهل الدمياطي ضعيف، وقد توبع، وحمزة بن محمد بن يوسف - وقيل: حمزة بن يوسف بن عبد الله - تفرَّد بالرواية عنه ولده محمد، ولم يوثقه معتبر، وذكره ابن حبان في "ثقاته"، فهو مجهول الحال، ومع ذلك حسَّن المزي حديثه هذا في ترجمة حمزة بن يوسف من "التهذيب" ٧/ ٣٤٧. وإسناده هنا مرسل كما قال الذهبي في "التلخيص"، وسيأتي موصولًا مطولًا عند المصنف برقم (٦٦٩٢) من طريق الوليد بن مسلم عن محمد بن حمزة بن يوسف عن أبيه عن جدّه عن عبد الله بن سلام. واستنكره الذهبي هناك. عبد الله بن سالم: هو الأشعري الوحاظي. وأخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٤٣٣٠) عن مالك بن عبد الله بن سيف النحوي، عن عبد الله بن يوسف، بهذا الإسناد. ولفظ آخره: "وزده ثلاثين صاعًا لردِّك عليه". وأخرجه ابن المنذر في "الأوسط" (٨١٠٣)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٣٠٠١) من طريقين آخرين عن عبد الله بن سالم، به. ورواية ابن المنذر مطولة بنحو الرواية الآتية، وأشار أبو نعيم إلى أنَّ روايته بنحو الرواية المطولة كذلك، ولم يسقها. وقد تحرَّف اسم عبد الله بن سالم عند ابن المنذر إلى: عبد السلام بن سالم. وأخرجه الدارقطني في "المؤتلف والمختلف" ٣/ ١٣٨٨ من طريق بقية بن الوليد، حدثنا عبد الله بن سالم، حدثني محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلَام، عن رجل من أهل بيته، عن أبيه، عن جده، قال: قال زيد بن سعنة. فزاد في الإسناد رجلًا مبهمًا، وانفرد بذلك بقيّة، وأحاديثه غير نقية. الجَبْذ: لغة في الجَذْب. وقوله: "فزده لتدويرك عليه" أي: زده لأجل تدوير عينيك فيه مُظهرًا الغضب منه لترويعه، كما تبينه الرواية الآتية عند المصنف.
(٢) إسناده حسن من أجل يحيى بن أيوب: وهو الغافقي المصري. =
[ ٣ / ١٨٤ ]
هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يُخرجاه.
وله شاهدٌ عن أبي هريرة:
٢٢٧٠ - حدَّثَناه علي بن حَمْشَاذَ العَدْل، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا أبو هَمّام محمد بن محبَّب، حدثنا سعيد بن السائب (^١) الطائفي، عن عبد الله بن يامِينَ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لِصاحبِ الحقّ: "خُذْ حَقَّكَ فِي عَفَافٍ" وأحسبه قال: "وافٍ أو غيرُ وافٍ" (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه ابن ماجه (٢٤٢١)، وابن حبان (٥٠٨٠) من طرق عن سعيد بن أبي مريم، بهذا الإسناد. وقال ابن حبان: قوله ﷺ: "في عفاف" شرطٌ أُريد به الزجر عن ضد العفاف مما لا يحلّ استعماله. وقوله: "وافٍ أو غيرُ وافٍ" قال السندي في "حاشيته على سنن ابن ماجه" ٢/ ٧٨: أي: فليطلبه حال كونه ساعيًا في عدم الوقوع في المحارم مهما أمكن، تم له العفاف أم لا، وهذا المعنى هو ظاهر اللفظ، ويحتمل أن يجعل وافٍ حالًا عن الحق على أنه مجرور في اللفظ على الجوار، ويُحتمل أن يكون مرفوعًا، والجملة حال، أي: هو وافٍ، أي: الحق، فلا يتعدى إلى المحارم، سواء وصل إليه وافيًا أم لا، وهذا المعنى أمتن.
(٢) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: سعيد بن ياسين، وجميع من خرَّج الحديث قال فيه: سعيد بن السائب، وهذا رجل معروف، ولا يُعرف من الرواة من اسمه سعيد بن ياسين غير واحدٍ يَصغُر عن سعيد بن السائب الطائفي، ذكره الخطيب في "تاريخه" ١٠/ ١٢٢، وهو بَلْخي لا طائفي.
(٣) حسن لغيره، وهذا إسناد رجاله ثقات غير عبد الله بن يامين، فقد روى عنه جماعة من الثقات، ولم يؤثر فيه جرح أو تعديل، فيمكن تحسين حديثه، لكن لا ندري هل سمع هذا الحديث من أبي هريرة أم لا، فأنه قد روى عن أبيه أنه شهد جنازة عبد الله بن عباس كما رواه أحمد في "فضائل الصحابة" (١٩٠٧) وغيره، ومعلوم أنَّ ابن عباس توفي سنة ثمان وستين بالطائف، وأبو هريرة توفي سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين، فالظاهر أنه لم يسمع منه، وقد أورد البخاري في ترجمته في "تاريخه الكبير" ٥/ ٢٣٤ - ٢٣٥ روايته عن أبيه في قصة جنازة ابن عباس، وأورد أيضًا روايته عن أبي هريرة، ولم يجزم بسماعه منه، فكأنه توقّف، والله تعالى أعلم بالصواب. =
[ ٣ / ١٨٥ ]
٢٢٧١ - أخبرنا أبو العباس قاسم بن القاسم السَّيّاري بمَرْو، حدثنا محمد بن موسى بن حاتم الباشاني، حدثنا علي بن الحسن بن شَقِيق، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النَّحْوي، أنَّ عِكْرمة حدَّثَه عن ابن عباس قال: لما قَدِم رسولُ الله ﷺ المدينةَ كانوا من أخبث الناس كَيلًا، فأنزل الله ﵎: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، فأحسَنُوا الكَيلَ بعد ذلك (^١).
هذا حديث صحيح، ولم يُخرجاه.
وله شاهدٌ عن أبي هريرة مُفسَّر:
٢٢٧٢ - حدَّثَناه أبو الوليد الفقيه، حدثنا إبراهيم بن محمد بن يزيد المروَزي، حدثنا أبو عمار الحسين بن حُريث، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا خُثَيم بن عِراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما خَرَج رسولُ الله ﷺ إلى خيبرَ استخلَفَ سِباعَ بن عُرْفُطة الغِفاري، فقَدِمنا فشهدنا معه صلاةَ الصبح، فقرأ في أول ركعة ﴿كهيعص﴾، وفي الثانية ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، فقلت في نفسي: ويلٌ لأبي فلانٍ، له مِكيالان، يَستَوفي بواحِدٍ ويَبْخَسُ بآخَرَ، فأتَينا سِباعَ بن عُرْفُطة فجهَّزَنا، فأتينا رسولَ الله ﷺ قبلَ الفتحِ بيومٍ أو بعدَه بيوم (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه ابن ماجه (٢٤٢٢) عن محمد بن المؤمّل بن الصبّاح، عن محمد بن محبَّب، بهذا الإسناد. بتمام لفظه دون شك.
(٢) حديث قوي، وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن موسى بن حاتم، وقد توبع، والحسين بن واقد قوي الحديث. وأخرجه ابن ماجه (٢٢٢٣)، وابن حبان (٤٩١٩) من طريق علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، بهذا الإسناد.
(٣) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٥٥٢) من طريق وهيب بن خالد، عن خثيم بن عراك، به. وأخرجه ابن حبان (٧١٥٦) من طريق عثمان بن أبي سليمان، عن عِراك بن مالك، به، مختصرًا. وسيأتي ذكر استخلاف سباع بن عرفطة على المدينة برقم (٤٣٨٤) من طريق الحسين بن محمد =
[ ٣ / ١٨٦ ]
٢٢٧٣ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا أبو كُريب، حدثنا عبد الرحمن بن شَريك، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح وأبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "لا يَحِلُّ مَهرُ الزانيةِ، ولا ثَمنُ الكلبِ" (^١).
_________________
(١) = القباني عن الحسين بن حريث.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف لضعف عبد الرحمن بن شريك - هو ابن عبد الله النَّخَعي القاضي - لكنه قد توبع، وكذا أبوه قد توبع. أبو كريب: هو محمد بن العلاء الهَمْداني، والأعمش: هو سليمان بن مِهران، وأبو صالح: هو ذكوان السَّمّان، وأبو حازم: هو سلمان الأشجعي. وأخرجه ابن ماجه (٢١٦٠)، والنسائي (٤٦٨٠) و(٦٢٢٦) من طريق محمد بن فضيل، والنسائي (٤٦٨١) من طريق أبي عبيدة عبد الملك بن معن المسعودي، كلاهما عن الأعمش، عن أبي حازم وحده، عن أبي هريرة. ولم يذكر ابن فضيل مهر الزانية. وأخرجه أحمد ١٣/ (٧٨٥١)، والبخاري (٢٢٨٣)، وأبو داود (٣٤٢٥)، وابن حبان (٥١٥٨) من طريق محمد بن جُحادة، عن أبي حازم وحده، عن أبي هريرة، بلفظ: نهى رسول الله ﷺ عن كسب الإماء. وليس عندهم ذكر ثمن الكلب. وأخرجه أبو داود (٣٤٨٤)، والنسائي (٤٧٨٦) من طريق عُلَيّ بن رباح اللَّخْمي، وأحمد ١٣/ (٧٩٧٦)، والنسائي (٤٦٧٥) و(٦٢٢٤) من طريق عبد الرحمن بن أبي نُعْم، وأحمد ١٤/ (٨٣٨٩) من طريق معاوية المهري، ثلاثتهم عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد ١٦/ (١٠٤٨٩) من طريق حجاج بن أرطاة، والنسائي (٤٦٧٧) من طريق الأعمش، وابن حبان (٤٩٤١) من طريق قيس بن سعْد، ثلاثتهم عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، رَفَعه حجاج وقيس، ووَقَفه الأعمش. وخالفهم في إسناده ابنُ جُرَيج وعمرو بن دينار عند النسائي (٤٦٧٨) و(٤٦٧٩) فروياه عن عطاء بن أبي رباح، عن سُعَيد - مصغرًا - مولى خليفة، عن أبي هريرة، موقوفًا، فزادا في الإسناد بين عطاء وأبي هريرة رجلًا، وابن جُرَيج وعمرو بن دينار أوثق في عطاء من غيرهما، فروايتهما أصح، وإلى ذلك أشار البخاري في "تاريخه الكبير" ٤/ ٢١، فالصحيح في طريق عطاء الوقفَ، وإن صحَّ الرفع من طريق غيره، وكذا ذِكرُ الواسطةِ بينه وبين أبي هريرة. وأخرجه الترمذي (١٢٨١) من طريق أبي المهزَّم، عن أبي هريرة. وإسناده ضعيف لضعف أبي المهزّم، بل ترك بعضُهم حديثَه. ولفظه: نُهي عن ثمن الكلب إلّا كلب صيد. =
[ ٣ / ١٨٧ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
وله شاهد عن عبد الله بن عمرو:
٢٢٧٤ - أخبرني أبو محمد بن زياد العَدْل، حدثنا جدي أحمد بن إبراهيم، حدثنا عمرو بن زُرارة، حدثنا هُشَيم، أخبرنا حُصين، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: نُهِيَ عن ثَمنِ الكلبِ، ومهرِ البَغِيِّ، وأجرِ الكاهِنِ، وكَسْبِ الحَجَّام (^١).
٢٢٧٥ - حدثنا علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا الحسن بن الربيع البُوراني الكوفي، حدثنا حفص بن غِياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن ثَمنِ الكلبِ والسِّنَّور (^٢).
_________________
(١) = وفي الباب عن أبي مسعود الأنصاري عند البخاري (٢٢٣٧)، ومسلم (١٥٦٧). وعن أبي جُحيفة عند البخاري (٥٣٤٧). وعن رافع بن خديج عند مسلم (١٥٦٨).
(٢) إسناده صحيح. أحمد بن إبراهيم: هو ابن عبد الله أبو محمد النَّيسابوري ابن بنت القاضي نصر بن زياد، وعمرو بن زُرارة: هو ابن واقد النَّيسابوري، وحُصين: هو ابن عبد الرحمن السُّلَمي. وأخرجه البيهقي ٦/ ٨ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١٤٢٨٩) من طريق حصين بن نُمير، عن حُصين بن عبد الرحمن، به. بلفظ: يكره مهرُ البغي، فذكره.
(٣) حديث صحيح، أبو سفيان: واسمُه طلحة بن نافع صدوق لا بأس به، وقد تابعه أبو الزُّبَير محمد بن مسلم بن تَدرُسَ المكي عند مسلم وغيره، كما سيأتي بيانه في الطريق الآتية برقم (٢٢٧٧). وقد ضعَّف الترمذيُّ (١٢٧٩)، وكذا ابنُ عبد البر في "التمهيد" ٨/ ٤٠٣ طريق أبي سفيان هذه، ولا يُسلَّم لهما ذلك، وحجة الترمذي أنه اختُلف فيه على الأعمش في ذكر أبي سفيان، لكن رواه عن الأعمش بذكر أبي سفيان كلٌّ من حفص بن غياث وعيسى بن يونس السَّبيعي، وكذا رواه وكيع عن الأعمش عند ابن أبي شيبة ٦/ ٤١٤ وغيره، غير أنه قال: عن الأعمش، قال: أُرى أبا سفيان ذكره عن جابر، لكن هذا الشك يقطعه رواية حفص وعيسى. وحجّة ابن عبد البر أنَّ رواية أبي سفيان عن جابر صحيفة، وليس ذلك بطاعن عند أهل النقد ما دام الطريق إليها كلهم ثقات، ولهذا لما أورد العقيلي هذه الطريق في "الضعفاء" (٦٩٩) قال: هذا إسناد صالح. وصحَّحه من هذه الطريق أيضًا ابن الجارود في "المنتقى" (٥٨٠)، والبيهقي ٦/ ١١. =
[ ٣ / ١٨٨ ]
تابعه عيسي بن يونس عن الأعمش:
٢٢٧٦ - أخبرَناهُ أبو بكر محمد بن أحمد (^١) بن حاتم العَدْل بمَرْو، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي، حدثنا عبد الله بن مَسلَمة القَعنبي، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن ثَمَنِ الكلب والسِّنَّور (^٢).
تابعه أبو الزُّبير عن جابر:
٢٢٧٧ - أخبرَناه أبو العباس السَّيَّاري، حدثنا أبو المُوجِّه، حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا عُمر بن زيد، من أهل صنعاء، عن أبي الزُّبَير، عن جابر،
_________________
(١) = والسِّنَّور: هو الهِرُّ. قال الخطابي في "معالم السنن" ٣/ ١٣٠: النهي عن السِّنَّور متأوَّل على أنه إنما كُره من أجل أحد معنيين: إما لأنه كالوحشي الذي لا يُملك قيادُه، ولا يصح التسليمُ فيه، وذلك لأنه ينتابُ الناسَ في دُورهم ويطوف عليهم فيها، ثم يكاد ينقطع عنهم، وليس كالدواب التي تُربَط، ولا كالطير الذي يُحبس، وقد يتوحش بعد الأُنوسة، ويتأبد حتى لا يُقرَب ولا يُقدر عليه. والمعنى الآخر: أن يكون إنما نهى عن بيعه لئلا يتمانع الناسُ فيه، وليتعاوروا ما يكون منه في دُورهم فيرتفقوا به ما أقام عندَهم، ولا يتنازعوه إذا انتقل عنهم إلى غيرهم تنازعَ المُلّاك في النفيس من الأعلاق. وقيل: إنما نهى عن بيع الوحشي منه دون الإنسي.
(٢) وقع في الأصلين والمطبوع: أحمد بن محمد، بتقديم أحمد على محمد، والمثبت على الصواب من "إتحاف المهرة" (٢٧٨٣)، ومن سائر مواضع روايات الحاكم عن هذا الرجل، حيث سماه في كل ذلك محمد بن أحمد بن حاتم، وكذلك جاء اسمه في "السنن الكبرى" للبيهقي في عدة مواضع من روايته عن الحاكم. وربما سماه الحاكم أبا بكر بن أبي نصر، وقد وثقه، كما في سؤالات السِّجْزي له الترجمة (٣٢٠). وللحاكم شيخٌ آخر اسمه أحمد بن محمد بن عبدوس بن حاتم الحاتمي المروَزي، ذكره في "تاريخ نيسابور"، وهو غير هذا، والله تعالى أعلم.
(٣) حديث صحيح كسابقه. عيسى بن يونس: هو ابن أبي إسحاق السَّبيعي. وأخرجه أبو داود (٣٤٧٩)، والترمذي (١٢٧٩) من طُرق عن عيسى بن يونس، بهذا الإسناد.
[ ٣ / ١٨٩ ]
قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهِرَّة، وأكلِ ثَمنِها (^١).
حديث الأعمش عن أبي سفيان صحيح على شرط مسلم ولم يُخرجاه.
٢٢٧٨ - أخبرنا الحسن بن يعقوب العَدْل، حدثنا يحيى بن أبي طالب، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادة، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن لبن الجَلَّالة، وعن أكل المُجَثَّمة، وعن الشُّرب من في السِّقَاء (^٢).
_________________
(١) صحيح بذكر ثمن الهِرِّ، دون ذكر أكله، فقد انفرد عمر بن زيد الصنعاني بذكره، وهو ضعيف، وقد توبع على ذكر النهي عن ثمنه كما سيأتي، على أنَّ أحمد بن حنبل قد رواه عن عبد الرزاق، مقتصِرًا على ذكر ثمن الهرّ. فقد أخرجه كذلك أبو داود (٣٤٨٠) و(٣٨٠٧) عن أحمد بن حنبل، عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٢٣/ (١٤٦٥٢)، وابن ماجه (٢١٦١) من طريق عبد الله بن لَهيعة، ومسلم (١٥٦٩)، وابن حبان (٤٩٤٠) من طريق مَعقِل بن عُبيد الله، والنسائي (٤٧٨٨) و(٦٢١٩) من طريق حماد بن سلمة، ثلاثتهم عن أبي الزُّبَير، به، بذكر ثمن الهر دون أكله، وزادوا فيه خلا ابن ماجه ذكر النهي عن ثمن الكلب. ولفظه رواية معَقِل عن أبي الزُّبَير، قال: سألت جابرًا عن ثمن الكلب والسِّنَّور، قال: زجر النبيُّ ﷺ عن ذلك. وأما أكل الهر، فقد ثبت تحريمه بأحاديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السِّباع. والهرُّ سَبُع.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي من أجل يحيى بن أبي طالب وعبد الوهاب بن عطاء، فهما صدوقان لا بأس بهما، وقد توبعا. وأخرجه أحمد ٥/ (٣١٤٢) و(٣١٤٣)، وابن حبان (٥٣٩٩) من طريق أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد، وأحمد ٤/ (٢١٦١) و٥/ (٣١٤٢) عن محمد بن جعفر، والترمذي بإثر (١٨٢٥) من طريق ابن أبي عدي، ثلاثتهم عن سعيد بن أبي عَروبة، بهذا الإسناد. غير أنَّ محمد بن جعفر قال في روايته: نهى عن المجثَّمة والجلّالة، فأطلق ذكر الجلالة دون تقييده بذكر لبنها، كرواية حماد بن سلمة عن قتادة المتقدمة برقم (١٦٤٥). وإنما المنهيُّ عنه من الجلّالة ثلاثةُ أمورٍ: شرب لبنها، كما جاء مقيَّدًا في رواية عبد الوهاب بن عطاء وعبد العزيز بن عبد الصمد، وكما في رواية هشام الدستوائي عن قتادة، وسيأتي تخريجها، وكما في حديث ابن عُمر الآتي بعده. =
[ ٣ / ١٩٠ ]
هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يُخرجاه.
وله شاهدٌ عن عبد الله بن عُمر وأبي هريرة، أما حديث ابن عُمر:
_________________
(١) = ويُنهى عن أكلها كذلك، كما في بعض روايات حديث ابن عباس، وكما في حديث ابن عُمر الآتي بعده، وحديث عبد الله بن عمرو الآتي برقم (٢٣٠٠)، وحديث أبي هريرة الآتي برقم (٢٢٨١). ويُنهى أيضًا عن ركوبها، كما في رواية حماد بن سلمة عن قتادة الآتية برقم (٢٥٢٨)، وكما في حديث ابن عُمر الآتي برقم (٢٢٨٠)، وحديث عبد الله بن عَمرو الآتي برقم (٢٥٢٩). وأخرجه أحمد ٣/ (١٩٨٩) و٤/ (٢٦٧١) و٥/ (٢٩٤٩)، وأبو داود (٣٧٨٦)، والترمذي (١٨٢٥)، والنسائي (٤٥٢٢) و(٦٨٣٧) من طريق هشام الدستُوائي، عن قتادة، به. وقد رواه أيوب عن عكرمة، فقال: عن أبي هريرة، بدل: ابن عباس، وهذا اختلاف لا يضر مثله، لأنَّ الإسناد حيث دار كان عن صحابي، ولهذا أخرج البخاري كلا الحديثين برقم (٥٦٢٨) و(٥٦٢٩) واقتصر فيهما على النهي عن الشرب من في السقاء. والجلّالة من الحيوان: التي تأكل العَذِرة، والجِلَّة: البعر، فوُضِع مَوضع العَذِرة، يقال: جَلَّت الدابة الجِلَّة، واجتلَّتها، فهي جالَّة وجلّالة: إذا التقطتها. وقال الحربي في "غريبه" ١/ ١١٥: إنما نُهي عن ألبانها، لأنَّ آكله يجد فيه طعم ما أكلت، وكذلك في لحومها، ونُهي عن ركوبها لأنها تعرق، فتوجد رائحته في عَرَقها، وراكبها لا يخلو أن يُصيبه ذلك أو يجدَ رائحته، فإن تحفَّظَ من ذلك جاز ركوبها، ولم يجُز شربُ ألبانها ولا أكلُ لحومها، إلّا أن يُصنَع بها ما يُزيلها. وقال الشافعي فيما نقله عنه ابن عبد البر في "التمهيد" ١٥/ ١٨٠: الجلالة المكروه أكلها إذا لم يكن أكله غير العَذِرة، أو كانت العذرة أكثر أكله، فإن كان أكثر أكله وعلفه غير العَذِرة لم أكرهه. وأما المجثَّمة، فقال الخطابي في "المعالم" ٤/ ٢٧٣: هي المصبُورة، وذلك أنها قد جُثّمت على الموت، أي: حُبست عليه، بأن تُوثق وتُرمى حتى تموت. ويشهد للنهي عن المجثَّمة غير ما حديثٍ كما سيأتي عند حديث العرباض برقم (٢٦٣٩). وأما الشرب من في السقاء، فقال ابن الجوزي في "كشف المشكل" ٢/ ٤٣٣: إنما نهي عن ذلك لخمسة معانٍ، أحدها: أنه ربما كانت في السقاء هامّة أو قَذاة فانتشرت في الحلق، والثاني: أنه ربما وقع الشَّرَق باندفاق الماء، والثالث: أنه لا يمكن مصُّ الماء، بل يقع العَبُّ الذي يؤذي الكبد، والرابع: أنه يُغيّر ريح السقاء، والخامس: أنه يتخايل الشارب الثاني رجوع شيء من فم الأول فيستقذره.
[ ٣ / ١٩١ ]
٢٢٧٩ - فأخبرَناه أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا علي بن عبد العزيز، أخبرنا محمد بن عمّار المَوصِلي، حدثنا عيسى بن يونس، عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجَلّالة وألبانها (^١).
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله لا بأس بهم، إلّا أنَّ فيه عنعنة محمد بن إسحاق - وهو ابن يَسار، صاحب المغازي - ثم إنه خالفه سفيان الثَّوري، فرواه عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مرسلًا، وكذلك رواه جماعة عن مجاهد، فأرسلوه. لكن رواه أبو الزُّبَير محمد بن مسلم بن تَدرُس المكي، عن مجاهد، عن ابن عمر، فوصله، والطريق إليه في غاية الصحة، فهذه متابعة قوية لمحمد بن إسحاق، وبها تُغتفر عنعنة ابن إسحاق، والله تعالى أعلم. على أنه قد صحَّ عن ابن عُمر ذكر النهي عن ألبان الجلّالة من غير طريق مجاهد، كما في الرواية التالية، وكذلك صحَّ عن غير ابن عُمر ذكرُ النهي عن أكل الجلالة وألبانها، كما بيَّناه عند حديث ابن عباس الذي قبله. وأخرجه أبو داود (٣٧٨٥)، وابن ماجه (٣١٨٩) والترمذي (١٨٢٤) من طريقين عن محمد بن إسحاق، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وخالفه سفيان الثَّوري عند عبد الرزاق (٨٧١٨)، وابن أبي شيبة ٨/ ٣٣٦، فرواه عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، مرسلًا. وكذلك رواه إبراهيمُ بن أبي حرّة عند عبد الرزاق (٨٧١٤)، وإبراهيم بن المهاجر عنده (٨٧١٣)، وليث بن أبي سُليم عند ابن أبي شيبة ٨/ ٣٣٤، كلهم عن مجاهد، مرسلًا. لكن أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٣٤٦٤) من طريق أبي الزُّبَير، عن مجاهد، عن ابن عُمر، قال: نُهي عن الجلّالة. وهذا لفظ عامٌّ ينصرف إلى جميع أنواع الانتفاع بها، كأكل لحمها ويشرب لبنها وركوبها، وهذا اللفظ حكمه الرفع. وأخرج الطبراني في "الكبير" (١٣١٨٧)، وفي "الأوسط" (٦١٨) من طريق هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش، عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن سالم، عن ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الجلالة، وألبانها وظهرها. لكن هشامًا كبر فصار يتلقن، وإسماعيل مُخلِّط في روايته عن غير أهل بلده والشاميين، وعمر بن محمد مدني، فهذه طريق غير محفوظة. =
[ ٣ / ١٩٢ ]
٢٢٨٠ - وأخبرني أبو الوليد الفقيه، حدثنا محمد بن نُعيم، حدثنا أحمد بن أبي سُريج الرازي، حدثنا عبد الله بن الجَهْم، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن أيوب السَّخْتِياني، عن نافع، عن ابن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الجَلّالة - يعني: الإبل - أن يُركَبَ عليها، أو يُشربَ من ألبانها (^١).
وأما حديث أبي هريرة:
٢٢٨١ - فحدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا عبد الصمد بن النعمان، حدثنا حماد بن سَلَمة، عن أيوب، عن عِكْرمة، عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن المُجثَّمة والجَلّالة (^٢).
_________________
(١) = وممّا يُستأنَسُ به لتأبيد ثبوت النهي عن أكل الجَلّالة لدى عبد الله بن عمر أنه قد ثبت عنه أنه كان يحبس الدجاجة الجلّالة ثلاثًا. أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٣٣٥، بإسناد صحيح عنه كما قال الحافظ في "الفتح" ١٧/ ١٠٠. وانظر ما بعده، وما سيأتي برقم (٢٣٠٠).
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل عبد الله بن الجهم وعمرو بن أبي قيس الرازيّين، لكنهما متابعان في الطريق السالفة قبله، وفيما سيأتي. وأخرجه أبو داود (٢٥٥٨) و(٣٧٨٧) عن أحمد بن أبي سريج الرازي، بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود (٢٥٥٧) من طريق عبد الوارث بن سعيد، عن أيوب، به. بلفظ: نُهي عن ركوب الجلّالة. وهذا حكمه الرفع، كما قال البوصيري في "إتحاف الخيرة" (٢٤١٣/ ١).
(٣) حديث صحيح، وعبد الصمد بن النعمان - وهو البغدادي - قد توبع. أيوب: هو ابن أبي تَميمة السختياني. وأخرجه البيهقي ٩/ ٣٣٣ من طريق حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وفيه زيادة النهي عن الشرب من في السِّقاء. وقد رواه قتادة عن عكرمة، فقال: عن ابن عباس، بدل أبي هريرة، كما تقدم برقم (٢٢٧٨)، وهذا اختلاف لا يضر مثلُه كما سبق. وأخرج أحمد ١٤/ (٨٧٨٩)، والترمذي (١٧٩٥) من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ حرَّم يوم خيبر كلُّ ذي ناب من السباع، والمجثَّمة، والحمار الإنسي. وإسناده حسن.
[ ٣ / ١٩٣ ]
٢٢٨٢ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا إسماعيل بن يزيد الأصبهاني، حدثنا يحيى بن الضُّرَيس، عن إبراهيم بن طَهْمان، عن الحجّاج بن الحجّاج، عن قَتَادة، عن الحسن، عن سَمُرة: أنَّ النبي ﷺ نهى عن بيع الشاةِ باللَّحْم (^١).
_________________
(١) إسناده قوي، وصحَّحه البيهقي في "السنن الكبرى"، وسماع الحسن من سمرة صحيح كما بينّاه عند الحديث المتقدم برقم (١٥١). وأخرجه البيهقي ٥/ ٢٩٦ عن أبي عبد الله الحاكم، عن يحيى بن منصور القاضي، عن أبي بكر بن خزيمة، عن أحمد بن حفص السَّلَمي، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان، بهذا الإسناد. وهذه الطريق ليست عند الحاكم في "المستدرك"، وهي متابعة قوية جدًّا للطريق التي هنا عن ابن طهمان. ويشهد له مرسلُ سعيد بن المسيب الذي بعده، كما قال الحاكم. وأخرج الشافعي في القديم كما في "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (١١١٤٤) عن سعيد بن سالم القداح، عن ابن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن القاسم بن محمد وسعيد بن المسيب وعروة بن الزُّبَير وأبي بكر بن عبد الرحمن: أنهم كانوا يُحرِّمون بيع اللحم الموضوع بالحيوان عاجلًا وآجلًا، يعظّمون ذلك ولا يرخّصون فيه. وقال أبو الزِّناد فيما نقله عنه مالك ٢/ ٦٥٥: كل من أدركتُ من الناس ينهون عن بيع الحيوان باللحم، قال أبو الزِّناد: وكان ذلك يُكتب في عهود العُمّال في زمان أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل، ينهون عن ذلك. وقد روي من طرق عن قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. أخرجه أحمد ٣٣/ (٢٠١٤٣)، وأبو داود (٣٣٥٦)، وابن ماجه (٢٢٧٠)، والترمذي (١٢٣٧)، والنسائي (٦١٧٠). وقال الترمذي حديث حسن صحيح. ولكن هذا يختلف عن مسألة بيع اللحم بالحيوان، لأنَّ بيع اللحم بالحيوان بيع ميت بحيٍّ، وبيع الحيوان بالحيوان بيع حيٍّ بحيّ، وقد روي ما يدل على جواز بيع الحي بالحي متفاضلًا، ومن ذلك: أنَّ رسول الله ﷺ اشترى عبدًا بعبدين. أخرجه أحمد ٢٣/ (١٤٧٧٢)، ومسلم (١٦٠٢) من حديث جابر بن عبد الله. ومنه: أنَّ النبي ﷺ اشترى صفية بنت حيي من دحية الكلبي بسبعة أرؤس. أخرجه أحمد ١٩/ (١٢٢٤٠)، ومسلم (١٤٢٧) (٨٧) من حديث أنس بن مالك. ومنه أنَّ ابن عباس سئل: بعير ببعيرين، فقال: قد يكون البعير خيرًا من البعيرين. أخرجه =
[ ٣ / ١٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الشافعي في "الأم" ٣/ ١١٩، وعبد الرزاق في "المصنف" (١٤١٤٠)، وعلَّقه البخاري بين يدي الحديث (٢٢٢٨). ولم ير جابر بن عبد الله بأسًا بالبعير بالبعيرين. أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١١٤. وقال عبد الله بن عمر: من يبيعني بعيرًا ببعيرين، من يبيعني ناقة بناقتين. أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١١٨. ووردت آثار أخرى تدل على جواز اجتماع النسيئة إلى الفضل في بيع الحي بالحي، ومن ذلك: أنَّ رسول الله ﷺ أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يجهز جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة. أخرجه أبو داود (٣٣٥٧)، وصحَّحه البيهقي ٥/ ٢٨٧ من طريق أخرى أوردها غير طريق أبي داود عن عبد الله بن عمرو. واشترى عبد الله بن عُمر راحلةً بأربعة أبعرةٍ مضمونة عليه، يوفيها صاحبها بالربذة. أخرجه مالك ٢/ ٦٥٢، وعلقه البخاري بين يدي الحديث (٢٢٢٨). واشترى رافع بن خديج بعيرًا ببعيرين، فأعطاه أحدَهما، وقال: آتيك بالآخر غدًا رهوًا إن شاء الله. والرهو بفتح الراء وسكون الهاء، أي: سهلًا، والمراد يأتيه به سريعًا من غير مطل كما قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٧/ (٢٦٣). أخرجه عبد الرزاق (١٤١٤١)، وعلَّقه البخاري. وقال سعيد بن المسيب: لا ربا في الحيوان، البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين إلى أجل. أخرجه مالك ٢/ ٦٥٤، وعلَّقه البخاري. ووردت آثار أخرى تدل على منع النسيئة دون الفضل في بيع الحي بالحي، ومن ذلك حديث قَتَادة، عن الحسن، عن سمرة: أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً، وقد تقدم تخريجه قريبًا في هذا التعليق. ومنه عن عمر بن الخطاب: أنه سئل عن الشاة بالشاتين إلى الخِصب، فكره ذلك. أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١١٧. وسأل أنس بن سيرين ابنَ عُمر عن البعير بالبعيرين إلى أجل، فقال: يدًا بيد؟ فقلت: لا، قال: فكرهه. أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١١٥. ولكن هذا من ابن عمر يعارض رأيه الذي قدمناه من تجويزه ذلك، لكن قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" ٣/ ٣٣: يمكن الجمع بأنه كان يرى فيه الجواز، وإن كان مكروهًا على التنزيه، لا على التحريم. وقال سويد بن غَفَلة: لا بأس بالفرس بالفرسين، والدابة بالدابتين، يدًا بيد. أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١١٧. =
[ ٣ / ١٩٥ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، رواتُه عن آخرهم أئمةٌ حفاظٌ ثقاتٌ، ولم يُخرجاه، وقد احتجَّ البخاريُّ بالحسن عن سمرة.
وله شاهدٌ مرسلٌ في "موطأ مالك":
٢٢٨٣ - حدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الرَّبيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ النبي ﷺ نَهى عن بيع اللَّحْم بالحَيوان (^١).
٢٢٨٤ - حدثنا محمد بن صالح بن هانئ وإبراهيم بن محمد بن حاتم الزاهد، قالا: حدثنا الحسن بن عبد الصمد بن عبد الله بن رَزِين السُّلَمي، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا مسلم بن خالد الزَّنْجي، عن مصعب بن محمد المدني، عن شُرَحبيل مولى الأنصار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن اشترى سَرِقةً، وهو يعلم أنها سَرِقةٌ، فقد شَرِكَ في عارِها وإثمِها" (^٢).
_________________
(١) = وقد ذكر الحافظ في "فتح الباري" ٧/ ٥٢٠ أنَّ الشافعي وجماعة قد جمعوا بين هذه الآثار بحمل النهي على ما إذا كان نسيئةً من الجانبين، قال: ويتعين المصير إلى ذلك، لأنَّ الجمع بين الحديثين أولى من إلغاء أحدهما، وإذا كان ذلك المراد من الحديث، بقيت الدلالة على جواز استقراض الحيوان والسَّلَم فيه. قلنا: وأما بيع اللحم بالشاة، يعني بيع الميت بالحي، فلا توجد نصوص تعارض النهي عنه، فيبقى النهي على أصلِه، والله تعالى أعلم.
(٢) صحيح الإسناد إلى سعيد بن المسيب، وهو مرسل، ومراسيل سعيد من أصح المراسيل وأقواها. وقال ابن عبد البر ٤/ ٣٢٢: إسناد هذا المرسل أحسن أسانيد الحديث. وهو في "موطأ مالك" ٢/ ٦٥٥. وأخرج مالك أيضًا ٢/ ٦٥٥ عن داود بن الحصين، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: من مَيسِر أهل الجاهلية بيع الحيوان باللحم بالشاة والشاتين. وأخرج أيضًا ٢/ ٦٥٥ عن أبي الزِّناد، عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: نُهي عن بيع الحيوان باللحم.
(٣) إسناده ضعيف من أجل مسلم بن خالد الزَّنْجي وشرحبيل بن سعد مولى الأنصار. =
[ ٣ / ١٩٦ ]
شُرَحبيل هذا: هو ابن سعد الأنصاري، قد روى عنه مالك بن أنس بعد أن كان يُسيءُ الرأيَ فيه، والحديثُ صحيحٌ، ولم يُخرجاه.
٢٢٨٥ - أخبرني عبد الصمد بن علي بن مُكرَم البزَّاز، حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر، حدثنا أبو الوليد الطَّيالِسي وعَفّان بن مسلم ومسلم بن إبراهيم، قالوا: حدثنا هشام بن أبي عبد الله، حدثنا قَتَادة، عن الحسن، عن سمُرة، أنَّ النبي ﷺ قال: "أيُّما رجلٍ باع بيعًا مِن رجلٍ أو رجلَين، فهو للأول منهما، وأيُّما امرأةٍ زَوَّجها وَليّانِ، فهي للأول منهما" (^١).
_________________
(١) = وقد اختلف في إسناده على مصعب بن محمد، فخالف مسلمًا الزنجيَّ فيه سفيان الثَّوري وسفيانُ بنُ عيينة، فروياه عن مصعب بن محمد، عن رجل من أهل المدينة، عن النبي ﷺ؛ يعني مرسلًا، وقال الدارقطني في "العلل" (٢١٠٤): المرسل أشبه بالصواب. وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٥/ ٣٣٥ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده" (٤١٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٨١١٢) من طريق يحيى بن يحيى النيسابوري، به. وأخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٥٧٧، وإسحاق بن راهويه (٤١٢)، وابن أبي عمر العدني في "مسنده" كما في "المطالب العالية" للحافظ ابن حجر (١٣٤٦) عن وكيع بن الجراح، وأحمد بن منيع في "مسنده" كما في "المطالب" (١٣٤٦) عن قَبيصة بن عقبة، كلاهما عن سفيان الثَّوري، عن مصعب بن محمد، عن رجل من أهل المدينة، عن النبي ﷺ، مرسلًا. وتابع سفيانَ الثَّوري سفيانُ بنُ عيينة كما قال الدارقطني في "العلل" (٢١٠٤). وأخرجه ابن عدي في "الكامل" ١/ ٣٢٨ من طريق ابن لهيعة، عن إسحاق بن أبي فروة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وابن أبي فروة متروك الحديث، وابن لهيعة ضعيف.
(٢) إسناده صحيح، وسماع الحسن - وهو البصري - من سَمُرة - وهو ابن جُندب - صحيح، كما بيناه عند الحديث السالف برقم (١٥١). وقد صحَّحَ هذا الحديثَ أبو زرعة وأبو حاتم، كما في "البدر المنير" لابن الملقن ٧/ ٥٩٠، وانتقاه ابنُ الجارود (٦٢٢)، وحسّنه الترمذي. وأخرجه أحمد ٣٣/ (٢٠١١٦) و(٢٠١٤١) و(٢٠٢٠٨)، وأبو داود (٢٠٨٨)، والنسائي (٥٣٧٦) و(٥٣٧٧) من طرق عن هشام، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (٢٠٠٨٥) و(٢٠٢٦٣)، وأبو داود (٢٠٨٨) من طريق حماد بن سلمة، =
[ ٣ / ١٩٧ ]
هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يُخرجاه.
٢٢٨٦ - أخبرنا أبو بكر إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الفقيه بالرَّي، حدثنا محمد بن الفَرَج الأزرق، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جُرَيج.
وأخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا بِشْر بن موسى وعلي بن عبد العزيز وموسى بن الحسن بن عبّاد وإسحاق بن الحسن بن ميمون الحَرْبي، قالوا: حدثنا هَوْذة بن خَليفة، حدثنا ابن جُرَيج، حدثني عِكْرمة بن خالد، أنَّ أُسَيد بن حُضَير بن سِماك حدّثه، قال: كتبَ معاويةُ إلى مروان: إذا سُرِق للرجل فوجد سَرِقتَه فهو أحقُّ بها حيثُ وَجَدَها، قال: فكتب إلي بذلك مروانُ وأنا على اليمامة، فكتبتُ إلى مروانَ: أنَّ نبي الله ﷺ قضى إذا كان عند الرجل غير المتَّهَمِ، فإن شاء سيّدُها أَخذَها بالثمنِ، وإن شاء اتَّبَع سارقَه، ثم قضى بذلك بعدَه أبو بكر وعمر وعثمان، قال: فكتب مروانُ إلى معاويةَ بكتابي، فكتب معاويةُ إلى مروان: إنك لستَ أنتَ ولا أُسيد تقضيان عليَّ فيما وَلِيتُ، ولكني أَقضي عليكما، فانفُذْ لما أمرتُك به، وبعثَ مروانُ بكتابِ معاويةَ إليه، فقال: واللهِ لا أَقضي به أبدًا (^١).
_________________
(١) = وأحمد (٢٠٠٩٠) و(٢٠١٢١)، وأبو داود (٢٠٨٨)، وابن ماجه (٢٣٤٤) من طريق همام بن يحيى، كلاهما عن قتادة، به. وسيأتي برقم (٢٧٥٤) من طريق معاذ بن هشام عن أبيه. وبرقم (٢٧٥٥) من طريق سعيد بن أبي عَروبة، وبرقم (٢٧٥٦) من طريق سعيد بن بَشير، كلاهما عن قتادة. وبرقم (٢٧٥٧) من طريق أشعث بن عبد الملك الحُمْراني عن الحسن البصري. وقال البيهقي في "السنن الكبرى" ١٠/ ١٣٩: للأول حق السبق، والسبق أصل في الشريعة.
(٢) إسناده صحيح، لكن تسمية الصحابي فيه أُسيد بن حضير بن سماك وهمٌ من ابن جُرَيج - وهو عبد الملك بن عبد العزيز - لما حدَّث بالحديث بالبصرة، كما نبّه عليه أحمد بن حنبل فيما أسنده عنه أبو داود في "المراسيل" (١٩٢) عن هارون بن عبد الله الحمّال، أنَّ أحمد قال له ذلك، وقال له أيضًا: هو في كتاب ابن جُرَيج: أُسيد بن ظُهير. وقال ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٩/ ٩٧: =
[ ٣ / ١٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = هذا هو الصحيح، فقد جاء من غير وجه أنَّ أسيد بن حضير مات في خلافة عمر بن الخطاب، وكذلك قال المزي في "تهذيب الكمال" ٣/ ٢٥٤، وفي "تحفة الأشراف" (١٥٠)، وقال: ومن مات في زمن عمر لا تدركه أيامُ معاوية. ونحوه قول الحافظ في "أطراف المسند" (١٤٣)، وفي "إتحاف المهرة" (٢٦٥). وقد صرَّح ابن جُرَيج بسماعه من عكرمة بن خالد، فأُمن تدليسه. وقد أعلَّ الإمامُ أحمد هذا الحديث فيما نقله عنه ابنُ كثير في "جامع المسانيد" ١/ ٢٨٩ - ٢٩٠، بحجة الاضطراب في تسمية صحابيه ومعارضته لحديث الحسن عن سمرة، وبعدم ظهور معناه، وردَّ ذلك ابنُ كثير بقوله: في كلٍّ من هذه التعاليل نظر، ولا يظهر تأثير واحدٍ منها، والله أعلم. وأخرجه أحمد ٢٩/ (١٧٩٨٨) عن هَوذة بن خليفة، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد أيضًا (١٧٩٨٦) عن روح بن عُبادة، و(١٧٩٨٧)، والنسائي (٦٢٣٢) من طريق عبد الرزاق بن همام، والنسائي (٦٢٣١) من طريق حماد بن مَسْعَدة، ثلاثتهم عن ابن جُرَيج، به. إلّا أنَّ عبد الرزاق ذكر اسمَ الصحابي على الصواب، فقال: أُسيد بن ظُهير. وذكر أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٨٩١)، والضياء المقدسي في "المختارة" ٤/ ٢٦٤، والمزي في "التحفة": أنَّ روح بن عبادة رواه كذلك على الصواب، فقال: أُسيد بن ظهير. كذا قالوا! مع أنَّ الذي في أصولنا الخطية من "مسند أحمد" في روايته عن روح: أُسيد بن حضير، على الوهم، فالله تعالى أعلم. وحديث الحسن عن سمرة الذي عناه الإمام أحمد هو ما أخرجه هو ٣٣/ (٢٠١٤٨)، وأبو داود (٣٥٣١)، والنسائي (٦٢٣٣) و(١١٦٨٩)، ولفظه عند أحمد: "المرء أحق بعين ماله حيث عرفه، ويتبع البَيِّعُ بَيِّعَه". وفي رواية لأحمد (٢٠١٤٦) من طريق أخرى عن سمرة فيها ضعف: "إذا سُرِق من الرجل متاع، أو ضاع له متاع، فوجده بيد رجل بعينه، فهو أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن". ويشبه أن يكون حديث أسيد بن ظُهير هو ما استقرَّ عليه الأمر في آخر عهد النبي ﷺ لعمل الخلفاء الثلاثة به بعده، وعدم مخالفة تصح عن أحدٍ من الصحابة لهم في ذلك، والله أعلم. وقد صحَّ عن تَميم بن طرفة مرسلًا ما يؤيد معنى خبر أُسيد: أنَّ العدو أصابوا ناقة لرجل من المسلمين، فاشتراها رجل من المسلمين من العدو، فعرفها صاحبها، وأقام عليها البينة، فاختصما إلى النبي ﷺ، فقضى النبي ﷺ أن يدفع إليه الثمن الذي اشتراها به من العدوّ، وإلّا خلّى بينها وبين المشتري. أخرجه أبو يوسف في "الخراج" ص ٢١٨، وعبد الرزاق (٩٣٥٨)، وابن أبي شيبة ١٢/ ٤٤٧. =
[ ٣ / ١٩٩ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
_________________
(١) = وصحَّ عن عمر بن الخطاب في هذا المعنى أيضًا أنه قال فيما أحرزه المشركون، ثم أصابه المسلمون فعرفه صاحبه، قال: إن أدركه قبل القسم فهو له، وإذا جرت فيه السهام فلا شيء له. أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤٤٤، وابن المنذر في "الأوسط" (٦١٣٨)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣/ ٢٦٣، والدارقطني في "السنن" (٤١٩٩)، والبيهقي ٩/ ١١٢ من طريق قبيصة بن ذؤيب عن عمر بن الخطاب. وأخرج نحوه أبو إسحاق الفزاري في "السير" (١٣٥)، ومُسدَّد في "مسنده" كما في "المطالب العالية" (٢٠٧١)، وابن أبي شيبة ١٢/ ٤٤٤ من طريق أزهر بن يزيد المرادي، عن عمر بن الخطاب. وقبيصة له رؤية وسماعه من عمر ممكن كما قال ابن التركماني في "الجوهر النقي" ٩/ ١١٢، وأزهر تابعي كبير شهد الجابية والفتوح كما قال ابن عساكر، والطريق إليه حسنة إن شاء الله. وثبت أيضًا عن زيد بن ثابت أنه قضى بمثل ما قضى به عمر. أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣/ ٢٦٣. والجامع بين الأمرين أنَّ العين انتقلت إلى مَن وُجدت عنده من المسلمين بطريق مشروع، تلك بالبيع وهذه بالغنيمة وخروجها بالسهم، فلا تؤخذ منه جبرًا عنه، لأنَّ ملكيته لها صحيحة، فلا تُحوَّل عنه إلّا بالثمن. على أنَّ الإمام أحمد قد ذهب في رواية إسحاق بن منصور عنه في "المسائل" (٢٧٥٤)، وكذا في رواية غيره، إلى ما يقتضيه فتوى عمر وزيد بن ثابت. واحتجَّ بحديث العضباء ناقة رسول الله ﷺ، المخرَّج عنده في "مسنده" ٣٣/ (١٩٨٩٤) وعند مسلم (١٦٤١). قال الإمام أحمد: أخذها النبي ﷺ من المرأة، فإذا قُسم المتاعُ فقد ذهب إلّا بالثمن. وكذلك قال إسحاق بن راهويه. وهذا مصير منهما إلى العمل بمقتضى حديث أُسَيد كذلك. وهو قول مالك والثَّوري والليث وأصحاب الرأي، كما في "الأوسط" لابن المنذر ٦/ ١٩٥، و"مختصر اختلاف العلماء" للطحاوي ٣/ ٤٦٦ المسألة (١٦١٩). وذهب الإمام الشافعي إلى أنَّ ما يأخذه العدو، فصاحبه أحق به قبل القسمة وبعدها. وهذا مصير منه إلى العمل بمقتضى حديث سمرة، خلافًا للجمهور. وانظر بيان المسألة في "المغني" لابن قدامة ٩/ ٢٧١. وقد قضى الحسن البصري بمثل قضاء عمر وزيد بن ثابت كما أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤٤٦، وهذا مَصير من الحسن البصري إلى خلاف مقتضى ما رواه عن سمرة.
[ ٣ / ٢٠٠ ]
٢٢٨٧ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن الفضل بن موسى القُسْطاني، حدثنا هارون بن موسى، حدثنا أبو ضَمْرة، عن يحيى بن سعيد، أخبرني ابن جُرَيج، حدثنا أبو الزُّبَير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ: "إن بعْتَ أخاك تمَراتٍ، فأصابَتْه جائحةٌ، فلا يَحِلُّ لك أن تأخذَ منه شيئًا، لِمَ تأخذُ مالَ أخيكَ بغيرِ إذنه؟! " (^١).
هذا حديث غريب صحيح على شرط الشيخين.
ورواه محمد بن ثَور عن ابن جُرَيج:
٢٢٨٨ - أخبرَناهُ أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الحميد الصَّنْعاني بمكة، حدثنا علي بن مُبارك الصَّنْعاني، حدثنا زيدُ بن مُبارك الصَّنْعاني، حدثنا محمد بن ثَوْر، عن ابن جُرَيج، عن أبي الزُّبَير، عن جابر، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "بِمَ يستحلُّ أحدُكُم مالَ أخيه إن أصابَتْه جائحةٌ مِن السماء؟! " (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن الفضل بن موسى القُسْطاني، فهو صدوق، وقد توبع. هارون بن موسى: هو الفَرْوي، وأبو ضمرة: هو أنس بن عياض. وأخرجه مسلم (١٥٥٤)، وأبو داود (٣٤٧٠) من طريق عبد الله بن وهب، ومسلم (١٥٥٤)، وأبو داود (٣٤٧٠)، وابن حبان (٥٠٣٥) من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، وابن ماجه (٢٢١٩)، والنسائي (٦٠٧٤) من طريق ثور بن يزيد، والنسائي (٦٠٧٣)، وابن حبان (٥٠٣٤) من طريق حجاج بن محمد، أربعتهم عن ابن جُرَيج، به. وسيأتي برقم (٢٣٠٥) من طريق سليمان بن عتيق عن جابر، بلفظ: أنَّ رسول الله ﷺ وضع الجوائح. والجائحة: هي الآفة.
(٢) حديث صحيح دون قوله: "من السماء" فلم تَرِد هذه الزيادة في شيء من طرق الحديث عن ابن جُرَيج، إلّا في هذه الطريق، وشيخ الحاكم فيها وشيخ شيخه ليسا بمشهورين، بل إنَّ حالهما غير معروفة، ولذلك قال البيهقي في "معرفة السنن" (١١٢٣٤): وقد روي في حديث محمد بن ثور عن ابن جُرَيج: "إن أصابته جائحة من السماء" وفيه نظر. قلنا: وجاء عن ابن جُرَيج عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: الجوائح كل ظاهر مفسدٍ من مطر أو بردٍ أو =
[ ٣ / ٢٠١ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
والأصل في هذا الباب حديث مالك بن أنس عن حُميدٍ الطَّويل الذي:
٢٢٨٩ - حدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا بَحْر بن نصر، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني مالك بن أنس، عن حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أرأيتَ إن منعَ الله الثَّمرةَ، فبِمَ يَستحِلُّ أحدُكُم مالَ أخيهِ؟! " (^١).
٢٢٩٠ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق وأبو بكر بن بالَوَيهِ، قالا: أخبرنا محمد بن غالب، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا ابن أبي عَدِيّ، حدثنا شعبة، عن زُبَيد، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "الرِّبا ثلاثةٌ وسبعون بابًا، أيسَرُها مثلُ أن يَنكِحَ الرجلُ أمَّه، وإِنَّ أَرْبى الرِّبا عِرضُ الرجلِ المسلمِ" (^٢).
_________________
(١) = جرادٍ أو ريح أو حريق. أخرجه أبو داود (٣٤٧١) من طريق ابن وهب، عن عثمان بن الحكم، عن ابن جُرَيج، وإسناده حسن. وفي هذا ما يضعف صحة رواية الصنعانيين هذه عن ابن جُرَيج، والله تعالى أعلم. وقد تقدم الحديث قبله من رواية يحيى بن سعيد عن ابن جُرَيج، دون تقييد الجائحة بأن تكون من السماء.
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه مسلم (١٥٥٥) عن أبي الطاهر بن السرح، عن ابن وهب، بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري (٢١٩٨)، والنسائي (٦٠٧٢)، وابن حبان (٤٩٩٠) من طرق عن مالك، به. وأخرجه البخاري أيضًا (٢٢٠٨)، ومسلم (١٥٥٥) من طريق إسماعيل بن جعفر، ومسلم (١٥٥٥) من طريق عبد العزيز بن محمد، كلاهما عن حميد الطويل، به.
(٣) رجاله ثقات، وقد روي موقوفًا من وجوه، وهو الصحيح، كما بيَّناه في "سنن ابن ماجه" (٢٢٧٥). زُبيد: هو ابن الحارث الياميّ، وإبراهيم: هو ابن يزيد النخعي، ومسروق: هو ابن الأجدع، وعبد الله: هو ابن مسعود. وقد أخرجه ابن ماجه (٢٢٧٥) عن عمرو بن علي الفلاس، بهذا الإسناد، مقتصرًا على قوله: "الربا ثلاثة وسبعون بابًا". =
[ ٣ / ٢٠٢ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢٢٩١ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الزاهد، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السُّلَمي، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأُويسي، حدثنا إبراهيم بن خُثَيم بن عِراك بن مالك، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "أربعٌ حقٌّ على الله أن لا يُدخِلَهم الجنةَ ولا يُذيقَهُم نَعِيمَها: مُدمِنُ خمرٍ، وآكلُ الربا، وآكلُ مالِ اليتيم بغير حقٍّ، والعاقُّ لِوالدَيه" (^١).
_________________
(١) = وقال ابن الجوزي في "الموضوعات" ٣/ ٢٦: واعلم أنَّ مما يَرُدّ صحة هذه الأحاديثِ أنَّ المعاصي إنما تُعلَم مقاديرها بتأثيراتها، والزنى يُفسِد الأنسابَ، ويصرفُ الميراثَ إلى غير مستحقيه، ويؤثر من القبائح ما لا يؤثر أكلُ لقمةٍ لا تتعدّى ارتكابَ نهيٍ، فلا وجه لصحة هذا. قلنا: وقد صحَّ من هذا الحديث آخر فقرة منه في عرض الرجل المسلم من حديث سعيد بن زيد مرفوعًا عند أحمد ٣/ (١٦٥١)، وأبي داود (٤٨٧٦)، بلفظ: "من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق".
(٢) إسناده واهٍ بمرة من أجل إبراهيم بن خُثَيم، فهو ضعيف جدًّا. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٥١٤٢)، وابن الجوزي في "البر والصلة" (١١١) من طريق أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وقد روي عن أبي هريرة من وجه آخر أخرجه أبو حامد الحضرمي، كما في "المنتقى من فوائده الحسان" للمزي (٣٨) من طريق محمد بن إسماعيل البخاري، عن محمد بن بلال، عن همام، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، رفعه: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: العاق لوالديه، والمدمن الخمر والمترجّلة"، وإسناده حسن. وروي عن ابن عمر مثله مرفوعًا: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم: العاقُّ لوالديه، والمدمن الخمر، والمنَّان بما أَعطى"، وسيأتي عند المصنف برقم (٧٤٢١) بإسناد حسن أيضًا. وعن أبي الدرداء رفعه: "لا يدخل الجنة عاقٌّ، ولا مُدْمن خمر، ولا مكذّب بقَدَر"، وإسناده حسن أيضًا، وهو عند أحمد ٤٥/ (٢٧٤٨٤)، وأخرج ابن ماجه منه (٣٣٧٦) مدمن الخمر فقط. وعن أبي هريرة موقوفًا عليه عند هنّاد في "الزهد" (٩٨٠)، والنسائي (٤٩٠١) وغيرهما، بلفظ: أربعة لا يلجون الجنة: عاقٌّ لوالديه، ومدمن خمر، ومَنَّان، وولد زِنيةٍ. ورجاله ثقات. =
[ ٣ / ٢٠٣ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه، وقد اتفقا على خُثَيم.
٢٢٩٢ - أخبرني عبد الصمد بن علي البَزّاز، حدثنا يعقوب بن يوسف القَزْويني، حدثنا محمد بن سعيد بن سابِق، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن سِمَاك بن حرب، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: نهى رسولُ الله ﷺ أَن تُشتَرى الثمرةُ حتى تُطْعِمَ.
وقال: "إذا ظَهَر الزِّنى والرِّبا في قرية، فقد أحَلُّوا بأنفسِهم عذابَ الله" (^١).
_________________
(١) = وقد صحَّ عن أبي هريرة مرفوعًا ذكر أكل الربا وأكل مال اليتيم في حديث: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلّا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" أخرجه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩) من طريق أبي الغيث عن أبي هريرة.
(٢) حديثان صحيحان، وهذا إسناد لا بأس برجاله، وسماك بن حرب - وإن كان في روايته عن عكرمة مقال - لم ينفرد به، كما سيأتي. وأخرجهما مجموعين البيهقيُّ في "شعب الإيمان" (٥١٤٣) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرج الحديث الأول الطبراني في "الكبير" (١١٧٨٣) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله الدَّشْتكي، عن عمرو بن أبي قيس، به. وأخرجه أيضًا الطبراني في "الكبير" (١١٩٣٥)، و"الأوسط" (٣٧٠٨)، والدارقطني (٢٨٣٥ - ٢٨٣٧)، والبيهقي ٥/ ٣٤٠ من طريق حبيب بن الزُّبَير، عن عكرمة، به. وأخرجه أحمد ٥/ (٣١٧٣)، والبخاري (٢٢٤٦)، ومسلم (١٥٣٧) من طريق أبي البَخْتري الطائي، قال: سألت ابن عباس عن السَّلَم في النخل، قال: نهى النبي ﷺ عن بيع النخل حتى يؤكل منه وحتى يُوزن. وأخرجه أحمد ٤/ (٢٢٤٧) من طريق زكريا بن إسحاق، و٢٣/ (١٤٩٩٤) من طريق شبل بن عباد، كلاهما عن عمرو بن دينار، قال زكريا: أنَّ ابن عباس كان يقول: قال رسول الله ﷺ: "لا يُباع الثمر حتى يُطعِم"، وقال شبل: عن جابر بن عبد الله وابن عمر وابن عباس: أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه. وعمرو بن دينار سمع هذا الحديث من جابر كما وقع عند مسلم (١٥٣٦)، لكنه لم يسمعه من ابن عمر ولا من ابن عباس، إنما رواه عنهما بواسطة طاووس بن كيسان، كما وقع في رواية سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عند الشافعي =
[ ٣ / ٢٠٤ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٢٩٣ - أخبرنا علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عمرو بن عَوْن، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدثنا إسرائيل، عن الرُّكين بن الرَّبيع.
_________________
(١) = في "الأم" ٣/ ٤٨، وابن حبان (٤٩٨٨). ولا أثر للاختلاف في وقفه ورفعه من طريق طاووس عن ابن عباس، لثبوته عنه مرفوعًا من الوجوه التي قدمنا ذكرها، والله تعالى أعلم. وأما الحديث الثاني فقد صحَّ لكن من رواية سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، كما نبَّه عليه أبو حاتم الرازي فيما نقله عنه ابنه في "العلل" (٢٧٩٦)، وقال: منهم من يرفعه، ومنهم من يُوقفه. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٤٦٠) عن الحسن - وتحرَّف في المطبوع إلى: الحسين - بن العباس الرازي، عن علي بن هاشم بن مرزوق، عن أبيه، عن عمرو بن أبي قيس، عن سماك، لكنه قال فيه: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. فجعله عن سعيد بن جبير وليس عن عكرمة، والظاهر أنَّ هذا الاختلاف من عمرو بن أبي قيس، فقد كان صدوقًا لكن له أوهام، كما قال غير واحد من أهل العلم، فقد رواه عن سماكٍ أبو الأحوص سلّام بن سليم وشريك بن عبد الله النخعي، فجعلوه عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، وهو الصحيح، كما أشار إليه أبو حاتم الرازي. فقد أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" ٢٤/ ٣٠٧ من طريق أبي الأحوص سلّام بن سليم، وأحمد ٦/ (٣٨٠٩)، وأبو يعلى (٤٩٨١)، وابن حبان (٤٤١٠) من طريق شريك بن عبد الله النخعي، كلاهما عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، مرفوعًا. وقد جوَّد إسنادَه المنذريُّ في "الترغيب والترهيب" ٣/ ٦ و١٩١. وأخرجه ابن أبي الدنيا في "العقوبات" (٩) من طريق أخرى عن أبي الأحوص سلّام بن سليم، عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، موقوفًا. وأخرجه محمد بن نصر المروَزي في "السنة" (٢٠٥)، والطبراني في "الكبير" (١٠٣٢٩)، وأبو عمرو الداني في "السنن الواردة في الفتن" (٣٢١)، والخطيب في "تلخيص المتشابه في الرسم" ص ٧٢٩ من طريق الأعمش، عن أبي سلمان، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي، عن ابن مسعود موقوفًا عليه. وأبو سلمان هذا لا يُعرف. قوله: "أحلُّوا بأنفسهم" أي: استوجبوا العقوبة.
[ ٣ / ٢٠٥ ]
وأخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا أبو كامل وحجّاج، قالا: حدثنا شَريك (^١)، عن الرُّكَين بن الرَّبيع، عن أبيه الرَّبيع بن عُمَيلة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "الرِّبا وإِن كَثُر فَإِنَّ عاقبتَه تَصيرُ إلى قُلٍّ" (^٢).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٢٩٤ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن جُرَيج، أنَّ أبا الزُّبَير حدثه، قال: سمعتُ جابر بن عبد الله يقول: نهى رسولُ الله ﷺ عن بيع الصُّبْرة من التَّمْر، لا يُعلَمُ مَكِيلُها بالكَيلِ المُسمَّى من التَّمْر (^٣).
_________________
(١) وقع في (ب): إسرائيل، بدل: شريك، وهو خطأ.
(٢) إسناده صحيح من جهة إسرائيل - وهو ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي - حسن من جهة شريك - وهو ابن عبد الله النخعي -. حجاج: هو ابن محمد المِصِّيصي، وأبو كامل: هو مُظفَّر بن مُدرِك الخُراساني. وهو في "مسند أحمد" ٦/ (٣٧٥٤) عن حجاج بن محمد، و٧/ (٤٠٢٦) عن أبي كامل. وأخرجه ابن ماجه (٢٢٧٩) عن العباس بن جعفر بن الزبرقان، عن عمرو بن عون، بهذا الإسناد. وسيأتي برقم (٨٠٩٠) من طريق يعقوب بن سفيان عن عمرو بن عون. والقُلُّ: القِلّة، كالذُّل والذِّلّة، أي: أنه وإن كان زيادةً في المال عاجلًا فإنه يؤول إلى نقص، كقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾.
(٣) إسناده صحيح. ابن وهب: هو عبد الله بن وهب المصري، وابن جُرَيج: هو عبد الملك بن عبد العزيز المكي، وأبو الزُّبَير: هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي. وأخرجه مسلم (١٥٣٠) عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن سَرْح، عن ابن وهب، بهذا الإسناد. فاستدراك الحاكم له ذهولٌ منه. وأخرجه مسلم (١٥٣٠)، والنسائي (٦٠٩٣) من طريقين عن ابن جُرَيج، به. وأخرجه النسائي (٦٠٩٤) من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جُرَيج، به. بلفظ: قال النبي ﷺ: "لا تُباع الصُّبْرة من الطعام بالصُّبْرة من الطعام، ولا الصُّبْرة من الطعام بالكيل من الطعام المسمّى". =
[ ٣ / ٢٠٦ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه!
٢٢٩٥ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك.
وحدثنا علي بن عيسى الحِيْري، حدثنا محمد بن عمرو الحَرَشِيّ وجعفر بن محمد التُّرك وموسى بن محمد الذُّهْلي، قالوا: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأتُ على مالكٍ.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه وأبو محمد بن موسى، قالا: أخبرنا محمد بن أيوب، أخبرنا أبو الوليد الطيالسي، قال: سألتُ مالكَ بن أنس، فحدثَنا عن عبد الله بن يزيد عن زيدٍ أبي عياش، قال: سألت سعدًا عن البَيضاء بالسُّلْتِ، فقال: بينهما فَضْلٌ؟ فقالوا: نعم، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ سئل عن الرُّطَبِ بالتَّمْر، فسأل مَن حولَه: "أينقُص إذا جَفَّ؟ " قالوا: نعم، قال: "فلا إذًا" (^١).
_________________
(١) = قال النووي في "شرح مسلم": هذا تصريح بتحريم بيع التمر بالتمر حتَّى تُعلَم المماثلةُ، قال العلماء: لأنَّ الجهل بالمماثلة في هذا الباب كحقيقة المفاضلة، لقوله ﷺ: "إلّا سواء بسواء" ولم يحصل تحقق المساواة مع الجهل، وحكم الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير وسائر الرِّبَويات إذا بيع بعضها ببعض حكم التمر بالتمر، والله أعلم. وقال الأزهري في "الزاهر" ص ١٤٠: الصُّبْرة: الكومة من الطعام، سميت صُبْرةً لإفراغ بعضها على بعض.
(٢) إسناده صحيح، زيد أبو عياش - وهو ابن عياش الزُّرقي - وثقه الدارقطني وابن حبان، وصحَّح حديثَه هذا الترمذيُّ وابنُ خزيمة وابنُ حبان والمصنف هنا، وقال المنذري: اعتمده مالك مع شدة نقده، ولا أعلم أحدًا طعن فيه، وقال العيني في "البناية" ٨/ ٢٨٨: هو ثقة عند النقلة. عبد الله بن يزيد: هو مولى الأسود بن سفيان. وأخرجه أحمد ٣/ (١٥١٥) و(١٥٤٤)، وأبو داود (٣٣٥٩)، وابن ماجه (٢٢٦٤)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي (٥٩٩١) و(٦٠٩١)، وابن حبان (٤٩٩٧) و(٥٠٠٣) من طرق عن مالك، بهذا الإسناد. وسيأتي بعده من طريق إسماعيل بن أمية عن عبد الله بن يزيد. =
[ ٣ / ٢٠٧ ]
قال أبو الوليد: وسمعت مالكَ بن أنس مرةً أخرى، قال: فكرِهَه. هذا لفظُ حديث أبي الوليد.
تابعه إسماعيلُ بن أُميَّة عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان:
٢٢٩٦ - حدَّثَناه أبو بكر بن إسحاق وعلي بن حَمْشاذَ، قالا: حدثنا بِشر بن موسى، حدثنا الحُميدي، حدثنا سفيان، حدثنا إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي عياش، قال: تبايَعَ رجلان على عهد سعد بن أبي وقّاص بسُلْتٍ وشعير، فقال سعد بن أبي وقاص: تبايَعَ رجلان على عهد رسول الله ﷺ ببُسْر ورُطَبٍ، فقال رسول الله ﷺ: "هل ينقُصُ الرُّطَبُ إِذا يَبِس؟ " قالوا: نعم، قال: "فلا إذًا" (^١).
وهكذا رواه سفيانُ الثَّوْري عن إسماعيل بن أمية:
٢٢٩٧ - حدَّثَناه أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا علي بن الحسن الهِلالي، حدثنا عبد الله بن الوليد، حدثنا سفيان.
_________________
(١) = وقد تابع عبدَ الله بنَ يزيد على رواية هذا الحديث عمرانُ بنُ أبي أنس كما سيأتي برقم (٢٣١٤). ورواه يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن يزيد بلفظ آخر كما سيأتي برقم (٢٢٩٨). والسُّلت: هو حبٌّ بين الحنطة والشعير، لا قشر له كقشر الشعير، فهو كالحنطة في ملامسته، وكالشعير في طبعه وبرودته. والبيضاء: الحنطة. وقال ابن قتيبة في "غريب الحديث" ١/ ١٨٥: إنما كره سعد بيع السُّلت بالحنطة، لأنهما عنده جنس واحدٌ. وقال ابن الأثير في "النهاية": وخالفه غيره. وقوله: "أينقص إذا جَفَّ" قال الخطابي في "المعالم" ٣/ ٧٦: لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه التقرير والتنبيه فيه على نكتة الحكم وعلّته، ليعتبروها في نظائرها وأخواتها.
(٢) إسناده صحيح كسابقه. الحُميدي: هو عبد الله بن الزُّبَير المكي، وسفيان شيخُه: هو ابن عُيينة. وأخرجه أحمد ٣/ (١٥٥٢) عن سفيان، بهذا الإسناد. والبُسْر: هو ثمر النخل قبل أن يرطب.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
وأخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبُوبي، حدثنا أحمد بن سَيّار، حدثنا محمد بن كَثير، حدثنا سُفيان.
وحدثنا أبو عبد الله الصَّفّار، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي، حدثنا أبو نُعيم وأبو حُذيفة، قالا: حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أُميّة، عن عبد الله بن يزيد، عن زيدٍ أبي عياش، عن سَعْد بن مالك قال: سُئل رسول الله ﷺ عن الرُّطَبِ بالتمر، فقال: "أينقُصُ إذا يَبِسَ؟ " قالوا: نعم، قال: فنَهَى عنه (^١).
وقد تابعهما يحيى بن أبي كثير على روايته عن عبد الله بن يزيد:
٢٢٩٨ - حدَّثَناه أبو بكر بن إسحاق وعلي بن حَمْشاذَ، قالا: حدثنا هشام بن علي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا حَرْب بن شدّاد، عن يحيى بن أبي كثير، حدثنا عبد الله بن يزيد، أنَّ أبا عياش أخبره، أنه سمع سعد بن أبي وقاص يقول: نهى رسولُ الله ﷺ عن بيع الرُّطَب بالتمْر نَسيئةً (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح. أبو نعيم: هو الفضل بن دُكين، وأبو حذيفة: هو موسى بن مسعود النَّهْدي. وأخرجه النسائي (٦٠٩٢) من طريق محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان الثَّوري، بهذا الإسناد.
(٢) إسناده قوي من أجل عبد الله بن رجاء: وهو الغُداني. إلَّا أنَّ قوله فيه: نسيئة، مخالَف فيه، فقد قال الدارقطني في "سننه" بعد الحديث (٢٩٩٤): وخالفه (يعني يحيى بن أبي كثير) مالك وإسماعيل بن أمية والضحاك بن عثمان وأسامة بن زيد، رووه عن عبد الله بن يزيد، ولم يقولوا فيه: نسيئة، واجتماع هؤلاء الأربعة على خلاف ما رواه يحيى يدل على ضبطهم للحديث، وفيهم إمام حافظ وهو مالك بن أنس. انتهى. وأخرجه أبو داود (٣٣٦٠) من طريق معاوية بن سلّام، عن يحيى بن أبي كثير، بهذا الإسناد. لكن تابع يحيى على ذكر النسيئة في الخبر عمرانُ بن أبي أنس عند ابن المنذر في "الأوسط" (٨٠٥٩)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٦١٧٣)، وفي "شرح معاني الآثار" ٤/ ٦ من طريق عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن عمران بن أبي أنس، أنَّ مولًى لبني مخزوم حدثه: أنَّه سأل سعد بن أبي وقاص عن الرجل يُسلِف الرجلَ بالتمر إلى أجل، فقال سعد: نهانا رسولَ الله ﷺ عن هذا. كذا قال: مولى لبني مخزوم، وهو أبو عياش نفسُه. وقد خولف عمرو بن الحارث في روايته، فرواه مخرمة بن بكير بن عبد الله الأشج، عن أبيه، =
[ ٣ / ٢٠٩ ]
هذا حديثٌ صحيحٌ، لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك بن أنس، وأنه محكَّمٌ في كل ما يرويه من الحديث، إذ لم يوجد في رواياته إلّا الصحيح، خصوصًا في حديث أهل المدينة، ثم لمتابعة هؤلاء الأئمة إيّاه في روايته عن عبد الله بن يزيد، والشيخان لم يُخرجاه لما خَشِيَاه من جهالة زيدٍ أبي عيّاش (^١).
٢٢٩٩ - حدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، أخبرنا أبو بكر محمد بن إسحاق وأبو العباس محمد بن إسحاق وأبو يحيى زكريا بن يحيى البزَّاز، قالوا: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا أبو داود، حدثنا شُعبة، عن خالد الحذّاء، قال: سمعت أبا عثمان النَّهْدي يحدِّث، أنَّ النبي ﷺ قال: "يُرفع للرجُلِ صحيفةٌ يومَ القيامة حتَّى يُرى أنه ناجٍ، فما تزالُ مظالمُ بني آدم تَتْبعُه حتى ما تبقى له حسنةٌ، ويُزادُ عليه مِن سيّئاتهم".
قال: فقلتُ له - أو قال له عاصمٌ -: عمَّن يا أبا عثمان؟ قال: عن سلمانَ وسعدٍ وابن مسعود ورجلين آخرَين لم يحفظهما.
قال شعبة: فسألت عاصمًا عن هذا الحديث، فحدَّثَنيهِ عن أبي عثمان عن سلمان.
_________________
(١) = عن عمران، عن أبي عياش، عن سعد، نحو روايتي مالك وإسماعيل بن أمية المتقدمتين قبله بدون ذكر النسيئة، وستأتي روايته عند المصنف برقم (٢٣١٤). وهو المحفوظ في حديث سعد هذا، والله أعلم. وقد احتمل البيهقي احتمالًا أن يكونا حديثين، فقال في "معرفة السنن والآثار" (١١١٣٢) عن رواية عمران بن أبي أنس: هذا يخالف رواية الجماعة في غير موضع، فإن كان محفوظًا فهو إذًا حديث آخر. ثم استدرك فقال بإثر رواية مخرمة بن بكير: فالخبر يصرِّح بأن المنع إنما كان لنقصان الرطب في المتعقَّب وحصول الفضل بينهما بذلك، وهذا المعنى يمنع من أن يكون النهيُ لأجل النَّسيئة، فلذلك لم تُقبَل هذه الزيادة ممّن خالف الجماعةَ بروايتها في هذا الحديث.
(٢) قد أخرج الشيخان لنظير حال زيد أبي عياش هذا، فلا يصحُّ التعليل بذلك.
[ ٣ / ٢١٠ ]
وأخبرني عثمان بن غِياثٍ: أنه سمع أبا عثمان يحدِّث بهذا عن سلمان وأصحابِ رسول الله ﷺ (^١).
هذا حديث غريبٌ صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، ولا أعرفُ لشعبة عن عثمان بن غِياث حديثًا مسنَدًا غيرَ هذا.
٢٣٠٠ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن سِنان القَزّاز، حدثنا أبو علي عبيد الله بن عبد المجيد الحَنَفي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجِر، سمعتُ أبي يحدِّث عن عبد الله بن باباهُ، عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن الجَلّالة أن يُؤكل لحمُها، ويُشربَ لبنُها، ولا يُحمَلَ عليها الأَدَمُ، ولا يَركَبَها الناسُ، حتَّى تُعلَفَ أربعين ليلةً (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح، ولشعبة فيه ثلاثة شيوخ: خالد بن مِهران الحذّاء، وعاصم بن سليمان الأحول، وعثمان بن غياث، وسيأتي عند المصنف من طريق أبي داود أيضًا - وهو سليمان بن داود الطيالسي - برقم (٨٩٢٩)، وقد خولف شعبةُ في رفعه. فقد رواه ابن المبارك في "الزهد" (١٦٢٦)، ومعتمر بن سليمان فيما رواه عنه مُسدَّد في "مسنده" كما في "المطالب العالية" (٤٥٨٢)، كلاهما (ابن المبارك ومعتمر) عن خالد الحذاء، عن أبي عثمان النَّهدي، عن ابن مسعود وحذيفة وسَلْمان وغيرهم، موقوفًا عليهم. ورواه موقوفًا أيضًا أبو أسامة حماد بن أسامة فيما رواه عنه ابن أبي شيبة في "مصنفه" ١٣/ ٣٣٦ عن عثمان بن غياث، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان وغيره من أصحاب محمدٍ ﷺ قالوا … فذكره. ورواه خالد بن حمزة العطار عن عثمان بن غياث عند البزار (٢٥٢٤)، والطبراني (٦١٥٣)، من حديث سلمان وحده، ورفعه. وخالد هذا لا يُعرف. والحديث وإن كان روي عند بعضهم من هذا الوجه موقوفًا، إلَّا أنَّ له حكم المرفوع، فإنَّ مثله لا يُقال من قِبَل الرأي، وممّا يبرهن على صحة ذلك وُرود شواهد بمعناه صريحة في الرفع كما سلف بيانه عند الحديث رقم (٢٢٥٢).
(٢) إسناده ضعيف بهذه السياقة من أجل إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجِر، فهو ضعيف، وأبوه ليِّن الحديث، وقد صحَّ من غير هذا الوجه عن عبد الله بن عمرو ذكر النهي من ركوب الجلّالة وأكل لحمها، دون ما سوى ذلك ممّا ورد في هذه الرواية. =
[ ٣ / ٢١١ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، لما قَدَّمنا من القول في إبراهيم بن المُهاجِر (^١)، ولم يُخرجاه.
٢٣٠١ - أخبرني عبد الله بن الحسين القاضي بمَرْو، حدثنا الحارثُ بن أبي أسامة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ: أنه نهى أن تُباعَ السلعُ حيث تُشتَرى، حتى يَحُوزَها الذي اشتراها إلى رَحْلِه، وإن كان ليَبعَثُ رجالًا فيضرِبونا على ذلك (^٢).
_________________
(١) = على أنه قد صحَّ ذكر النهي عن لبن الجلّالة من غير حديث عبد الله بن عمرو، كما بيناه عند حديث ابن عباس المتقدم برقم (٢٢٧٨). وأخرجه أحمد ١١/ (٧٠٣٩) عن مؤمَّل بن إسماعيل، وأبو داود (٣٨١١)، والنسائي (٤٥٢٢) من طريق سهل بن بكّار، كلاهما عن وهيب بن خالد، عن عبد الله بن طاووس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وعن الجلّالة: عن ركوبها وأكل لحمها. وإسناده حسن كما قال الحافظ في "الفتح" ١٧/ ١٠١. قلنا: ووقع عند بعض من خرَّج الحديث من هذه الطريق كأحمد والنسائي: عن الجَلّالة وعن ركوبها وأكل لحومها. بعطف الركوب على مطلق النهي عن الجلالة، والصحيح أنه على البدل، لا معطوفًا، كما وقع في رواية أبي داود، وكذلك جاء في "جامع الأصول" و"تحفة الأشراف"، وكذلك جاء في الرواية التي اعتمدها المزي من "سنن النسائي" كما في "تهذيب الكمال" ٢٥/ ٥١٥. والظاهر أنَّ العطف من صنيع بعض الرواة، وإن كان محفوظًا فيكون ذكر الركوب واللحوم من عطفٌ الخاصّ على العامّ، والله تعالى أعلم. وقد صحَّ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب موقوفًا عليه في التوقيت لزوال كراهة الجلّالة خلاف ما روي هنا، فقد أخرج ابن أبي شيبة ٨/ ٣٣٥ بسند صحيح عنه: أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثًا.
(٢) هذا ذهولٌ من المصنف ﵀، فإنه لم يتقدم له كلام فيه.
(٣) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن، وقد صرَّح محمد بن إسحاق بسماعه عند أحمد فانتفت شبهة تدليسه، وقال في روايته: الأطعمة، بدل: السِّلَع، وهو الصحيح، كما سيأتي بيانه. وقد توبع محمد بن إسحاق. وأخرجه أحمد ١٠/ (٦١٩١) من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، حدثني نافع، عن =
[ ٣ / ٢١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ابن عمر حدثهم: أنَّ رسول الله ﷺ كان يبعث عليهم إذا ابتاعوا الأطعمة من يمنعهم أن يتبايعوها حتَّى يؤووا إلى رِحالهم. وأخرجه أحمد ١/ (٣٩٥) و١٠/ (٥٩٢٤)، ومسلم (١٥٢٧) (٣٣)، وأبو داود (٣٤٩٣)، والنسائي (٦١٥٤) من طريق مالك بن أنس، وأحمد ٨/ (٤٦٣٩)، والبخاري (٢١٦٧)، ومسلم (١٥٢٧) (٣٤)، وأبو داود (٣٤٩٤)، وابن ماجه (٢٢٢٩)، والنسائي (٦١٥٥)، وابن حبان (٤٩٨٦) من طريق عُبيد الله بن عمر، والبخاري (٢١٢٣) من طريق موسى بن عقبة، و(٢١٦٦) من طريق جويرية بن أسماء، والنسائي (٦١٥٦) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن عنج، كلهم عن نافع، عن ابن عمر بنحوه، لكن بلفظ "الطعام" عند جميعهم. وقد جاء في رواية موسى بن عقبة وجويرية وبعض الروايات عن عبيد الله بن عمر أنَّ هذا الحديث وارد في تلقي الركبان بأعلى السوق. وجاء في رواية جويرية وموسى بن عقبة ومحمد بن عبد الرحمن ما يفسر المراد بحيازة الطعام إلى الرَّحل، وهو نقله إلى حيث يباع الطعام، أي: إلى السوق. ووقع في بعض روايات عبيد الله بن عمر: طعامًا جِزافًا. فقُيِّد بالجزاف، وهو ما لم يكن مكيلًا ولا موزونًا. وهذا قيد مهمّ، فقد نصَّ ابن عبد البر في "التمهيد" ١٣/ ٣٤٣ على الإجماع على أنَّ ما يُستوفى بالكيل أو الوزن أنه يجوز بيعُه في موضعه. وأخرجه بنحوه أيضًا أحمد ٨/ (٤٥١٧)، والبخاري (٢١٣١)، ومسلم (١٥٢٧) (٣٧) و(٣٨)، وأبو داود (٣٤٩٨)، والنسائي (٦١٥٧) من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، بلفظ "الطعام"، ومقيدًا بالجزاف كذلك. وكأنَّ حديث ابن عمر هذا قد ورد في نقل وتحويل الطعام الذي اشتُري من الركبان بأعلى السوق، حتى يُنتهى به إلى داخل السوق، لكي يُتمكن من بيعه بالكيل أو بالوزن. وإذا ثبت ذلك لم يكن هذا الحديث بعينه دالًا على عموم النهي عن بيع المبيع قبل قبضه واستيفائه. لكن قد ثبت عن نافع عن ابن عمر، مرفوعًا: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه"، وفي رواية: "حتى يقبضه"، فهذا هو الذي يصلح حجة في النهي عن بيع المبيع قبل قبضه، لأنَّ الاستيفاء هو القبض، وهو عامٌّ في الطعام الجزاف وغيره، وفي ما تُلُقّي من أعلى السوق من الركبان وما اشتُري من داخل السُّوق. وقد ثبت عن عدد من الصحابة غير ابن عمر النهي عن بيع المبيع قبل قبضه. وقد أخرجه بهذا اللفظ أحمد ١/ (٣٩٦) و٩/ (٥٣٩)، والبخاري (٢١٢٦) و(٢١٣٦)، ومسلم (١٥٢٦)، وأبو داود (٣٤٩٢)، وابن ماجه (٢٢٢٦)، والنسائي (٦١٤٣) من طريق مالك بن أنس، =
[ ٣ / ٢١٣ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
وعند محمد بن إسحاق فيه إسنادٌ آخر:
٢٣٠٢ - حدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو زُرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، حدثنا أحمد بن خالد الوَهْبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن أبي الزِّناد، عن عُبيد بن حُنين، عن ابن عمر، قال: ابتعتُ زيتًا في السوق، فلما استَوجبْتُه لَقِيَني رجلٌ، فأعطاني به ربحًا حسنًا، فأردت أن أضربَ على يديه، فأخذ رجلٌ من خَلْفي بذِراعي، فالتفتُّ إليه، فإذا زيدُ بن ثابت، فقال: لا تَبِعْه حيث ابتعْتَه حتى تَحُوزَه إلى رَحْلِك، فإنَّ رسول الله ﷺ نهى أن تُباعَ السِّلَعُ حيث تُبتاع، حتى يَحُوزَها التجّار إلى رِحالهم (^١).
_________________
(١) = وأحمد ٨/ (٤٧٣٦)، ومسلم (١٥٢٧) (٣٤)، وابن حبان (٤٩٨٦) من طريق عبيد الله بن عمر، والبخاري (٢١٢٤) من طريق موسى بن عقبة، ومسلم (١٥٢٧) (٣٥) من طريق عمر بن محمد، كلهم عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه بهذا اللفظ أيضًا أحمد ٩/ (٥٠٦٤)، والبخاري (٢١٣٣)، ومسلم (١٥٢٧) (٣٦)، والنسائي (٦١٤٤)، وابن حبان (٤٩٨١) من طريق عبد الله بن دينار، وأحمد ١٠/ (٥٩٠٠)، وأبو داود (٣٤٩٥)، والنسائي (٦١٥٣) من طريق القاسم بن محمد، وابن حبان (٤٩٧٩) من طريق عمرو بن دينار، ثلاثتهم عن ابن عمر. لكن زاد القاسم في روايته: "طعامًا اشتراه بكيل" وعند أحمد زيادة: "أو وزن". وقال الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" بإثر (٣١٦٦): هذا المروي عن عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ نهيه عن بيع الطعام حتى يستوفى، وعنه عن رسول الله ﷺ نهيه عن ابتياع الجِزاف من الطعام أن يباع حتى ينقل إلى مكان آخر، فكان ذلك حكم بيع الطعام المشتَرى كيلًا، وحكم بيع الطعام المشترى جزافًا. قلنا: وكل ذلك عن ابن عمر بلفظ: "الطعام"، وبذلك يندفع الإشكال الذي يتبادر إلى الذهن عند النظر في حديث عُبيد بن حنين الآتي بعده عن ابن عمر، كما سيأتي بيانه.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن، وقد صرَّح ابن إسحاق بسماعه عند أحمد وغيره، وهو متابع. أبو الزِّناد: هو عبد الله بن ذكوان. =
[ ٣ / ٢١٤ ]
٢٣٠٣ - أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبُوبي بمَرْو، حدثنا سعيد بن مسعود، حدثنا عُبيد الله بن موسى، حدثنا شَيبان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي نابٍ من السِّباع، وعن قتل الوِلْدان، وعن شراء المَغنَم حتى يُقسَم (^١).
_________________
(١) = وأخرجه أبو داود (٣٤٩٩) عن محمد بن عوف الطائي، عن أحمد بن خالد الوهبي، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٣٥/ (٢١٦٦٨)، وابن حبان (٤٩٨٤) من طريق إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، به. وقد تابع محمدَ بنَ إسحاق عليه جريرُ بن حازم عند الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٣١٦٥)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٤٧٨١)، والدارقطني (٢٨٢٩)، وإسناده صحيح. وقد ذكر الطحاوي في "شرح المشكل" بإثر (٣١٦٦) أنَّ صنيع ابن عمر في هذا الحديث يُشكِل مع ما رواه من نهي النبي ﷺ عن بيع الطعام حتى يُستَوفى (يعني كما في حديثه السابق) قال الطحاوي: فما كانت حاجته في ذلك إلى زيد حتى أخذ ذلك عنه، وحدَّث به بعد ذلك، قال: فكان جوابنا في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنه قد يحتمل أن يكون ابن عُمر لم يكن يرى الزيت من الطعام، إذ كان حكمه الائتدام به لا الأكل له، وكان مذهبه حلّ بيع ما اشتُري قبل قبضه من غير الطعام، فلم ير ببيعه لذلك قبل قبضه إياه بأسًا، حتى حدَّثه زيد بما حدثه به، فعَلِم به أنه كالطعام المأكول المشتَرى، لا كالأشياء المبيعة سوى ذلك، فانتهى إلى ما حدثه به زيد فيه وامتنع من بيعه.
(٢) إسناده صحيح. شيبان: هو ابن عبد الرحمن النَّحْوى، والأعمش: هو سليمان بن مهران، ومجاهد: هو ابن جبر. وسيتكرر بهذا الإسناد برقم (٢٦٤٦)، لكن بلفظ: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وعن النساء الحَبَالى أن يوطأن حتى يضعن ما في بطونهن، وعن كل ذي ناب من السباع، وعن بيع الخُمس حتى يُقسم. وبنحو هذا اللفظ سيأتي برقم (٢٣٦٧) و(٢٦٤٤) من طريق عبد الله بن أبي نَجيح عن مجاهد، إلّا أنه قال: وعن بيع المغانم حتى تقسم، كلفظ المصنف هنا. وسيأتي مقتصِرًا على هذا الحرف من الحديث في الطريق الذي بعده، وبرقم (٢٦٤٥) من طريق عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد. وأخرجه مقتصِرًا على ذكر النهي عن كل ذي نابٍ أحمدُ ٥/ (٣٠٠٢) من طريق شريك النخعي، عن الأعمش، به. =
[ ٣ / ٢١٥ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذه السّياقة.
وله شاهد صحيح:
٢٣٠٤ - حدَّثَناه علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا عُبيد بن شَريك، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا ابن أبي الزِّناد، حدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن بَيع المغانِمِ حتى تُقْسَم (^١).
٢٣٠٥ - أخبرني أحمد بن محمد العَنَزي، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن حُميد بن قيس، عن سليمان بن عَتِيق،
_________________
(١) = وأخرجه مقتصِرًا على هذا الحرف أيضًا أحمد ٤/ (٢١٩٢) و(٢٧٤٧) و٥/ (٣٠٢٣) و(٣٥٤٤)، ومسلم (١٩٣٤)، وأبو داود (٣٨٠٣)، وابن حبان (٥٢٨٠) من طريق ميمون بن مهران، عن ابن عباس. وزاد ذكر النهي عن كل ذي مِخلَب من الطير. وأخرجه أيضًا أحمد ٥/ (٣١٤١)، وأبو داود (٣٨٠٥)، وابن ماجه (٣٢٣٤)، والنسائي (٤٨٤٢) من طريق ميمون بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. بزيادة النهي عن كل ذي مخلبٍ أيضًا، وزاد فيه بين ميمون وابن عباس رجلًا هو سعيد بن جبير. وانظر كلامنا على هذا الاختلاف في تحقيقنا على "سنن أبي داود" (٣٨٠٣). وأخرج مسلم (١٨١٢) من طريق يزيد بن هرمز، عن ابن عباس: أنه كتب إلى نجدة بن عامر الحَرُوري: وكتبتَ تسألُني عن قتل الولدان، وإنَّ رسول الله ﷺ لم يقتلهم.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن في المتابعات من أجل عبد الرحمن بن الحارث - وهو ابن عبد الله بن عياش المخزومي - فهو ضعيف يعتبر به، وقد توبع. ابن أبي الزِّناد: هو عبد الرحمن، وابن أبي نَجيح: هو عَبد الله. وأخرجه النسائي (٦١٩٦) من طريق عمرو بن شعيب، عن عبد الله بن أبي نجيح، به. بزيادة أشياء أخرى ممّا نهى عنه رسولُ الله ﷺ. وإسناده صحيح. وسيتكرر برقم (٢٦٤٥) بزيادة ذكر وقت النهي عن ذلك أنه كان يوم خيبر. وسيأتي برقم (٢٣٦٧) و(٢٦٤٤) من طريق عمرو بن شعيب عن ابن أبي نجيح، وأنَّ هذا النهي كان يوم خيبر أيضًا.
[ ٣ / ٢١٦ ]
عن جابر: أنَّ النبي ﷺ وَضَعَ الجَوائح (^١).
٢٣٠٥ م - قال عليٌّ (^٢): وقد كان سفيانُ حدثَنا عن أبي الزُّبَير، عن جابر، عن النبي ﷺ: أنه وَضَعَ الجوائحَ (^٣).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٣٠٦ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا بَحْر بن نَصْر الخَوْلاني، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بُكير بن الأشَجّ، عن عِياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخُدْري، قال: أُصيبَ رجلٌ في عهد رسول الله ﷺ في ثمارٍ ابتاعَها، فكَثُر دَيْنُه، فقال رسول الله ﷺ: "تَصدَّقُوا عليه"، فتصدَّقُوا عليه، فلم يبلُغْ ذلك وفاءَ دَيْنِه، فقال رسول الله ﷺ: "خُذُوا ما وَجَدْتُم، وليس لكم إلّا ذلكَ" (^٤).
_________________
(١) إسناده صحيح. سفيان: هو ابن عيينة. وأخرجه أحمد ٢٢/ (١٤٣٢٠)، ومسلم (١٥٥٥) (١٧)، وأبو داود (٣٣٧٤)، والنسائي (٦٠٧٥)، وابن حبان (٥٠٣١) من طرق عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. وقد تقدم من طريق أبي الزُّبَير عن جابر برقم (٢٢٨٧) بلفظ: "إن بعت أخاك تمرات، فأصابته جائحة، فلا يحلُّ لك أن تأخذ منه شيئًا، أو تأخذ مال أخيك بغير إذنه".
(٢) يعني علي بن عبد الله بن المديني، بالإسناد الذي قبله.
(٣) إسناده صحيح. وأخرجه الشافعي في "الأم" ٤/ ١١٦ - ١١٧، والحميدي (١٢٧٩)، وأبو عوانة (٥٠٩٦)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٤/ ٣٤ والبيهقي ٥/ ٣٠٦ من طريق سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. وانظر ما سلف برقم (٢٢٨٧).
(٤) إسناده صحيح. وأخرجه مسلم (١٥٥٦)، والنسائي (٦٢٣٠) من طريقين عن عبد الله بن وهب، بهذا الإسناد. فاستدراك الحاكم له ذهولٌ منه. وأخرجه أحمد ١٧/ (١١٣١٧)، ومسلم (١٥٥٦)، وأبو داود (٣٤٦٩)، وابن ماجه (٢٣٥٦)، =
[ ٣ / ٢١٧ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه!
٢٣٠٧ - حدثني محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا أحمد بن محمد بن نَصْر، حدثنا أبو نُعيم الفضل بن دُكَين، حدثنا بُكير بن عامر، عن ابن أبي نُعْم، حدثنا رافع بن خَديج: أنه زَرَعَ أرضًا، فمرَّ به النبيُّ ﷺ وهو يسقيها، فسأله: "لمن الزرعُ؟ ولمن الأرضُ؟ " فقال: زرعي ببَذْري وعَمَلي، لي الشطرُ ولبني فلانٍ الشطرُ، فقال: "أربَيتُما، فَرُدَّ الأرضَ على أهلها، وخُذ نَفَقَتَك" (^١).
_________________
(١) = والترمذي (٦٥٥)، والنسائي (٦٠٧٦) و(٦٢٣٠)، وابن حبان (٥٠٣٣) من طريق الليث بن سعد، عن بُكير بن عبد الله الأشج، به. وقد يتوهم التعارض بين هذا الحديث وبين حديث وضع الجوائح، لكن قال الخطابي: هذا الحديث ليس فيه ذكر الجائحة، وقد يحتمل أن يكون أصيب في تلك الثمار بعدما جَذَّها وآواها الجرين، فطرقها لص أو جرفها سيل، أو باعها، فافتات الغريم بحقه، وكل هذه الوجوه يصح إضافة المصيبة فيها إلى الثمار التي كان ابتاعها، وإذ كان كذلك لم يجب الحكمُ بذهاب حق رب المال. قلنا: والجمع ممكن أيضًا بأن يكون وضع الجوائح خاصًا بما يكون أصاب الثمار قبل بدوّ صلاحها وطيبها كما في حديث أنس المتقدم برقم (٢٢٨٩) حيث جاء فيه: "أرأيت إن منع الله الثمرة، فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟! ". فقد قال ابن حزم في "المحلى" ٨/ ٣٨٥: صح بهذين الخبرين أنَّ الجوائح التي أمر رسول الله ﷺ بوضعها هي التي تصيب ما بيع من الثمر سنين، وقبل أن يُزهي، وأنَّ الجائحة التي لم يسقطها وألزم المشتري مُصيبتها، وأخرجه عن جميع ماله بها، هي التي تصيب الثمر المبيع بعد ظهور الطِّيْب فيه وجواز بيعه، وبالله تعالى التوفيق.
(٢) إسناده ضعيف لضعف بُكير بن عامر، كما قال الذهبي في "تلخيصه". ابن أبي نُعْم: هو عبد الرحمن. وأخرجه أبو داود (٣٤٠٢) عن هارون بن عبد الله، عن أبي نعيم، بهذا الإسناد. وأخرج أبو داود (٣٣٩٩)، والنسائي (٤٦٠٢) عن رافع بن خديج: أنَّ رسول الله ﷺ أتى بني حارثة، فرأى زرعًا في أرض ظُهير، فقال: "ما أحسنَ زرعَ ظُهير! " قالوا: ليس لظُهير، قال: "أليس أرضَ ظُهير؟! " قالوا بلى ولكنه زرعُ فلان، قال: "فخذوا زرعكم، ورُدُّوا عليه النفقة"، قال رافع: فأخذنا زرعَنا ورددنا إليه النفقة. وإسناده صحيح، وظهير المذكور في الحديث: هو ابن رافع، عم رافع بن خديج.
[ ٣ / ٢١٨ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه، إنما اتفقا على مناظرةِ عبد الله بن عُمر ورافع بن خَديج فيه (^١).
٢٣٠٨ - أخبرنا عبد الله بن محمد بن موسى (^٢) العَدْل، حدثنا إسماعيل بن قُتيبة، حدثنا أبو بكر بن أبي شَيْبة، حدثنا وكيع وحُميد بن عبد الرحمن الرُّؤاسي، عن مغيرة بن زيادة، عن عُبادة بن نُسَيّ، عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة بن الصامت، قال: عَلَّمْتُ ناسًا من أهل الصُّفَّة الكتابةَ والقرآنَ، وأهدى إلي رجلٌ منهم قوسًا، فقلتُ: ليست بمالٍ، وأَرمي عليها في سبيل الله، لآتِيَنَّ رسولَ الله ﷺ، فلأَسألنّه، فأتيتُه، فقلتُ: يا رسول الله، رجلٌ أهدى إليَّ قوسًا ممَّن كنتُ أُعلِّمُه الكتابةَ والقرآنَ، وليست بمالٍ، وأَرمي عليها في سبيل الله، قال: إن كنتَ تحبُّ أن تُطَوَّقَ طَوقًا من نار فاقبَلْها" (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣٤٣) و(٢٣٤٤) و(٢٣٤٥)، ومسلم (١٥٤٧). واتفق الشيخان أيضًا على رواية أخرى فيه عن رافع بن خديج، قال: كان الناس يؤاجرون على عهد النبي ﷺ على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، فلم يكن للناس كِراء إلّا هذا، فلذلك زجر عنه النبي ﷺ عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به. أخرجه البخاري (٢٣٢٧)، ومسلم (١٥٤٨) (١١٦)، واللفظ له.
(٢) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: عيسى، وجاء على الصواب في "إتحاف المهرة" للحافظ ابن حجر (٦٨١١). وانظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٥٣٠.
(٣) حديث حسن، وهذا إسناد ضعيف لجهالة الأسود بن ثعلبة، ومغيرة بن زياد فيه كلام، وخالفه بشر بن عبد الله بن يسار السُّلَمي فيما سيأتي عند الحاكم (٥٦٢٥)، وهو حسن الحديث، فرواه عن عبادة بن نُسَيّ، عن جُنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت. وجنادة هذا تابعي كبير مخضرم، وقد أثبت صحبته ابن معين، لكن الصحيح أنَّه تابعي مخضرم. وأخرجه أبو داود (٣٤١٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٣٧/ (٢٢٦٨٩) عن وكيع، وابن ماجه (٢١٥٧) عن علي بن محمد ومحمد بن إسماعيل، كلاهما عن وكيع، به. ولمرفوعه شاهد صحيح من حديث أبي الدرداء أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٦/ ١٢٦ =
[ ٣ / ٢١٩ ]
هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٣٠٩ - حدثنا الحسن بن يعقوب وإبراهيم بن عِصْمة، قالا: حدثنا السَّرِي بن خُزيمة، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارِظ، عن السائب بن يزيد، عن رافع بن خَديج، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "كسبُ الحجّام خَبيثٌ، وثَمنُ الكلب خَبيثٌ، ومَهْر البغيّ خَبيثٌ" (^١).
_________________
(١) = أنَّ النبي ﷺ قال: "من أخذ قوسًا على تعليم القرآن قلَّده الله قوسًا من نارٍ"، وشواهد أخرى ذكرناها في تحقيقنا على "فتح الباري" ٧/ ٣٣٠. وصحَّ أيضًا ما يدل ظاهره على خلاف هذا الحديث كحديث أبي سعيد الخُدْري الذي أخرجه البخاري (٥٠٠٧) ومسلم (٢٢٠١) في قصة أخذه ثلاثين شاة حين رقى رجلًا بفاتحة الكتاب، وقول النبي ﷺ له: "اقسموا واضربوا لي بسهم". وقول النبي ﷺ في قصة نحو هذه من حديث ابن عباس عند البخاري (٥٧٣٧): "إنَّ أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتابُ الله". قال الخطابي في "معالم السنن" ٣/ ١٠٠: قال بعض العلماء: أخذ الأجرة على تعليم القرآن له حالات: فإن كان في المسلمين غيره ممّن يقوم به، حلّ له أخذ الأجرة عليه، لأنَّ فرض ذلك لا يتعين عليه، وإذا كان في حال أو في موضع لا يقوم به غيره لم تحل له الأجرة، وعلى هذا يؤوّل اختلاف الأخبار فيه.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد جيد من أجل إبراهيم بن قارظ. وأخرجه أبو داود (٣٤٢١) عن موسى بن إسماعيل، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٢٥/ (١٥٨١٢)، وابن حبان (٥١٥٣) من طريقين عن أبان بن يزيد، به. وأخرجه أحمد (١٥٨٢٧)، والترمذي (١٢٧٥) من طريق معمر بن راشد، ومسلم (١٥٦٨)، والنسائي (٤٦٦٨)، وابن حبان (٥١٥٣) من طريق الأوزاعي، والنسائي (٤٦٦٩) من طريق هشام الدَّستُوائي، ثلاثتهم عن يحيى بن أبي كثير، به. إلّا أنَّ هشامًا قال في روايته: حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وانفرد بذلك من بين أصحاب يحيى بن أبي كثير. وأخرجه مسلم (١٥٦٨)، والنسائي (٤٦٦٣) من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن يوسف ابن أخت نمر، والنسائي (٤٦٦٥) من طريق يزيد بن عبد الله بن خُصيفة، كلاهما عن السائب بن يزيد، به. =
[ ٣ / ٢٢٠ ]
صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢٣١٠ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدُّوري، حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا عِكْرمة بن عمار، حدثنا طارق بن عبد الرحمن القرشي، قال:
جاء رفاعةُ بن رافع إلى مجلس الأنصار، فقال: لقد نهانا رسولُ الله ﷺ اليومَ؛ فذكر أشياء، فقال: نهانا عن كَسْبِ الأَمَة إلَّا ما عَمِلَتْ بيدها (^١)؛ وقال هكذا بإصبعه،
_________________
(١) = وأخرجه النسائي (٤٦٦٤) من طريق حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن يوسف ابن أخت نمر، عن السائب بن يزيد، رفعه. فجعله من مسند السائب بن يزيد، وهو صحابي صغير، فلا يؤثر ذلك بصحة الحديث، لأنَّ مراسيل الصحابة حجة. وقد صحَّت أحاديث أخرى يدل ظاهرها على حِلّ كسب الحجّام من ذلك حديث ابن عباس الذي أخرجه البخاري (٢١٠٣) و(٢٢٧٨)، ومسلم (١٥٧٧) (٦٥) و(٦٦): أنَّ رسول الله ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره، ولو كان سُحتًا لم يُعطه النبي ﷺ. ونحوه عن أنس عند البخاري (٢٢٨٠)، ومسلم (١٥٧٧). لكن قال الشافعي: ليس في شيء من هذه الأحاديث شيء مختلف، ولا ناسخ ولا منسوخ، فإنا أُخبرنا أنه رخَّص لمحيّصة أن يعلفَه ناضحه، ويُطعمه رقيقَه (أخرجه أحمد ٣٩/ ٢٣٦٩٠، وأبو داود ٣٤٢٢، والترمذي ١٢٧٧ وحسَّنه) ولو كان حرامًا لم يُجز رسولُ الله ﷺ لمحيصة أن يملك حرامًا، ولا يعلفه ناضحه ويطعمه رقيقه، ورقيقه ممَّن عليه فرض الحلال والحرام، ولم يُعطِ رسول الله ﷺ حجّامًا على الحجامة، لأنه لا يُعطي إلّا ما يحل له أن يُعطيه، وما يحلّ لمالكه ملكُه، والمعنى في نهيه عنه وإرخاصه في أن يُطعمه الناضح والرقيق أنَّ من المكاسب دَنِيًّا وحَسَنًا، فكان كسب الحجام دَنيًّا، فأحبَّ له تنزيه نفسِه عن الدناءة. نقله عنه البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (١٩٣٢٩).
(٢) حديث حسن، وهذا إسناد محتمل للتحسين إلّا أنه مرسلٌ، لأنَّ رفاعة بن رافع هذا تابعي، وهو ابن خَديج، وليس هو رافع بن رفاعة كما وقع مسمَّى في رواية أحمد وأبي داود، وقد جاء على الصواب في رواية المصنف هنا، وكذلك في رواية ابن منده في "معرفة الصحابة" ١/ ٥٨٦ من طريق عبد الرحمن بن غزوان عن عكرمة بن عمار، وكذلك جاء في رواية الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٤٦٥٧) من طريق عمر بن يونس اليمامي عن عكرمة، إلّا أنه قال في روايته: =
[ ٣ / ٢٢١ ]
نحو الغَزْل والخَبْزِ والنَّقْش (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
وله شاهدٌ عن رافع بن خَديج:
_________________
(١) = عن رفاعة بن رافع أو رافع بن رفاعة، بالشك، والظاهر أنَّ هذا الشك والاختلاف من طارق بن عبد الرحمن المذكور - وهو ابن القاسم القرشي - وقد وثقه العجلي وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "مشاهير علماء الأمصار": من سادات أهل المدينة، ولم يرو عنه غير عكرمة بن عمار. وممّا يُقوّي كونه رفاعة بن رافع بن خديج أنَّ الحديث روي من وجه آخر من طُرق عن أبي بَلْج يحيى بن سليم عن عَبَاية بن رفاعة بن رافع بن خديج مرسلًا كذلك، ورواه حُصين بن نمير عن أبي بَلْج فزاد فيه ذكر رفاعة بن رافع، وروايته عند الطبراني في "الكبير" (٤٤٠٧)، وانفرد بذلك من بين سائر أصحاب أبي بَلْج، فالصحيح أنه في رواية أبي بلج هذه عن عَبَاية بن رفاعة بن رافع مرسلًا. وسيأتي الحديث عند المصنف بعده لرافع بن خديج، وإسناده حسن، وهو يُقوِّي أنَّ المرسل الذي هنا لولده رفاعة، إذ لعله يكون سمعه منه. وإذا علمنا ذلك فباجتماع مرسلَي رفاعة وولده عباية مع الموصول الذي بعده عن رافع بن خديج، يحسُنُ الحديث إن شاء الله، ولا يبعد أن يكونا إنما سمعاه من رافع بن خديج، فلكليهما سماعٌ منه، والله أعلم بالصواب. وأخرجه أحمد ٣١/ (١٨٩٩٨) عن هاشم بن القاسم، وأبو داود (٣٤٢٦) عن هارون بن عبد الله، عن هاشم بن القاسم، بهذا الإسناد. غير أنهما قالا: رافع بن رفاعة. وأخرجه أحمد ٢٨/ (١٧٢٦٨) عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن شعبة، عن أبي بَلْج، عن عباية بن رفاعة مرسلًا. وانظر تمام تخريجه في "المسند". وانظر ما بعده. وقد صحَّ النهيُ عن كسبِ الأَمَة مطلقًا دون تقييد ذلك من حديث أبي جحيفة وحديث أبي هريرة، وكلاهما عند البخاري (٢٢٣٨) و(٢٢٨٣). وأخرج مالك في "موطئه" ٢/ ٩٨١ عن عثمان بن عفان قال: لا تُكلِّفوا الأَمة غير ذاتِ الصَّنْعةِ الكسبَ، فإنكم متى كلَّفتموها ذلك كَسَبَت بفرجها. وإسناده صحيح.
(٢) كذلك أُعجمت في (ز)، بالقاف، وكذلك في مطبوع "السنن الكبرى" للبيهقي ٦/ ١٢٦ عن أبي عبد الله الحاكم، بإسناده، ووقع في رواية أحمد وأبي داود: النفش، بالفاء بدل القاف، والنفش - بالفاء -: ندف القطن والصوف، والنقش - بالقاف -: التطريز والتزيين.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
٢٣١١ - أخبرني عبد الله بن محمد بن موسى العدل، حدثنا علي بن الحُسين بن الجُنيد، حدثنا أحمد بن صالح، حدثني ابن أبي فُديك، عن عُبيد الله بن هُرَير، عن أبيه (^١)، عن جده رافع بن خَديج، قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن كَسبِ الأَمَة حتى يُعلَمَ مِن أين هو (^٢).
٢٣١٢ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا مُسدَّد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن علي بن الحَكَم، عن نافع، عن ابن عمر، قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن عَسْبِ (^٣) الفَحْلِ (^٤).
_________________
(١) وقع في (ز) وحدها: عن أبيه، مكررة مرتين، والثانية مقحمة، لم يقع عند أحدٍ ممن خرَّج الحديث.
(٢) إسناده حسن، عُبيد الله بن هُرير - وهو ابن عبد الرحمن بن رافع بن خديج - روى عنه جمع كما في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم، و"تهذيب الكمال" للمزي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وترجم له ابنُ سعد في "طبقاته" ٧/ ٥٨٨ وبَيَّن ما وُلِد له من الأبناء، فهو معروف، وسكت عبد الحق الإشبيلي عن حديثه هذا مُصححًا له، ولم يُصِب ابنُ القطان في تجهيله، وكنا قد مشينا على تجهيله أيضًا في "سنن أبي داود" (٣٤٢٧) بتحقيقنا، فيُستدرك من هنا، وأضفنا إليه هناك علة الانقطاع أيضًا، بحجة أنَّ جميع من ترجم لهُرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج لم يذكروا روايته عن جده، بل ذكروا روايته عن أبيه عن جده، لكننا قد وقفنا على حديث له غير هذا من روايته عن جده من وجه صحيح عنه، وقد صرَّح فيه بسماعه منه، وهو حديث الإسفار بالفجر، وهو عند محمد بن الحسن الشَّيباني في "الحجة على أهل المدينة" ١/ ٥ وعند غيره، فيُستدرك من هنا أيضًا، والله تعالى أعلم. على أنه يشهد لحديثه هذا مرسل رفاعة بن رافع بن خَديج الذي قبله، ومرسل ولده عَبَاية بن رفاعة بن رافع بن خديج الذين خرجناه عنده. وأخرجه أبو داود (٣٤٢٧) عن أحمد بن صالح، بهذا الإسناد.
(٣) تحرَّف في نسخنا الخطية إلى: كسب بالكاف، وإنما هو عسب، بالعين المهملة، وعَسْبُ الفحل: هو ماؤه فرسًا كان أو بعيرًا أو غيرهما، وعسْبه أيضًا: ضِرابُه.
(٤) إسناده صحيح. إسماعيل بن إبراهيم: هو المعروف بابن عُلَيَّة. وأخرجه البخاري (٢٢٨٤)، وأبو داود (٣٤٢٩)، وابن حبان (٥١٥٦) من طريق مُسدَّد، بهذا =
[ ٣ / ٢٢٣ ]
هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري، ولم يُخرجاه، وعلي بن الحكم البُنَاني ثقة مأمون من أعزِّ البصريين.
٢٣١٣ - حدثنا أبو بكر أحمد بن سَلْمان الفقيه، حدثنا الحسن بن مُكْرم، حدثنا رَوْح بن عُبادة، حدثنا حَيّان بن عُبيد الله العَدَوي، قال: سألت أبا مِجلَزٍ عن الصَّرْف، فقال: كان ابنُ عباس لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره ما كان منه عَينًا - يعني يدًا بيد - وكان يقول: إنما الربا في النَّسيئة، فلَقِيَه - أبو سعيد الخُدْري، فقال له: يا ابن عباس، ألا تتَّقي اللهَ، إلى متى تُوكِل الناسَ الربا؟! أمَا بَلَغَك أنَّ رسول الله ﷺ قال ذات يوم وهو عند زوجته أم سَلَمة: "إني لأشتَهي تمرَ عَجْوةٍ"، فبعثَتْ صاعَين من تمرٍ إلى رجلٍ من الأنصار، فجاءت بدلَ صاعَينِ صاعًا من تمرِ عَجْوةٍ، فقامت فقدَّمتْه إلى رسول الله ﷺ، فلما رآهُ أعجبَه، فتناولَ تمرةً ثم أمسَكَ، فقال: "من أين لكم هذا؟ " فقالت أم سَلَمة: بعثتُ صاعَين من تمرٍ إلى رجل من الأنصار، فأتانا بدلَ صاعَين هذا الصاعُ الواحدُ، وها هو، كُلْ، فألقى التمر من بين يديه، قال: "رُدُّوه، لا حاجةَ لي فيه: التمرُ بالتمرِ، والحنطةُ بالحنطةِ، والشعيرُ بالشعيرِ، والذهبُ بالذهبِ، والفضةُ بالفضةِ، يدًا بيد، عينًا بعين، مِثلًا بمِثل، فمن زاد فهو رِبًا". ثم قال: "كذلك ما يُكال أو يُوزن أيضًا". فقال ابن عباس: جزاك الله يا أبا سعيدٍ الجنةَ، فإنك ذكَّرتني أمرًا كنت نُسِّيتُه، أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه. فكان ينهى عنه بعد ذلك أشدَّ النَّهْي (^١).
_________________
(١) = الإسناد. فاستدراك الحاكم له ذهولٌ منه. وأخرجه أحمد ٨/ (٤٦٣٠)، والترمذي (١٢٧٣)، والنسائي (٤٦٨٣) و(٦٢٢٢) من طرق عن إسماعيل بن إبراهيم، به. وأخرجه البخاري (٢٢٨٤) عن مُسدَّد، عن عبد الوارث بن سعيد، عن علي بن الحكم، به. قال ابن الأثير: لم يَنْه عن ماء الفحل ولا عن ضرابه، وإنما أراد النهي عن الكِراء الذي يؤخذ عليه، فإنَّ إعارة الفحل مندوب إليها، وقد جاء الحديث: "ومن حقها إطراق فحلها". قلنا: أخرجه مسلم (٩٨٨) من حديث جابر بن عبد الله.
(٢) إسناده حسن من أجل حيّان بن عُبيد الله العَدَوي. أبو مجلَز: هو لاحق بن حُميد. =
[ ٣ / ٢٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأخرجه محمد بن نصر المروَزي في "السنة" (١٧٧)، وأبو القاسم بن بشران في "أماليه" (١٤٤٢)، وابن حزم في "المحلى" ٨/ ٤٧٩ من طريق إسحاق بن راهويه، عن روح بن عُبادة، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن عدي في "الكامل" ٢/ ٤٢٥، ومن طريقه البيهقي ٥/ ٢٨٦ من طريق إبراهيم بن الحجاج، والبيهقي ٥/ ٢٨٦، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (٣٧٢) من طريق يونس بن محمد المؤدِّب، كلاهما عن حيّان بن عبيد الله، به. وأخرج منه فتوى ابنِ عباس بنحو ما وقع هنا مسلمٌ (١٥٩٥) (٩٩) و(١٠٠) من طريق أبي نضرة - واسمه المنذر بن مالك بن قِطْعة - عن ابن عباس. وأخرج البخاري (٢١٧٨)، ومسلم (١٥٩٦) من طرق عن ابن عباس أنَّ الذي أخبره عن النبي ﷺ: أنَّ الربا إنما يكون في النسيئة؛ وهو أسامة بن زيد. وأخرج مراجعة أبي سعيد الخُدْري لابن عباس في ذلك البخاريُّ (٢١٧٨)، ومسلمٌ (١٥٩٦) (١٠١) من طريق أبي صالح السمان، ومسلم (١٥٩٦) (١٠٤) من طريق عطاء بن أبي رباح، كلاهما عن أبي سعيد الخُدْري. وأخرج البخاري (٢٣١٢)، ومسلم (١٥٩٤) نحو القصة التي بيَّن فيها أبو سعيد حجته في تحريم الفضل من طريق عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد الخُدْري. لكن ذكر فيها بلالًا ولم يذكر أم سلمة، ولم يذكر فيها الأصناف الربوية المذكورة هنا، بل اقتصر على ذكر التمر، وقال: "إذا أردتَ أن تشتري فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتره". ونحوه عند مسلم (١٥٩٥) (١٠٠) من طريق أبي نَضْرة، عن أبي سعيد. وأخرج البخاري (٢٢٠١) و(٢٣٠٢) و(٧٣٥٠)، ومسلم (١٥٩٣) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي سعيد وأبي هريرة، قصةً حصلت لعامل النبي ﷺ على خيبر باع منها تمرًا بتمر صاعًا بصاعين، وقال فيها النبي ﷺ نحو ما قال في رواية عقبة بن عبد الغافر المذكورة، وزاد فيها: وكذلك الميزان، وفي رواية: وقال في المِيْزان مثل ذلك. وهذه الزيادة هي بمعنى قوله في رواية الحاكم هنا: كذلك ما يُكال أو يُوزَن أيضًا. وقد ذكر البيهقي في "السنن الكبرى" ٥/ ٢٨٦ أنَّ هذه الجملة من جهة أبي سعيد الخُدْري، أي: من قوله استعمل فيها القياس، وليست مرفوعةً، واستدل لذلك برواية داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد في احتجاجه على ابن عباس بقصة التمر، وقوله له: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا أم الفضة بالفضة، قال: فكان هذا قياسًا من أبي سعيد للفضة على التمر الذي روى فيه قصة، إلّا أنَّ بعض الرواة رواه مفسَّرًا مفصولًا، وبعضهم رواه مجملًا موصولًا. =
[ ٣ / ٢٢٥ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه بهذه السِّياقة.
٢٣١٤ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الرَّبيع بن سليمان، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني مخْرَمة بن بُكير، عن أبيه، عن عمران بن أبي أنس، قال: سمعتُ أبا عياشٍ يقول: سألتُ سعدَ بن أبي وقّاص عن اشتراء السُّلْت بالتمر، فقال سعد: أبينهما فَضْلٌ؟ قالوا: نعم، قال: لا يصلحُ، وقال سعد: سُئل رسولُ الله ﷺ عن اشتراء الرُّطب بالتمر، فقال رسول الله ﷺ: "أبينَهما فَضْلٌ؟ " قالوا: نَعَم، الرُّطب ينقُصُ، فقال رسول الله ﷺ: "فلا يَصلُح" (^١).
_________________
(١) = قلنا: يعني أنه أدرجه بعضُ الرواة في الخبر. لكن قال ابن عبد البر في "التمهيد" ٢٠/ ٥٧: هو أمر مُجتَمَعٌ عليه لا خلاف بين أهل العلم فيه كلٌّ يقول على أصله: إن ما داخَلَه الربا في الجنس الواحد من جهة التفاضل والزيادة لم تجز فيه الزيادة والتفاضل لا في كيل ولا في وزن، والكيل والوزن عندهم في ذلك سواء. وأخرج المرفوع منه في ذكر الأصناف التي يجري فيها الربا: أحمد ١٨/ (١١٤٦٦)، ومسلم (١٥٨٧) (٨١)، والنسائي (٦١١٣) من طريق أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخُدْري، بزيادة ذكرُ "الملح بالملح"، وزاد أيضًا: "فمن زاد أو استزاد فقد أربي، الآخِذُ والمعطي فيه سواءٌ". وأخرج منه تراجُع ابن عباس عن قوله أحمد ١٨/ (١١٤٧٩) من طريق أبي الجوزاء، ومسلم (١٥٩٥) (١٠٠) من طريق أبي الصهباء، كلاهما عن ابن عباس. وفي رواية أبي الجوزاء قال له ابنُ عباس: إنَّ ذلك كان عن رأيي، وهذا أبو سعيد الخُدْري يُحدِّث عن رسول الله ﷺ، فتركت رأيي إلى حديث رسول الله ﷺ. وتمر العجوة: هو أجود التمر في المدينة، ومن خِياره الصَّيحاني.
(٢) إسناده قوي من أجل مخرمة بن بكير: وهو ابن عبد الله بن الأشج. إلّا أنَّ قوله فيه: "اشتراء السلت بالتمر" خطأ من بعض رواته، إذ لا تفاضل بينهما فهما جنسان مختلفان، ولذلك زاد البيهقي في روايته لهذا الحديث عن الحاكم في كتابه "معرفة السنن والآثار" لما رواه: "أو قال: بالبُرِّ"، وهذا هو الصواب إن شاء الله، إذ السلت والبر يمكن أن يعتبرا جنسًا واحدًا يقع التفاضل بينهما. وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٥/ ٢٩٥، وفي "معرفة السنن والآثار" (١١١٣٣) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وانظر ما سلف بالأرقام (٢٢٩٥ - ٢٢٩٨).
[ ٣ / ٢٢٦ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٣١٥ - أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي الشَّيباني بالكوفة، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غَرَزة، حدثنا عُبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن سِماك بن حَرْب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عمر: أنَّ النبي ﷺ سُئل عن … (^١).
صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
_________________
(١) كذا وقع هذا الحديث في النسخ الخطية بالاقتصار على هذا القدر منه، وبُيِّض لسائره، وأورده الحافظ في "إتحاف المهرة" ٨/ (٩٧٤٥) طريقًا ثانيًا للحديث التالي عند الحاكم، إلّا أنه قال: ببعضه. وهذا البعض الذي يعنيه الحافظ الظاهر أنه هو ما وقع في رواية الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١٢٤٦) عن أبي أمية، عن عُبيد الله بن موسى، بهذا الإسناد، عن ابن عمر، قال: أتيت النبي ﷺ وهو في حجرة حفصة، فقلت: يا رسول الله، رُويدك أسألك، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ: "إذا كان ذلك من صرف يومكما وافترقتُما وليس بينكما شيء، فلا بأس". وأخرج البيهقي طريق عبيد الله بن موسى هذه في "معرفة السنن والآثار" (١١٣١٩) عن أبي عبد الله الحاكم، لكن من طريق أخرى إلى عبيد الله بن موسى، ليست في "المستدرك"، قال فيها الحاكم: أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبُوبي، قال: حدثنا أبو عثمان سعيد بن مسعود، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى … بنحو رواية الطحاوي، فلا ندري ما وجه قوله في القدر الذي ذكره الحاكم: أنَّ النبي ﷺ سُئل عن، وقد ظهر لنا من خلال رواية الطحاوي والبيهقي أنَّ السائل هو ابن عمر نفسُه! وقد أخرج أبو داود هذا الحديث (٣٣٥٥) ومن طريقه ابن عبد البر في "التمهيد" ١٦/ ١٣ عن حسين بن الأسود العجلي، عن عبيد الله بن موسى. لكنه لم يسق لفظه، بل قال: بإسناده ومعناه، والأول أتم؛ يعني بذلك رواية حماد بن سلمة عن سماك، وستأتي بعد هذا عند الحاكم. وإذا صحَّ ذلك فإسناد هذا الحديث حسن من أجل سماك بن حرب، فهو صدوق حسن الحديث، وانظر تمام الكلام على روايته لهذا الحديث عند الطريق التالية. وأخرجه أحمد ٨/ (٤٨٨٣) عن عبد الرزاق، و٩/ (٥٢٣٧) عن وكيع، و٩/ (٥٥٥٥) عن يحيى بن آدم، و١٠/ (٥٧٧٣) عن حسين بن محمد، أربعتهم عن إسرائيل، به مختصرًا، دون يحيى بن آدم فإنه رواه بطوله.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
٢٣١٦ - أخبرنا حمزة بن العباس العَقَبي، حدثنا العباس بن محمد الدُّوْري، حدثنا يعقوب بن إسحاق الحَضْرمي، حدثنا حماد بن سَلَمة، عن سِماك بن حَرْب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عمر، قال: كنت أبيعُ الإبل بالبقيع، فأبيعُ بالدنانير وآخذُ الدراهمَ، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانيرَ، فوقع في نفسي مِن ذلك، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ وهو في بيت حفصة - أو قال: حين خرج من بيت حفصة - فقلتُ: يا رسول الله، رُوَيدَك أسألْك، إني أبيعُ الإبلَ بالبَقيع، فأبيعُ بالدنانير وآخذ الدراهمَ، وأبيعُ بالدراهم وآخذ الدنانير، فقال: "لا بأسَ أن تأخذَهُما بسعر يومِهما ما لم تتفرّقا وبينكما شيءٌ" (^١).
_________________
(١) إسناده حسن من أجل سماك بن حرب، وقد صحَّح روايتَه هذه جماعة غير المصنف، منهم ابن الجارود (٦٥٥)، وابن حبان (٤٩٢٠)، وابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٢٩٢، وابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ٢٩/ ٥١٠، وابن قيم الجوزية في "حاشيته على سنن أبي داود" ٥/ ١٥٣، واحتجَّ به ابن المنذر في "الأوسط" (٨٠٥١)، والخطابي في "معالم السنن" ٣/ ٧٤. وما أُعِلّ به هذا الحديثُ من تفرد سماك بن حرب برفعه، فلا يُعد عِلَّةً، لأنَّ الذين رووه ممن ذكرهم شعبة فيما نقله عنه البيهقي في "المعرفة" (١١٣٢٢) إنما رَوَوا فعلَه بمقتضى ما ورد في رواية سماكٍ هذه، وفي رواية سماكٍ قصةٌ في مجيء ابن عمر إلى بيت أخته حفصة وسؤاله النبيَّ ﷺ لدى خروجه من بيتها، فيبعد أن يكون سماك وهم برفعه الحديث وبذكر القصة فيه، وهذا مما يُستبعد مثلُه، فالأَولى أن يُقال: إنَّ ابن عمر عمل بمقتضى ما رواه هو نفسه عن النبي ﷺ مرشدًا إياه إلى ما التزم ابنُ عمر القيام به امتثالًا لأمره ﷺ، والله أعلم بالصواب. وكنا قد ضعفنا إسناد الحديث في "مسند أحمد"، و"سنن أبي داود" فيستدرك من هنا. وأخرجه أحمد ٩/ (٥٥٥٩) و١٠/ (٦٢٣٩)، وأبو داود (٣٣٥٤)، وابن ماجه (٢٢٦٢ م)، والترمذي (١٢٤٢)، والنسائي (٦١٣٦)، وابن حبان (٤٩٢٠) من طرق عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن ماجه (٢٢٦٢) من طريق عمر بن عُبيد الطنافسي، والنسائي (٦١٣١) من طريق أبي الأحوص، كلاهما عن سماك، به. إلّا أنَّ عمر الطنافسي قال: حدثنا عطاء بن السائب أو سماك، ولا أعلمه إلّا سماك. وممَّن كان يفتي بمقتضى هذا الحديث عمر بن الخطاب، فيما رواه عنه ابن المنذر في "الأوسط" =
[ ٣ / ٢٢٨ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٣١٧ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه وعلي بن حَمْشاذَ العَدْل، قالا: حدثنا بِشر بن موسى، حدثنا الحُميدي، حدثنا سفيان [حدثنا عمرو بن دينار] (^١) قال: سمعت أبا المِنْهال يقول: سمعتُ إياسَ بن عبدٍ المُزَني، ورأى رجلًا يبيع الماء، فقال: لا تَبيعوا الماءَ، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يَنهى عن بَيع الماءِ (^٢).
_________________
(١) = (٨٠٤٨) بسند حسن. ثم ذكره ابن المنذر عن جماهير أهل العلم من التابعين فمن بعدهم غير ابن عباس وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وابن شُبرمة. وقال ابن القيم في "حاشية السنن" ٥/ ١٥٣: فجوَّز النبي ﷺ ذلك بشرطين: أحدهما: أن يأخذ بسعر يوم الصرف، لئلا يربح فيها، وليستقر ضمانه. والثاني: أن لا يتفرقا إلّا عن تقابض، لأنه شرطٌ في صحة الصرف، لئلا يدخله النسيئة.
(٢) سقط اسمُ عمرو بن دينار من النسخ الخطية، وسقط هذا الطريق برمّته على ابن حجر فلم يذكره في "إتحاف المهرة" (٢٠٤٧)، فاستدركنا ذكر عمرو بن دينار من "سنن البيهقي الكبرى" ٦/ ١٥، حيث رواه عن أبي عبد الله الحاكم، وهو كذلك في "مسند الحميدي" (٩١٢). على أنَّ سفيان - وهو ابن عيينة - لم يُدرك أبا المنهال، لأنَّ مولده بعد وفاة أبي المنهال بسنة تقريبًا.
(٣) إسناده صحيح. الحُميدي: هو عبد الله بن الزُّبَير الأسدي المكي، وأبو المنهال: هو عبد الرحمن بن مُطعم البُناني. وأخرجه أحمد ٢٨/ (١٧٢٣٦)، وابن ماجه (٢٤٧٦)، والنسائي (٦٢١٢)، وابن حبان (٤٩٥٢) من طرق عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. زاد أحمد وابن حبّان في روايتهما: لا يدري عمرو أيُّ ماء هو. وسيأتي بعده من طريق ابن جُرَيج عن عمرو بن دينار، وبرقم (٢٣٩١) من طريق داود بن عبد الرحمن المكي عن عمرو بن دينار. قال الخطابي: الماء إذا جمعه صاحبُه في صهريج أو بركة، أو خزنه في جُبٍّ، أو قَراهُ في حوض ونحوه، فإنَّ له أن يمنعه وهو شيء قد حازه على سبيل الاختصاص لا يَشْرَكُه فيه غيره، وهو مخالف لماء البئر، لأنه لا يُستخلَف استخلاف ماء الآبار، ولا يكون له فضل في الغالب كفضل مياه الآبار، والحديث إنما جاء في منع الفضل دون الأصل، ومعناه ما فضل عن حاجته وعن حاجة عياله وماشيته وزرعه، والله أعلم.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
٢٣١٨ - حدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن جُرَيج، عن عمرو بن دينار، أنَّ أبا المِنْهال أخبره: أنَّ إياس بن عبدٍ قال للناس: لا تَبِيعوا فَضْلَ الماء، فإنَّ رسول الله ﷺ نهى عن بَيع الماءِ (^١).
ولابن جُرَيج فيه إسنادٌ آخرُ:
٢٣١٩ - أخبرَناه أبو الحسين محمد بن أحمد بن تَميم الحَنْظلي، حدثنا أبو قِلَابة عبد الملك بن محمد الرَّقَاشي، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا ابنُ جُرَيج، عن أبي الزُّبَير، عن جابر: أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن بَيع الماء، وعن ضِراب الجَمَل، وأن يبيعَ الرجلُ أرضَه وماءَه (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح، وقد صرَّح ابنُ جُرَيج - وهو عبد الملك بن عبد العزيز - بسماعه لهذا الحديث من عمرو بن دينار عند أحمد والنسائي. وأخرجه أحمد ٢٤/ (١٥٤٤٤) عن روح بن عُبادة، والنسائي (٦٢١٤) من طريق حجاج بن محمد المصيصي، كلاهما عن ابن جُرَيج، بهذا الإسناد. زاد روح في روايته: قال: والناس يبيعون ماء الفُرات فنهاهم.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن أحمد بن تَميم، وقد توبع، وابن جُرَيج قد صرَّح بسماعه عند مسلم وغيره، وكذا أبو الزُّبَير: وهو محمد بن مسلم بن تدرس. أبو عاصم: هو الضحّاك بن مَخْلَد. وأخرجه ابن حبان (٥١٥٥) من طريق محمد بن معمر، عن أبي عاصم، بهذا الإسناد. لكنه اقتصر على قصة ضِراب الجمل. وأخرجه مسلم (١٥٦٥)، وابن ماجه (٢٤٧٧)، وابن حبان (٤٩٥٣) من طريق وكيع بن الجرّاح، ومسلم (١٥٦٥) من طريق يحيى بن سعيد القطان، ومسلم (١٥٦٥) من طريق روح بن عُبادة، والنسائي (٤٦٨٢) و(٦٢٢١) من طريق حجّاج بن محمد أربعتهم عن ابن جُرَيج، به. واقتصر وكيع والقطان على ذكر النهي عن بيع فضل الماء. هكذا بذكر الفضل دون الأصل، لكن زاد ابن حبان في روايته: نهى عن بيع فضل الماء ليُمنَع به الكلأُ. ولفظ رواية روح: نهى رسول الله ﷺ عن بيع ضراب الجمل، وعن بيع الماء والأرض لتُحرث. =
[ ٣ / ٢٣٠ ]
وهذه أسانيد كلُّها صحيحةٌ على شرط مسلم، ولم يُخرجاه (^١).
وأحسنُ ما في هذا الباب حديث الحسين بن واقِد الذي:
٢٣٢٠ - أخبرَناه أبو العباس محمد بن أحمد المَحْبُوبي، حدثنا الفضل بن عبد الجبار، حدثنا علي بن الحسن بن شَقِيق، أخبرنا الحسين بن واقِد، عن أيوب السَّختِياني، عن عطاء، عن جابر: أنَّ النبي ﷺ نهى عن بَيع الماءِ (^٢).
تفرَّد به الحُسين بن واقِد عن أيوب، وهو غريبٌ صحيح.
_________________
(١) = ولفظ حجاج: نهى رسول الله ﷺ عن بيع ضراب الجمل، وعن بيع الماء، وبيع الأرض لتحترث، يبيع الرجل أرضه وماءه. وسيأتي برقم (٢٣٩٠) من طريق حماد بن سلمة عن أبي الزُّبَير. مقتصِرًا على ذكر النهي عن بيع فضل الماء. وسيأتي بعده مقتصرًا على هذا الحرف كذلك من طريق عطاء بن أبي رباح عن جابر. وقد ظهر من رواية روح وحجاج أنَّ المنهي عنه بيعُ ضراب الجمل، لا ضراب الجمل نفسُه، فهو مندوب إليه كما في حديث آخر لجابر عند مسلم (٩٨٨) قال فيه النبي ﷺ: "ومن حقها إطراق فحلها". وانظر ما تقدم برقم (٢٣١٢). ولمنع بيع فضل الماء انظر ما تقدم برقم (٢٣١٧). وظهر أيضًا من رواية روح وحجاج أنَّ معنى بيع الرجل أرضه وماءه، هو لأجل الحرث، أي: إجارتها للزرع، وهذا مقيَّد بما يكون فيه جهالة وغرر كما تقدم في حديث رافع بن خديج الذي أخرجه البخاري (٢٣٤٣ - ٢٣٤٥)، ومسلم (١٥٤٧).
(٢) قد أخرجه مسلم، لكن مقتصرًا على ذكر النهي عن بيع فضل الماء!
(٣) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي من أجل حسين بن واقد عطاء: هو ابن أبي رباح. وأخرجه النسائي (٦٢١١) من طريق الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، بهذا الإسناد. والمقصود بهذا الحديث بيع فضل الماء كما وقع تقييده في بعض طرق حديث جابر في الطريق التي قبل هذه. وهو مقيد أيضًا بأن يكون في بئر، دون ما استخرجه صاحبه وحمله في قربةٍ ونحوها، كما فهمه عطاء راوي الحديث، فقد أخرج ابن أبي شيبة ٦/ ٢٥٣ عنه بسند صحيح أنَّ ابن جُرَيج قال له: بيع الماء في القِرب، قال: لا بأس به، هو يستقيه هو يحمله، ليس كفضل الماء الذي يذهب في الأرض.
[ ٣ / ٢٣١ ]
٢٣٢١ - أخبرنا بكر بن محمد بن حَمْدان الصَّيرفي بمَرْو، حدثنا عبد الصمد بن الفضل البَلْخي، حدثنا مَكّي بن إبراهيم، عن عبد الملك بن أبي غَنِيّة، حدثني أبو إسحاق، عن عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي، قال: غَزَونا مع رسول الله ﷺ الشامَ، فكان يأتينا أنباطٌ من أنباطِ الشام، فنُسلِفُهم في البُرِّ والزَّيتِ سعرًا معلومًا، وأَجَلًا معلومًا، فقيل له: ممَّن لهم ذلك؟ قال: ما كنا نسأَلهم (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
_________________
(١) إسناده صحيح، وسماع أبي إسحاق - وهو سليمان بن أبي سليمان الشَّيباني - من عبد الله بن أبي أوفي معروف مشهور، وإن كان قد روى هذا الحديثَ بعينه عند البخاري بواسطة محمد بن أبي المُجالد عن ابن أبي أوفى، إذ لا يُعرف أبو إسحاق بإرسال، فتحمل عنعنته هنا على الاتصال، فلا يبعد أن يكون سمعه من ابن أبي مجالد عن ابن أبي أوفى، ثم لقي ابن أبي أوفى فسمعه منه مباشرة، والله تعالى أعلم. وأخرجه أبو داود (٣٤٦٦) من طريق أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني، عن عبد الملك بن أبي غنية، به. وأخرجه أحمد ٣٢/ (١٩٣٩٦)، والبخاري (٢٢٤٤) و(٢٢٤٥) و(٢٢٥٤) و(٢٢٥٥)، وابن حبان (٤٩٢٦) من طرق عن أبي إسحاق الشَّيباني، عن محمد بن أبي المجالد، عن عبد الله بن أبي أوفى، بنحوه. وزادوا فيه ذكر الشعير أيضًا، وذكر بعضهم الزبيب بدل: الزيت. وأخرجه بنحوه كذلك أحمد ٣١/ (١٩١٢٢)، والبخاري (٢٢٤٢)، وأبو داود (٣٤٦٤) و(٣٤٦٥)، وابن ماجه (٢٢٨٢)، والنسائي (٦١٦٤) و(٦١٦٥) من طريق شعبة بن الحجاج، عن ابن أبي المجالد، عن عبد الله بن أبي أوفى، بذكر الحنطة والشعير والزبيب والتمر، ولم يذكر الزيت. وقوله: نُسلِفهم، من الإسلاف والسَّلَف، وهو عقد على موصوف في الذِّمة ببدَلٍ يُعطَى عاجلًا. والأنباط: قوم من العرب، دخلوا في العجم والروم، واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم، وكان الذين اختلطوا بالعجم منهم ينزلون البطائح بين الكوفة والبصرة، والذين اختلطوا بالروم ينزلون في بوادي الشام، وسموا بذلك لمعرفتهم بإنباط الماء، أي: استخراجه، لكثرة معالجتهم الفِلاحة. والبُرُّ: الحنطة.
[ ٣ / ٢٣٢ ]
٢٣٢٢ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدُّوري.
وحدثنا أحمد بن سَلْمان بن الحسن الفقيه، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق وأبو بكر بن بالَوَيهِ، قالا: حدثنا أبو المثنّى العَنْبري؛ قالوا: حدثنا يحيى بن مَعين، حدثنا حفص بن غِياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن أقالَ مسلمًا، أقالَهُ اللهُ عَثْرتَه" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢٣٢٣ - أخبرنا عبد الله بن محمد الصَّيدلاني، حدثنا إسماعيل بن قُتيبة، حدثنا أبو بكر بن أبي شَيْبة، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن عمرو، عن
_________________
(١) إسناده صحيح. الأعمش: هو سليمان بن مهران، وأبو صالح: هو ذكوان السمّان. وأخرجه أبو داود (٣٤٦٠)، وعبد الله بن أحمد في زياداته على "المسند" ١٢/ (٧٤٣١) كلاهما عن يحيى بن معين، وأخرجه ابن حبان (٥٠٣٠) عن أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، عن يحيى بن معين، بهذا الإسناد. وزاد عبد الله وابن حبان: "أقاله الله عثرته من القيامة". وأخرجه كذلك ابن ماجه (٢١٩٩) من طريق مالك بن سُعير، عن الأعمش، به. وأخرجه ابن حبان (٥٠٢٩) من طريق إسحاق بن محمد الفَرْوي، عن مالك بن أنس، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ولم يروه عن مالك بن أنس غير الفروي، ولا يُعرف ذكر سُمَيّ فيه إلّا من هذه الطريق، كما نبه عليه البزار وغيره. وقال أبو العباس عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدورقي - وهو أحد رواته عن إسحاق الفروي -: كان إسحاق يحدِّث بهذا الحديث عن مالك عن سُمَيّ، فحدثنا به من أصل كتابه عن سهيل. قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (١٠٦٥): هذه أصح من طريق مالك عن سُمَيّ. قلنا: أخرجه من طريق مالك عن سهيل - وهو ابن أبي صالح - عن أبيه: الخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٣٧٢)، وأبو نعيم في "الحلية" ٦/ ٣٤٥، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٦/ ٢٧، وفي "شعب الإيمان" (٧٧٢٠) من طريق أبي العباس عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن إسحاق الفروي، عن مالك. قوله: "من أقال مسلمًا" أي: وافقه على نقض البيع وأجابه إليه، إذ كان قد ندم أحدهما أو كلاهما، وتكون الإقالة في البَيعة والعهد.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من باع بَيْعَتَين في بيعةٍ، فله أَوكَسُهما أو الرِّبا" (^١).
_________________
(١) شاذٌّ بهذا اللفظ، وقد انفرد به يحيى بن زكريا من بين سائر أصحاب محمد بن عمرو - وهو ابن علقمة الليثي - الذين رووه بلفظ: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بَيعة، كما بسطناه في "سنن أبي داود". وأخرجه أبو داود (٣٤٦١)، وابن حبان (٤٩٧٤) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ١٥/ (٩٥٨٤)، والنسائي (٦١٨٣) من طريق يحيى بن سعيد القطان، وأحمد ١٦/ (١٠٥٣٥) عن يزيد بن هارون، والترمذي (١٢٣١)، وابن حبان (٤٩٧٣) من طريق عبدة بن سليمان، ثلاثتهم عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بلفظ: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة - وإسناده حسن. وكذلك رواه بهذا اللفظ عن محمد بن عمرو جماعةٌ آخرون، منهم عبدُ الوهاب بن عطاء عند أبي يعلى (٦١٢٤)، والبيهقي ٥/ ٣٤٣، ومحمدُ بنُ عبد الله الأنصاري عند ابن المنذر في "الأوسط" (٧٩٢٨)، والخطابي في "معالم السنن" ٣/ ١٢٢، وعبدُ العزيز بنُ محمد الدراوردي عند الخطابي في "المعالم" ٣/ ١٢٢، والبيهقي في "معرفة السنن والآثار" (١١٤٧٣)، وابن عبد البر في "التمهيد" ٢٤/ ٣٨٩، وحكاه البيهقي أيضًا عن إسماعيل بن جعفر ومعاذ بن معاذ. وقد رواه بهذا اللفظ كذلك جمع من الصحابة كما بيناه في "سنن أبي داود"، بالنهي عن البيعتين في بيعة، دون ذكر الأوكس من البيعتين أو الربا. وقال الخطابي: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث أو صحَّح البيع بأوكس الثمنين إلّا شيء يُحكى عن الأوزاعي، وهو مذهب فاسد، وذلك لما تتضمنه هذه العقدة من الغرر والجهل، وإنما المشهور من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: أنه نهى عن بيعتين في بيعة. قلنا: وممَّن كان يقضي بأوكس البيعتين القاضي شُريح، كما في "مصنف عبد الرزاق" (١٤٦٢٩) بسند صحيح عنه. وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ٢٩/ ٤٩٩ - ٥٠٠ الإجماع على جواز بيع الأجل، وهو التقسيط. وشرطُه أنه لا بد أن يتم الافتراق بين المتبايعَين على وجهٍ واحدٍ بعد المساومة على الدفع نقدًا أو إلى أجل مع زيادة في الثمن، فإنَّ للأجل قسطًا من الثمن. وانظر "الاستذكار" لابن عبد البر (٢٩٧٠٩).
[ ٣ / ٢٣٤ ]
صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٣٢٤ - حدثنا محمد بن صالح بن هانئ والحسن بن يعقوب وإبراهيم بن عِصْمة، قالوا: حدثنا السَّرِيّ بن خُزيمة، حدثنا عمر بن حفص بن غِياث، حدثنا أبي، عن أبي العُمَيس، قال: أخبرني عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس، عن أبيه، عن جده، قال: اشترى الأشعثُ رقيقًا من رقيق الخُمس من عبد الله بعشرين ألفًا، فأرسل عبدُ الله إليه في ثمنهم، فقال: إنما أخذتهم بعشرةِ آلاف، فقال عبد الله: فاختر رجلًا يكون بيني وبينك، فقال الأشعث: أنت بيني وبين نفسِك، فقال عبد الله: فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إذا اختلفَ البَيِّعانِ وليس بينهما بيِّنةٌ، فهو ما يقول ربُّ السِّلعةِ، أو يَتَتاركا" (^١).
_________________
(١) حديث صحيح، وعبد الرحمن بن قيس وإن كان لا يُعرف بالرواية ولم يرو عنه إلَّا أبو العُميس - وهو عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود - قد روى قصةً جرت لجده الأشعث مع ابن مسعود، ورواهما أبو العُميس أيضًا كما سيأتي عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن جده عبد الله بن مسعود، وهو يحكي فيها القصة نفسها لجده عبد الله بن مسعود مع الأشعث، فإذا انضم إلى ذلك عدّة روايات مرسلة عن عبد الله بن مسعود للقصة نفسها حصل من ذلك قوة للحديث فيصح إن شاء الله، قال البيهقي ٥/ ٣٣٢ بعد أن روى حديث الباب: إسناد حسن موصول، وقد رُوي من أوجه بأسانيد مراسيل إذا جُمع بينها صار الحديث بذلك قويًا. ونحو ذلك قول ابن عبد الهادي في "التنقيح" ٤/ ٧٥ بإثر الحديث (٢٣٨٩). وأخرجه أبو داود (٣٥١١)، والنسائي (٦١٩٩) من طريقين عن عمر بن حفص بن غياث، بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود (٣٥١٢)، وابن ماجه (٢١٨٦) وغيرهما من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود. وتابع محمد بن أبي ليلى عليه عمر بن قيس الماصر عند البزار (١٩٩٥)، وابن الجارود (٦٢٤)، والدارقطني (٢٨٦٠)، وأبو حنيفة النعمان عند أبي المظفر في "مسند أبي حنيفة" كما في "جامع المسانيد" لأبي المؤيد الخوارزمي ٢/ ٣١، ومن طريقه أخرجه ابن خسرو في "مسند أبي حنيفة" (٩٢٠). =
[ ٣ / ٢٣٥ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٣٢٥ - أخبرني عبد الرحمن بن الحسن القاضي، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة.
وحدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي وعبيد الله بن عمر بن ميسرة وعثمان بن أبي شَيْبة، قالوا: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحَكَم، عن عُمارة بن عُمير، عن أُمّه (^١)، عن عائشة، عن النبي ﷺ، قال: "ولدُ الرجلِ من كَسْبِه، مِن أطيبِ كَسْبِه، فكلُوا من أموالهم" (^٢).
_________________
(١) = وخالفهم جماعة فرووه عن القاسم عن ابن مسعود منقطعًا دون ذكر أبيه، وهم: معنُ بنُ عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عند أحمد ٧/ (٤٤٤٦) و(٤٤٤٧) وغيره، والمسعودي عند أحمد ٧/ (٤٤٤٥) وغيره، وأبان بن تغلب عند أبي يعلى (٥٤٠٥)، والطحاوي في "شرح المشكل" (٤٤٨٢)، وغيرهما، وأبو العُميس عند الدارقطني (٢٨٥٩)، والبيهقي ٥/ ٣٣٣. وأخرجه بنحوه مرسلًا أيضًا أحمد ٧/ (٤٤٤٤)، والترمذي (١٢٧٠) من طريق عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وأحمد (٤٤٤٢)، والنسائي (٦٢٠٠) من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال عون: عن ابن مسعود، وقال أبو عبيدة: أتي ابنُ مسعود في مثل هذا، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، والراوي عنه مجهول، وعون لم يدرك ابن مسعود، وقد زاد أبو عبيدة في روايته استحلاف البائع، ولم يرد ذلك في شيء من طرق الحديث. وطريق أبي عبيدة هذه ستأتي عند المصنف برقم (٢٣٣٥). وقد أرسله عن ابن مسعود أيضًا إبراهيمُ النخعي عند أبي يوسف في "الآثار" (٨٣٠) عن أبي حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، عن ابن مسعود. ومراسيل النخعي عن ابن مسعود من أقوى المراسيل كما هو مقرَّر في كتب مصطلح الحديث.
(٢) تحرّف في النسخ الخطية إلى: أبيه، وجاء على الصواب في "إتحاف المهرة" لابن حجر (٢٣٢٨٣)، وهو الموافق لرواية أبي داود (٣٥٢٩) عن عُبيد الله بن عمر بن ميسرة وعثمان بن أبي شيبة.
(٣) حديث صحيح، وقد أخطأ الحكم - وهو ابن عُتيبة - في تسمية الراوي عن عائشة، فقال: عن عُمارة بن عمير عن أمّه، وإنما هو عن عمته لا عن أمه، كما صحَّحه الدارقطني في "العلل" ١٤/ (٣٦٠٠)، وسواء كانت عمته أو أمه، فكلتاهما لا تعرفان فيما قاله ابن القطان في "بيان =
[ ٣ / ٢٣٦ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
وعند سفيان الثَّوْري فيه إسناد آخر بلفظ آخر، وليس يُعلِّل أحدُ الإسنادين الآخرَ:
_________________
(١) = الوهم والإيهام" ٤/ ٥٤٦، وقد روي من وجهين آخرين صحيحين عن عائشة كما سيأتي. وهو في "مسند أحمد" ٤١/ (٢٤٩٥١) و٤٢/ (٢٥٦٦٨). وأخرجه أبو داود (٣٥٢٩) عن عُبيد الله بن عمر بن ميسرة وعثمان بن أبي شيبة، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٤٢/ (٢٥٦٦٨) عن يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، به. وأخرجه أحمد ٤٠/ (٢٤٠٣٢) و٤١/ (٢٤٩٥٧) و٤٢/ (٢٥٦١١)، وأبو داود (٣٥٢٨)، والنسائي (٦٠٠٠) من طريق منصور بن المعتمر، وأحمد ٤٠/ (٢٤١٣٥) و٤٢/ (٢٥٦٥٤) و٤٣/ (٢٥٨٤٦)، والنسائي (٦٠٠١) من طريق الأعمش، كلاهما عن إبراهيم النخعي، عن عمارة بن عمير، عن عمته، عن عائشة. وأخرجه أحمد ٤٢/ (٢٥٢٩٦) و(٢٥٤٠٠)، وابن ماجه (٢٢٩٠)، والترمذي (١٣٥٨)، والنسائي (٦٠٠٤) من طريق الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عمته، عن عائشة. فلم يذكر في إسناده إبراهيم النخعي، والأعمش معروف السماع من عمارة، وصرَّح بسماعه منه لهذا الحديث عند النسائي، فلا يبعد أن يكون رواه على الوجهين، والله أعلم. وأخرجه أحمد ٤٠/ (٢٤١٤٨)، وابن ماجه (٢١٣٧)، وابن حبان (٤٢٦١) من طريق أبي معاوية، وأحمد ٤٠/ (٢٤١٤٨) عن يعلى بن عبيد، وأحمد ٤٣/ (٢٥٨٤٥)، وابن حبان (٤٢٦٠) من طريق شريك النخعي، والنسائي (٦٠٠٢) من طريق الفضل بن موسى، و(٦٠٠٣) من طريق عمر بن سعيد بن مسروق الثَّوري، خمستهم عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود النخعي، عن عائشة. وهذا إسناد صحيح. وانظر ما سيأتي برقم (٣١٦٠). وله طريق أخرى عند ابن المنذري في "الأوسط" (٨٢٧٥)، والدارقطني في "العلل" ١٤/ (٣٦٠٠)، وابن حزم في "المحلى" ٨/ ١٠٢ من طريق يحيى بن سعيد القطان، والدارقطني أيضًا من طريق عبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن سفيان الثَّوري، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سُويد بن غَفَلة، عن عائشة. وإسناده صحيح أيضًا، لكنه اختُلف في هذه الطريق بين رفعه ووقفه، ورفعه صحيح، قال أبو حاتم الرازي فيما نقله عنه ابنه في "العلل" (٤١٨): صحَّ رفعه من رواية يحيى القطان، ولم يرفعه غيره. وقال الدارقطني في "العلل" نحوه. وانظر ما بعده.
[ ٣ / ٢٣٧ ]
٢٣٢٦ - أخبرَناه أبو العباس محمد بن أحمد المحبُوبي، حدثنا أحمد بن سَيَّار، حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان.
وحدثنا علي بن حَمْشاذَ، حدثنا يزيد بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن أبي الليث، حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عُمارة بن عُمير، عن عمَّته: أنها سألت عائشةَ: في حَجْري يتيمٌ، فآكلُ من ماله؟ فقالت: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ من أطيَبِ ما أكَل الرجلُ من كَسْبِه، وولدُه من كَسْبِه" (^١).
٢٣٢٧ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدُّوري، حدثنا طَلْق بن غَنّام، حدثنا شَريك وقيس، عن أبي حَصِين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أدِّ الأمانةَ إلى من ائتَمَنَك، ولا تخُنْ من خانَكَ" (^٢).
قال العباس: قلت لطَلْق: أكتُبُ شَريك وأَدَعُ قيس؟ قال: أنت أبصَرُ.
حديثُ شريك عن أبي حَصِين صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
وله شاهدٌ عن أنس:
٢٣٢٨ - حدَّثَناه أبو علي الحافظ، أخبرنا محمد بن الحسن بن قُتيبة، حدثنا أحمد بن الفضل العَسْقَلاني، حدثنا أيوب بن سُويد، حدثنا ابن شَوذَب، عن أبي التَّيّاح، عن
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف لجهالة عمة عمارة بن عمير، لكن روي الحديث من وجهين آخرين صحيحين عن عائشة كما تقدم. وانظر تمام تخريجه من هذه الطريق هناك. الأشجعي: هو عُبيد الله بن عُبيد الرحمن، ويقال: ابن عبد الرحمن، ومنصور: هو ابن المعتمر، وإبراهيم: هو ابن يزيد النخعي.
(٢) إسناده حسن، وقد اتفق على روايته شريك - وهو ابن عبد الله النخعي - وقيس - وهو ابن الربيع الأسدي - عن أبي حَصِين - وهو عثمان بن عاصم الأسدي - وفي ذلك ما يُشعر بأنهما ضبطاه، على أنَّ له شواهدَ أيضًا ذكرناها في تخريجنا لأبي داود. وأخرجه أبو داود (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤) عن أبي كريب محمد بن العلاء، عن طَلْق بن غنام، بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود (٣٥٣٥) عن أحمد بن إبراهيم الدَّورقي، عن طَلْقٍ، عن شريك وحده، به.
[ ٣ / ٢٣٨ ]
أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: "أدِّ الأمانةَ إلى من ائتَمَنَك، ولا تخُن مَن خانَك" (^١).
٢٣٢٩ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا أبو المثنى؛ قالا: حدثنا مُسدَّد، حدثنا يزيد بن زُريع، حدثنا حُسين المُعلِّم، عن عمرو بن شُعيب، عن طاووس، عن ابن عمر وابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "لا يَحِلُّ للرجل يُعطي عَطِيَّةً أو يَهَبُ هِبةً، فيرجعُ فيها، إلّا الوالدَ فيما يُعطي ولدَه، ومَثَلُ الذي يُعطي العَطِيَّة ثم يَرجع فيها، كمَثَلِ الكلب يأكلُ، فإذا شَبِعَ قاءَ، ثم عاد في قَيئِه" (^٢).
_________________
(١) حسن بما قبله، وهذا إسناد ضعيف لضعف أيوب بن سويد وسوء حفظه. ابن شَوذَبٍ: هو عبد الله، وأبو التَّيّاح: هو يزيد بن حميد الضّبعي. وأخرجه الطبراني في "الصغير" (٤٧٥)، وفي "الكبير" (٧٦٠)، وفي "مسند الشاميين" (١٢٨٤)، وابن عدي في "الكامل" ١/ ٣٦٢، وابن شاهين في "فوائده" (١١)، والدارقطني (٢٩٣٧)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" ٦/ ١٣٢، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٧٤٣)، والبيهقي ١٠/ ٢٧١، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٢٩/ ١٦٥، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٩٧٤)، والضياء المقدسي في "المختارة" ٧/ (٢٧٣٨) من طرق عن أيوب بن سويد، بهذا الإسناد. لكن وقع في إسناد الطبراني في "الكبير" ومن طريقه أخرجه الضياء خطأ بذكر ضمرة بن ربيعة الفلسطيني بدل أيوب بن سويد، وضمرة صدوق، لكن ذكره في إسناد الحديث وهمٌ، يغلب على الظن أنه من شيخ الطبراني يحيى بن عثمان بن صالح السَّهمي، حيث روى هذا الحديث عن أحمد بن زيد الخزاز (وتحرَّف في كتابي الطبراني والضياء إلى: القزاز) وهو الرَّمْلي، عن ضمرة، عن ابن شوذب، وخالف يحيى بنَ عثمانَ فيه محمدُ بنُ الحسن بن قتيبة عند الطبراني في "مسند الشاميين" وعند ابن عدي وأبي نعيم، وهو أوثق منه وأحفظ، فرواه عن أحمد بن زيد الرملي، عن أيوب بن سويد، عن ابن شوذَب. وأحمد بن زيد المذكور وثقه ابنُ سُميع فيما نقله عنه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، فيبقى الشأن في يحيى بن عثمان بن صالح.
(٢) إسناده صحيح. أبو المثنّى: هو معاذ بن المثنى العنبري، ومُسدَّد: هو ابن مُسَرْهَد، وحسين المُعلِّم: هو ابن ذكوان، وطاووس: هو ابن كيسان اليماني. وأخرجه أبو داود (٣٥٣٩) عن مُسدَّد، بهذا الإسناد. =
[ ٣ / ٢٣٩ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، فإني لا أعلم خلافًا في عدالة عمرو بن شعيب، إنما اختلفوا في سماع أبيه من جده.
٢٣٣٠ - حدثنا علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا هشام بن علي ومحمد بن غالب، قالا: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن داود بن أبي هند وحَبيب المُعلِّم، عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يجُوزُ لامرأةٍ أمرٌ في مالها إذا مَلَكَ زوجُها عِصْمَتَها" (^١).
_________________
(١) = وأخرجه ابن حبان (٥١٢٣) من طريق محمد بن المنهال الضرير، عن يزيد بن زُريع، به. وأخرجه أحمد ٤/ (٢١١٩) و(٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٣٧٧)، والترمذي (١٢٩٩) و(٢١٣٢)، والنسائي (٦٤٨٤) و(٦٤٨٥) من طرق عن حُسين المعلِّم، به. وأخرج الشطر الثاني منه في ضرب المثل بالكلب: أحمدُ ٤/ (٢٥٢٩)، والبخاري (٢٦٢١)، ومسلم (١٦٢٢) (٥ - ٧)، وأبو داود (٣٥٣٨)، وابن ماجه (٢٣٨٥)، والنسائي (٦٤٨٨ - ٦٤٩٢)، وابن حبان (٥١٢١) من طريق سعيد بن المسيب، وأحمد ٥/ (٣٠١٣)، والبخاري (٢٥٨٩)، ومسلم (١٦٢٢) (٨)، والنسائي (٦٤٨٦) من طريق طاووس، وأحمد ٥/ (٣١٧٧) من طريق سعيد بن جبير، والبخاري (٢٦٢٢)، والترمذي (١٢٩٨)، والنسائي (٦٤٩٣ - ٦٤٩٥) من طريق عكرمة، أربعتهم عن ابن عباس وحده.
(٢) إسناده حسن. حماد: هو ابن سلمة. وأخرجه أبو داود (٣٥٤٦) عن موسى بن إسماعيل، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ١١/ (٧٠٥٨)، والنسائي (٦٥٥٥) من طرق عن حماد بن سلمة، به. وأخرجه ابن ماجه (٢٣٨٨) من طريق المثنّى بن الصبّاح، عن عمرو بن شعيب، به. وأخرجه أبو داود (٣٥٤٧)، والنسائي (٦٥٥٦) من طريق حسين المعلِّم، عن عمرو بن شعيب، به، بلفظ: "لا يجوز لامرأة عطيّةٌ إلّا بإذن زوجها". ويشهد له مرسل طاووس اليماني عند عبد الرزاق (١٦٦٠٧) عن معمر، عن ابن طاووس، عنه. وهو عند ابن أبي شيبة ٦/ ٤١١ عن سفيان بن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه، من قوله. وكذا يشهد له مرسل مجاهدٍ عند أحمد ١١/ (٧٠٥٨) عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عنه. وهو قول الليث بن سعد فيما حكاه عنه ابن حزم في "المحلى" ٨/ ٣١١، إلّا في الشيء اليسير =
[ ٣ / ٢٤٠ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٣٣٠ م - سمعت عليَّ بن عمر الحافظ يقول: سمعت أبا بكر بن زياد الفقيه النَّيسابوري يقول: سمعت محمد بن علي حَمْدانَ الوَرَّاق يقول: قلت لأحمد بن حنبل: عمرو بن شعيب سمع من أبيه شيئًا؟ فقال: هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، وقد صحَّ سماعُ عمرو بن شعيب من أبيه شعيب، وصحَّ سماعُ شعيب من جده عبد الله بن عمرو.
٢٣٣١ - أخبرنا الحسن بن يعقوب بن يوسف العَدْل، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا شريك، عن عبد العزيز بن رُفَيع، عن أُميّة بن صفوان بن أميّة، عن أبيه: أنَّ النبي ﷺ استعار منه أَدرُعًا يوم حُنين، فقال:
_________________
(١) = في صلة الرحم. وبذلك أفتى عمر بن الخطاب فيما عَهِدَ به للقاضي شريح أن يقضي به، إلّا أنه قيَّده بقوله: حتى يحول عليها حولٌ عند زوجها، أو تلد ولدًا. أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٤١٣، ومحمد بن خلف في "أخبار القضاة" ٢/ ١٩١، وابن المنذر في "الأوسط" (٨٨٣١). وقيَّده عمر بن عبد العزيز والزُّهْري فيما إذا كانت المرأة سفيهةً أو مُضارَّةً. أخرجه عن عمر بن عبد العزيز عبد الرزاق (١٦٦١١)، وابن حزم في "المحلى" ٨/ ٣١٢. وأخرجه عن الزُّهْري عبد الرزاق (١٦٦١٠). وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فيما حكاه عنهما إسحاق بن منصور في "مسائله" (٣٠٨٤) و(٣٠٨٥) وقيَّداه بما بعد الحول كما روي عن عمر بن الخطاب. قلنا: وإذا حُمل حديث الباب على هذه القيود درأنا عنه التعارض بينه وبين الأحاديث الدالة على إطلاق يد المرأة في التصرف بمالها، وهي كثيرة وبعضها في "الصحيحين"، مثل حديث: "يا معشر النساء تصدَّقن" فتصدقت زينب امرأة عبد الله بن مسعود على زوجها وولدها بحليٍّ كان لها. أخرجه البخاري (١٤٦٢)، ومسلم (٨٠) من حديث أبي سعيد الخُدْري، والبخاري (١٤٦٦)، ومسلم (١٠٠٠) من حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود. وكحديث بريدة أنَّ امرأةً قالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، فقال لها النبي ﷺ: "وجب أجرك، وردَّها عليك الميراث"، أخرجه مسلم (١١٤٩)، وكحديث اشتراء عائشة بمالها بَريرة عند البخاري (٢١٦٨)، ومسلم (١٥٠٤)، وباعت أسماء بنت أبي بكر جارية لرجل فقير دون علم الزُّبَير، أخرجه مسلم (٢١٨٢).
[ ٣ / ٢٤١ ]
أَغَصْبٌ يا محمد؟ قال: "لا، بل عاريَّةٌ مَضْمونةٌ" (^١).
_________________
(١) حسن لغيره، وهذ إسناد ضعيف لاضطرابه كما قال الطحاوي في "شرح المشكل" بإثر (٤٤٥٩)، وابن عبد البر في "التمهيد" ١٢/ ٤١. ذلك لأنه اختُلف فيه على عبد العزيز بن رفيع، فمرة يروى عنه عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه، كما حصل هنا في رواية شريك - وهو النخعي -، ومَن يروى عنه عن أناس من آل عبد الله بن صفوان مرسلًا، كما في رواية جرير بن عبد الحميد عنه، ومرة يُروى عنه عن عطاء بن أبي رباح عن ناس من آل صفوان مرسلًا، كما في رواية أبي الأحوص سلّام بن سليم عنه، ومرة يروى عنه عن ابن أبي مُلَيكة عن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية مرسلًا، كما في رواية إسرائيل عنه. وقد صحَّ من طريق أخرى عن عطاء بن أبي رباح أنَّ المُعير كان يعلى بنَ أُمية، لا صفوان بن أمية، وأنَّ النبي ﷺ قال له: "عاريّة مؤدّاة"، ولم يقل له: "عاريّة مضمونة". ولهذا قال ابن حزم في "المحلى" ٩/ ١٧٣: ليس في شيء مما رُوي في العارية خبر يصح غيره. يعني خبر يعلى بن أمية، وقال عبد الحق الإشبيلي في "أحكامه الوسطى" ٣/ ٣١٩: حديث يعلى أصح. قلنا: لكن ثبت من طريق أخرى ستأتي عند الحاكم (٤٤١٧) من حديث جابر: أنَّ المُعير كان صفوانَ بنَ أمية، وأنَّ النبي ﷺ قال له: "عاريّة مضمونة"، وهذا هو المعروف المشهور عند أهل المغازي، فقد أسنده البيهقي في "السنن الكبرى" ٧/ ١٩، وفي "دلائل النبوة" ٥/ ١١٩ - ١٢١ من عدة روايات مرسلة عن موسى بن عقبة والزُّهْري وعروة بن الزُّبَير وغيرهم، وأسنده البيهقي أيضًا ٦/ ٨٩ عن محمد بن علي الباقر مرسلًا. وقال بإثره: بعض هذه الأخبار وإن كان مرسلًا فإنه يقوى بشواهده مع ما تقدم من الموصول؛ يعني حديث جابر الآتي برقم (٤٤١٧). قلنا: فلا يبعد أن يكون النبي ﷺ قد استعار من كلا الرجلين في حنين، ولكنه قال لأحدهما: "عاريّة مؤداة"، وهو يعلى بن أمية، وقال لصفوان: "عاريّة مضمونة". وقد احتمل الزيلعي في "نصب الراية" ٤/ ١١٧ أن تكونا واقعتين، إلّا أنه جعلهما لرجل واحد منهما، والأقرب أن تكونا واقعتين لكلا الرجلين، والله أعلم بالصواب. وأخرجه أبو داود (٣٥٦٢)، والنسائي (٥٧٤٧) من طرق عن يزيد بن هارون، بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود (٣٥٦٣) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أناس من آل عبد الله بن صفوان، مرسلًا. وأخرجه كذلك (٣٥٦٤) من طريق أبي الأحوص، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عطاء بن أبي =
[ ٣ / ٢٤٢ ]
وله شاهدٌ عن ابن عباس:
٢٣٣٢ - أخبرَناه أحمد بن سهل الفقيه ببُخَارى، حدثنا صالح بن محمد الحافظ، حدثنا إسحاق بن عبد الواحد القُرَشي، حدثنا خالد بن عبد الله، عن خالد الحَذّاء، عن عِكْرمة، عن ابن عباس: أنَّ رسول الله ﷺ استعارَ من صفوان بن أُميّة أدرُعًا وسِلاحًا
_________________
(١) = رباح، عن ناس من آل صفوان، مرسلًا أيضًا. وأخرجه النسائي أيضًا (٥٧٤٨) من طريق إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية، مرسلًا كذلك. وأخرجه النسائي (٥٧٤٦) من طريق هُشَيم، عن حجاج بن أرطاة، عن عطاء بن أبي رباح، مرسلًا. وفيه مع الإرسال عنعنة هُشَيم وحجاج. وأصح من هذه الطريق طريق قتادة، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفوان بن يعلى بن أمية، غير أبيه، وهي عند أحمد ٢٩/ (١٧٩٥٠)، وأبي داود (٣٥٦٦)، والنسائي (٥٧٤٤) و(٥٧٤٥) من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، به. بلفظ: "عاريّة مؤدّاة"، بدلٌ "عاريّة مضمونة". وقال محمد بن إسماعيل الصنعاني في "سبل السلام" ٢/ ٩٩: المضمونة التي تُضمن إن تلفت بالقيمة، والمؤداة التي تجب تأديتها مع بقاء عينها، فإن تلفت لم تُضمن بالقيمة. قلنا: فبين لفظ "مضمونة" ولفظ "مؤداة" اختلاف، إلّا إن حُمل لفظ "مضمونة" على معنى ضمانة الردِّ، كما قال أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" ٣/ ١٧٤، وابن القيم في "الزاد" ٣/ ٤٢٢، فلا يكون بمعنى ضمان القيمة عند التلف، وذلك أنَّ لفظة "مضمونة"، تحتمل معنيين: إما ضمانة الرد، أو ضمانة التلف، ويُجعل لفظ "مؤداة" مُرجِّحًا للمعنى الأول للفظ "مضمونة"، فلا يتعارض اللفظان، بل يُحملان على مَحملٍ واحدٍ. وإذا صرنا إلى الترجيح بين اللفظين على أساس افتراقهما في المعنى فلفظ "مُؤداة" أرجح، لحديث أبي أمامة الذي أخرجه أبو داود (٣٥٦٥)، وابن ماجه (٢٣٩٨)، والترمذي (٢١٢٠)، والنسائي (٥٧٤٩) و(٥٧٥٠)، وصحَّحه الترمذي: "العاريّة مؤداة، والمِنحة مردودة، والدَّين مقضيٌّ، والزعيم غارم"، وإذا صحَّ ذلك كان قوله: "العارية مؤداة" غير مدفوع باتفاق بين أهل العلم، لأنّها مؤداة عند الجميع ما كانت باقية، فإذا تلفت فلا سبيل إلى أدائها، وإذا لم يكن إلى أدائها سبيل فغير جائز تضمينها بغير حجة، كما نبَّه عليه ابن المنذر في "الأوسط" بإثر (٨٦٣٠) و(٨٦٣١)، وأبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" ٣/ ١٧٤.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
في غزوة حُنين، فقال: يا رسول الله، أعاريّةٌ مُؤدّاةٌ؟ قال: "عاريّةٌ مُؤدّاةٌ" (^١)
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٣٣٣ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، حدثنا سعيد بن عامر وعبد الوهاب بن عطاء، قالا: حدثنا سعيد بن أبي عَروبة، عن قَتَادة، عن الحسن، عن سَمُرة، عن النبي ﷺ قال: "على اليدِ ما أَخَذَت حتى تُؤدِّيَه" (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف جدًّا، إسحاق بن عبد الواحد قال عنه أبو علي الحافظ: متروك الحديث، وقال الذهبي: واهٍ. وأخرجه البيهقي ٦/ ٨٨ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الدارقطني (٢٩٥١) من طريق صالح بن العلاء العبدي، عن إسحاق بن عبد الواحد، به. وقد صحَّ عن ابن عباس أنه كان يُضمِّن العاريّة: فقد أخرج عبد الرزاق (١٤٧٩١)، وابن أبي شيبة ٦/ ١٤١ و١٤٢ من طريق ابن أبي مُلَيكة قال: سألت ابن عباس: أُضمِّن العارية، فقال: نعم إن شاء أهلها، وفي لفظ: إن تبعها صاحبها. وأخرج عبد الرزاق (١٤٧٩٢) من طريق ابن أبي مُلَيكة أيضًا عن ابن عباس، قال: العارية تُغرم.
(٢) إسناده صحيح، وسماع الحسن - وهو البصري - من سَمُرة - وهو ابن جُندب - صحيح، كما بيناه عند الحديث المتقدم برقم (١٥١). وأخرجه أحمد ٣٣/ (٢٠١٣١) عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف وحده، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (٢٠٠٨٦) و(٢٠١٥٦)، وأبو داود (٣٥٦١)، وابن ماجه (٢٤٠٠)، والترمذي (١٢٦٦)، والنسائي (٥٧٥١) من طرق عن سعيد بن أبي عروبة، به. وقال الترمذي: حديث حسن. وقال ابن المنذر في "الأوسط" بإثر: (٨٦٣٢): ظاهره يُوجب أن تُؤدي إليه ما أخذت، وإذا تلفت بغير جناية من المستعير لم يَجُز إلزام المستعير قيمتَها بغير حُجَّة. قلنا: صحَّ عن الحسن البصري أنه يُضمِّن العاريّة إذا خالف المستعيرُ صاحبَ العاريّة، كما أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا ٦/ ١٤٢، ومثَّل الحسنُ البصري لذلك بأن يستعير دابَّة فيُكريها، كما أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا ٦/ ١٤٣، وذلك لأنه استعارها لينتفع بها هو، فإن أجّرها المستعير لغيره فعطبت ضمنها. وإذا قلنا بالتفريق بين الأداء والضمان كما بيناه عند الحديث المتقدم برقم (٢٣٣١) يكون الحسن البصري قد أفتى بمقتضى الرواية وليس بخلافها، لأنَّ معنى حديثه هنا أن يد المستعير يد أمانة =
[ ٣ / ٢٤٤ ]
ثم إنَّ الحسن نسيَ حديثَه، فقال: هو أمينُك لا ضمان عليه.
هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري، ولم يُخرجاه.
٢٣٣٤ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي الجَوهَري ببغداد، حدثنا أبو الوليد محمد بن أحمد بن بُرْد، حدثنا محمد بن كثير المِصِّيصي، حدثنا الأوزاعي.
وحدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، حدثنا جُماهر بن محمد الغَسّاني بدمشق، حدثنا محمود بن خالد الدمشقي، حدثنا الفِرْيابي، عن الأوزاعي، عن الزُّهْري، عن حَرام بن محَيِّصةَ الأنصاري، عن البراء بن عازب، قال: كانت له ناقةٌ ضاريةٌ، فدخلت حائطًا، فأفسدَتْ فيه، فكُلِّم رسولُ الله ﷺ فيها، فقضى أنَّ حِفْظَ الحوائط بالنهار على أهلها، وأنَّ حِفْظَ الماشية بالليل على أهلها، وأنَّ على أهل الماشية ما أصابت ماشِيتُهم (^١).
_________________
(١) = لا يد ضمان، فلا يضمن ما تلف ما دام لم يخالف صاحبَ العارية فيها.
(٢) صحيح بطرقه، وهذا إسنادٌ الصحيح أنه مرسلٌ، لأنَّ حرام بن مُحيّصة - وهو حرام بن سعد، ويقال: ساعدة بن مُحيّصة - لم يسمع من البراء، والكبار من أصحاب الزُّهْري يقولون فيه: عن حرام: أنَّ ناقة للبراء، وهذا هو الصحيح. على أنه قد رواه بعضهم عن الأوزاعي بموافقة كبار أصحاب الزُّهْري على الإرسال، كما جاء عند الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٦١٥٧) و(٦١٥٨) والبيهقي ٨/ ٣٤١. وأخرجه أبو داود (٣٥٧٠) عن محمود بن خالد، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٣٠/ (١٨٦٠٦) عن محمد بن مصعب، والنسائي (٥٧٥٣) من طريق الوليد بن مسلم، كلاهما عن الأوزاعي، به. وأخرجه ابن ماجه (٢٣٣٢ م)، والنسائي (٥٧٥٢) من طريق معاوية بن هشام القصار، عن سفيان الثَّوري، عن عبد الله بن عيسى - وقرن به النسائي إسماعيل بن أمية - عن الزُّهْري، به. ومعاوية بن هشام حسن الحديث لكنه يُغرب عن الثَّوري بأشياء كما قال ابن عدي. وأخرجه النسائي (٥٧٥٤) عن العباس بن عبد الله بن العباس الأنطاكي، عن محمد بن كثير المِصِّيصي، عن الأوزاعي، عن الزُّهْري، عن حرام بن محيصة، عن أبيه: أنَّ ناقة للبراء. فوصله بذكر محيصة بدل البراء. ومحمد بن كثير المصيصي كثير الخطأ. =
[ ٣ / ٢٤٥ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، على خلاف فيه بين معمر والأوزاعي، فإنَّ معمرًا قال: عن الزُّهْري، عن حرام بن مُحَيِّصة، عن أبيه.
٢٣٣٥ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سعيد بن سالم القدّاح، أخبرنا ابن جُرَيج، أنَّ إسماعيل بن أُميّة أخبره عن عبد الملك بن عُمير، قال: حضرتُ أبا عُبيدة بن عبد الله بن مسعود وأتاه رجلان تَبايَعا سِلعةً، فقال أحدهما: أخذتُ بكذا وكذا، وقال الآخرُ: بعتُ بكذا وكذا، فقال أبو عُبيدة: حدثني عبد الله بن مسعود في مثل هذا قال: حضرتُ رسولَ الله ﷺ في مثل هذا، فأمر البائعَ أن يُستحلَف، ثم يخيَّر المبتاعُ، إن شاء أَخَذ، وإن شاء تَرَك (^١).
_________________
(١) = وكذلك أخرجه أحمد ٣٩/ (٢٣٦٩٧)، وأبو داود (٣٥٦٩)، وابن حبان (٦٠٠٨) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهْري، عن حرام، عن أبيه: أنَّ ناقة للبراء، لكن ذكر الدارقطني في "سننه" بإثر (٣٣١٣)، وكذا البيهقي ٨/ ٣٤٢ أنَّ وهيب بن خالد وأبا مسعود الزجاج قد خالفا عبد الرزاق، فروياه عن معمر فلم يقولا: عن أبيه، يعني أنهما أرسلاه. وأخرجه أحمد (٢٣٦٩١) من طريق مالك بن أنس، و(٢٣٦٩٤) عن سفيان بن عيينة، وابن ماجه (٢٣٣٢) من طريق الليث بن سعد، ثلاثتهم عن الزُّهْري عن حرام بن محيصة: أنَّ ناقة للبراء. هكذا رووه مرسلًا، ووافقهم على إرساله يونس بن يزيد الأيلى عند الدارقطني (٣٣١٩). وأخرجه أحمد (٢٣٦٩٤) عن سفيان بن عيينة، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيب: أنَّ ناقة للبراء. ومراسيل سعيد بن المسيب تُعدّ من أقوى المراسيل عند أهل العلم. وله طريق ثالثة مرسلة عند الرزاق (١٨٤٣٨) عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن شهاب: أخبرني أبو أمامة بن سهل: أنَّ ناقةً دخلت في حائط، فذكره. ولا يضر أن يكون مدارُ هذه المراسيل على الزُّهْري، فقد كان واسع الرواية، وباجتماع هذه المراسيل الثلاثة يصح الحديث إن شاء الله تعالى. قال ابن عبد البر في "التمهيد" ١١/ ٨٢: هذا الحديث وإن كان مرسلًا، فهو حديث مشهور أرسله الأئمة، وحدّث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز وتلقَّوه بالقبول، وجرى في المدينة به العملُ.
(٢) حديث صحيح، دون ذكر استحلاف البائع، وهذا إسناد ضعيف لجهالة عبد الملك بن عمير، =
[ ٣ / ٢٤٦ ]
هذا حديث صحيح إن كان سعيد بن سالم حفظ في إسناده عبدَ الملك بن عُمير.
٢٣٣٥ م - فقد حدَّثَناه أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا محمد بن إدريس الشافعي، فذكر الحديث، وفي آخره قال أحمد بن حنبل: أُخبرتُ عن هشام بن يوسف، عن ابن جُرَيج، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الملك بن عُبيد. قال أحمد بن حنبل: وقال حجّاج الأعور: عبد الملك بن عُبيدة (^١) (^٢).
٢٣٣٦ - أخبرنا عبد الرحمن بن حَمْدان الجَلّاب بهَمَذان، حدثنا هلال بن العلاء الرَّقِّي، حدثنا المُعافى بن سليمان، حدثنا موسى بن أعْيَن، عن يحيى بن أيوب، عن ابن
_________________
(١) = والصواب ابن عُبيد، كما قال هشام بن يوسف في روايته عن ابن جُرَيج، أو عبد الملك بن عُبيدة، بزيادة هاء في آخره، كما قال حجاج بن محمد في روايته عن ابن جُرَيج، فلا يصح ذكر عبد الملك بن عمير في هذا الإسناد. وفي الإسناد أيضًا انقطاع، لأنَّ أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. لكن للحديث طرق أخرى تقدم بيانها عند الطريق السالف برقم (٢٣٢٤)، ويصح بها الحديث إن شاء الله تعالى، إلَّا أنه ليس في شيء منها استِحلاف البائع. وانظر ما بعده.
(٢) وقع في النسخ الخطية: عُبيد، بحذف الهاء من آخره، وإنما رواية حجاج الأعور - وهو ابن محمد المِصِّيصي - بزيادتها، كما جزم بذلك ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" بإثر الحديث (٢٣٨٧). وقد جاء على الصواب عند البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (١١٤١٤)، حيث رواه عن أبي عبد الله الحاكم، فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في كتاب "المستدرك"، وكان هذا الاسم قد أُثبِت في "مسند أحمد" بإسقاط الهاء من آخره، اعتمادًا على أحد الأصول الخطية، مع أنَّ سائر الأصول ذكرته على الصواب، وقد تكرر هذا الخطأ أيضًا في مطبوعي النسائي "الكبرى"، و"المجتبى"، مع أنَّ ابن حزم قد رواه في "المحلى" ٨/ ٣٦٩ من طريق النسائي فذكره على الصواب، فهذا هو الصحيح في رواية حجاج بن محمد، والله أعلم.
(٣) حديث صحيح دون ذكر الاستحلاف كما بيناه عند الطريق السابقة. وهو في "مسند أحمد" ٧/ (٤٤٤٢). وأخرجه النسائي (٦٢٠٠) من طُرق عن حجاج بن محمد المصِّيصي، عن ابن جُرَيج، بهذا الإسناد.
[ ٣ / ٢٤٧ ]
جُرَيج، أنَّ أبا الزُّبَير حدثه عن جابر: أنَّ النبي ﷺ اشترى من أعرابي - حسبت أنه قال: من بني عامر بن صَعْصَعَة - حِمْلَ خَبَطٍ، فلما وجبَ له، قال له النبيُّ ﷺ: "اختَرْ"، فقال الأعرابي: إن رأيتُ كاليوم مثلَك بَيِّعًا، عَمْرَكَ اللهَ ممَّن أَنتَ؟ قال: "من قُريش" (^١).
تابعه ابن وهب عن ابن جُرَيج:
٢٣٣٧ - حدَّثَناه أبو الوليد الفقيه، حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، حدثنا مَوهَب بن يزيد بن مَوهَب، حدثنا ابن وهب، أخبرنا ابن جُرَيج، أنَّ أبا الزُّبَير المكي حدثه عن جابر: أنَّ النبيَّ ﷺ اشترى من أعرابي حِمْل خَبَطٍ، فلما وجبَ البيعُ، قال له النبيُّ ﷺ: "اختَرْ" فقال الأعرابي: عَمْرَكَ اللهَ بَيِّعًا (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح إن شاء الله، وهذا إسناد قد صرَّح فيه ابنُ جُرَيج بسماعه من أبي الزُّبَير - وهو محمد بن مسلم بن تدرُس المكي - هنا في هذه الطريق وفي الطريق التالية. ويحيى بن أيوب - وهو الغافقي - حسن الحديث لكن تابعه عبد الله بن وهب كما في الطريق التالية، فيصحُّ الحديثُ إن شاء الله تعالى، وانظر تمام الكلام عليه وتخريجه فيما سيأتي. الخَبَط: ما سقط من ورق الشجر بالخَبْط والنَّفْض. وقوله: "عَمْرَك اللهَ" أي: أسأل الله تعميرك وأن يُطيل عمرك، والعَمْر، بالفتح: العُمر، ولا يقال في القَسَم إلّا بالفتح. والبَيّع: اسم يطلق على البائع والمشتري، يُقال لكل منهما: بائع وبيّع. ونصبه على التمييز.
(٢) حديث صحيح إن شاء الله كما بيناه في الحديث السابق. ابن وهب: هو عبد الله. وأخرجه الترمذي (١٢٤٩)، وابن ماجه (٢١٨٤) من طرق عن عبد الله بن وهب، به. لكن رواية الترمذي مختصرة، وقال: حديث صحيح غريب. وقد رواه سفيانُ بن عيينة عن ابن جُرَيج، فقال: عن أبي الزُّبَير عن طاووس، فذكره مرسلًا. أخرجه من طريقه الدارقطني (٢٨٦٩). ورواه عن طاووس كذلك ابنُه عبدُ الله، فقد أخرجه عبد الرزاق (١٤٢٦١)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٥٢٩٢)، والبيهقي ٥/ ٢٧١ من طريق معمر بن راشد، وعبد الرزاق (١٤٢٦١)، والبيهقي ٥/ ٢٧٠ من طريق سفيان بن عيينة، كلاهما عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه مرسلًا. =
[ ٣ / ٢٤٨ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٣٣٨ - أخبرني أبو علي الحسين بن علي الحافظ، أخبرنا علي بن العباس الكوفي، حدثنا محمد بن بشار وعلي بن مسلم، قالا: حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن عبد الله الزَّعْفَراني، قال: سمعتُ أبا المُتوكِّل الناجيَّ يحدِّث عن أبي سعيد الخُدْري، قال: قال رسول الله ﷺ: "الآخِذُ والمُعطي سواءٌ في الربا" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه!
٢٣٣٩ - أخبرني أبو محمد عبد العزيز بن عبد الرحمن الدبّاس بمكة، حدثنا محمد بن علي بن زيد (^٢) الصائغ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن العباس الشافعي، قال: سمعت أبي يحدث عن عُمر بن محمد بن زيد، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب، قال: قال النبي ﷺ: "الدِّينارُ بالدِّينارِ، والدِّرهمُ بالدِّرهم، لا فَضْلَ بينهما، فمن كانت له حاجةٌ بوَرِقٍ فليَصرِفها بذَهَبٍ، ومن كانت له حاجةٌ بذَهَبٍ فليَصرفِها بِوَرِقٍ، والصَّرْفُ هاءَ وهاءَ" (^٣).
_________________
(١) = فالظاهر أنَّ لأبي الزُّبَير فيه شيخين: أحدهما جابر بن عبد الله، والآخر طاووس. وقد يكون أبو الزُّبَير سمعه من طاووس، وطاووس سمعه من جابر، فدلّس أبو الزُّبَير ذكر طاووس، وسواء كان هذا الاحتمال أو ذاك يصح الحديث إن شاء الله، لأنه على الاحتمال الثاني تكون الواسطة قد عُرفت، وهو طاووس، وهو ثقة، فيتصلُ الإسناد، والله تعالى أعلم.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل عبد الله الزعفراني - ويقال: أبو عبد الله - لكنه متابع. وأخرجه أحمد ١٨/ (١١٤٦٦) و(١١٦٣٥)، ومسلم (١٥٨٧) (٨٢)، والنسائي (٦١١٣) من طريق سليمان بن علي الربعي، وأحمد (١١٩٢٨)، ومسلم (١٥٨٧) (٨٢) من طريق إسماعيل بن مسلم العبدي، كلاهما عن أبي المتوكل، به. فاستدراك الحاكم له ذهولٌ منه.
(٣) تحرَّف في (ز) و(ص) و(ع) إلى: يزيد، والتصويب من (ب). وانظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٤٢٨.
(٤) إسناده ضعيف لجهالة محمد بن العباس الشافعي، وقد اضطرب في إسناد هذا الحديث، فمرة يرويه عن عمر بن محمد بن زيد، كما وقع هنا، ومرة يرويه عن عمر بن محمد لم يقيده =
[ ٣ / ٢٤٩ ]
هذا حديث غريب صحيح، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ.
٢٣٤٠ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رَبَاح، عن
_________________
(١) = بابن زيد، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب، ومرة يرويه عن عمر بن محمد بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده علي، ومرة يرويه عن أبيه العباس بن عثمان بن شافع، عن عمر بن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده علي، ويغلب على ظننا أنَّ الصحيح فيه ذكر عمر بن محمد بن علي بن أبي طالب كما جاء في غير رواية المصنف، وليس هو بابن زيد كما قُيد هنا عند المصنف، لأنه يترتب عليه أنه ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو رجل ثقة، وإذا ثبت ذلك فعمر بن محمد بن علي بن أبي طالب مجهول أيضًا، وإذا صحَّ الإسناد ذكر العباس بن محمد بن شافع فهو مجهول كذلك، فيصير في الإسناد ثلاثة مجاهيل، والله تعالى أعلم. وأخرجه الدارقطني (٢٨٨٠) من طريق علي بن حرب الطائي، عن إبراهيم بن محمد بن العباس، بهذا الإسناد. لكن لم يقيد عمر بن محمد بابن زيد، بل أطلقه. وأخرجه الطبري في مسند عمر من "تهذيب الآثار" ٢/ ٧٣٦ و٧٤٣ عن أحمد بن الوليد الأُمّي الرملي، عن إبراهيم بن محمد بن العباس، عن أبيه، عن عمر بن محمد بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده علي. وأخرجه ابن ماجه (٢٢٦١) عن إبراهيم بن محمد بن العباس، عن أبيه، عن جده العباس بن عثمان بن شافع، عن عمر بن محمد بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده. ويغني عنه حديث عمر بن الخطاب عند أحمد ١/ (١٦٢)، والبخاري (٢١٧٤)، ومسلم (١٥٨٦) قال: قال رسول الله ﷺ: "الذهب بالوَرِق ربًا، إلّا هاء وهاء". وحديث عبادة بن الصامت عند أحمد ٣٧/ (٢٢٧٢٧)، ومسلم (١٥٨٧) قال: قال رسول الله ﷺ: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبُرّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مِثلًا بمِثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد". وحديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم عند أحمد ٣٠/ (١٨٥٤١)، والبخاري (٢١٨٠)، ومسلم (١٨٨٩): نهى رسول الله ﷺ عن بيع الوَرقِ بالذهب دَينًا. قوله: "هاء وهاء" قال الخطابي في "معالم السنن" ٣/ ٦٧ - ٦٨: معناه التقابض، وهو قول الرجل لصاحبه إذا ناوله الشيء: هاك، أي: خذ، فأسقطوا الكاف منه وعوَّضوه المد بدلًا من الكاف، يقال للواحد: هاء، والاثنين: هاؤما، وللجماعة: هاؤم.
[ ٣ / ٢٥٠ ]
أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "المسلمون على شُروطِهم، والصلحُ جائزٌ بين المسلمين" (^١).
_________________
(١) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن من أجل كثير بن زيد - وهو الأسلمي - والوليد بن رباح. وأخرجه أبو داود (٣٥٩٤) عن سليمان بن داود المَهْري، عن عبد الله بن وهب، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٧٨٤) عن منصور بن سلمة الخُزاعي، وأبو داود (٣٥٩٤)، وابن حبان (٥٠٩١) من طريق مروان بن محمد الطاطري، كلاهما عن سليمان بن بلال، به. لكن وقع في رواية أبي داود شك، قال: حدثنا سليمان بن بلال أو عبد العزيز بن محمد. واقتصر أحمد وابن حبان في روايتهما على قوله: "الصلح جائز بين المسلمين" زاد أبو داود وابن حبان: "إلّا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حَرَّم حلالًا". وسيأتي الشطر الثاني منه من طريق آخر عن أبي هريرة برقم (٢٣٤٤). ويشهد له بشطريه حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده، فيما سيأتي عند المصنف برقم (٧٢٣٦)، وهو عند ابن ماجه (٢٣٥٣)، والترمذي (١٣٥٢)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. قلنا: ذلك لأنه حسّن الرأي في كثير المزني تبعًا لشيخه البخاري، والجمهور على تضعيفه، وأعدل الأقوال فيه أنه يصلح للاعتبار في المتابعات والشواهد. ويشهد لشطره الأول قول عمر بن الخطاب موقوفًا عليه: المسلمون على شروطهم عند مقاطع حقوقهم، أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٥٧٠، وسعيد بن منصور (٦٦٢)، وابن المنذر في "الأوسط" (٧٢٨٦)، وابن حزم في "المحلى" ٩/ ٥١٧، والبيهقي ٧/ ٢٤٩، وإسناده صحيح، واللفظ لابن المنذر وابن حزم. ولشطره الثاني قول عمر بن الخطاب أيضًا في رسالته إلى أبي موسى الأشعري في صفة القضاء، عند وكيع محمد بن خلف في "أخبار القضاة" ١/ ٧٠ - ٧٣ و٢٨٤، والدارقطني (٤٤٧٢)، والبيهقي ٦/ ٦٥، ورجاله ثقات. قال الخطّابي في "المعالم" ٤/ ١٦٦: الصلح يجري مجرى المعاوضات، ولذلك لا يجوز إلّا فيما أوجب المال، ولا يجوز في دعوى القذف، ولا دعوى الزوجية، ولا على مجهول، ولا أن يصالحه على دَين له على مال نسيه لأنه من باب الكالئ بالكالئ، ولا يجوز الصلح في قول مالك على الإقرار، ولا يجوز في قول الشافعي على الإنكار، وجوّزه أصحاب الرأي على الإقرار والإنكار جميعًا. =
[ ٣ / ٢٥١ ]
رواة هذا الحديث مدنيُّون، ولم يُخرجاه، وهذا أصلٌ في الكتاب.
وله شاهدٌ من حديث عائشة وأنس بن مالك:
٢٣٤١ - أخبرَناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفّار، حدثنا أبو بكر بن أبي الدُّنيا، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن زُرارة حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن الجَزَري، عن خُصَيف، عن عُرْوة، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ، قال: "المسلمون عند شُروطهم ما وافَقَ الحَقَّ" (^١).
٢٣٤١ م - قال خُصَيف: وحدثني عطاء بن أبي رباح، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "المسلمون عند شُروطهم ما وافَقَ الحقَّ من ذلك" (^٢).
٢٣٤٢ - حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العَنْبَري، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي، حدثنا عيسى بن إبراهيم البِرَكيّ، حدثنا عبد الحميد بن الحسن الهِلالي، حدثنا محمد بن المُنكَدِر، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: "كُلُّ مَعروفٍ
_________________
(١) = ونوع آخر من الصلح، وهو أن يصالحه في مالٍ على بعضه نقدًا، وهذا من باب الحط والإبراء وإن كان يُدعى صلحًا. وقوله: "المسلمون على شروطهم" فهذا في الشروط الجائزة في حق الدِّين، دون الشروط الفاسدة، وهذا من باب ما أمر الله تعالى من الوفاء بالعقود.
(٢) إسناده ضعيف جدًّا، عبد العزيز بن عبد الرحمن الجَزَري - وهو البالِسِي - متروك الحديث، واتهمه الإمام أحمد، وقال ابن عدي: يروي عن خُصيف - وهو ابن عبد الرحمن الجَزَري - أحاديث بواطيل، قال: وسائر ذلك ليس لها أصول ولا يتابعه الثقات عليها. قلنا: وخُصيف سيئ الحفظ، فلا يصلحُ حديث بمثل هذا الإسناد شاهدًا. وأخرجه البيهقي ٧/ ٢٤٩ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الدارقطني (٢٨٩٣) عن رضوان بن أحمد بن إسحاق الصيدلاني، عن ابن أبي الدنيا، به.
(٣) إسناده ضعيف جدًّا إسناد سابقه. وأخرجه البيهقي ٧/ ٢٤٩ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الدارقطني (٢٨٩٤) عن رضوان بن أحمد الصيدلاني، عن ابن أبي الدنيا، به.
[ ٣ / ٢٥٢ ]
صدقةٌ، وما أنفقَ الرجلُ على نفسِه وأهلِه كُتِبَ له صدقة، وما وَقَى به المرءُ عِرْضَه كُتِبَ له به صدقة، وما أنفقَ المؤمنُ من نفقةٍ، فإِنَّ خَلَفَها على الله، واللهُ ضامنٌ، إلّا ما كان في بُنْيان ومعصية".
فقلت لمحمد بن المنكدر: وما "وقَى به الرجلُ عِرْضَه"؟ قال: ما يُعطي الشاعرَ وذا اللسانِ المُتّقَى (^١).
_________________
(١) إسناده ضعيف لضعف عبد الحميد بن الحسن الهلالي، وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٤١٩ بعد أن أورد حديثه هذا: غريب جدًّا. قلنا: يعني بهذه السياقة، وإلّا فقد صحَّت بعض مفرداته مفرَّقة كما سيأتي بيانه. وأخرجه الطيالسي (١٨١٩)، وابن أبي شيبة ٨/ ٥٥٠، وعبد بن حميد (١٠٨٣)، وابن أبي الدنيا في "اصطناع المعروف" (٩)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٧٥)، وابن عدي في "الكامل" ٥/ ٣٢٢، والدارقطني (٢٨٩٥)، والقضاعي (٨٨) و(٩٤)، والبيهقي في "الآداب" (١٤٧)، وفي "السنن الكبرى" ١٠/ ٢٤٢، وفي "شعب الإيمان" (٣٢٢١)، والبَغَوي في "شرح السنة" (١٦٤٦) من طرق عن عبد الحميد بن الحسن الهلالي، به. وبعضهم يرويه مختصرًا. وأخرجه ابن أبي الدنيا في "اصطناع المعروف" (٨)، وأبو يعلى (٢٠٤٠)، والطبري في "تهذيب الآثار" - في القسم الذي حققه علي رضا - (٧٨٨)، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (١٢٥٣)، وابن حبان في "المجروحين" ٣/ ٣٢، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٦٨٩٦)، وابن عدي في "الكامل" ٦/ ٤٣١، وتمّام الرازي في "فوائده" (١٧٢٤)، والقضاعي (٩٥)، والبيهقي في "الآداب" (١٤٨)، وفي "السنن الكبرى" ١٠/ ٢٤٢، وفي "الشُّعب" (٣٢٢٠) و(١٠٢٢٩) من طريق المسور بن الصلت، عن محمد بن المنكدر، به. والمسور بن الصلت ضعيف جدًّا، وتحرّف اسمه عند بعضهم إلى: سَعْد بدل المسور، وبعضهم يروي الحديث مختصرًا. وأخرج منه قوله: "كل معروف صدقة" البخاري (٦٠٢١)، وابن حبان (٣٣٧٩) من طريق أبي غسان محمد بن مطرّف، وأحمد ٢٣/ (١٤٧٠٩)، والترمذي (١٩٧٠) من طريق المنكدر بن محمد بن المنكدر، كلاهما عن محمد بن المنكدر، به. لكن زاد المنكدر في روايته: "وإنَّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طَلْق، وأن تُفرغ من دلوك في إناء أخيك". وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد صحَّ قوله: "وما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة" من وجه آخر عن جابر بن عبد الله عند مسلم (٩٩٧) بلفظ: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن =
[ ٣ / ٢٥٣ ]
هذا حديث صحيح، ولم يُخرجاه.
وشاهدُه ليس من شَرْط هذا الكتاب:
_________________
(١) = أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا". وله شاهد من حديث أبي مسعود عند أحمد ٢٨/ (١٧٠٨٢)، والبخاري (٥٥)، ومسلم (١٠٠٢). وآخر من حديث المقدام بن معدي كرب عند ابن ماجه (٢١٣٨)، وإسناده حسن. وثالث من حديث سعد بن أبي وقاص عند البخاري (٥٦)، ومسلم (١٦٢٨). ولقوله: "وما وَقَى به الرجلُ عِرضَه كتب له به صدقة" شاهد من حديث أبي هريرة، عند حمزة بن يوسف السهمي في "تاريخ جرجان" (٣٥٦)، والخطيب في "تاريخ بغداد" ١٠/ ١٥٥، بلفظ: "ذُبُّوا عن أعراضكم بأموالكم" قالوا: وكيف نَذُبُّ عن أعراضنا بأموالنا؟ قال: "تُعطون الشاعرَ ومَن تخافون لسانَه". وآخر من مرسل عبد الله بن أبي بكر بن حزم ومرسل موسى بن عقبة عند البيهقي في "دلائل النبوة" ٥/ ١٧٩ - ١٨٣ في توزيع غنائم حنين، أنَّ النبي ﷺ قال عن عباس بن مرداس السلمي، وقال شعرًا يُعاتب فيه النبي ﷺ: "اقطعوا عني لسانه"، فزادوه حتى رضي، فكان ذلك قطع لسانه. ومعنى قوله: "وما أنفق المؤمن من نفقة فإنَّ خَلَفَها على الله"، في قول الله عزَّ شأنه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾. وقوله ﷺ: "قال الله ﷿: يا ابن آدم أَنفِقْ أُنفِقْ عليك". أخرجه البخاري (٤٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣)، واللفظ له من حديث أبي هريرة. وقوله ﷺ: "ما من يوم يُصبح العباد فيه إلّا ملكان ينزلون، فيقول أحدهما: اللهم أعط مُنفِقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تَلَفًا" أخرجه البخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠) من حديث أبي هريرة أيضًا. وقوله: "إلّا ما كان في بنيان" له شاهد من حديث خباب بن الأرت عند ابن ماجه (٤١٦٣)، والترمذي (٢٤٨٣)، وابن حبّان (٣٢٤٣) بلفظ: "إنَّ العبد ليؤجر في نفقته كلها إلّا في التراب" أو قال: "في البناء". هذا لفظ ابن ماجه وقال الترمذي: حسن صحيح. قلنا: لكن بعضهم يوقفه على خبّاب بن الأرت، وهو إن كان كذلك فمثله لا يقال بالرأي قطعًا. وشاهد آخر من حديث أنس بن مالك عند أبي داود (٥٢٣٧)، وابن ماجه (٤١٦١)، بلفظ: "كل بناء وَبَالٌ على صاحبه، إلّا ما لا إلّا ما لا" يعني ما لا بدَّ منه. هذا لفظ أبي داود، وإسناده حسن، ونحوه عند أحمد ٢١/ (١٣٣٠١).
[ ٣ / ٢٥٤ ]
٢٣٤٣ - حدَّثَناه أبو علي الحُسين بن محمد الصَّغَاني بمَرْو، حدثنا يحيى بن ساسَوَيهِ بن (^١) عبد الكريم، حدثنا حامد بن آدم، حدثنا أبو عِصْمة، عن عبد الرحمن بن بُدَيل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنِ استطاع منكم أن يَقِيَ دِينَه وعِرضَه بمالِه فليَفعَلْ" (^٢).
٢٣٤٤ - أخبرنا عبد الرحمن بن حَمْدان بن المَرْزُبان (^٣) الجَلّاب بهَمَذان، حدثنا عبد الله بن الحسين المِصِّيصي، حدثنا عفّان، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "الصُّلحُ بين المسلمين جائز" (^٤).
_________________
(١) تحرَّف في (ب) إلى: عن. وقد تقدم اسم يحيى بن ساسويه عند المصنف كذلك مقيدًا بابن عبد الكريم برقم (٢٨٦) من روايته عن سويد بن نصر، وليحيى بن ساسويه رواية عن حامد بن آدم مباشرة، كما في "أنساب السمعاني" نسبة (التلياني)، وكذلك له رواية معروفة عن سويد بن نصر، كما وقع في عدة أحاديث. وإنما ذكرنا ذلك لئلا يُتوهَّم أن الصواب فيه في الموضعين: عن عبد الكريم، بذريعة أنَّ ليحيى بن ساسويه رواية معروفة عن عبد الكريم السُّكَّري، كما جاء في عدة أحاديث عند المصنف وعند البيهقي، وإنما استبعدنا ذلك بقرينة أخرى، وهي أنه ليس في شيء من تلك الأحاديث رواية لعبد الكريم السكري عن حامد بن آدم ولا عن سويد بن نصر، والله ولي التوفيق.
(٢) إسناده واهٍ بمرة، بل موضوع، فإنَّ حامد بن آدم وأبا عصمة - وهو نوح بن أبي مريم، كلاهما متهم بالكذب في الحديث، وقال الحافظ: أخطأ الحاكم بتخريجه حديثَه في "مستدركه".
(٣) وقع في (ز) و(ص) و(ع): حمدان المَرْزبان، بإسقاط لفظة "بن"، وإنما المعروف في كتب التراجم: حمدان بن المَرْزُبان، كما وقع في (ب)، وقد جاء منسوبًا كذلك في غير موضع من كتب البيهقي في رواياته عن أبي عبد الله الحاكم.
(٤) إسناده صحيح كما قال الدارقطني فيما نقله عنه ابن القيم في "تهذيب سنن أبي داود" ٥/ ٢١٤، وعبد الله بن الحسين المِصيصي هذا أحد شيوخ أبي عوانة في "صحيحه"، وأكثرَ عنه الطبراني، ووثقه الحاكم هنا، وقال الذهبي في "السير" ١٣/ ٣٠٧: كان صاحبَ رحلةٍ وفَضْلٍ. قلنا: وأساء ابن حبان القول فيه جدًّا حيث قال: يقلب الأخبار ويسرقها، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وأخرجه الدارقطني (٢٨٩١) عن أبي عبد الله الفارسي، عن عبد الله بن الحسين المِصِّيصي، بهذا الإسناد. =
[ ٣ / ٢٥٥ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وهو معروف بعبد الله بن الحسين المصيصي، وهو ثقة.
٢٣٤٥ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، أخبرنا ابن أبي فُدَيك [عن ابن أبي ذئبٍ] (^١) حدثني أبو المُعتمِر، عن عُمر (^٢) بن خَلَدة الزُّرَقي - وكان قاضيَ المدينة - قال: جئنا أبا هُريرةَ في صاحبٍ لنا قد أَفلَسَ، فقال: هذا الذي قضى فيه رسولُ الله ﷺ: "أيُّما رجلٍ ماتَ أو أَفلَسَ، فصاحبُ المَتاعِ أحقُّ بمَتاعِه، إذا وجدَه بعَينِه" (^٣).
_________________
(١) = وقد تقدَّم بإسناد آخر عن أبي هريرة برقم (٢٣٤٠).
(٢) سقط ابن أبي ذئب من النسخ الخطية، واستدركناه من رواية البيهقي عن الحاكم في "السنن الصغرى" (٢٠٤٧)، وجميع من روى هذا الحديث عن ابن عبد الحَكَم أثبته، وكذلك أثبته كل من روى هذا الحديث عن ابن أبي فُدَيك كالشافعي ودُحيم، بل إنَّ مدار هذا الإسناد عند من روى الحديث على ابن أبي ذئب.
(٣) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: عمرو، وإنما هو عُمر، وليس هو عمرو بن سُليم بن خَلَدة الزُّرَقي، فذاك أكبر من عُمر بن خَلَدة، ولم يكن ذاك قاضيًا أيضًا، إنما القاضي عُمر بن خلدة، وجاء على الصواب في "السنن الصغرى" للبيهقي، ولم يُصب في "معرفة السنن والآثار" (١١٨٢٥) بعد تخريجه الحديث عن غير الحاكم حيث قال: ابن خَلَدة: هو عُمر بن خلدة، ويقال: عَمرو، وعُمر أصحُّ. قلنا: لعله ظنهما واحدًا.
(٤) صحيح دون قوله: "مات" وهذا إسناد ضعيف لجهالة أبي المعتمر - وهو ابن عمرو بن رافع. قال الطحاوي في "شرح المشكل" بإثر (٤٦١٠): لا يُعرف ولا يُدرى من هو. ابن أبي فُديك: هو محمد بن إسماعيل، وابن أبي ذئب: هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة. وأخرجه ابن ماجه (٢٣٦٠) عن إبراهيم بن المنذر الحزامي وعبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، كلاهما عن ابن أبي فديك، بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود (٣٥٢٣) من طريق أبي داود الطيالسي، عن ابن أبي ذئب، به. وأخرجه دون ذكر الموت: أحمد ١٢/ (٧١٢٤)، والبخاري (٢٤٠٢)، ومسلم (١٥٥٩)، وأبو داود (٣٥١٩)، وابن ماجه (٢٣٥٨)، والترمذي (١٢٦٢)، والنسائي (٦٢٢٨) و(٦٢٢٩)، وابن حبان (٥٠٣٦) و(٥٠٣٧) من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، =
[ ٣ / ٢٥٦ ]
هذا حديث عالٍ صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ.
٢٣٤٦ - حدثنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب ويحيى بن محمد بن صاعِد، قالا: حدثنا عبد الله بن عمران العابِدي، حدثنا سفيان بن عُيينة، عن زياد بن سعد، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، له غُنْمُه وعليه غُرْمُه" (^١).
_________________
(١) = وأحمد ١٤/ (٨٥٦٦)، ومسلم (١٥٥٩) من طريق بشير بن نَهيك، ومسلم (١٥٥٩) من طريق عراك بن مالك، ثلاثتهم عن أبي هريرة. وقال الخطابي في "معالم السنن" ٣/ ١٥٧: هذه سنة النبي ﷺ، وقد قال بها كثير من أهل العلم، وقد قضى بها عثمان ﵁، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁، ولا يُعلم لهما مخالف في الصحابة.
(٢) رجاله لا بأس بهم، إلّا أنه اختُلف فيه على الزُّهْري في وصله وإرساله، واختُلف فيه على سفيان بن عيينة أيضًا، فلم يرفعه عنه إلّا عبد الله بن عمران العابدي وإسحاق بن الطبّاع، وأرسله غيرهما، كما سيأتي بيانه، ومع ذلك حسَّن الدارقطني في "سننه" (٢٩٢٠) إسناد رواية العابدي هذه! لكنه صوَّب في "العلل" (١٦٩٤) إرسال الحديث، وممَّن صحَّح وصله ابن حبان، وابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٤٣٠، وابن العربي في "العارضة" ٦/ ١١، وعبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" ٣/ ٢٧٩، لكن الصحيح أنه مرسل كما جزم به الدارقطني في "العلل"، وسبقه إلى تصحيح الإرسال أبو داود والبزار، وإذا صحَّ ذلك فهو من مراسيل سعيد بن المسيّب، وهو من أقوى المراسيل عند أهل العلم. وأخرجه ابن حبان (٥٩٣٤) من طريق إسحاق بن عيسى بن الطبّاع، عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. وخالف ابنَ الطبّاع وعبدَ الله بن عمران العابدي، كلٌّ من الحُميدي وعبد الرحمن بن بشر بن الحكم عند أبي بكر النيسابوري في "زياداته على مختصر المزني" (٢٨١) و(٢٨٢)، فروياه عن سفيان بن عيينة، عن الزُّهْري عن سعيد بن المسيب مرسلًا. قال البيهقي في "السنن الكبرى" ٦/ ٤٠: وهو المحفوظ عن سفيان بن عيينة عن زياد. وأخرجه ابن ماجه (٢٤٤١) عن محمد بن حميد الرازي، عن إبراهيم بن المختار، عن إسحاق بن راشد، عن الزُّهْري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، فوصله أيضًا، لكن محمد بن حميد وشيخه إبراهيم بن المختار ضعيفان، وإسحاق بن راشد في حديثه عن الزُّهْري أوهام. =
[ ٣ / ٢٥٧ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه لخلافٍ فيه على أصحاب الزُّهْري، وقد تابع مالكٌ وابنُ أبي ذئب وسليمانُ بن أبي داود الحَرَّاني ومحمدُ بن الوليد الزُّبيدي ومعمرُ بن راشد على هذه الروايةِ.
أما حديثُ مالكٍ:
٢٣٤٧ - فحدَّثَناه أبو علي وأبو محمد المَرَاغِي، قالا: حدثنا علي بن عبد الحميد الغَضائري بحلب، حدثنا مُجاهِد بن موسى، حدثنا [مَعْن بن عيسى] (^١) عن مالك بن أنس، عن الزُّهْري، فذكره بإسناده نحوه (^٢).
_________________
(١) = وقد وصله عن الزُّهْري جماعة سيذكرهم المصنف، لكن في الأسانيد إليهم اختلاف كما سيأتي بيانه في مواضعه، وأنَّ الصحيح عنهم في تلك الروايات الإرسال. وانظر ما سيأتي برقم (٢٣٧٨). قوله: "لا يَغْلَق الرّهنُ" أي: لا يَستحقه المُرتَهِن - يعني الدائن - إذا لم يَرُدّ الراهِنُ - أي: المَدِين - ما رَهَنه فيه، يعني في الوقت المشروط. قال أبو عبيد: وكان هذا من فعل الجاهلية، فأبطله النبي ﷺ بقوله: "لا يَغْلَق الرهنُ". وقوله: "له غُنْمه وعليه غُرمه" معناه: أنَّ زيادة الرهن ونماءه وفضل قيمته للراهن، أي: للمدين المالك لهذا الرهن، وعلى المرتهن - أي: الدائن - ضمانه إن هلك، فالغُنم: الفائدة، والغُرم: إقامة العوض.
(٢) ما بين معقوفين وقع محلَّه بياض في النسخ الخطية، وأثبتناه من "إتحاف المهرة" (١٨٦٥١)، ومن مصادر تخريج الحديث التي خرَّجته من هذه الطريق.
(٣) رجاله ثقات، لكن اختُلف فيه على الزُّهْري في وصله وإرساله، واختُلف فيه أيضًا على مالك، قال ابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٤٢٥: رواه مرسلًا كل من روى "الموطأ" عن مالك فيما علمتُ إلّا معن بن عيسى، فإنه وصله، فجعله عن سعيد عن أبي هريرة، ومعنٌ ثقة، وقال الدارقطني في "العلل" ٩/ (١٦٩٤): المرسل هو الصواب عن مالك. ثم ذكر ابن عبد البر ٦/ ٤٢٧ عن شيخه خلف بن قاسم أنه رواه عن شيوخه عن زيد بن الحباب وعن محمد بن كثير المصيصي، كلاهما عن مالك، موصولًا كذلك. ثم أسنده ابن عبد البر ٦/ ٤٢٨ عن أحمد بن إبراهيم (ويقال في اسمه: محمد بن إبراهيم) بن أبي سكينة الحلبي، عن مالك، موصولًا أيضًا. =
[ ٣ / ٢٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قلنا: فهؤلاء من غير رواة "الموطأ" قد رووه عن مالك، فوصلوه، لكن لا يسلم شيء منها من مقال كما سيأتي بيانه. وأخرجه أبو أحمد الحاكم في "عوالي مالك" (٥٨)، وأبو بكر بن المقرئ في "غرائب مالك" (١٢)، وابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٤٢٥ و٤٢٦ من طرق عن علي بن عبد الحميد الغضائري، بهذا الإسناد. وابن عبد البر ٦/ ٤٢٦ من طريق أبي بكر بن جعفر، عن مجاهد بن موسى، به. وأخرجه أبو الحسين بن المظفر في "غرائب مالك" (٩٢)، وابن جُميع الصيداوي في "معجمه" ص ٢١٠ - ٢١١، وأبو القاسم الحنائي في "الحنائيات" (٦٢)، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٧/ ١٠١، والذهبي في "معجم الشيوخ" ١/ ٤٢٣ من طريق أحمد بن بكر البالسي، عن محمد بن كثير المِصِّيصي، عن مالك به، موصولًا. وأحمد بن بكر وشيخه محمد بن كثير ضعيفان. والظاهر أنَّ رواية زيد بن الحباب التي طوى ابنُ عبد البر الإسنادَ إليها من طريق أحمد بن بكر البالسي أيضًا، فإنَّ له روايةً عن زيد بن الحباب، كما في كتب التراجم، ولم نقف عليها مُخرَّجةً عند أحمد ممن تقدم ابنَ عبد البر، والله تعالى أعلم. وأخرجه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" ٤/ ٤٨٨، وابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٤٢٨ من طريق محمد بن المبارك الأنباري، عن أحمد بن إبراهيم بن أبي سكينة الحلبي، عن مالك، به موصولًا. ومحمد بن المبارك الأنماري ترجم له الخطيب في "تاريخه" عند هذا الحديث، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقد روى عنه هذا الحديث رجلان، وجاء في "اللسان" في ترجمة ابن أبي سكينة أنَّ الدارقطني والخطيب ذكرا أنَّ محمد بن المبارك الصُّوري روى عن ابن أبي سكينة، فإذا صحَّ ذلك فيجوز أن يكون الصُّوري قد دخل الأنبار، والصوري ثقة معروف. لكن خالف محمدَ بنَ المبارك هذا سعيدُ بنُ عبد العزيز الحلبي، ثم الدمشقي، عند أبي الحسين عبد الوهاب بن الحسن الكلابي في "جزء من حديثه" (١٥)، فرواه عن ابن أبي سُكينة، عن مالك، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيب، مرسلًا، وهذا هو الموافق لجماعة رواة "الموطأ"، فهو الصواب في رواية ابن أبي سُكينة، والله أعلم. وهو في "موطأ مالك" برواية يحيى الليثي ٢/ ٧٢٨، وبرواية أبي مصعب الزُّهْري (٢٩٥٧)، وبرواية محمد بن الحسين (٨٤٨)، وبرواية سويد بن سعيد الحدثاني (٢٩٧) عن سعيد بن المسيب مرسلًا، مختصرًا بلفظ: "لا يَغْلَق الرَّهنُ". وكذلك أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٤/ ١٠٠، وأبو بكر النيسابوري في "زياداته على مختصر المزني" (٢٨٠) من طريق عبد الله بن وهب، وأبو داود في "المراسيل" كما في أصل خطيّ =
[ ٣ / ٢٥٩ ]
وأما حديث ابن أبي ذِئب:
٢٣٤٨ - فحدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عوف بن سفيان الطائي، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، حدثنا إسماعيل بن عيّاش، عن ابن أبي ذِئب، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يَغْلَقُ الرهنُ، لِصاحِبِه غُنْمُه، وعليه غُرْمُه" (^١).
_________________
(١) = عندنا منه برواية الحسين بن بكر الوراق عن أبي علي اللؤلؤي ورقة (٧) من طريق عبد الله بن مسلمة القعنبي، وأبو أحمد الحاكم في "عوالي مالك" (٥٧)، وأبو الحسين الكلابي في "جزئه" (١٢)، وعنه أبو القاسم الحِنّائي في "الحنائيات" (٥٩) من طريق أبي نُعيم عبيد بن هشام الحلبي، وابن المظفر في "غرائب مالك" (٩٣) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، أربعتهم عن مالك، به مرسلًا أيضًا. ولفظ ابن وهب وابن القاسم والقعنبي مختصر بلفظ: "لا يَغْلَق الرهنُ"، ولفظ أبي نعيم بطوله.
(٢) رجاله لا بأس بهم، إلّا أنَّ إسماعيل بن عياش مُخلِّط في روايته عن الحجازيين، وابن أبي ذئب - وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة - مدنيٌّ، على أنَّ بقية بن الوليد والمعافى بن عمرانَ الحمصي قد روياه عن إسماعيل بن عياش فأدخلا بينه وبين ابن أبي ذئب رجلًا، وهو عباد بن كثير الرملي، وعباد هذا ضعيف الحديث، فيصير إسناد المصنف هنا منقطعًا، وقد جزم بانقطاعه ابنُ عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٤٢٩، والمعافى بن عمران صدوق حسن الحديث ووافقه بقية بن الوليد. وقد رواه غير إسماعيل بن عياش عن ابن أبي ذئب، بهذا الإسناد مرسلًا، وهو المحفوظ، وفاقًا لأكثر الرواة عند الزُّهْري، كما تقدم بيانه برقم (٢٣٤٦). وأخرجه البيهقي ٦/ ٣٩ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الدارقطني (٢٩٢١) عن أبي محمد يحيى بن محمد بن صاعد، عن محمد بن عوف، به. وأخرجه الدارقطني في "السنن" (٢٩٢٤)، وفي "العلل" (١٦٩٤) وتمام الرازي في "فوائده" ٧٢ - وفي طبعة الدوسري (٦٩٧) من طريقين عن عبد الله بن عبد الجبار الخبائري، عن إسماعيل بن عياش، به. وأخرجه الدارقطني في "العلل" (١٦٩٤) من طريق المعافى بن عمران، وابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٤٢٨ من طريق بقية بن الوليد، كلاهما عن إسماعيل بن عياش، عن عباد بن كثير، عن =
[ ٣ / ٢٦٠ ]
وقد قيل: عن ابن أبي ذِئب، عن الزُّهْري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة:
٢٣٤٩ - أخبرَناه أبو علي الحافظ، حدثنا محمد بن إبراهيم الرازي، حدثنا عبد الله بن نصر الأصم، حدثنا شَبَابة، حدثنا ابن أبي ذِئب، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيّب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يَغْلَقُ الرهنُ، الرهنُ لمن رَهَنه، له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه" (^١).
_________________
(١) = ابن أبي ذئب، به. فزادا في الإسناد عباد بن كثير - وهو الرملي - وهو ضعيف. وسيأتي هذا الحديث بعده موصولًا أيضًا من رواية شبابة بن سوّار عن ابن أبي ذئب، لكن في الطريق إليه ضعف شديد، وخالف في ذلك جماعةُ أصحاب ابن أبي ذئب الثقاتُ، فرووه عنه مرسلًا: فأخرجه الشافعي في "الأم" ٤/ ٣٨٣، ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" ٦/ ٣٩، وفي "الصغرى" (٢٠٣٤)، وفي "معرفة السنن والآثار" (١١٧٤٣) من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك، وعبد الرزاق في "مصنفه" (١٥٠٣٤) عن سفيان الثَّوري، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ٧/ ١٨٧ عن وكيع بن الجرّاح، وأبو داود في "المراسيل" (١٨٧) عن أحمد بن عبد الله بن يونس، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٤/ ١٠٠ من طريق عبد الله بن وهب، خمستهم عن ابن أبي ذئب، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيب، مرسلًا. زاد الدارقطني في "العلل" (١٦٩٤) وهيب بن خالد وعبد الله بن نمير ممن رواه عن ابن ذئب مرسلًا.
(٢) إسناده ضعيف جدًّا، محمد بن إبراهيم الرازي يغلب على ظنّنا أنه ابن زياد الطيالسي، فقد روى عنه غير واحد من شيوخ الحاكم، وهو متروك الحديث واتهمه الدارقطني والخطيب بوضع الحديث وسرقته، وقال أبو أحمد الحاكم: حدَّث عن ناس لم يدركهم. قلنا: وهذا هو الظاهر هنا، فقد روى هذا الحديث قاسم بن أصبغ عند ابن حزم في "المحلى" ٨/ ٩٩ وابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٤٣٠ عنه، فأدخل بينه وبين عبد الله بن نصر الأصم واسطةً فقال: حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثني يحيى بن أبي طالب الأنطاكي (والصواب يحيى بن طالب) وجماعة من أهل الثقة، قالوا: حدثنا عبد الله بن نصر الأصم الأنطاكي. ويحيى بن طالب المذكور له ترجمة في "تاريخ دمشق"، روى عنه جمع، ولم يؤثر فيه جرح ولا تعديل. وقد تابعه في روايته عن عبد الله بن نصر الأنطاكي: عبد العزيز بن سليمان والفضلُ بن سليمان الأنطاكيان عند ابن عدي في "الكامل" ٤/ ٢٣٠، وهما في عداد المجاهيل، على أنَّ ابن عدي قد ترجم لرجل سماه الفضل بن محمد بن عبد الله بن الحارث بن سليمان الباهلي الأنطاكي، وقال: أحد =
[ ٣ / ٢٦١ ]
وأما حديث سليمان بن أبي داود:
٢٣٥٠ - فحدَّثَناه الحُسين بن علي، حدثنا أبو الطَّيِّب محمد بن جعفر الدِّيباجي ببغداد، حدثنا محمد بن خالد بن يزيد الراسبي، حدثنا أبو مَيسرة أحمد بن عبد الله بن ميسرة الحَرّاني، حدثنا سليمان بن أبي داود، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا يَغْلَقُ الرَّهنُ حتى يكون لك غُنْمه، وعليك غُرْمُه" (^١).
وأما حديث محمد بن الوليد الزُّبيدي:
٢٣٥١ - فحدَّثَناه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى، حدثنا عبد الله بن محمد الإسفراييني، حدثنا عِمران بن بَكّار، حدثنا عبد الله بن عبد الجبّار، حدثنا إسماعيل
_________________
(١) = من كتبنا عنه بأنطاكية واتهمه بسرقة الحديث، فلعله يكون هو الثاني. وعبد الله بن نصر الأنطاكي المذكور أنكر له ابن عدي عدة أحاديث، منها هذا الحديث، وقال عنه أبو عبد الهادي في "التنقيح" ٤/ ١٩: ليس بذلك المعتمد، ونحوه قول الذهبي في "التنقيح" ٢/ ١٠٧، وقال عنه في "المغني": منكر الحديث. قلنا: ومن وجوه نكارة حديثه أنه قرن في روايته هذه بسعيد بن المسيب أبا سلمة بن عبد الرحمن، وهذا لا يُعرف إلّا من روايته كما نبَّه عليه ابن عدي في "الكامل"، على أنه لم يرو هذا الحديثَ عن شبابة - وهو ابن سوّار - غيره، ثم إنَّ المحفوظ في رواية ابن أبي ذئب إرسال الحديثَ كما بيناه سابقًا.
(٢) إسناده ضعيف جدًّا، أبو ميسرة: أحمد بن عبد الله بن ميسرة ضعيف جدًّا واتهمه ابن حبان وابن عدي بسرقة الحديث، وسليمان بن أبي داود - ويقال: ابن داود هو الحَرّاني، كما قيده الحاكم لدى إجماله ذكر متابعات هذا الحديث بإثر الرواية (٢٣٤٦)، وجاء عند من خرَّج الحديث غير الحاكم تقييده بالرَّقّي، والخطب فيه هين، فحران قريبة من الرقة، وهما من أهم مدن الجزيرة، ويجوز أن يكون هو سليمان بن داود الجزري، كما قال الحافظ، لأنها طبقته، وإذا صحَّ ذلك فهو ضعيف الحديث أيضًا، والله تعالى أعلم. وقد روى هذا الحديث عن الزُّهْري غيرُه، لكن اختلف عليه في وصله وإرساله، كما تقدَّم. وأخرجه ابن عدي في "الكامل" ١/ ١٧٦، والدارقطني في "سننه" (٢٩٢٢) من طريق محمد بن خالد بن يزيد الراسبي، بهذا الإسناد.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
ابن عيّاش، حدثنا الزُّبيدي، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يَغْلَقُ الرهنُ، له غُنمُه، وعليه غُرمُه" (^١).
وأما حديث معمر بن راشد:
٢٣٥٢ - فحدَّثَناه أبو بكر محمد بن عبد الله الحَفِيد، حدثنا موسى بن زكريا التُّستَري، حدثنا محمد بن يزيد الرَّوّاس، حدثنا كُدَير (^٢) أبو يحيى، حدثنا معمر، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يَغلَقُ الرهنُ، لك غُنمُه وعليك غُرمُه" (^٣).
_________________
(١) رجاله لا بأس بهم، وإسماعيل بن عياش وإن كان قويًا في روايته عن أهل بلده، والزُّبيدي من أهل بلده، قد اختُلف عليه في رواية هذا الحديث، فأكثر من رواه عنه ذكروا فيه ابن أبي ذئب، بدل محمد بن الوليد الزُّبيدي، كما تقدم برقم (٢٣٤٨)، وكذلك قال عبد الله بن عبد الجبار - وهو الخبائري - من طريقين عنه، كما قدمنا هناك، فالظاهر أنَّ الخبائري أخطأ في روايته هنا بذكر الزُّبيدي. وهذا معنى ما ذكره الدارقطني في "الغرائب" كما في "أطرافه" لابن طاهر المقدسي (٥٠٣٣)، وابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ٤٣٠، وإذا ثبت ذلك رجع حديث إسماعيل بن عياش إلى روايته عن ابن أبي ذئب، وهي منقطعة كما تقدَّم، لأنه إنما سمعه من عباد بن كثير الرملي عن ابن أبي ذئب، وعباد ضعيف الحديث، والله تعالى أعلم. وأخرجه الدارقطني (٢٩٢٣)، وتمام الرازي في "فوائده" (٧١) من طريقين عن عمران بن الكَلاعي، بهذا الإسناد.
(٢) في النسخ الخطية: أبو كريد، بإقحام لفظة "أبو"، وبالراء ثم الدال، وما أثبتناه هو الصواب الموافق لما ضُبط في "المؤتلف والمختلف" للدارقطني ٤/ ١٩٦٠، و"الإكمال" لابن ماكولا ٧/ ١٢٩، وكذلك وقع مسمًّى في المصادر التي خرجت الحديث من هذه الطريق.
(٣) إسناده ضعيف جدًّا، موسى بن زكريا التُّستَري متروك الحديث، وكُدير أبو يحيى مجهول، وقد روى البزار هذا الحديث عن محمد بن يزيد الروّاس، فتبقى جهالة كُدير أبي يحيى، إلّا أنه لم ينفرد به، فقد تابعه أبو جزيّ نصر بن طريف، لكن لا يُفرح بمتابعته فإنه متروك، بل اتهمه بعضهم بوضع الحديث. وقد أشار ابن عديّ في "الكامل" ٧/ ٣٤ إلى أنَّ أحمد بن عبدة الضبي قد رواه أيضًا عن يزيد بن زُريع عن معمر، وهؤلاء ثقات، لكن طوى ابن عدي إسناده إلى أحمد بن عَبْدة، ولم نقف عليه مخرَّجًا، =
[ ٣ / ٢٦٣ ]
٢٣٥٣ - أخبرني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ، حدثنا الحَسَن بن علي بن شَبيب المَعْمَري، حدثنا محمد بن سُليمان المِصِّيصي، حدثنا أبو هَمَّام محمد بن الزِّبْرِقان، حدثنا أبو حيّان التَّيمي، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "يقولُ الله: أنا ثالثُ الشَّرِيكَينِ ما لم يخُنْ أحدُهما صاحِبَه، فإذا خانَ خرجتُ من بينِهما" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٣٥٤ - حدثنا أبو أحمد إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمي بالكوفة، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غَرَزة، حدثنا عُبيد الله بن موسى، أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان،
_________________
(١) = فلم نتبين درجة هذه المتابعة. وعلي أي حالٍ فقد روى هذا الحديث عن معمر غيرُ هؤلاء فأرسلوه، وهو المحفوظ، وفاقًا لأكثر رواته عن الزُّهْري، كما مضى بيانه برقم (٢٣٤٦)، ولهذا قال ابن عدي: الأصل فيه مرسل، ليس في إسناده أبي هريرة. وأخرجه الدارقطني (٢٩٢٥) عن محمد بن أحمد بن زيد الحِنّائي، عن موسى بن زكريا، به. وأخرجه البزار في "مسنده" (٧٧٤١) عن محمد بن يزيد بن الروّاس، به. وأخرجه عبد الرزاق (١٥٠٣٣)، ومن طريقه أبو بكر النَّيسابُوري في "الزيادات على مختصر المزني" (٢٨٣)، والدارقطني (٢٩٢٦)، وأخرجه أبو داود في "المراسيل" (١٨٦)، ومن طريقه البيهقي ٦/ ٤٠ من طريق محمد بن ثور، كلاهما (عبد الرزاق ومحمد بن ثور) عن معمر، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيب مرسلًا.
(٢) إسناده ضعيف لجهالة والد أبي حيان التيمي - واسم أبي حيان: يحيى بن سعيد بن حيان - وبذلك أعله ابن القطان في "بيان الوهم" ٤/ ٤٩٠، وأعله الدارقطني في "العلل" (٢٠٨٤) بعلة أخرى، وهي أنَّ جرير بن عبد الحميد وغيره قد خالفوا فيه محمد بن الزبرقان، فأرسلوه، قال: وهو الصواب. وأخرجه أبو داود (٣٣٨٣) عن محمد بن سليمان المِصِّيصي، بهذا الإسناد. ورواية جرير بن عبد الحميد التي أشار إليها الدارقطني أخرجها في "سننه" (١٩٣٤)، لكن الراوي عنه فيها أبو ميسرة أحمد بن عبد الله بن ميسرة النهاوندي، وهو متروك الحديث.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
قال: سمعت سالم بن عبد الله يحدِّث عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "مَن وَهَبَ هِبةً، فهو أحقُّ بها، ما لم يُثَبْ مِنها" (^١).
_________________
(١) رجاله لا بأس بهم، إلّا أنَّ عُبيد الله بن موسى قد غلط في إسناده كما قال البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (١٢٣٨٠)، وذلك لأنَّه جعله عن عبد الله بن عمر بن الخطاب مرفوعًا، وإنما هو عن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب من قوله غير مرفوع، وهذا الذي جزم به الدارقطني والبيهقي وابن عبد الهادي، وقال البخاري في "تاريخه" ١/ ٢٧١: هذا أصحُّ. وخالفهم جماعة فصححوه مرفوعًا، منهم غيرُ المصنف: ابنُ حزم وابنُ القطّان الفاسي وابنُ التركماني. وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (١٨٠) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الدارقطني في "السنن" (٢٩٦٩)، وفي "العلل" (١٠٨)، ومن طريقه ابن الجوزي في "التحقيق" (١٦٢٨) عن أبي علي إسماعيل بن محمد الصفار، عن علي بن سهل بن المغيرة، عن عبيد الله بن موسى، به. وأخرجه سحنون في "المدونة" ٤/ ٤١٤، والبيهقي ٦/ ١٨١ من طريق عبد الله بن وهب، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٤/ ٨١ من طريق مكي بن إبراهيم، كلاهما عن حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جده موقوفًا عليه. وأخرجه ابنُ حزم ٩/ ١٢٨، والبيهقي ٦/ ١٨١، من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سالم، عن أبيه، عن جده عمر بن الخطاب قال: من وَهَبَ هبةً فلم يُثَب فهو أحقُّ بهبته إلّا لذي رحمٍ. وأخرج ابن أبي شيبة ٦/ ٤٧٤، وابن ماجه (٢٣٨٧)، والدارقطني (٢٩٧٠) من طريق وكيع بن الجراح، والدارقطني (٢٩٧٢)، والبيهقي ٦/ ١٨١ من طريق عُبيد الله بن موسى، والدارقطني (٢٩٧١) من طريق جعفر بن عون، ثلاثتهم عن إبراهيم بن إسماعيل بن مُجمِّع، عن عمرو بن دينار، عن أبي هريرة رفعه. كذا خالف فيه إبراهيمُ بنُ إسماعيل الثقةَ الحافظَ سفيانَ بنَ عيينة! فالقول ما قال سفيان. وقد روي عن عمر بن الخطاب من عدة وجوه صحاح تخصيص عُموم ما ورد في رواية حنظلة بن أبي سفيان، ومن ذلك رواية عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله بن عمر التي قدمناها، ففيها قال عمر بن الخطاب: إلّا لذي رحمٍ. ويُوضِّحه ما رواه الأسود بن يزيد النخعي عن عمر بن الخطاب، قال: من وهب هبةً لذي رحمٍ، =
[ ٣ / ٢٦٥ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه، إلّا أن يكون الحَمْلُ فيه على شَيخِنا.
٢٣٥٥ - حدثنا أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن المنصورِ أميرِ المؤمنين ببغداد في دار الخِلافة، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الهاشمي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرَّقِّي، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن حماد، عن قَتَادة، عن الحسن، عن سَمُرة، عن النبي ﷺ، قال: "إذا كانت الهِبةُ لِذي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، لم يُرجَعْ فيها" (^١).
_________________
(١) = فهي جائزة، ومن وهب هبةً لغير ذي رحم فهو أحق بها، ما لم يُثَب منها. أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٤٧٢، وابن المنذر في "الأوسط" (٨٨٣٩)، والطحاوي ٤/ ٨١. ونحوه عن أبي غطفان بن طريف، عن مروان بن الحكم، عن عمر، قال: من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه الصدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يُرى أنه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها إن لم يُرْضَ منها. أخرجه مالك في "الموطأ" برواية أبي مصعب (٢٩٤٧)، ورواية محمد بن الحسن (٨٠٥)، ورواية سويد بن سعيد (٢٩٤)، وكذلك رواه الشافعي في "الأم" ٨/ ٦٤٤ عن مالك، وكذلك رواه ابن وهب عن مالك عند الطحاوي ٤/ ٨١، والبيهقي ٦/ ١٨٢، وكذلك يحيى القطان رواه عن مالك عند مُسدَّد في "مسنده" كما في "المطالب العالية" (١٤٩٢). وإنما عدّدنا طرقه عن مالك لأنَّ يحيى الليثي أسقط من روايته ٢/ ٧٥٤ ذكر مروان بن الحكم، فانقطع الإسناد. وروى نحو ذلك أيضًا سعيد بن المسيب عن عمر - ومرسَلُه عن عمر بن الخطاب حجة كما ذهب إليه الجهابذة من المحدثين وعدُّوه كالموصول - قال: من وهب هبةً يرجو ثوابها فهي ردٌّ على صاحبها أو يُثاب عليها، ومن أعطى في حقٍّ أو قرابةٍ أجزنا عطيّته. أخرجه عبد الرزاق (١٦٥١٩) وابن المنذر في "الأوسط" (٨٨٣٨). فيُحمل ما ورد في عموم رواية حنظلة في قول عمر على ما خُصِّص به في الروايات الأخرى الصحيحة عنه، ولا يُعارَض بذلك عندئذٍ مذهبُه مع ما ثبت من نهي النبي ﷺ عن الرجوع في الهبة وتمثيله ذلك بالكلب يقيء ثم يعود في قيئه، مما رواه غير واحدٍ من الصحابة، كحديث ابن عباس عند البخاري (٢٥٨٩) ومسلم (١٦٢٢)، والله أعلم بالصواب.
(٢) رجاله ثقات عن آخرهم، وسماع الحسن - وهو البصري - من سمرة بن جندب في الجملة صحيح عندنا كما بيناه عند الحديث السالف برقم (١٥١)، إلا أن ابن عبد الهادي والذهبي =
[ ٣ / ٢٦٦ ]
هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يُخرجاه.
٢٣٥٦ - أخبرني أبو عبد الله محمد بن علي الجَوهَري ببغداد، حدثنا عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي، حدثنا عبد العزيز بن يحيى المَديني، حدثنا مسلم بن خالد الزَّنْجي، عن محمد بن علي بن يزيد بن رُكَانة، عن داود بن الحُصَين، عن عِكرمة، عن ابن عباس قال: لما أرادَ رسولُ الله ﷺ أن يُخرِج بني النَّضِير، قالوا: يا رسول الله، إنك أمرتَ بإخراجِنا ولنا على الناس ديونٌ لم تَحِلَّ، قال: "ضَعُوا وتَعَجّلُوا" (^١).
_________________
(١) = أنكرا هذا الحديث في كتابيهما "تنقيح التحقيق" مع اعترافهما بثقة رجاله، قال ابن عبد الهادي: وهو أنكر ما روي عن الحسن عن سَمُرة، والله أعلم. وقال البيهقي في "السنن" ٦/ ١٨١: لم نكتبه إلَّا بهذا الإسناد وليس بالقوي؛ كذا قال، ولعلّه ظن ما ظنه ابنُ الجوزي في "التحقيق"، من أنَّ عبد الله بن جعفر الذي جاء مطلقًا في روايتهما هو المديني والد علي، وهو ضعيف، لكن الصحيح أنه الرّقي، كما جاء مقيّدًا عند الحاكم، وهو ثقة. وأخرجه الدارقطني (٢٩٧٣)، والبيهقي ٦/ ١٨١ من طريق أبي علي إسماعيل بن محمد الصفار، عن عبد العزيز بن عبد الله الهاشمي، بهذا الإسناد. وقال الدارقطني: انفرد به عبد الله بن جعفر. وقد صحَّ معنى هذا الحديث من مذهب عمر بن الخطاب الذي قدمنا ذكره بطرقه عند الحديث السابق، والذي نصَّ فيه على أنَّ الهبة لذي الرحم جائزة لا يُرجع فيها. وظاهر هذا الحديث يعارض حديث ابن عباس وابن عمر السالف برقم (٢٣٢٩) مرفوعًا بلفظ: "لا يحل للرجل أن يُعطي العطية فيرجعَ فيها، إلّا الوالد فيما يُعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية فيرجع فيها كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء، ثم رجع في قيئه"، فهذا الحديث يدلُّ على النهي عن الرجوع في الهبة عمومًا سواء كانت لذي رحم أو غيره إلَّا الوالد لولده، وهو ما ذهب إليه الجمهور. وانظر "فتح الباري" ٨/ ٢٧٢، و"نيل الأوطار" ٦/ ١٥. والرحم المحرم، بفتح الميم والراء مخففة، أو بضم الميم وتشديد الراء: من يحرم نكاحه رجلًا كان أو امرأة.
(٢) إسناده ضعيف جدًّا، عبد العزيز بن يحيى المديني متروك الحديث، واتهمه البخاري بوضع الحديث، وابن عَدي بسرقته، ولكنه لم ينفرد به فقد روي من غير طريقه عن مسلم بن خالد =
[ ٣ / ٢٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الزّنْجي، ومسلم الزّنْجي ضعيف الحديث، وقد اضطرب في إسناد الحديث كما قال الدارقطني في "سننه" بإثر (٢٩٨٣). وقد خالفه ابنُ جُرَيج فرواه عن محمد بن علي بن يزيد بن ركانة عن محمد بن عمر بن علي مرسلًا، ورواه ابن جُرَيج أيضًا عن محمد بن علي بن يزيد بن ركانة عن داود بن الحصين عن ابن الأشهل عن النبي ﷺ، وذكر أبو حاتم كما في "العلل" لابنه (١١٣٤) أنَّ ابن جُرَيج رواه أيضًا عن ابن رُكانة عن عكرمة مرسلًا، لكننا لم نقف عليه من هذه الطريق عند غيره، وعليه يكون محمد بن علي بن يزيد بن ركانة قد اضطرب فيه أيضًا، وابن ركانة هذا لم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان، وتساهل ابنُ القيم في تحسينه إسناد هذا الحديث في "أحكام أهل الذمة" ٣/ ١٨٧. وأخرجه البيهقي ٦/ ٢٨ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الدارقطني (٢٩٨٣) عن محمد بن عبيد الله بن محمد بن العلاء، عن عبد الله بن أحمد الدَّورقي، به. وأخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٤٢٧٧)، والطبراني في "الأوسط" (٦٧٥٥) من طريقين عن هشام بن عمار، والبيهقي ٦/ ٢٨ من طريق الحكم بن موسى، كلاهما عن مسلم بن خالد الزنجي، به. غير أنه في رواية الطبراني سمَّى ابنَ رُكانة عليَّ بن يزيد بن ركانة. وأخرجه العُقيلي في "الضعفاء" (١٢١٢)، والطبراني في "الأوسط" (٨١٧)، والدارقطني (٢٩٨٠) و(٢٩٨١) من طريق عُبيد الله بن عمر القواريري، عن مسلم بن خالد الزنجي، عن علي بن محمد - وعند العُقيلي: علي بن أبي محمد - عن عكرمة، عن ابن عباس، فأسقط من إسناده داودَ بنَ الحُصين، وقلب اسمَ ابنِ رُكانة إلى علي بن محمد. وأخرجه الدارقطني (٢٩٨٢) من طريق عفيف بن سالم، عن مسلم بن خالد، عن داود بن الحصين به. فأسقط من إسناده ابن ركانة. وأخرجه ابن أبي عمر العدني في "مسنده" كما في "المطالب العالية" لابن حجر (١٤٤١)، و"إتحاف الخيرة المهرة" للبوصيري (٢٩٤٠) عن هشام بن سليمان، عن ابن جُرَيج، عن محمد بن علي بن يزيد بن ركانة، عن محمد بن عمر بن علي، مرسلًا قال ابن جُرَيج: وأخبرني بمثل ذلك عن داود بن الحصين عن ابن عبد الأشهل؛ كذا عند البُوصيري، وعند ابن حجر: وأُخبرت بمثل ذلك عن داود بن الحصين عن أبي عبد الله الأشهلي. وأبو عبد الله الأشهلي: هو واقد بن عمرو بن سعد، وهو تابعي، فالحديث من طريقه مرسلٌ أيضًا. وإذا صحَّ ما وقع عند ابن حجر يكون في الإسناد أيضًا بين ابن جُرَيج وداود بن الحصين رجلٌ مبهم. =
[ ٣ / ٢٦٨ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٣٥٧ - حدثنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا جعفر بن أحمد الشاماتي، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الله بن نُمَير، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مُهاجر، عن أبيه، عن عبد الله بن باباهُ، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "مكّةُ مُناخٌ، لا تُباعُ رِباعُها، ولا تُؤَاجَرُ بيوتُها" (^١).
_________________
(١) = وقد صحَّ عن ابن عباس من فتواه أنه كان لا يرى بأسًا أن يقول: عجِّل لي وأضعُ عنك. أخرجه عنه عبد الرزاق (١٤٣٦٠)، وابن المنذر في "الأوسط" (٨٤١٣)، والطحاوي في "مشكل الآثار" ١١/ ٦١، والبيهقي ٦/ ٢٨. وصحَّ عن ابن عمر وزيد بن ثابت القول بخلاف ذلك، كما أخرجه عنهما عبد الرزاق (١٤٣٥٥) و(١٤٣٥٩)، وابن المنذر في "الأوسط" (٨٤٠٩ - ٨٤١٢)، والطحاوي ١١/ ٦١ - ٦٣، والبيهقي ٦/ ٢٨.
(٢) إسناده ضعيف لضعف إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر وأبوه ضعيف أيضًا لكنه أحسن حالًا من ابنه. وقد خالف إسماعيلَ في إسناده شريكُ بنُ عبد الله النخعي، وهو حسن الحديث إن شاء الله، فرواه عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد مرسلًا، وهذا أصح، فقد رواه كذلك الأعمش عن مجاهد كما سيأتي. وأخرجه الدارقطني (٣٠١٨)، والبيهقي ٦/ ٣٥ من طريقين عن أحمد بن محمد بن يحيى القطان، بهذا الإسناد. وأخرجه الفاكهي في "أخبار مكة" (٢٠٤٦)، وابن المنذر في "الأوسط" (٦٣٢٦)، والعقيلي في "الضعفاء" (٨٦)، وابن عدي في "الكامل" ١/ ٢٨٧ من طريقين عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، به. وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٤/ ٤٨، والطبراني في "الكبير" (١٤٣١٦)، وابن عدي في "الكامل" ١/ ٢٨٧ من طريق عبد الرحيم بن سليمان، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، فذكر مجاهدًا بدل عبد الله بن باباه. وأخرجه أبو عُبيد القاسم بن سُليم في "الأموال" (١٦٢)، وأبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف" (١٤٨٩٩ و١٤٩١٠ - عوامة)، وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٤/ ٤٩ من طريق ابن الأصبهاني، ثلاثتهم (أبو عبيد وابن أبي شيبة وابن الأصبهاني) عن شريك النخعي، عن إبراهيم =
[ ٣ / ٢٦٩ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
وشاهِدُه حديثُ أبي حنيفة الذي:
٢٣٥٨ - حدَّثناه علي بن حَمْشاذَ العَدْلُ وأبو جعفر بن عُبيد الحافظ، قالا: حدثنا محمد بن المغيرة السُّكّري، حدثنا القاسم بن الحكَم العُرَني، حدثنا أبو حَنيفة، عن عُبيد الله بن أبي زياد، عن أبي (^١) نَجِيح، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال النبي ﷺ: "مكةُ حَرامٌ، وحَرامٌ بَيعُ رِباعِها، وحَرامٌ أجرُ بيوتها" (^٢).
_________________
(١) = ابن مهاجر، عن مجاهد. قال أبو عبيد في روايته: أراه رفعه، وجعله الآخران من قول مجاهد، لكنهما ذكراه بلفظ: لا يحل بيعُ رباعها ولا إجارة بيوتها. وممّا يؤيد رفعه أنَّ الأعمش رواه عن مجاهد، مرفوعًا مرسلًا. أخرجه أبو عبيد (١٦١)، وابن أبي شيبة (١٤٨٩٨) و(١٤٩١١)، وابن زنجويه في "الأموال" (٢٤٣)، والفاكهي في "أخبار مكة" (٢٠٥٣)، والبلاذري في "فتوح البلدان" ص ٥١، وابن الجوزي في "التحقيق في مسائل الخلاف" (١٤٦٥) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، عن الأعمش. ورواية الأعمش عن مجاهد فيها مقال عند أهل العلم. وله طريق آخر مرفوع عن عبد الله بن عمرو سيأتي بعده. إلَّا أنَّ فيه مقالًا. والمُناخ، بضم الميم: موضع الإناخة، يعني نزول الإبل. والرِّباع: جمع رَبْع، وهو المنزل والمَحَلّة.
(٢) وقع في (ع) ونسخة في (ص): ابن أبي نجيح، بإقحام لفظة "ابن"، وإنما هو هنا أبو نجيح يسار المكي، وليس ابنه عبد الله.
(٣) إسناده ضعيف، عُبيد الله بن أبي زياد - وهو المكي القداح - مختلف فيه، وهو إلى الضعف أقرب، وقد اختُلف عليه في رفعه ووقفه، وفي لفظه أيضًا، فرواه عنه الإمام أبو حنيفة مرفوعًا بهذا اللفظ المذكور عند المصنف، موافقًا في ذلك مرسل مجاهد بن جبر المكي الذي قدمنا ذِكرَه عند الطريق التي قبله. ورواه عنه أبو حنيفة أيضًا مرفوعًا بلفظ: "من أكل أجور بيوت مكة، فإنما يأكلها نارًا"، وتابع أبا حنيفة عليه كذلك أيمنُ بنُ نابل في رواية عنه. وخالفهما وكيع بن الجراح ومسلم بن خالد الزنجي وعبيد الله بن موسى العبسي وعيسى بن يونس السبيعي ومحمد بن ربيعة الكلابي، فرووه عن عبيد الله بن أبي زياد، باللفظ الثاني، لكن =
[ ٣ / ٢٧٠ ]
قد صحّتِ الرواياتُ أنَّ رسول الله ﷺ دخل مكة صلحًا.
فمنها:
٢٣٥٩ - ما حدَّثَناه أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن الفضل عارِمٌ وهُدْبة بن خالد، قالا: حدثنا سلّام بن مِسكين، عن ثابت، عن عبد الله بن رَبَاح، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ حين سارَ إلى مكةَ لِيفتَحَها قال لأبي هُريرة: "اهتِفْ بالأنصار"، فقال: يا معشرَ الأنصار، أجِيبُوا رسولَ الله ﷺ، فجاؤوا
_________________
(١) = موقوفًا على عبد الله بن عمرو بن العاص، ووافقهم أيمن بن نابل في رواية أخرى عنه. وأخرجه البيهقي ٦/ ٣٥ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الدارقطني (٣٠١٤)، وأبو نعيم في "مسند أبي حنيفة" ١/ ١٨١ من طرق عن القاسم بن الحكم، به. وأخرجه أبو يوسف في "الآثار" (٥٤٤) عن أبي حنيفة، وأخرجه الدارقطني (٣٠١٥) من طريق محمد بن الحسن الشَّيباني، عن أبي حنيفة، به. لكن وقع عند الدارقطني في روايته: عن عبيد الله بن أبي يزيد، بدل ابن أبي زياد، ونسب الوهم فيه لأبي حنيفة، ولا يُسلّم ذلك للدارقطني، لما تقدم من رواية أبي يوسف والقاسم بن الحكم عنه على الصواب. وأخرجه باللفظ الثاني محمد بن الحسن في "الآثار" كما في "نصب الراية" للزيلعي ٤/ ٢٩٦، ومن طريقه أخرجه الدارقطني (٣٠١٥)، وأخرجه السهمي في "تاريخ جرجان" (٤١٢) من طريق عُبيد الله بن موسى العبسي، كلاهما (محمد بن الحسن وعبيد الله) عن أبي حنيفة، به مرفوعًا. وأخرجه باللفظ الثاني أيضًا الدارقطني (٢٧٨٧) من طريق أيمن بن نابل، عن عبيد الله بن أبي زياد، به مرفوعًا. وأخرجه أيضًا أبو عبيد في "الأموال" (١٦٣) عن وكيع بن الجراح، وابن أبي شيبة (١٤٩٠٣ - عوامة)، وابن زنجويه في "الأموال" (٢٤٥)، والدارقطني (٣٠١٦)، والبيهقي ٦/ ٣٥ من طريق عيسى بن يونس، وابن المنذر في "الأوسط" (٦٣٢٣) من طريق عُبيد الله بن موسى العبسي، والأزرقي في "أخبار مكة" ٢/ ١٦٣ من طريق مسلم بن خالد الزنجي، والدارقطني (٣٠١٧) من طريق محمد بن ربيعة الكلابي، خمستهم عن عبيد الله بن أبي زياد، به موقوفًا على عبد الله بن عمرو بن العاص. ووافقهم أيمن بن نابل في رواية أخرى عنه عند الفاكهي في "أخبار مكة" (٢٠٥١)، فهذا هو المحفوظ عن عبيد الله بن أبي زياد؛ أنه بهذا اللفظ عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، والله أعلم.
[ ٣ / ٢٧١ ]
كأنما كانوا على مِيعادٍ، ثم قال: "اسلُكوا هذا الطريقَ، ولا يُشْرِفَنَّ لكم أحدٌ إِلَّا أَنَمْتُمُوه"، فسارَ رسولُ الله ﷺ، ففتَحَها اللهُ عليه، فطاف رسول الله ﷺ بالبيتِ، فصلى ركعتين، ثم خرج من الباب الذي يلي الصفا، فصَعِد الصفا، فخَطَب الناسَ، والأنصارُ أسفلَ منه، فقالتِ الأنصارُ بعضُهم لبعضٍ: أمّا الرجلُ فأخذَتْه الرأفةُ بقومه، والرغبةُ في قريته، وأنزل الله الوحيَ بما قالتِ الأنصارُ، فقال: "يا معشرَ الأنصار، تقولون: أمّا الرجل أخذته رأفةٌ بقومِه، ورغبةٌ في قريتِه"، قال: "فمَن أنا إذًا، كلَّا والله، إني عبدُ الله ورسولُه حقًّا، فالمَحْيا محياكُم، والمَماتُ مماتُكُم"، قالوا: والله يا رسول الله ما قلنا ذلك إلّا مخافةَ أن يُعادُّونا، قال: "أنتم صادِقون عند اللهِ وعند رسولِه"، قال: فوالله ما منهم إلَّا مَن بلَّ نحرَه بالدُّموع (^١).
ومنها:
٢٣٦٠ - ما حدثنا أبو أحمد محمد بن محمد بن إسحاق العَدْل الصفّار، حدثنا أحمد بن محمد بن نَصْر، حدثنا عمرو بن طلحة القَنّاد، حدثنا أسباطُ بن نَصْر، عن السُّدِّي، عن مُصعب بن سَعْد، عن أبيه، قال: لما كان يومُ فتحِ مكةَ أَمَّنَ رسولُ اللهِ ﷺ الناسَ إِلَّا
_________________
(١) إسناده صحيح. ثابت: هو ابن أسلم البناني. وأخرجه أبو داود (١٨٧١) و(٣٠٢٤)، والنسائي (١١٢٣٤) من طريقين عن سلّام بن مسكين، بهذا الإسناد. وروايتا أبي داود مختصرتان. وأخرجه مسلم (١٧٨٠)، وأبو داود (١٨٧٢)، والنسائي (١١٢٣٤)، وابن حبان (٤٧٦٠) من طريق سليمان بن المغيرة، ومسلم (١٧٨٠) من طريق حماد بن سلمة، كلاهما عن ثابت البناني، به. ورواية أبي داود مختصرة. قوله: "لا يُشرِفَنّ" أي: لا يَطْلُعَنَّ. وقوله: "أنمتموه" أي: قَتَلْتُموه. وقوله: "يُعادُّونا" بتشديد الدال المضمومة، من التعادّ، وهو المساهمة والتزايد والتكاثر فيما يُعادُّ من المكارم وغير ذلك، والمعنى: مخافة أن يُساهمونا فيك فيزدادوا علينا بزيادة صلة القرابة بينك وبينهم، فيكون لهم الفضل الزائد علينا بالقرابة، فتمكث عندهم.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
أربعةَ نَفَرٍ وامرأتين، وقال: "اقتُلُوهم وإن وجدتموهم مُتعلِّقين بأستارِ الكعبة"؛ عِكْرمةُ بن أبي جهل، وعبدُ الله بن خَطَلٍ، ومِقْيَسُ بن صُبَابة، وعبد الله بن سَعْد بن أبي سَرْحٍ (^١).
٢٣٦١ - حدثنا علي بن عيسى الحِيرِي، حدثنا محمد بن إسحاق بن خُزيمة، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دِينار، حدثنا زيد بن أسلم، قال: رأيتُ شيخًا بالإسكندرية يقال له: سُرَّقٌ، فقلتُ له: ما هذا الاسمُ؟ قال: اسمٌ سمّانِيهِ رسولُ الله ﷺ ولن أدَعَه، قلتُ: ولمَ سَمّاك؟ قال: قدمتُ المدينةَ فأخبرتهم أنَّ أموالي [تَقدَمُ] فبايَعُوني (^٢)، واستَهلَكْتُ أموالهم، فأتَوْا بي النبيَّ ﷺ، فقال: "أنت سُرَّقٌ"، وباعَني بأربعةِ أبعِرَةٍ، فقال الغُرَماءُ للذين (^٣) اشتَرَوني: ما تَصنَعُون به؟ قالوا: نُعتِقُه، قالوا: فلسنا بأزهدَ في الآخرة منكم (^٤)، فأعتَقُوني بينَهم، وبقي اسمي (^٥).
_________________
(١) إسناده حسن، السُّدِّي - وهو إسماعيل بن عبد الرحمن - وأسباط بن نصر صدوقان. وأخرجه أبو داود (٢٦٨٣)، والنسائي (٣٥١٦) من طريق أحمد بن المفضّل، عن أسباط بن نصر، بهذا الإسناد.
(٢) في النسخ الخطية: أنَّ موالي باعوني، وهو خطأ، وما أثبتناه هو الموافق لما في رواية البيهقي عن الحاكم وغيره ممَّن رواه.
(٣) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: فقال للغرماء الذين. فأوهم ذلك أنَّ النبي ﷺ هو من خاطب الغُرماء بذلك، ولا يستقيم ذلك مع لحاق الكلام، الذي يفيد أنَّ الغرماء هم الذين خاطبوا من أراد أن يشتري سُرَّقًا، وعلى ذلك جاءت الرواية عند سائر من خرَّج الحديث.
(٤) وقع في النسخ الخطية: منك. بصيغة المفرد، وهو خطأ، لأنَّ سياق الكلام يأباه، فالمخاطَبون الذين أرادوا شراء سُرَّقٍ جماعةٌ، كذا عند المصنف، وهو بخلاف ما وقع في "سنن البيهقي الكبرى" ٦/ ٥٠ عن أبي عبد الله الحاكم، عن أبي الوليد الفقيه وعن علي بن عيسى الحيري، كلاهما عن ابن خزيمة، حيث جاء فيه: قال الغرماء للذي اشتراني: ما تصنع به؟ قال: أُعتقه، قالوا: فلسنا بأزهد في الأجر منك. فيستقيم حينئذٍ ضمير الإفراد.
(٥) ضعيف لاضطراب إسناده، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ليس بذاك القوي وعنده =
[ ٣ / ٢٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ما يُنكر وقد خولف في إسناده كما سيأتي. وأخرجه البيهقي ٦/ ٥٠ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الدارقطني (٣٠٢٧)، والبيهقي ٦/ ٥٠ من طريقين عن ابن خزيمة، به. وأخرجه أبو بكر الرُّوياني في "مسنده" (١٤٨٧) عن محمد بن بشار، به. وأخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١٨٧٥)، وفي "شرح معاني الآثار" ٤/ ١٥٧، وابن عدي في "الكامل" ٤/ ٢٩٩ من طريق إبراهيم بن مرزوق، وابن عبد الحَكَم في "فتوح مصر والمغرب" ص ٥٤٤ عن محمد بن عبد الجبار - وهو المخزومي - والذهبي في "تذكرة الحفاظ" ٣/ ٧٧ من طريق محمد بن المثنى، ثلاثتهم عن عبد الصمد بن عبد الوارث، به. وقد خالف هؤلاء الأربعةَ أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي كما سيأتي عند المصنف برقم (٧٢٣٩)، فقال: عن عبد الصمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن سُرَّق. فزاد فيه ابن البيلماني، وهو ضعيف. ورواه كذلك مسلم بن خالد الزنجي عند ابن سعد في "الطبقات الكبرى" ٩/ ٥٠٩ (وتحرَّف اسم مسلم في المطبوع منه إلى: هشام)، وابن أبي خيثمة في السفر الثاني من "تاريخه الكبير" (١٠٥٦)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٦٤٨)، وأبي القاسم البَغَوي في "معجم الصحابة" (١٢٠٧)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١٨٧٦)، وفي "شرح معاني الآثار" ٤/ ١٥٧، وأبي جعفر النحاس في "الناسخ والمنسوخ" ص ٢٦١، والطبراني في "المعجم الكبير" (٦٧١٦)، والدارقطني (٣٠٢٥)، وأبي نعيم في "معرفة الصحابة" (٣٦٦٧)، حيث رواه عن زيد بن أسلم، عن ابن البيلماني، عن سُرَّق. ومسلم بن خالد فيه ضعف. ورواه عن زيد بن أسلم ابناهُ عبدُ الرحمن وعبدُ الله، عند الدارقطني (٣٠٢٦)، فلم يذكرا فيه ابن البيلماني. وفيهما ضعف أيضًا. وأخرج نحوه مختصرًا الطبراني في "الكبير" ٢٢/ (٧٤٥) من طريق ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن أبي عبد الرحمن القيني: أنّ سرق اشترى … وإسناده ضعيف. وعلى فرض ثبوت هذا الخبر، فقد قال الطحاوي: الحكم الذي في هذا الحديث قد كان في أول الإسلام على ما في هذا الحديث وعمل به رسولُ الله ﷺ، إذ كان في شريعة مَن كان قبله من الأنبياء صلوات الله عليهم. ثم قال: فاستعمله رسول الله ﷺ إذ كان من شريعته اتباع شرائع النبيين الذين كانوا قبله حتى يُحدث الله في شريعته ما نسخ ذلك، فلم يزل كذلك حتى أنزل الله ﷿ عليه ما نسخ به ذلك الحكم، وهو قوله ﷿ في آية الربا: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. =
[ ٣ / ٢٧٤ ]
هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يُخرجاه.
٢٣٦٢ - حدثنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب العَدْل، من أصل كتابه غيرَ مرة، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا شعبة، عن الحَكَم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليّ، قال: قدم على النبي ﷺ سَبْيٌ، فأمرني ببيع أخوَين، فبعتُهما وفَرّقتُ بينهما، ثم أتيتُ النبي ﷺ فأخبرتُه، فقال: "أدرِكْهُما فارتجِعهما، وبِعْهُما جميعًا ولا تُفرّقْ بينَهما" (^١).
_________________
(١) = وقال البيهقي: وفي إجماع العلماء على خلافه - وهم لا يُجمعون على ترك رواية ثابتة - دليل على ضعفه، أو نسخه إن كان ثابتًا، وبالله التوفيق.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات لكنه اختُلف فيه على عبد الوهاب بن عطاء، فرواه يحيى بن أبي طالب وإسماعيل بن أبي الحارث البغدادي ومحمد بن الوليد الفحام وعلي بن سهل البغدادي ومحمد بن الجهم السِّمَّري، كلهم عن عبد الوهاب، عن شعبة، عن الحكم: وهو ابن عُتيبة. وخالفهم أحمد بن حنبل والحسن بن محمد الزعفراني، فروياه عن عبد الوهاب عن سعيد بن أبي عَروبة، فذكرا سعيد بن أبي عروبة بدل شعبة، لكن زاد أحمد في روايته بين سعيد والحكم رجلًا مبهمًا. وقد رواه محمد بن جعفر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن الحكم، فوافق رواية الزعفراني عن عبد الوهاب. ورواه محمد بن سواء، عن ابن أبي عروبة، عن رجل، عن الحكم، فوافق رواية أحمد عن عبد الوهاب، فالظاهر أنَّ الحديث محفوظ عن شعبة وسعيد بن أبي عروبة، لكن الصحيح في رواية ابن أبي عَروبة زيادة رجل بينه وبين الحكم، كما وقع في رواية أحمد بن حنبل ومحمد بن سواء، ويؤيده أنَّ سعيدًا لم يسمع من الحكم فيما قاله أبو حاتم والنسائي وغيرهما، فالاعتماد في هذا الحديث على رواية شعبة دون رواية ابن أبي عَروبة، كما قال ابن القطان الفاسي في "بيان الوهم والإيهام" ٥/ ٣٩٦، ووافقه ابن الملقِّن في "البدر المنير" ٦/ ٥٢٣. وقد وافق شعبةَ على روايته زيدُ بنُ أبي أُنيسة، فرواه عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي بن أبي طالب. وقوّى إسناده ابنُ عبد الهادي في "التنقيح" ٤/ ٩٧، وجوَّده ابن الملقن في "البدر المنير". =
[ ٣ / ٢٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وخالف شعبةَ وابنَ أبي عَروبة وزيدَ بنَ أبي أُنيسة فيه الحجاجُ بنُ أرطاة، فرواه عن الحكم، عن ميمون بن أبي شبيب، عن علي بن أبي طالب. والحجاج فيه ضعف، وهو مدلس وعنعنه. وخالف الحجاجَ في متنه يزيدُ بنُ عبد الرحمن الدالاني كما سيأتي بعده، فرواه عن الحكم، عن ميمون بن أبي شَبيب، عن علي بن أبي طالب: أنه فرّق بين جارية وولدها، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك. ويزيد الدالاني أقوى من الحجاج بن أرطاة وأوثق، فهذا هو المحفوظ في رواية ميمون بن أبي شبيب، كما أشار إليه البيهقيُّ ٩/ ١٢٧، وابنُ عبد الهادي في "التنقيح" ٤/ ٩٩. فتحصل من ذلك أنهما حديثان عن علي بن أبي طالب: أحدهما من رواية الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه في قصة التفريق بين الأخوين، والآخر من رواية الحكم عن ميمون بن أبي شَبيب عن علي بن أبي طالب في قصة التفريق بين جارية وولدها. وهذا ما يفيده كلام المصنف حيث جعلهما متنَين مختلفين، وكذلك هو معنى كلام البيهقي حين فاضل بين رواية الحجاج بن أرطاة ورواية أبي خالد الدالاني، وهو ظاهر صنيع المزي في "الأطراف"، ووافقه ابن التركماني في "الجوهر النقي" ٩/ ١٢٧. وقال الدارقطني في "العلل" (٤٠١): لا يمتنع أن يكون الحكم سمعه منهما جميعًا، فرواه مرة عن هذا، ومرة عن هذا، والله أعلم. قلنا: لكن ميمونًا لم يسمع عليًا، كما قال أبو حاتم وأبو داود وابن خِراش. وأخرجه الضياء في "المختارة" ٢/ (٦٥٢) من طريق خيثمة بن سليمان، عن يحيى بن أبي طالب، بهذا الإسناد. وأخرجه الدارقطني في "السنن" (٣٠٤٠)، وفي "العلل" (٤٠١) من طريق إسماعيل بن أبي الحارث، والدارقطني في "العلل" (٤٠١) من طريق محمد بن الوليد الفحام، والبيهقي ٩/ ١٢٧ من طريق محمد بن الجهم السِّمَّري، ثلاثتهم عن عبد الوهاب، به. وذكر الدارقطني أنَّ علي بن سهل البغدادي قد رواه عن عبد الوهاب كذلك. وأخرجه أبو علي الحسن بن علي الطوسي في "مختصر الأحكام" (١١٩١)، والبيهقي ٩/ ١٢٧ من طريق الحسن بن محمد الزعفراني، عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن الحكم، به. فذكر سعيدًا بدل شعبة. وكذلك أخرجه أحمد ٢/ (١٠٤٥) عن عبد الوهاب، عن سعيد بن أبي عروبة، لكنه زاد: عن رجل عن الحكم. وقد رواه محمد بن جعفر عند أحمد ٢/ (٧٦٠) عن سعيد بن أبي عروبة، عن الحكم، فلم يذكر الواسطة، فوافق رواية الزعفراني عند عبد الوهاب بن عطاء. =
[ ٣ / ٢٧٦ ]
هذا حديث غريب (^١) صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
وقد قيل: عن الحَكَم عن ميمون بن أبي شَبِيب عن علي، وهو صحيح أيضًا:
٢٣٦٣ - أخبرَناه عبد الرحمن بن حَمْدان الجَلّاب، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا عبد المؤمن بن علي الرازي، حدثنا عبد السلام بن حَرْب، عن يزيد بن عبد الرحمن أبي خالد الدَّالاني، عن الحَكَم، عن ميمون بن أبي شَبِيب، عن علي بن أبي طالب: أنه باعَ جاريةً وولدَها، ففرَّق بينَهما، فنهاهُ رسولُ الله ﷺ عن ذلك (^٢).
_________________
(١) = ورواه محمد بن سواء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن رجل، عن الحكم، فذكر الواسطة، فوافق رواية أحمد بن عبد الوهاب بن عطاء. ورواية محمد بن سواء هذه عند إسحاق بن راهويه في "مسنده" كما في "نصب الراية" للزيلعي ٤/ ٢٦، وعند البيهقي في "السنن الكبرى" ٩/ ١٢٧. والصحيح روايةُ من زاد الواسطة. وأخرجه ابن الجارود (٥٧٥)، والضياء (٦٥٣) من طريق زيد بن أبي أُنيسة، عن الحكم، به. وخالفهم الحجاج بن أرطاة في إسناده ومتنه، فرواه عن الحكم عن ميمون بن أبي شبيب، عن علي، فذكر ميمونًا بدل عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو خطأ في هذا الحديث. وقد أخرجه من طريقه أحمد ٢/ (٨٠٠)، وابن ماجه (٢٢٤٩)، والترمذي (١٢٨٤). والصحيح في رواية ميمون بن أبي شبيب عن علي ما رواه يزيد بن عبد الرحمن الدالاني عن الحكم، بلفظ مغاير، كما سيأتي في الرواية التالية. وسيتكرر هذا الحديث برقم (٢٦٠٦).
(٢) لفظة "غريب" ليست في (ز).
(٣) إسناده ضعيف لانقطاعه، لأنَّ ميمون بن أبي شبيب لم يسمع عليًا كما قال أبو حاتم وأبو داود وابن خِراش والخطابي، وقد خالف يزيدَ بنَ عبد الرحمن الدالاني في متنه حجاجُ بن أرطاة، فرواه بلفظ رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي السابقة، وهو خطأ من الحجاج، والدالاني أقوى منه، قال البيهقي ٩/ ١٢٧: كذا رواه الحجاج، والحجاج لا يحتج به، وحديث أبي خالد الدالاني عن الحكم أولى أن يكون محفوظًا لكثرة شواهده، والله أعلم. وقال ابن عبد الهادي في "التنقيح" ٤/ ٩٩: يزيد بن عبد الرحمن صدوق، وهو أقوى من الحجاج. وأخرجه أبو داود (٢٦٩٦) من طريق إسحاق بن منصور، عن عبد السلام بن حرب، بهذا الإسناد. =
[ ٣ / ٢٧٧ ]
هذا متن آخر بإسناد صحيح.
٢٣٦٤ - حدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن ناجِية، حدثنا عبد الرحمن بن يونس السَّرّاج، حدثنا أبو بكر بن عيّاش، عن سليمان التيمي، عن طُلَيق بن محمد، عن عِمران بن حُصين، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَلعُونٌ مَن فَرّقَ" (^١).
هذا إسناد صحيح، ولم يُخرجاه.
وتفسيرُه في حديث أبي أيوب الأنصاري الذي:
٢٣٦٥ - أخبرَناه أبو النضر الفقيه، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني حُيَيّ بن عبد الله، عن عبد الله بن يزيد الحُبُلي، عن أبي أيوب الأنصاري، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن فَرّق بين
_________________
(١) = وسيأتي من طريق إسحاق بن منصور عن عبد السلام بن حرب برقم (٢٦٠٧).
(٢) إسناده ضعيف لضعف طُليق بن محمد - وهو ابن عمران بن حصين - فقد قال عنه الدارقطني: لا يحتج به، وقال ابن القطان: لا تُعرف حاله. قلنا: وقد اختُلف عليه أيضًا في إسناده كما بينه البخاري في "تاريخه" ٤/ ٣٥٩، والدارقطني في "العلل" (١٣٠١). وأخرجه البيهقي ٩/ ١٢٨ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الدارقطني في "السنن" (٣٠٤٤) عن الحسين بن إسماعيل المحاملي، عن عبد الرحمن بن يونس السراج، به. وأخرجه الطبراني في "الدعاء" (٢١١٤) من طريق عباد بن العوّام، وتمّام الرازي في "فوائده" (١٠٨٧) من طريق زهير بن معاوية، كلاهما عن سليمان التيمي، به. إلّا أنَّ زهيرًا سمى شيخ سليمان التيمي عمران بن طُليق بن محمد. وأخرجه سعيد بن منصور (٢٦٥٨) عن هُشَيم بن بَشير، قال: أخبرنا سليمان التيمي، عن طُليق بن محمد بن عمران، مرسلًا. وخالف سليمانَ التيميَّ فيه إبراهيمُ بنُ إسماعيل بن مُجمِّع - وهو ضعيف - فرواه عن طليق بن عمران، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه، بلفظ: لعن رسول الله من فَرَّق بين الوالد وولده، وبين الأخ وأخيه. أخرجه ابن ماجه (٢٢٥٠).
[ ٣ / ٢٧٨ ]
والدةٍ وولدِها، فَرّق اللهُ بينه وبين أحبّتِه يومَ القيامة" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٣٦٦ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إسحاق بن الخُراساني العدل ببغداد، حدثنا أحمد بن الهيثم العسكري، حدثنا عبد الله بن عمرو بن حسان، حدثنا سعيد بن عبد العزيز التَّنُوخِي، قال: سمعتُ مكحولًا يقول: حدثنا نافع بن محمود بن الربيع، عن أبيه، أنه سمع عُبادةَ بن الصامت يقول: نهى رسول الله ﷺ أن يُفرَّق بين الأم وولدِها، فقيل: يا رسول الله، إلى متى؟ قال: "حتى يَبْلُغَ الغُلامُ، وتَحِيضَ الجاريةُ" (^٢).
_________________
(١) حديث حسن، وهذا إسناد ضعيف لضعف حُيَيّ بن عبد الله - وهو المَعَافري - لكنه متابع. وأخرجه الترمذي (١٢٨٣) و(١٥٦٦) عن عمر بن حفص الشَّيباني، عن عبد الله بن وهب، بهذا الإسناد. وقال: حديث حسن غريب. والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. وأخرجه أحمد ٣٨/ (٢٣٤٩٩) من طريق عبد الله بن لهيعة، عن حيي بن عبد الله المعافري، به. وقد تابع حُيَيَّ بنَ عبد الله عليه عبدُ الله بن جُنادة المعافري عن الدارمي (٢٥٢٢)، وعبد الله بن جنادة روى عنه جمع وذكره ابن حبان في "الثقات"، فمثله حسن الحديث إن شاء الله.
(٢) إسناده واهٍ بمرة بل موضوع، من أجل عبد الله بن عمرو بن حسان - وهو الواقعي - فقد قال عنه ابن المديني: يضع الحديث، وكذّبه الدارقطني، وقال أبو زرعة: ليس بشيء ضعيف، كان لا يُصدَّق، وقال ابن عدي: هو إلى الضعف أقرب أحاديثه مقلوبة. وقال الذهبي عن هذا الحديث في "مختصر المستدرك": موضوع. وقال ابن عبد الهادي في "التنقيح" ٤/ ١٠٢: الأشبه أن يكون هذا الحديث موضوعًا. وأخرجه البيهقي ٩/ ١٢٨ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الدارقطني (٣٠٤٩) من طريق أحمد بن الهيثم بن خالد، عن عبد الله بن عمرو بن حسان، به. ويُغني عنه حديثُ سلمة بن الأكوع الآتي برقم (٤٣٨٢) في الحديث الطويل الذي أوله: أمّر علينا رسولُ الله ﷺ، فغزونا ناسًا من بني فزارة … وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم =
[ ٣ / ٢٧٩ ]
هذا حديث صحيح الإسناد! ولم يُخرجاه.
٢٣٦٧ - أخبرنا بكر بن محمد بن حَمْدان الصَّيرفي، حدثنا أَحْيَد بن الحسين البامِيَاني ببَلْخ، حدثنا أزهر بن سليمان (^١) الكاتب، حدثنا إبراهيم بن طَهْمان.
وأخبرني عبد الله بن محمد بن حَمَّوَيهِ، حدثني أبي، حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طَهْمان، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب، عن عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، أنه قال: نهى رسولُ الله ﷺ يومَ خيبر عن بيع الغنائم حتى تُقسَم، وعن الحَبَالى أن يُوطَأنَ حتى يَضَعْنَ ما في بُطونهنَّ، وقال: "لا تَسْقِ زَرْعَ غيرِك"، وعن لحوم الحُمُر الأهليّة، وعن لحم كل ذي نابٍ من السِّباع (^٢).
_________________
(١) = معها ابنة لها من أحسن العرب، قال: فنفلني أبو بكر ابنتها. قال الحافظ في "التلخيص" ٣/ ١٦: فيُستدل به على جواز التفريق، وبوّب عليه أبو داود: باب التفريق بين المدرِكات.
(٢) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: سلمان.
(٣) إسناده صحيح من جهة عبد الله بن محمد بن حمّوية - وهو عبد الله بن محمد بن حمويه بن عباد أبو القاسم بن أبي بكر الطَّهماني - وأما أزهر بن سليمان في الإسناد الأول فقد ضعَّفه أبو الفتح الأزدي. يحيى بن سعيد: هو الأنصاري. وأخرجه النسائي (٦١٩٦) عن أحمد بن حفص بن عبد الله بهذا الإسناد. دون ذكر لحوم الحمر الأهلية، ودون قوله: "لا تَسْقِ زرع غيرك". لكن قد ثبت هذا الحرفان عند غير المصنف أيضًا كالطبراني في "الأوسط" (٦٩٨١) والدارقطني (٣٠٥١) من طريقين آخرين عن أحمد بن حفص بن عبد الله. وأخرج مسلمٌ ذكر النهي عن لحوم الحمر الأهلية برقم (١٩٣٩) من طريق عامر الشعبي، عن ابن عباس، قال: لا أدري إنما نهى عنه رسول الله ﷺ من أجل أنه كان حَمُولةَ الناسِ، فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرَّمه يوم خيبر: لحوم الحمر الأهلية. وسيأتي عن ابن عباسٍ ما يخالف ذلك، وأنه أبَى أن يكون نُهِيَ عن لحوم الحمر الأهلية، برقم (٣٢٧٥) من طريق أبي الشعثاء جابر بن زيد عنه. قال ابن القيم في "حاشيته على سنن أبي داود" ٥/ ٣٢٢: التحقيق أنَّ ابن عباس أباحها أولًا حيث =
[ ٣ / ٢٨٠ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٣٦٨ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، حدثنا محمد بن شاذان الجَوهَري، حدثنا مُعلَّى بن منصور، حدثنا عيسى بن يونس، عن سعيد، عن قَتَادة، عن سليمان اليَشكُري، عن جابر بن عبد الله، أنَّ نبيَّ الله ﷺ قال: "مَن كان له شَرِيكٌ في حائطٍ، فلا يَبِعْ نصِيبَه مِن ذلك حتى يَعرِضَه على شريكِه" (^١).
_________________
(١) = لم يبلغه النهيُ، فسمع ذلك منه جماعةٌ، منهم أبو الشعثاء وغيره، فرووا ما سمعوه، ثم بلغه النهي عنها، فتوقف هل هو للتحريم أو لأجل كونها حَمُولة، فروى عنه ذلك الشعبي وغيره، ثم لما ناظَرَهُ عليُّ بن أبي طالب جزم بالتحريم، كما رواه عنه مجاهد. وسيتكرر هذا الحديث من هذه الطريق الثانية وحدها برقم (٢٦٤٤). وانظر ما تقدَّم برقم (٢٣٠٣) و(٢٣٠٤).
(٢) حديث صحيح، رجاله ثقات، وقتادة وإن لم يسمع من سليمان اليَشكُري - وهو ابن قيس - تلقَّى عنه صحيفةً كان سليمان كتبها عن جابر بن عبد الله، وكانت هذه الصحيفة مشهورة معروفة، وممن ذكرها أبو سفيان طلحة بن نافع وسليمان التيمي وهمام بن يحيى وشعبة وغيرهم كما في "جامع الترمذي" (١٣١٢)، و"مراسيل ابن أبي حاتم" (٣٥٨) و(٣٥٩)، و"الجرح والتعديل" له ٤/ ١٣٦، و"الكفاية" للخطيب ص ٣٥٤، و"شرح العلل" لابن رجب ٢/ ٨٥٣، وإذا عُلم ذلك فهي وِجَادة صحيحة، وهي لا تقتضي الانقطاع، وخصوصًا أنها كانت منتشرة بين عدد من جِلّة أهل البصرة كالحسن البصري وثابت البناني والجعد بن دينار وغيرهم، فلو كان مشكوكًا في صحتها لما رووها، والله تعالى أعلم. على أنَّ الحديث روي عن جابر من وجهين آخرين كما سيأتي. سعيد: هو ابن أبي عَروبة. وأخرجه الترمذي (١٣١٢) عن علي بن خشرم، عن عيسى بن يونس، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٢٣/ (١٤٨٥٤) عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، به. وأخرجه بنحوه أحمد ٢٢/ (١٤٢٩٢)، ومسلم (١٦٠٨)، وأبو داود (٣٥١٣)، وابن ماجه (٢٤٩٢)، والنسائي (٦١٩٧) و(٦٢٥٣)، وابن حبان (٥١٧٨) من طريق أبي الزُّبَير، عن جابر بن عبد الله. وأخرجه أحمد ٢٢/ (١٤٢٥٣) وأبو داود (٣٥١٨)، وابن ماجه (٢٤٩٤)، والترمذي (١٣٦٩)، والنسائي (٦٢٦٤) و(١١٧١٤) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، =
[ ٣ / ٢٨١ ]
٢٣٦٩ - أخبرنا عبد الرحمن بن حَمْدان الجَلّاب، حدثنا إسحاق بن أحمد الخَرَّاز بالرَّي، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، حدثنا المغيرة بن مُسلِم، عن يونس بن عُبيد، عن سعيد المَقبُري، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ يحبُّ سَمْحَ البيعِ، سَمْحَ الشّراءِ، سَمْحَ القَضاءِ" (^١).
_________________
(١) = عن جابر، بلفظ: "الجار أحق بشُفعة جارة، يُنتظَر بها، وإن كان غائبًا، إذا كان طريقُهما واحدًا". وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وانظر كلامنا على هذه الرواية في تحقيقنا على "سنن أبي داود".
(٢) صحيح لغيره، وهذا إسناد رجاله ثقات لكنه اختُلف فيه على يونس بن عبيد، كما بينه البخاري فيما سأله عنه الترمذي في "علله" (٣٤٩)، وكذا فصّله الدارقطني في "العلل" (٢٠٤٨)، فمرة يُروى عنه، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ومرة يُروى عنه عمَّن حدثه عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، والظاهر أنَّ هذا هو المحفوظ، فلا تُعرف ليونس رواية عن سعيد المقبري، وقد روى عدة أحاديث بواسطة رجلٍ من أهل المدينة، كان يسميه أحيانًا محمدًا، عن سعيد المقبري، كما في "علل الدارقطني" (٤٠٤٢) و(٤١١٩)، ومحمد هذا مختلف فيه، رجح ابن عدي أنه محمد بن يعقوب المديني، وقال عنه: بعض حديثه فيه إنكار. ويونس بن عبيد ذكره النسائي بالتدليس، فالظاهر أنه كان يدلس ذكر هذا الرجل المدني أحيانًا. وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حديث يونس بن عبيد" (٨٥) من طريق إبراهيم بن طهمان، عن يونس بن عبيد، به. وذكر البخاريُّ أنَّ إسماعيل ابن عُلَيَّة قد رواه كذلك عن يونس بن عبيد. وذكر الدارقطني أنَّ هُشَيمًا رواه عن يونس، واختُلف عليه، فمرة يُروى عنه، عن يونس، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ومرة يُروى عنه، عن يونس، عن رجل، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. ثم ذكر أنَّ عبَّاد بن العوّام رواه عن يونس بن عبيد، عن رجل، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وروى أبو كريب محمد بن العلاء هذا الحديث عند الترمذي (١٣١٩) عن إسحاق بن سليمان الرازي، به. غير أنه ذكر الحسن البصري بدل سعيد المقبري. وقال الترمذي: غريب. وفي الباب عن جابر بن عبد الله عند البخاري (٢٠٧٦)، وابن ماجه (٢٢٠٣)، بلفظ: "رحم اللهُ رجلًا سَمْحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى"، زاد ابن حبان في روايته (٤٩٠٣): "سمحًا إذا قضى". =
[ ٣ / ٢٨٢ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٣٧٠ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عارِمُ بن الفضل، حدثنا عبد العزيز بن محمد، أخبرني يزيد بن خُصَيفة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوبان، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتُم مَن يَبيعُ أو يَبتاعُ في المسجد، فقولُوا: لا أَرْبَحَ اللهُ تجارتَك، وإذا رأيتُم من يَنشُدُ ضالَّةً فيه، فقولوا: لا رَدَّ اللهُ عليك" (^١).
_________________
(١) = وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد ١١/ (٦٩٦٣)، بلفظ: "دخل رجل الجنة بسماحته، قاضيًا ومتقاضيًا"، وإسناده حسن. وعن عثمان بن عفان نحوه من طرق أكثرها مرسل، عند أحمد ١/ (٤١٠) و(٤١٤) وغيره. وانظر حديث أبي هريرة السالف برقم (٤٤٠).
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات، لكنه اختلف في وصله وإرساله عن يزيد بن خُصيفة - وهو يزيد بن عبد الله بن خُصيفة - فرواه عنه عبد العزيز بن محمد الدراوردي موصولًا كما وقع هنا عند المصنف، وخالفه عبّاد بن كثير الثقفي، فرواه عن يزيد بن خُصيفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبيه عن جدّه، ومرة رواه فلم يذكر جده، وعبادٌ ضعيف جدًّا. وخالفهما سفيان الثَّوري ومحمد بن جعفر بن أبي كثير المدني، فروياه عن يزيد بن خُصيفة، عن ابن ثوبان، مرسلًا، وهو الصواب كما قال الدارقطني في "العلل" (١٨٧٠). وأخرجه الترمذي (١٣٢١) عن الحسن بن علي الخلّال، عن عارم - وهو لقب محمد بن الفضل السدوسي - بهذا الإسناد. وقال: حديث حسن غريب. وأخرجه النسائي (٩٩٣٣) من طريق علي بن المديني وابن حبان (١٦٥٠) من طريق عبد الله بن محمد النُّفيلي، كلاهما عن عبد العزيز بن محمد، به. وأخرجه البزار (٨٢٦٠) عن أحمد بن أبان القرشي، عن عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن خُصيفة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، ولا أدري ذكره عن أبي هريرة أم لا، وقد رأيت من يذكره عن أبي هريرة، ولا أحفظه عن أبي هريرة قلنا: فهذا يؤيد الإرسال، كما سيأتي تخريجه. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١٤٥٤)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (١٥٣)، وابن منده في "معرفة الصحابة" ١/ ٣٦٢، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (١٤١٨) من طريق محمد بن حِمْيَر =
[ ٣ / ٢٨٣ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٣٧١ - أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل القارئ، حدثنا عثمان بن سعيد الدارِمي، حدثنا أبو عمر الحَوضي، حدثنا حماد بن سَلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مسلم بن جُبير، عن أبي سفيان، عن عبد الله بن عمرو: أنَّ رسول الله ﷺ أمَرَه أن يجهِّزَ جيشًا، فنَفِدَتِ الإبل، فأمرني رسول الله ﷺ أن آخُذَ
_________________
(١) = الحمصي، عن عبّاد بن كثير الثقفي، عن يزيد بن خُصيفة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبيه، عن جده. وقال ابن منده: غريب لا يُعرف عنه إلّا من هذا الوجه. وقال الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" ١/ ٢٩٧ وأخرجه من طريق الطبراني: وقد رواه أبو خيثمة الجعفي - قلنا: هو زهير بن معاوية - عن عباد بن كثير، لكن لم يقل: عن جده. قال: والآفة فيه من عباد، وهو ضعيف جدًّا. وأخرجه عبد الرزاق (١٧٢٥)، والطبراني في "الدعاء" (١٣٣٢) من طريق سفيان الثَّوري، وعمر بن شبة في "تاريخ المدينة" ١/ ٣١ عن محمد بن يحيى الكناني، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير المدني، كلاهما عن يزيد بن خصيفة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، مرسلًا. إلّا أنَّ سفيان الثَّوري قال في روايته: كان يقال: إذا نشد الناشدُ الضالة .. فذكره. وأخرجه ابن شبة ١/ ٣١ عن محمد بن مخلد، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن يزيد بن خصيفة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، مرسلًا. ومحمد بن جعفر وإن كان لا يبعد سماعه من ابن ثوبان إلّا أنَّ رواية من رواه عن يزيد بن خصيفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان هي الصحيحة. وقد روي النهي عن نِشدان الضالة عن أبي هريرة من وجه آخر صحيح، أخرجه أحمد ١٤/ (٨٥٨٨)، ومسلم (٥٦٨)، وأبو داود (٤٧٣)، وابن ماجه (٧٦٧)، وابن حبان (١٦٥١) من طريق أبي عبد الله مولى شداد بن الهاد، عن أبي هريرة. ويشهد لحديث أبي هريرة برمته حديثُ عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد ١١/ (٦٦٧٦)، وأبي داود (١٠٧٩)، وابن ماجه (٧٦٦). وإسناده حسن، لكن اقتصر على ابن ماجه على ذكر نِشدان الضالة. قوله: يَنْشُد، أي: يطلب. والضالّة: الضائع من الحيوان، ويقال لغير الحيوان: ضائع ولُقَطَة.
[ ٣ / ٢٨٤ ]
من قَلائِص الصدقة، فكنت آخذ البعيرَ بالبعيرَين (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٣٧٢ - أخبرنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي، حدثنا عبد الله بن إسماعيل المُقرئ بصنعاء، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جُوتِيّ، حدثنا عبد الملك بن عبد الرحمن الذِّمَاري، حدثنا سفيان الثَّوْري، حدثني معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عِكرمة، عن ابن عباس: أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن السَّلَف في الحيوان (^٢).
_________________
(١) حديث حسن، وهذا إسناد فيه ضعف واضطراب كما بيناه في "مسند أحمد" ١١/ (٦٥٩٣). وقد وقع في رواية أبي عمر الحوضي عند غير الحاكم بين أبي سفيان وبين عبد الله بن عمرو بن العاص رجل هو عمرو بن الحريش، وهو الصحيح، وابن الحريش هذا مجهول، لكن روي الحديث عن عبد الله بن عمرو من وجه آخر حسن. أبو عمر الحوضي: هو حفص بن عمر، وأبو سفيان: هو الجُرشي أو الحَرَشي، ولا يعرف اسمه. وأخرجه أبو داود (٣٣٥٧) عن أبي عمر الحوضي حفص بن عمر، بهذا الإسناد. لكنه زاد بين أبي سفيان وبين عبد الله بن عمرو رجلًا هو عمرو بن الحريش. وأخرجه أحمد ١١/ (٦٥٩٣) من طريق جرير بن حازم، و(٧٠٢٥) من طريق إبراهيم بن سعد، كلاهما عن محمد بن إسحاق، عن أبي سفيان، عن مسلم بن جبير، عن عمرو بن الحريش، عن عبد الله بن عمرو. فأسقط من الإسناد يزيد بن أبي حبيب، وقدم أبا سفيان على مسلم بن جبير، وزاد ذكر عمرو بن الحريش. وله طريق أخرى أخرجها الدارقطني (٣٠٥٢)، والبيهقي ٥/ ٢٨٧ - ٢٨٨ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، وقواها الحافظُ في "الفتح" ٧/ ٢٦٣. القلائص: الفَتيّة من الإبل. وانظر لزامًا ما تقدم برقم (٢٢٨٢).
(٢) إسناده ضعيف لضعف ابن جُوتي، وجهالة عبد الله بن إسماعيل، وعبد الملك مختلَف فيه، وكان يخطئ في حديث سفيان الثَّوري كما قال أحمد بن حنبل، وقد رواه غيره عن سفيان بلفظ آخر كما سيأتي، وهو الصحيح. وأخرجه الدارقطني (٣٠٥٩) عن محمد بن علي بن إسماعيل الأُبُليّ، عن عبد الله بن إسماعيل بن أحمد الصنعاني، بهذا الإسناد. =
[ ٣ / ٢٨٥ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٣٧٣ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا الخَصِيب بن ناصِح، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَردي، عن موسى بن عُقبة، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ النبي ﷺ نَهَى عن بيع الكالئِ بالكالئِ (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم (^٢)، ولم يُخرجاه.
_________________
(١) = وأخرج ابن حبان (٥٠٢٨) من طريق أبي داود الحفري، عن سفيان الثَّوري، به. بلفظ: عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وإسناده صحيح. وكذلك رواه عن سفيان بهذا اللفظ أبو أحمد الزُّبَيري عند ابن المنذر في "الأوسط" (٧٩٣٨)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٤/ ٦٠، والدارقطني (٣٠٥٨)، وغيرهم، وداود بن عبد الرحمن العطار عند ابن المنذر (٧٩٣٧) والطحاوي، وإبراهيم بن طهمان عند البيهقي ٥/ ٢٨٨.
(٢) إسناده ضعيف. وذكر موسى بن عقبة ونافع فيه وهمٌ، كما قال الدارقطني في "العلل" (٣٠٨٥)، وذكر أنَّ الصحيح عن موسى بن عبيدة: عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر. قلنا: وموسى بن عبيدة: هو الرَّبَذي، وهو ضعيف. وقد تابعه إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي عند عبد الرزاق (١٤٤٤٠)، وهو أشدّ ضعفًا، فلا يُعتدُّ بمتابعته. لكن مع ذلك فلا خلاف في النهي عن بيع الكالئ بالكالئ الذي هو بيع الدَّين بالدَّين، قال الإمام أحمد فيما حكاه عنه ابن حجر في "التلخيص" ٣/ ٢٦: إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دَين بدَين. وأخرجه البيهقي ٥/ ٢٩ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الدارقطني في "السنن" (٣٠٦٠)، والبيهقي ٥/ ٢٩٠ من طريق سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح، به. لكن وقع اسم موسى في رواية البيهقي مهملًا، وأنكر على الدارقطني تقييده في هذه الرواية بابن عقبة، محتجًّا عليه بأنَّ الذي في كتاب شيخه الذي روى هذا الحديث عنه عن سليمان بن شعيب بإهمال اسم موسى. وأخرجه البيهقي ٥/ ٢٩٠ من طريق عبد الأعلى بن حماد، ومن طريق أبي مصعب الزُهْري، كلاهما عن عبد العزيز بن محمد، عن أبي عبد العزيز موسى بن عبيدة الربذي، عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٥٩٧ عن وكيع، عن موسى بن عُبيدة، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كره كالئًا بكالئٍ؛ يعني دَينًا بدين. هكذا رواه موقوفًا!
(٣) قال البيهقي: شيخنا أبو عبد الله - يعني الحاكم - قال في روايته: عن موسى بن عقبة، وهو =
[ ٣ / ٢٨٦ ]
وقيل: عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن دينار:
٢٣٧٤ - حدَّثَناه أحمد بن محمد بن إسماعيل بن مِهْران، حدثنا أبي، حدثنا المِقدام بن داود الرُّعَيني، حدثنا ذؤيب بن عِمامة، حدثنا حمزة بن عبد الواحد، عن موسى بن عُقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: أنه نهى عن بيع الكالئِ بالكالئِ (^١).
سمعت الأستاذ أبا الوليد يقول: النهي عن بيع الكالئِ بالكالئ: هو النَّسيئة بالنَّسيئة.
٢٣٧٥ - حدثنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا أبو نُعيم الجُرجاني، حدثنا حماد بن الحسن بن عَنبَسة، حدثنا عُمر بن يونس بن القاسم، حدثنا أبي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، قال: نهى رسول الله ﷺ عن المُحاقَلَة والمُخاضَرة والمُنابَذة (^٢).
_________________
(١) = خطأ. قلنا: وإذا ثبت أنه موسى بن عُبيدة الربذي وليس موسى بن عقبة، تعذر الحكم عليه بأنه على شرط مسلم.
(٢) إسناده ضعيف كسابقه، لأنَّ الصحيح فيه ذكر موسى بن عبيدة الربذي لا موسى بن عقبة، كما قال الدارقطني في "العلل" (٣٠٨٥)، وموسى بن عبيدة ضعيف، وكذا المقدام بن داود الرُّعيني. وأخرجه الدارقطني في "السنن" (٣٠٦١)، والبيهقي ٥/ ٢٩٠ من طريق علي بن محمد المصري، عن مقدام بن داود، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٥٩٨ عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وأحمد بن منيع في "مسنده" كما في "المطالب العالية" (١٤٠٣) عن أبي سعد محمد بن ميسر الصغاني، وابن المنذر في "الأوسط" (٧٩٣٤)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٧٩٥)، و"معاني الآثار" ٤/ ٢١ من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، والبيهقي ٥/ ٢٩٠ من طريق عُبيد الله بن موسى، وأبو الفضل الزُّهْري في "حديثه" (٥٧٧) من طريق أبي تُميلة يحيى بن واضح، والبيهقي ٥/ ٢٩٠ من طريق محمد بن عمر الواقدي، ومن طريق زيد بن الحُباب، كلهم عن موسى بن عُبيدة، به.
(٣) إسناده صحيح. أبو نعيم الجُرجاني: هو عبد الملك بن محمد بن عدي الحافظ. =
[ ٣ / ٢٨٧ ]
قال الأستاذ أبو الوليد: المخاضَرة أن لا يباعَ شيء منها حتى يحمرَّ أو يَصفرَّ.
هذا حديث صحيح الإسناد، وقد تفرَّد بإخراجه البخاري.
٢٣٧٦ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدُّوري، حدثنا عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَردي، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدْري، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا ضَرَرَ ولا إضْرارَ (^١)، من ضارَّ ضارَّه اللهُ، ومن شاقَّ شاقَّ اللهُ عليه" (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه البخاري (٢٢٠٧) عن إسحاق بن وهب، عن عمر بن يونس، بهذا الإسناد. والمحاقلة: اشتراء الزرع بالحنطة، واستكراء الأرض بالحنطة، وكذا تطلق على بيع الزرع القائم بالحَبّ كيلًا. والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر ثوبه، ويكون ذلك بيعهما عن غير نظر ولا تراض. أو هي أن يقول: أنبذ ما معي وتنبذ ما معك، يشتري كلُّ واحدٍ منهما من الآخر، ولا يدري كل واحد منهما كم مع الآخر.
(٢) في (ع): ولا ضرار. وكلاهما صحيح.
(٣) صحيح بشواهده، وهذا إسناد ضعيف لجهالة عثمان بن محمد بن عثمان، وقد تابعه عبد الملك بن معاذ النَّصِيبي، وهو مجهول أيضًا، وخرَّجه مالك في "موطئه" ٢/ ٧٤٥ عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، مرسلًا، وقال ابن عبد البر في "التمهيد" ٢٠/ ١٥٧: لم يُختَلَف عن مالك في إرسال هذا الحديث. قال النووي في "أربعينه" الحديث (٣٢): له طرق يقوّي بعضها بعضًا، ووافقه ابن رجب في "جامع العلوم والحكم"، وكذلك قال ابن الصلاح فيما نقله عنه ابن دقيق العيد في "شرح الأربعين النووية". وأخرجه البيهقي ٦/ ٦٩ عن أبي عبد الله الحاكم وآخرين، بهذا الإسناد. وأخرجه أبو بكر الدِّينَوَري في "المجالسة" (٣١٦٠) عن عباس بن محمد، والدارقطني (٣٠٧٩) و(٤٥٤١) عن إسماعيل بن محمد الصفار، عن عباس بن محمد، به. وأخرجه ابنُ عبد البر في "التمهيد" ٢٠/ ١٥٩ من طريق عبد الملك بن معاذ النصيبي، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، به. وأخرجه مالك في "الموطأ" ٢/ ٧٤٥، وعنه الشافعي في "الأم" ٨/ ٦٣٩، والقعنبي عند ابن المنذر =
[ ٣ / ٢٨٨ ]
هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٣٧٧ - حدثنا الشيخ أبو بكر بن إسحاق، حدثنا بِشر بن موسى، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرَّقِّي، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن جابر، قال: مات رجلٌ فغسّلناه وكفَّنّاه وحنّطناه، ووضعناه لرسول الله ﷺ حيث تُوضَع الجنائز عند مَقام جبريل، ثم آذَنّا رسولَ الله ﷺ بالصلاة عليه، فجاء معنا خُطًا، ثم قال: "لعلَّ على صاحبِكم دَينًا؟ " قالوا: نعم، دينارانِ، فتخلّف، فقال له رجلٌ منا يقال له أبو قَتَادة: يا رسول الله، هما عليَّ، فجعل رسولُ الله ﷺ يقول: "هما عليكَ وفي مالِكَ، الميتُ منهما بَريءٌ؟ " فقال: نعم، فصلَّى عليه، فجعل رسولُ الله ﷺ إذا لقيَ أبا قَتَادة يقول: "ما صنَعَتِ الديناران؟ "، حتى كان آخِرَ ذلك، قال: قد قَضَيتُهما يا رسول الله، قال: "الآن حين بَرَّدْتَ عليه جِلْدَه" (^١).
_________________
(١) = في "الأوسط" (٦٦٥٣)، وابن بكير عند البيهقي ٦/ ٧٠ و١٠/ ١٣٣ عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، مرسلًا. ويشهد له حديث أبي صِرْمة عند أحمد ٢٥/ (١٥٧٥٥)، وأبي داود (٣٦٣٥)، وابن ماجه (٢٣٤٢)، والترمذي (١٩٤٠)، وحسَّنه الترمذي، وجوّد إسناده ابن مفلح في "الآداب الشرعية" ١/ ٤٣. وحديث جابر بن عبد الله عند الطبراني في "الأوسط" (٥١٩٣)، ورجاله لا بأس بهم، غير أنه روي مرسلًا عند أبي داود في "المراسيل" (٤٠٧)، لكن رجال الموصول أوثق وأحسن حالًا، إلّا أنَّ في إسناده عنعنة محمد بن إسحاق، لكنه في الجملة يصلح للاستشهاد. وحديث ابن عباس وعبادة بن الصامت عند ابن ماجه (٢٣٤٠) و(٢٣٤١). وانظر تمام شواهده في تحقيقنا على "سنن ابن ماجه" عند حديث عبادة.
(٢) صحيح دون قوله في آخر الحديث: "الآن حين برَّدتَ عليه جلدَه"، فقد انفرد به عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ضعيف يعتبر به، ولا يحتمل تفرد مثله بذلك، وقد روي الحديث عن جابر من وجه آخر بدونها، كما سيأتي. وقد حسَّن إسنادَ رواية ابن عقيل هذه غيرُ واحدٍ، كالمنذري والنووي وابن مفلح، وهو كما قالوا باستثناء آخر الحديث. وأخرجه أحمد ٢٢/ (١٤٥٣٦) من طريق زائدة بن قدامة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، به. =
[ ٣ / ٢٨٩ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٣٧٨ - حدثنا أبو العباس أحمد بن زياد الفقيه بالدامَغَان، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا سليمان بن حرب.
وأخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا أبو المثنى، حدثنا شَيبان بن فَرُّوخ؛ قالا: حدثنا أبو عَوَانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنَّ النبي ﷺ قال: "الرَّهنُ مَركُوبٌ ومَحلُوبٌ" (^١).
_________________
(١) = وأخرجه أحمد (١٤١٥٩)، وأبو داود (٣٣٤٣)، والنسائي (٢١٠٠)، وابن حبان (٣٠٦٤) من طريق معمر، عن الزُّهْري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر، بنحوه دون المرفوع آخر الحديث، وزاد: فلما فتح الله على رسوله ﷺ، قال: "أنا أَولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك دينًا فعليَّ، ومن ترك مالًا فلورثته". وهو عند أحمد ١٣/ (٧٨٩٩)، والبخاري (٥٣٧١)، ومسلم (١٦١٩)، وابن ماجه (٢٤١٥)، والترمذي (١٠٧٠)، والنسائي (٢١٠١)، وابن حبان (٣٠٦٣) من طرق عن الزُّهْري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. والظاهر أنهما محفوظان جميعًا عن الزُّهْري، وإن اتحد مخرجهما، لأنَّ في حديث جابر عنده ذكر أبي قتادة، ثم إنَّ روايته في قصة معيّنة، خلافًا لحديث أبي هريرة، فحديثه عامّ بلفظ: أنَّ رسول الله ﷺ كان يُؤتى بالرجل المتوفَّى عليه الدَّين. والله تعالى أعلم. وانظر لزامًا ما تقدم بالأرقام (٢٢٤٣ - ٢٢٤٦).
(٢) إسناده صحيح، وقد اختُلِف في رفعه ووقفه على الأعمش - وهو سليمان بن مهران - فرفعه أبو عوانة - وهو الوضاح بن عبد الله اليشكُري - كما وقع عند المصنف هنا، وكذلك رفعه علي بن محمد الطنافسي عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير عن الأعمش، لكن قال أبو حاتم كما في "العلل" لابنه (١١١٣): رفعه مرةً ثم ترك بعدُ الرفعَ، فكان يقفه. وجاء مرفوعًا أيضًا في رواية سعيد بن منصور، عن هُشَيم بن بشير، عن الأعمش، كما قال ابنُ حزم في "المحلى" ٨/ ٩٢، إلّا أنه قال: عن أبي هريرة يرفع الحديث فيما زعم، قال: قال رسول الله ﷺ. وذكر الدارقطني في "العلل" (١٩٠٣) أنَّ لُوينًا رواه عن عيسى بن يونس عن الأعمش، فرفعه. وأنَّ وهب بن جرير رواه عن شعبة بن الحجاج عن الأعمش، مرفوعًا كذلك. وأنَّ خلّاد بن أسلم الصفار رواه عن منصور بن المعتمر عن أبي صالح، مرفوعًا. ثم رجَّح =
[ ٣ / ٢٩٠ ]
قال الأعمش: فذكرتُ ذلك لإبراهيم، فكَرِهَ أن يُنتَفَع بشيءٍ منه.
هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، لإجماع الثَّوْري وشُعبة على توقيفه عن الأعمش، وأنا على أصْلي الذي أصّلتُه في قَبُول الزيادة من الثقة.
٢٣٧٩ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا محمد بن محمد بن حيّان الأنصاري، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن معاوية الكَرَابيسي، حدثنا هشام بن يوسف الصنعاني، حدثنا مَعمَر، عن الزُّهْري، عن ابنِ كعب بن مالك، عن أبيه: أنَّ رسول الله ﷺ حَجَرَ على معاذ مالَه وباعه في دَينٍ عليه (^١).
_________________
(١) = الدارقطني الموقوف بأنَّ أكثر أصحاب الأعمش وقفوه، وأنَّ غير خلّادٍ رواه عن منصور عن إبراهيم النخعي عن أبي هريرة موقوفًا. قلنا: وروي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعًا أيضًا، كما سيأتي، فلا بُعدَ أن يكون أصل حديث الأعمش مرفوعًا، ثم كان يشك في رفعه فيقفه أحيانًا تورُّعًا، كما كانت عادة كثير من المحدثين، ومثل هذا لا يمنع الحكم بصحة المرفوع، خصوصًا وقد جاء من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعًا كما سبق، والله تعالى أعلم. وقد احتجَّ به أحمد وابن راهويه كما في "مسائل إسحاق بن منصور" (١٩٥٩). وأخرجه أحمد ١٢/ (٧١٢٥)، والبخاري (٢٥١١) و(٢٥١٢)، وأبو داود (٣٥٢٦)، وابن ماجه (٢٤٤٠)، والترمذي (١٢٥٤)، وابن حبان (٥٩٣٥) من طريق عامر الشعبي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "الرهن يُركَب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدَّرِّ يُشرَب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويَشرب النفقةُ". وذكر الحافظ في "فتح الباري" ٨/ ٩٢ أنَّ هذا مساوٍ لحديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في المعنى، وأنَّ فيه زيادةً أيضًا عليه.
(٢) حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف لضعف إبراهيم بن معاوية الكرابيسي، وقد تابعه إبراهيم بن موسى الرازي كما سيأتي عند المصنف برقم (٥٢٧٣)، ورجال الإسناد هناك ثقات، لكنه اختلف في وصل هذا الحديث وإرساله، فأكثر أصحاب الزُّهْري رووه عنه مرسلًا، ورواه عبد الرزاق في غير "المصنف" عن معمر مرسلًا، وكذلك رواه محمد بن ثور الصنعاني وابن المبارك عن معمر مرسلًا، فهو الراجح كما أفاده كلام العقيلي في "الضعفاء" ١/ ٢١٧، وعبد الحق الإشبيلي في "أحكامه الوسطى" ٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧، وكذا قال ابن عبد الهادي في "التنقيح" ٤/ ١٣٢ =
[ ٣ / ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بأنَّ المشهور في حديث الزُّهْري الإرسال. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٥٩٣٩) عن محمد بن محمد بن حيان الأنصاري التمار، بهذا الإسناد. وقال: لم يرو هذا الحديث موصولًا عن معمر إلّا هشام بن يوسف. وأخرجه العقيلي (٧٧) عن إبراهيم بن محمد، والدارقطني (٤٥٥١) من طريق عبد الله بن أبي جبير المروَزي، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٦/ ٤٨ من طريق سليمان بن داود الشاذكوني، وفي "السنن الكبرى" ٦/ ٤٨، وفي "الصغرى" (٢٠٥١)، وفي "معرفة السنن والآثار" (١١٨٥٢) من طريق إبراهيم بن فهد البصري، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٥٨/ ٤٢٩ من طريق الحسن بن سفيان، خمستهم عن إبراهيم بن معاوية، به. ورواه عبد الرزاق عن معمر، فاختلف عليه: فأخرجه في "مصنفه" (١٥١٧٧) - وهذا الحديث من كتاب البيوع فيه الذي هو من رواية محمد بن علي النجار عن عبد الرزاق - عن معمر، عن الزُّهْري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه. ورواه يحيى بن معين كما في "الجزء الثاني من حديثه" برواية أبي بكر المروَزي (٧٥) - ومن طريق ابن معين أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" ٢١/ ١٢٩، في الاستيعاب ص ٦٥١ - عن عبد الرزاق، غير أنه قال: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه مرسلًا، والزُّهْري يروي عن كلا الرجلين عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، وعن عمه عبد الرحمن. وأخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده" كما في "المطالب العالية" (١٤٦١) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهْري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، مرسلًا. وأخرجه أبو داود في "المراسيل" (١٧٢) عن محمد بن داود بن سفيان، وأبو القاسم البَغَوي في "معجم الصحابة" مختصرًا ٥/ ٢٦٨، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٧١٩) عن أحمد بن منصور الرمادي، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهْري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، مرسلًا. غير أن البَغَوي قال في روايته: عن ابن كعب بن مالك، غير مقيد. وأخرجه أبو داود في "المراسيل" (١٧٢) عن محمد بن المتوكل العسقلاني، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٤٤) - وعنه أبو نعيم في "الحلية" ١/ ٢٣١ - من طريق أحمد بن حنبل، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٦/ ٤٨، وفي "دلائل النبوة" ٥/ ٤٠٥ - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخه" ٥٨/ ٤٢٨ - من طريق أحمد بن منصور الرمادي، وابن عساكر ٥٨/ ٤٣٠ من طريق محمد بن يحيى الذُّهلي، أربعتهم عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهْري، عن ابن كعب بن مالك، مرسلًا. =
[ ٣ / ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأخرجه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" كما في "بغية الباحث" للهيثمي (٤٤٧)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٥٩٥٢)، وابن عساكر ٥٨/ ٤٢٨ - ٤٢٩ من طريق عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن الزُّهْري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، مرسلًا. إلّا الحارث فقال في روايته: عن ابن كعب بن مالك، لم يقيده. وذكر البخاري في "التاريخ الكبير" ٥/ ٣١٢ أنَّ ابن المبارك قال في روايته عن معمر: عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، فلعلَّ ما وقع في رواية أبي نعيم وابن عساكر بنسبة عبد الرحمن لجده كعب، وهو شائع، وتكون رواية ابن المبارك كما ذكر البخاري، والله أعلم. وأخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" ٥/ ٤٠٥ من طريق محمد بن ثور الصنعاني، عن معمر، عن الزُّهْري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، مرسلًا. فاتفقت رواية ابن المبارك ومحمد بن ثور في روايتهما عن معمر، وعليه تحمل رواية من أطلق فقال: عن ابن كعب بن مالك، وكذا رواية من قال: عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ناسبًا إياه لجده، ويكون معمر إنما رواه عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، مرسلًا، والله أعلم بالصواب. وأخرجه سحنون في "المدونة" ٤/ ٨١، وأبو داود في "المراسيل" (١٧١)، والبيهقي في "السنن" ٦/ ٥٠ من طريق عبد الله بن وهب، وابن عبد البر في "التمهيد" ٢١/ ١٢٨، وابن عساكر ٥٨/ ٤٢٨ من طريق عبد الله بن المبارك، كلاهما عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزُّهْري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك مرسلًا. وكذلك رواه الليث بن سعد عن يونس، كما ذكر البخاري في "تاريخه الكبير" ٥/ ٣١٢. كذا وقع في روايته مُقيدًا بعبد الرحمن بن كعب بن مالك، فإن كان هو عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، ونسبه لجده، أو يكون الزُّهْري رواه عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، وعن عمه عبد الرحمن بن كعب، فإنَّ له رواية عن كليهما، والله أعلم. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٣٥٥٠) من طريق عبد الله بن يوسف، عن عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب وعمارة بن غزيّة، عن الزُّهْري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، وكان أحد النفر الثلاثة الذين تاب الله عليهم … كذا وصله، ولكن ابن لهيعة ساء حفظه بعد احتراق كتبه، وليس عبد الله بن يوسف ممّن أدرك السماع منه قبل سوء حفظه. وقد وقع في مطبوع الطبراني في إسناد الحديث تحريف صوبناه من كلام الطبراني آخر الحديث. وأخرجه سحنون في "المدونة" ٤/ ٨١ عن عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن عمارة بن غزيّة ويزيد بن أبي حبيب، عن الزُّهْري، قال: مضت سنّة رسول الله ﷺ في معاذ بن جبل بأن خلعه من ماله ولم يأمر ببيعه. وعبد الله بن وهب ممَّن سمع من ابن لهيعة قبل سوء حفظه، فهذا =
[ ٣ / ٢٩٣ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢٣٨٠ - حدثني محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا الحسين بن محمد بن زياد القَبَّاني، حدثنا أبو بكر بن أبي عَتّاب الأعْيَن، حدثنا منصور بن سَلَمة أبو سَلَمة الخُزاعي، حدثنا عثمان بن عبد الله بن زيد بن جارية (^١) الأنصاري، حدثنا عمِّي عَمرو بن زيد بن جارية، حدثني أبي زيدُ بن جارية: أنَّ رسول الله ﷺ استَصغَرَ ناسًا يوم أُحدٍ، منهم: زيد بن جارية - يعني نفسَه - والبراء بن عازب، وزيد بن أرقَم، وسعدٌ، وأبو سعيد الخُدْري، وعبد الله بن عمر، وذَكَرَ جابرَ بن عبد الله (^٢).
_________________
(١) = هو الصحيح في رواية ابن لهيعة عن عمارة بن غزية ويزيد بن أبي حبيب، أنها عن الزُّهْري من قوله مرسلًا، والله أعلم. وسيتكرر هذا الحديث سندًا ومتنًا عند المصنف برقم (٧٢٣٧). وسيأتي من طريق إبراهيم بن موسى الرازي عن هشام بن يوسف برقم (٥٢٧٣). وانظر ما سيأتي برقم (٥٢٦٠). ويشهد له حديث جابر بن عبد الله الآتي عند المصنف برقم (٥٢٧٦)، وفي سنده الواقدي، وحديثه يصلح للاعتبار إن شاء الله.
(٢) وقع في جميع المواضع في النسخ الخطية: حارثة، بالحاء المهملة والمثلثة، وضبطه الدارقطني في "المؤتلف والمختلف" ١/ ٤٤٠ بالجيم والمثناة التحتانية، وكذا الخطيب في "تلخيص المتشابه" ص ٢٩٥، وابن ماكولا في "الإكمال" ٢/ ٥. وقد ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٣/ ٥٦٠ بالحاء المهملة وأورده بعد زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ، قال ابن العديم في "بغية الطلب في تاريخ حلب" ٩/ ٤٠٠٠: وهذا وهمٌ وتصحيفٌ وقع من أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم.
(٣) إسناده ضعيف لجهالة كلٍّ من عثمان وعمه. وبعضهم يُسمى والدَ عثمان عُبيدَ الله مصغرًا، وبعضهم يُسمي عمَّه عُمرَ، بدل عَمرو. وأخرجه البيهقي ٩/ ٢٢ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٥١٥٠)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٢٩٩٣) من طريقين عن محمد بن أبي عَتَّاب الأَعْيَن، به. وأخرجه البخاري في "التاريخ الأوسط" ٢/ ٨٩٦، ومحمد بن نصر المروَزي في "السنة" =
[ ٣ / ٢٩٤ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٣٨١ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق وأبو محمد بن موسى، قالا: أخبرنا محمد بن أيوب، حدثنا أبو الوليد الطَّيالسي وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا حماد بن سَلَمة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، عن النبي ﷺ، قال: "رُفع القلمُ عن ثلاثٍ: عن الصبيِّ حتى يَحتَلِم، وعن المَعتُوه حتى يُفِيق، وعن النائم حتى يَستيقِظ" (^١).
_________________
(١) = (١٤٥)، وأبو القاسم البَغَوي في "معجم الصحابة" (٩٥٤)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٤٩٦٢)، والدارقطني في "المؤتلف والمختلف" ١/ ٤٤٠، والخطيب في "تلخيص المتشابه في الرسم" ص ٢٩٥، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١٩/ ٢٦٣، وابن العديم في "بغية الطلب في تاريخ حلب" ٩/ ٣٩٩٩ من طرق عن منصور بن سلمة، به. وجاء عند البخاري ومن طريقه ابن عساكر وابن العديم أنَّ منصورًا قال: أخاف ألا يكون حَفِظَ فيه جابرًا. وأخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" ٥/ ٣٠٥، ومن طريقه ابن عساكر ١٩/ ٢٦٣، وابن العديم ٩/ ٣٩٧٤ عن محمد بن سماعة، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي، عن عثمان بن عبيد الله، به. لكنه قال في روايته: وجابر بن عبد الله، وليس بالذي يُروى عنه الحديثُ. قلنا: فيزول بذلك الالتباس الذي حصل لمنصور بن سلمة، وسعد الذي أطلق اسمه في الرواية هو ابن حَبْتة، كما ضبطه الدارقطني في "المؤتلف" ٢/ ٨٧٥، والحافظ في "الإصابة" ٣/ ٤٨ وغيرها. وسيأتي هذا الخبر مختصرًا برقم (٤٩٢٦) من طريق أحمد بن عبيد الله النرسي عن منصور بن سلمة. لكنه سيُورده في مناقب سعد بن خيثمة، إذ تحرَّف الاسم في تلك الرواية من حبتة إلى خيثمة، وأنكره الذهبي لكون سعد بن خيثمة كان أحد النقباء فكيف يُستصغَر في أُحد. لكن قدّمنا أنَّ جماعة أصحاب منصور ذكروه على الصواب، وكذلك ذكره أبو يوسف في روايته على الصواب، فبقي أنَّ ما حصل في رواية أحمد بن عبيد الله تلك تحريف، فلا إنكار في نصّ الخبر، وإنما العلة في ضعفه للجهالة التي في إسناده كما بيَّنّا.
(٢) إسناده صحيح. محمد بن أيوب: هو ابن الضُّريس، وأبو الوليد الطيالسي: هو هشام بن عبد الملك، وحماد: هو ابن أبي سليمان، وإبراهيم: هو ابن يزيد النخعي، والأسود: هو ابن يزيد النخعي. وأخرجه أحمد ٤١/ (٢٤٦٩٤) و(٢٤٧٠٣) و٤٢/ (٢٥١١٤)، وأبو داود (٤٣٩٨)، وابن ماجه =
[ ٣ / ٢٩٥ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٣٨٢ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضي، حدثنا إبراهيم بن يوسف بن خالد الرازي، حدثنا الحارث بن مِسكين وأحمد بن عمرو، قالا: حدثنا ابن وهب، حدثنا جَرير بن حازم، عن سليمان بن مِهْران، عن أبي ظَبْيان، عن ابن عباس، قال: مُرَّ على عليٍّ بمجنونة بني فلان قد زَنَتْ، وأَمَر عمرُ بن الخطّاب برَجْمِها، فردَّها عليُّ بن أبي طالب وقال لعمر: يا أميرَ المؤمنين، أمرتَ برَجْمِ هذه؟ قال: نعم، قال: أما تذكُرُ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن المجنونِ المغلوبِ على عَقْله، وعن النائم حتى يَستيقِظ، وعن الصبيِّ حتى يَحتَلِم"؟ قال: صدقتَ، فخلَّى عنها (^١).
قال عبد الله (^٢): فالحَجْر على المجنون والمجنونة ممّا لا أعلمُ فيه خلافًا بين العلماء.
٢٣٨٣ - حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق الصِّبْغي، حدثنا الحسن بن علي بن زياد، حدثنا عبد الأعلى بن حماد، حدثنا عمر بن علي، حدثنا هشام بن عُرْوة،
_________________
(١) = (٢٠٤١)، والنسائي (٥٥٩٦)، وابن حبان (١٤٢) من طرق عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وبعضهم يذكر المجنون بدل: المعتوه، وبعضهم يقول: "وعن المبتلى حتى يبرأ" بدل ذكر المعتوه والمجنون.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه قد اختُلف فيه على الأعمش في رفعه ووقفه، كما سلف بيانه برقم (٩٦٢). أحمد بن عمرو: هو ابن عبد الله بن السَّرْح، وأبو ظَبْيان: هو حُصين بن جُندب الجَنْبي. وأخرجه أبو داود (٤٤٠١)، والنسائي (٧٣٠٣) عن أحمد بن عمرو بن السَّرْح، بهذا الإسناد.
(٣) جاء في (ز) و(ص): قال عبد الله، بدل: أبو عبد الله، وجاء بعد هذا فيهما بياض بينه وبين المقول. ويغلب على ظننا صحة ما وقع في المطبوع، ويكون المقصود بأبي عبد الله هو الحاكم نفسه أو شيخه الذي هو أحد كبار فقهاء الحنفية، وإن صحَّ ما في (ز) و(ص) فعسى أن يكون المراد به عبد الله بن وهب، فليس في الإسناد من اسمه عبد الله غيره، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ٢٩٦ ]
عن أبيه، عن عائشة، قالت: نزلت هذه الآية ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] في رجلٍ كانت تحتَه امرأةٌ قد طالتْ صحبتُها ووَلَدت منه أولادًا، فأراد أن يَستبدِلَ بها، فراضَتْه على أن تَقِرَّ عنده ولا يَقسِمَ لها (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه!
٢٣٨٤ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ سَوْدة جعلت يومَها لعائشة، وأحسَبُ في ذلك نزلت ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح وأبو العباس محمد بن إسحاق - وهو أخو الحافظ أبي بكر أحمد بن إسحاق الصِّبغي - كان سماعه صحيحًا كما يفيده كلام الحاكم فيما نقله عنه السمعاني في "الأنساب" في رسم الصِّبغي. عمر بن علي: هو المقدَّمي. وأخرجه ابن ماجه (١٩٧٤) عن حفص بن عمرو الرَّبَالي، عن عُمر بن علي، بهذا الإسناد. وأخرجه بنحوه البخاري (٢٤٥٠) و(٢٦٩٤) و(٤٦٠١) و(٥٢٠٦)، ومسلم (٣٠٢١)، والنسائي (١١٠٦٠) من طرق عن هشام بن عروة، به. وعندهم: أنها نزلت في الرجل تكون عنده المرأة … إلخ، فهذا على العموم، وليس واقعة عين كما هو ظاهر رواية المصنف. وانظر ما بعده.
(٢) صحيح دون ذكر نزول الآية، وهذا إسناد حسن من أجل عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، فهو حسن الحديث. وقد توبع على ذكر جعل سودة يومها لعائشة. وأخرجه بأطول ممّا هنا أبو داود (٢١٣٥) عن أحمد بن يونس، بهذا الإسناد. وهو بنحو الرواية الآتية عند المصنف برقم (٢٧٩٥) من طريق الحسن بن علي بن زياد عن أحمد بن يونس. وأخرجه دون ذكر الآية أحمد ٤٠/ (٢٤٣٩٥)، ومسلم (١٤٦٣) من طريق شريك النخعي، وأحمد ٤١/ (٢٤٤٧٧) من طريق عبد الله بن المبارك، والبخاري (٥٢١٢)، ومسلم (١٤٦٣) من طريق زهير بن معاوية، ومسلم (١٤٦٣)، والنسائي (٨٨٨٥)، وابن حبان (٤٢١١) من طريق جرير بن عبد الحميد، ومسلم، وابن ماجه (١٩٧٢) من طريق عقبة بن خالد، وابن ماجه (١٩٧٢) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، كلهم عن هشام بن عروة، به. =
[ ٣ / ٢٩٧ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٣٨٥ - حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العَنْبَري، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا عبد الله بن نافع، عن عاصم بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: كانت الهُدْنةُ بين النبي ﷺ وبين أهلِ مكة بالحُدَيبِيَة أربعَ سنين (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٣٨٦ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا بحر بن نَصْر بن سابِق الخَوْلاني، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني أبو هانئ الخَولاني، عن عمرو بن مالك،
_________________
(١) = وأخرجه دون ذكر الآية أيضًا البخاري (٢٥٩٣)، وأبو داود (٢١٣٨)، والنسائي (٨٨٧٤) من طريق الزُّهْري، عن عروة، به. وأخرج الترمذي (٣٠٤٠) من حديث ابن عباس، قال: خشيَت سودة أن يُطلِّقها النبي ﷺ، فقالت: لا تطلقني وأمسكني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. وحسَّنه الترمذي والحافظ في "الإصابة" ٧/ ٧٢٠. والأصح في سبب نزول الآية العموم لا خصوص قصة سودة كما في الحديث السابق.
(٢) إسناده ضعيف كما قال الذهبي في "تلخيصه"، وذلك لضعف عاصم بن عمر - وهو ابن حفص العمري - وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ٨/ ٤٧٢: وهو مع ضعف إسناده منكرٌ مخالفٌ للصحيح. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧٩٣٥) عن محمود بن علي بن مالك الشَّيباني، عن يحيى بن المغيرة، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن عدي في "الكامل" ٥/ ٢٣٠، ومن طريقه البيهقي ٩/ ٢٢٢ من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، عن عبد الله بن نافع، به. وقد روي كذلك عن عروة بن الزُّبَير: أنَّ الهدنة كانت أربع سنين، عند أبي عبيد في "الأموال" (٤٤٠)، لكن في الإسناد إليه ابن لهيعة، وهو سيئ الحفظ. وخالفه محمد بن إسحاق، فروى عن الزُّهْري، عن عروة بن الزُّبَير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أنَّ مدة الهدنة كانت عشر سنين. أخرجه من طريقه أحمد ٣١/ (١٨٩١٠)، وأبو داود (٢٧٦٦)، وإسناده حسن. وصرَّح ابن إسحاق بسماعه عند البيهقي ٩/ ٢٢١ وغيره.
[ ٣ / ٢٩٨ ]
أنه سمع فَضَالة بن عُبيد يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أنا زعيمٌ - والزعيم: الحَمِيل - لمن آمَن بي وأسلمَ وهاجرَ، ببيتٍ في رَبَضِ الجنة" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٣٨٧ - حدثنا أبو الحَسَن محمد بن محمد بن الحسن، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا إبراهيم بن عبد الله الهَرَوي، حدثنا هُشَيم، حدثنا عبد الحميد بن جعفر الأنصاري، عن أبيه، عن سمرة بن جُندُب، قال: أيَّمَتْ أمّي وقَدمتِ المدينةَ، فخَطَبها الناسُ، فقالت: لا أتزوجُ إلّا برجلٍ يَكفُل لي هذا اليتيمَ، فتزوجها رجلٌ من الأنصار. قال: فكان رسولُ الله ﷺ يَعرِضُ غلمانَ الأنصار في كل عامٍ فيُلحِقُ من أدركَ منهم، قال: فعُرِضتُ عامًا، فألحق غُلامًا وردَّني، فقلتُ: يا رسول الله، لقد ألحقتَه ورَدَدْتَني، ولو صارعتُه لصَرَعتُه، قال: "فصارِعْه"، فصارعتُه فصَرَعتُه، فألحَقَني (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح. أبو هانئ الخولاني: هو حميد بن هانئ، وعمرو بن مالك: هو الجَنْبي. وأخرجه بأطول ممّا هنا النسائي (٤٣٢٦)، وابن حبان (٤٦١٩) من طريقين عن عبد الله بن وهب، بهذا الإسناد. وسيأتي برقم (٢٤٢٢) بأطول ممّا هنا، لكن شيخ أبي العباس فيه هو محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم. قوله: "ربض الجنة" بفتح الباء: ما حولها خارجًا عنها، تشبيهًا بالأبنية التي تكون حول المدن وتحت القلاع.
(٢) رجاله ثقات، لكن أكثر من رواه عن هُشَيم جعلوه من حديث جعفر مرسلًا يحكي فيه قصة أم سمرة وابنها، وقد جزم ابن معين في "سؤالات ابن الجنيد" بأنَّ جعفرًا والد عبد الحميد - وهو جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان - لم يلق سمرة. وأخرجه البيهقي ٩/ ٢٢ و١٠/ ١٨ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "العلل" (٥٧٠٨) عن إبراهيم بن عبد الله الهروي، به. =
[ ٣ / ٢٩٩ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٣٨٨ - حدثنا أبو بكر أحمد بن كامل القاضي، حدثنا أحمد بن حَيَّان بن مُلاعِب ومحمد بن غالب بن حرب، قالا: حدثنا عفّان بن مسلم، حدثنا وُهَيب، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن مجاهد، عن السائب بن أبي السائب: أنه كان شريكَ النبي ﷺ في أول الإسلام في التجارة، فلما كان يومُ الفتح قال: "مرحبًا بأخي وشَريكي، لا تُداري ولا تُمَاري"، وذكر باقي الحديث (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
_________________
(١) = وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٦٧٤٩) عن محمد بن عبدوس بن كامل، عن إبراهيم بن عبد الله الهروي، به. لكنه قال: عن جعفر: أنَّ أم سمرة، فذكره مرسلًا. وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣/ ٢١٩ من طريق محمد بن عيسى بن الطباع، عن هُشَيم به. فقال: عن سمرة بن جندب. وأخرجه أحمد بن حنبل في "العلل" (٥٧٠٨) عن هُشَيم بن بشير، والروياني في "مسنده" (٨٥٦) من طريق أبي الأحوص محمد بن حيان، وأبو القاسم البَغَوي في "معجم الصحابة" (١١٣٥) عن زياد بن أيوب، وأبو نعيم في "رياضة الأبدان" (١)، وفي "معرفة الصحابة" (٣٥٧٨) و(٧٩٥٧) من طريق يعقوب بن إبراهيم، وابن عبد البر في "الاستيعاب" ص ٣٠١ من طريق سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، كلهم عن هُشَيم بن بشير، عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه: أنَّ أم سمرة، فذكروه مرسلًا، وذكر أحمد بن حنبل أنه سمعه من هُشَيم مرتين كذلك.
(٢) إسناده ضعيف، مجاهد - وهو ابن جبر المكي - لم يروه عن السائب، بينهما قائد السائب، وهو مجهول، وفيه اضطراب أيضًا كما بينه الحافظ ابن حجر في ترجمة السائب من "تهذيب التهذيب". وُهَيب: هو ابن خالد. وأخرجه أحمد ٢٤/ (١٥٥٠٥) عن عفان بن مسلم، بهذا الإسناد. وأخرجه النسائي (١٠٠٧١) من طريق أبي هشام المغيرة بن سلمة المخزومي، عن وُهَيب، به. وأخرجه أحمد (١٥٥٠٢)، وأبو داود (٤٨٣٦)، وابن ماجه (٢٢٨٧) من طريق إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد، عن قائد السائب، عن السائب. وأخرجه أحمد (١٥٥٠٣) من طريق سيف بن أبي سليمان المخزومي، عن مجاهد، قال: كان السائب بن أبي السائب، فذكره مرسلًا.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
٢٣٨٩ - أخبرنا أبو عون محمد بن أحمد بن ماهان الجزّار بمكة على الصّفا، أخبرنا محمد بن علي بن زيد، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عيّاش بن أبي ربيعة، عن الزُّهْري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصَّعْب بن جَثّامة: أنَّ رسول الله ﷺ حَمَى النَّقيعَ، وقال: "لا حِمَى إِلَّا للهِ ولرَسولِه" (^١).
قد اتفقا على حديث يونس عن الزُّهْري بإسناده: "لا حِمَى إِلَّا للهِ ولرسولِه"، ولم يُخرجاه هكذا، وهو صحيح الإسناد.
_________________
(١) حديث صحيح دون ذكر حماية النَّقيع، فقد تفرَّد بوصله عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش، وليس هو بالقوي، وخالفه الثقة الحافظ يونس بن يزيد الأيلي، فروى الحديث عن الزُّهْري، فوصل قوله: "لا حمى إلّا لله ولرسوله"، وقال: بلغنا أنَّ النبي ﷺ حمى النقيع، لكنه مع كونه من بلاغات الزُّهْري له ما يشهد له كما سيأتي. وأخرجه أبو داود (٣٠٨٤) عن سعيد بن منصور، بهذا الإسناد. وأخرجه عبد الله بن أحمد في زياداته على "المسند" ٢٧/ (١٦٦٥٩) عن مصعب الزُّبَيري، عن عبد العزيز بن محمد - وهو الدراوردي - به. وأخرجه البخاري (٢٣٧٠)، وأبو داود (٣٠٨٣) من طريق يونس بن يزيد الأيلي، عن الزُّهْري، به بلفظ: إنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا حمى إلّا لله ولرسوله". وقال - يعني الزُّهْري، كما جاء موضحًا في رواية أبي داود -: بلغنا أنَّ النبي ﷺ حمى النقيع. وأخرجه دون ذكر حمى النقيع أحمد (١٦٤٢٢) و(١٦٤٢٥) و(١٦٦٦٦)، وابنه عبد الله (١٦٦٥٧) و(١٦٦٧٩)، والبخاري (٣٠١٢)، والنسائي (٥٧٤٣) و(٨٥٧٠)، وابن حبان (١٣٦) و(١٣٧) و(٤٦٨٤) و(٤٧٨٧) من طرق عن الزهري، به. ويشهد له حديث أبي هريرة عند ابن حبان (٤٦٨٥). ويشهد لبلاغ الزُّهْري حديث عبد الله بن عمر عند أحمد ٩/ (٥٦٥٥)، وابن حبان (٤٦٨٣) من طريقين عن ابن عمر، لكن في كل منهما رجل ضعيف، فيجبُرُ كلٌّ منهما صاحبَه. ويشهد له أيضًا مرسل نوفل بن مساحق من رواية ابنه عبد الملك عنه، عند الخطيب في "تاريخه" ٤/ ٣٤، ورجاله ثقات، وهو أيضًا عند عمر بن شبة في "تاريخ المدينة" ١/ ١٥٦ لكنه جعله من مرسل ابنه عبد الملك (وتحرّف في المطبوع اسم عبد الملك إلى: عبد الله).
[ ٣ / ٣٠١ ]
٢٣٩٠ - أخبرني أحمد بن محمد العَنَزي، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا حماد بن سَلَمة، عن أبي الزُّبَير، عن جابر: أنَّ رسول الله ﷺ نَهَى عن بَيع الماء (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه (^٢).
وله شاهد بزيادةٍ في المتن:
٢٣٩١ - أخبرَناه أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا إسماعيل بن قُتيبة، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا داود بن عبد الرحمن المكي، عن عمرو بن دينار، عن أبي المِنْهال، عن إياس بن عبدٍ: أنَّ النبي ﷺ نَهَى عن بيع فَضْل الماء (^٣).
٢٣٩٢ - حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحَجَبي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرِّجَال، قال: سمعتُ أبي يحدّث عن أمّه عَمْرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ: "لا يُمْنَعُ نَقْعُ (^٤)
_________________
(١) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد ٢٣/ (١٤٦٣٩) و(١٤٨٤٢) من طرق عن حماد بن سلمة، به. وقد تقدم من طريق ابن جُرَيج عن أبي الزُّبَير برقم (٢٣١٩). ومن طريق عطاء بن أبي رباح عن جابر برقم (٢٣٢٠).
(٢) قد أخرجه مسلم كما ذكرنا فيما تقدم، فلا يُستدرك عليه.
(٣) إسناده صحيح. أبو المنهال: هو عبد الرحمن بن مُطعم المكي. وأخرجه أبو داود (٣٤٧٨) عن عبد الله بن محمد النُّفيلي، والترمذي (١٢٧١) عن قتيبة بن سعيد، كلاهما عن داود بن عبد الرحمن بهذا الإسناد. لكن لم يقع في رواية الترمذي ذكر الفضل، وإنما قال: عن بيع الماء. وقد تقدم من طريق سفيان بن عيينة ومن طريق ابن جُرَيج، كلاهما عن عمرو بن دينار برقم (٢٣١٧) و(٢٣١٨).
(٤) وقع في (ز): نفع، بالفاء، وقد ضبطه القاضي عياض في "التنبيهات المستنبطة" ورقة ٤٦٠، فقال: هو بالقاف الساكنة بعد النون المفتوحة، وهو المعروف في أكثر الروايات حيث وقع في المصنفات، وروِّيناه عن بعض شيوخنا في "الموطأ" بالفاء والقاف معًا، وإن كان للفاء معنًى =
[ ٣ / ٣٠٢ ]
البئر"؛ وهو الرَّهْو (^١).
قال عبد الرحمن: سمعتُ أبي يقول: إنَّ الرَّهْو أن تكون البئر بين شركاءَ فيها الماءُ، فيكون للرجل فيها فضلٌ، فلا يَمنعُ صاحبَه.
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
إنما اتفقا من هذا الباب على حديث الزُّهْري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة: "لا يُمنَعُ فضلُ الماء ليُمنَعَ به الكلأُ" (^٢).
٢٣٩٣ - حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه وأبو بكر بن عَبْدك القَزّاز الرازي ببغداد: قالا: حدثنا علي بن الحسين بن الجُنيد [حدثنا أحمد بن صالح
_________________
(١) = يصحُّ فهو تصحيف لا شكَّ.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي من أجل عبد الرحمن بن أبي الرِّجَال - وأبو الرجال اسمه محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الأنصاري - فهو قوي الحديث لا بأس به، وقد تابعه غير واحد كما سيأتي بيانه. ورواه سفيان الثَّوري ومالك عن أبي الرِّجال، واختُلف عليهما في وصله وإرساله، كما بينه الدارقطني في "العلل" (٣٧٧١)، وقال: هو صحيح عن عائشة. وكذلك مال إلى تصحيح وصله ابنُ عبد البر في "التمهيد" ١٣/ ١٢٣ - ١٢٤. وأخرجه أحمد ٤١/ (٢٤٧٤١) عن أبي سعيد عبد الرحمن بن عبد الله مولى بني هاشم، عن عبد الرحمن بن أبي الرجال، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٤١/ (٢٤٨١١) من طريق أبي أويس، وأحمد ٤٢/ (٢٥٠٨٧) و٤٣/ (٢٦٣١١)، وابن حبان (٤٩٥٥) من طريق محمد بن إسحاق، وأحمد ٤٣/ (٢٦١٤٧) من طريق خارجة بن عبد الله من ولد زيد بن ثابت، ثلاثتهم عن أبي الرجال، به. وأخرجه ابن ماجه (٢٤٧٩) من طريق حارثة بن أبي الرِّجال، عن عمرة، به. وحارثة ضعيف، فالاعتماد على رواية من رواه عن أبي الرجال عن عمرة. وانظر تمام تخريجه وبيان الاختلاف فيه على مالك وسفيان الثَّوري في "مسند أحمد" (٢٤٨١١).
(٣) أخرجه من هذا الطريق البخاري (٢٣٥٤)، ومسلم (١٥٦٦) (٣٧). وأخرجه أيضًا البخاري (٢٣٥٣)، ومسلم (١٥٦٦) (٣٦) من طريق الأعرج، عن أبي هريرة. والكلأ: العُشْب رطبًا كان أو يابسًا.
[ ٣ / ٣٠٣ ]
المصري] (^١) حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا مالك بن أنس، عن أبي الرِّجَال، عن عَمْرة، عن عائشة: أنَّ رسول الله ﷺ قضى في سَيْلِ مَهْزُورٍ ومِذنَب أَنَّ الأعلى يُرْسِلُ إلى الأسفل ويَحبِسُ قدرَ كَعبَينِ (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢٣٩٤ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن إسحاق الخُزاعي بمكة، حدثنا أبو يحيى بن أبي مَسَرّة، حدثنا عبد الله بن يزيد المُقرئ، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود، عن بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن بُسر بن سعيد، عن خالد بن عَدِي الجُهني، قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "مَن بَلَغَه معروفٌ عن أخيه مِن غير مَسألةٍ ولا إشرافِ نَفْسٍ، فليَقْبَلْه ولا يَرُدَّه، فإنما هو رِزْقٌ ساقَهُ اللهُ إِليهِ" (^٣).
_________________
(١) سقط من النسخ الخطية، واستدركناه من "إتحاف المهرة" للحافظ (٢٣١٩).
(٢) إسناده صحيح، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٧/ ٤٨٦. وأخرجه الدارقطني في "غرائب مالك" كما في "فتح الباري" ٧/ ٤٨٦، ومن طريقه ابنُ عبد البر في "التمهيد" ١٧/ ٤٠٩ عن أبي محمد بن صاعد وعلي بن محمد الإسكافي، كلاهما عن أبي الأحوص محمد بن الهيثم القاضي، عن أحمد بن صالح المصري، بهذا الإسناد. ويشهد له حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود (٣٦٣٩) وابن ماجه (٢٤٨٢)، وإسناده حسن. وحديث ثعلبة بن أبي مالك عندهما أيضًا، وفي إسناده ضعف. ومرسل عبد الله بن أبي بكر عند مالك في "الموطأ" ٢/ ٧٤٤. وانظر حديث الزبير بن العوام الآتي برقم (٥٦٦٤). ومَهزور، بتقديم الزاي على الراء: وادي بني قريظة بالحجاز. ومِذْنَب: اسم موضع بالمدينة.
(٣) إسناده صحيح، وصحَّحه الحافظ ابن حجر في "الإصابة" ٢/ ٢٤٤. أبو الأسود: هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل. وقال الحافظ في "إتحاف المهرة" (٤٤٣٩): صحَّحه ابن حزم وعبد الحق وابن القطان. وأخرجه أحمد ٢٩/ (١٧٩٣٦)، وابن حبان (٣٤٠٤) و(٥١٠٨) من طرق عن عبد الله بن يزيد المقرئ، بهذا الإسناد. =
[ ٣ / ٣٠٤ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٣٩٥ - حدثني علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا بِشر بن موسى، حدثنا الحُميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت وهب بن مُنبِّه في داره بصنعاء وأطعَمَني خَزِيرةً (^١) في داره، يحدِّث عن أخيه، عن معاوية بن أبي سفيان، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تُلْحِفُوا في المسألةِ، واللهِ (^٢) لا يسألُني أحد منكم شيئًا، فتُخرِجَه له مني المسألةُ، فأُعطيَه إياه وأنا كارِهٌ، فيُبارَكَ له في الذي أعطَيتُه" (^٣).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذه السِّياقة!
٢٣٩٦ - أخبرني أبو الحُسين محمد بن أحمد القَنْطَري ببغداد وأبو أحمد بكر بن محمد الصَّيْرفي بمَرْو، قالا: حدثنا أبو قِلابة
وأخبرني أبو عمرو بن نُجَيد، حدثنا أبو مُسلم؛ قالا: حدثنا أبو عاصم، عن ابن عَجْلان، عن المقبُري، عن أبي هريرة: أنَّ رجلًا أهدى إلى رسول الله ﷺ لِقْحة، فأثابَه منها بستِّ بَكَرات، فتسخَّطها الرجلُ، فقال رسول الله ﷺ: "مَن يَعذِرُني مِن فلانٍ،
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ٣٩/ (٢٤٠٠٩/ ١١) عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن حيوة بن شُريح، عن أبي الأسود، به. فذكر حيوة بن شريح، بدل: سعيد بن أبي أيوب، وقال أبو القاسم البَغَوي في "معجم الصحابة" (٥٩٢): رواه المقرئ عن حيوة وسعيد بن أبي أيوب جميعًا.
(٢) كذا وقع في النسخ الخطية، والذي في مطبوع "مسند الحميدي" وسائر مصادر تخريج الحديث: أطعمني من جوزة في داره.
(٣) في (ب): فوالله. وهو كذلك في مطبوعي "مسند الحميدي" وسائر مصادر تخريج الحديث.
(٤) إسناده صحيح. الحميدي: هو عبد الله بن الزُّبَير المكي، وسفيان: هو ابن عُيينة. وأخرجه أحمد ٢٨/ (١٦٨٩٣)، ومسلم (١٠٣٨)، والنسائي (٢٣٨٥)، وابن حبان (٣٣٨٩) من طرق عن سفيان بن عيينة بهذا الإسناد. فاستدراك الحاكم له ذهولٌ منه. والخَزِيرة: لحم يُقطَّع صغارًا ويُصبُّ عليه ماء كثير، فإذا نضج ذُرَّ عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عَصيدة.
[ ٣ / ٣٠٥ ]
أَهدى إلي لِقْحةً، فكأني أنظُر إليها في وَجْه بعضِ أهلِه، فأثَبْتُه منها بسِتِّ بَكَرَاتٍ فتَسخَّطَها، لقد هممتُ أن لا أقبل هَديّةً إلّا أن تكونَ من قُرشيٍّ أو أنصارِيٍّ أو ثَقَفيٍّ أو دَوْسِيّ" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٣٩٧ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا أبو المثنَّى، حدثنا مُسدَّد، حدثنا عبد الله بن داود، عن الأعمش، عن يعقوب بن بَحِير، عن ضِرار بن الأزوَر قال: بعثَني أهلي بلَقُوحٍ إلى رسول الله ﷺ أهدَوْها له، فقال لي: "احلُبْها ودَعْ داعيَ اللَّبَنِ" (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي من أجل ابن عجلان - وهو محمد - وقد توبع. وأخرجه مختصرًا أحمد ١٢/ (٧٣٦٣) عن سفيان بن عيينة، والنسائي (٦٥٥٨) من طريق معمر بن راشد، كلاهما عن ابن عجلان، به. وأخرجه أحمد ١٣/ (٧٩١٨) من طريق أبي معشر نجيح السِّنْدي، والترمذي (٣٩٤٥) من طريق أيوب بن أبي مسكين كلاهما عن سعيد المقبري، به. وتابعهما مسعر بن كدام عند ابن أبي شيبة ١٢/ ٢٠١. وأخرجه أبو داود (٣٥٣٧)، والترمذي (٣٩٤٦) من طريق محمد بن إسحاق، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، وصرَّح ابن إسحاق بسماعه عند إبراهيم الحربي في "غريب الحديث" ٣/ ٩١٧. وقد سمع سعيد المقبري وأبوه من أبي هريرة، وسمع سعيد من أبيه عن أبي هريرة كذلك، فلا يبعد أن يكون سعيد سمعه مرة بواسطة أبيه ومرة سمعه من أبي هريرة مباشرة، فيكون الإسنادان صحيحين، والله أعلم. وأخرجه ابن حبان (٦٣٨٣) من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة مختصرًا. والبَكَرات: جمع بَكْرة، وهي الأنثى من الإبل. واللِّقْحة، بالكسر والفتح: الناقة القريبة العهد بالنِّتاج. وقوله: "من يَعذِرُني من فلان"، أي: من يقوم بعُذْري إذا جازَيتُه بصُنْعه فلا يلُومُني على ما أفعلُه به.
(٢) مرفوعه حسن لغيره، وهذا إسناد رجاله ثقات غير يعقوب بن بَحير، فلا يُعرف، وقد اختلف فيه على الأعمش، فرواه كذلك جماعة من الحفَّاظ عنه كما قال أبو زرعة وأبو حاتم =
[ ٣ / ٣٠٦ ]
حدثنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ إملاءً في شهر رمضان سنة سبع وتسعين وثلاث مئة:
٢٣٩٨ - حدثنا الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحاق، أخبرنا أبو مُسلم، حدثنا أبو الوليد، حدثنا إسحاق بن سعيد، حدثنا أبي، حدثتني أم خالد بنت خالد، قالت: أُتي النبيُّ ﷺ بثيابٍ فيها خَمِيصةٌ سوداء صغيرة، فقال: "مَن تَرَون أكسُو هذه؟ " فسكتَ القومُ، فقال رسول الله ﷺ: "ائتُوني بأمِّ خالدٍ" قالت: فأُتِي بي فألبَسَنِيها بيده، وقال: "أَبْلِي وأخْلِفي (^١) " يقولها مرتين، وجعل ينظُر إلى عَلَمٍ في الخَمِيصة أصفرَ وأحمرَ،
_________________
(١) = الرازيان في "العلل" (٢٢٢٥)، وخالفهم سفيان الثَّوري، فقال: عن عبد الله بن سنان بدل: يعقوب بن بَحير، وعبد الله بن سنان ثقة. وصحَّح علي بن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة رواية الجماعة، وأما يحيى بن معين، فقال في رواية العباس الدُّوري عنه: القول قول سفيان. ومالَ ابنُ القطّان في "بيان الوهم والإيهام" ٤/ ٥٠٥ إلى تصحيح رواية سفيان! وأخرجه أحمد ٣١/ (١٨٩٠٥) و(١٨٩٨٠)، وابن حبان (٥٢٨٣) من طريق وكيع، وأحمد (١٨٩٠٥) عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، وأحمد (١٨٩٨١) من طريق زهير بن معاوية، ثلاثتهم عن الأعمش، به. وسيأتي الحديث من طريق عبد الله بن المبارك عن الأعمش برقم (٥١١٥). وستأتي رواية سفيان الثَّوري عن الأعمش برقم (٦٧٤٨). ويشهد للمرفوع منه حديث نُقَادة الأسدي عند الطبري كما في "المؤتلف والمختلف" للدارقطني ٣/ ١٦٦١ و١٧٣١، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٥٧٠١)، والطبراني في "الأوسط" (٣٧٤٣) من طريقين عن نُقَادة بلفظه، وحديثه حسن بمجموع الطريقين. وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند الطبراني في "الكبير" (١٤٧٠٢)، و"الأوسط" (٨٨٥)، وأبي نعيم في "حلية الأولياء" ٨/ ١٧٦، بلفظ: مرّ رسول الله ﷺ برجلٍ يَحلُبُ شاةً، فقال: "أَيْ فلانُ، إِذا حَلَبتَ فأبْقِ لولدِها، فإنها من أَبرِّ الدّوابِّ". وإسناده حسن. وقوله: "دع داعي اللبن" أي: أبقِ في الضَّرع قليلًا من اللبن ولا تستوعبه كُلَّه، فإنَّ الذي تُبقيه فيه يدعو ما وراءه من اللبن فينزِلُه، وإذا استُقْصِيَ كلُّ ما في الضَّرع أبطأ دَرُّه على حالبه.
(٢) كذا أعجمت في (ز) بالفاء، وفي بقية النسخ الخطية: "وأخلقي" بالقاف، قال ابن حجر في "فتح الباري" ١٨/ ٥٧ - ٥٨: بالفاء أوجه من التي بالقاف، لأنَّ التي بالقاف تستلزم التأكيد، =
[ ٣ / ٣٠٧ ]
ويقول: "يا أمَّ خالدٍ، هذا سَنَا" (^١). والسَّنا بلِسان الحَبَشة: الحَسَن.
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه!
٢٣٩٩ - حدثني علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا هشام بن علي ومحمد بن أيوب، قالا: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سَلَمة، عن ثابت، عن أنس: أنَّ المهاجرين قالوا للنبي ﷺ: ذهبَ الأنصارُ بالأجرِ كُلِّه، قال: "لا، ما دعَوتُمُ اللهَ لهم وأَثنَيتُم" (^٢).
_________________
(١) = إذ الإبلاء والإخلاق بمعنًى، لكن جاز العطف لتغاير اللفظين، والثانية - يعني التي بالفاء - تفيد معنًى زائدًا، وهو أنها إذا أبلتْه أخلفت غيره، ويؤيده ما أخرجه أبو داود (٤٠٢٠) بسند صحيح عن أبي نَضْرة قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا لبس أحدهم ثوبًا جديدًا قيل له: تُبلِي ويُخلِفُ الله.
(٢) إسناده صحيح. أبو مسلم: هو إبراهيم بن عبد الله الكجّي، وأبو الوليد: هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، وإسحاق بن سعيد: هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص. وأخرجه البخاري (٥٨٤٥) عن أبي الوليد الطيالسي، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٤٤/ (٢٧٠٥٧)، وأبو داود (٤٠٢٤) من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم، عن إسحاق بن سعيد، به. وأخرجه البخاري (٣٠٧١) و(٥٩٩٣) من طريق عبد الله بن المبارك، عن خالد بن سعيد - وهو أخو إسحاق بن سعيد - عن أبيه، به. فاستدراك الحاكم له ذهولٌ منه. وسيأتي من طريق سفيان بن عيينة عن إسحاق بن سعيد برقم (٤٢٩٤). ومن طريق الحسن بن بشر عن إسحاق برقم (٧٥٧٩). وسيأتي كذلك من طريق عبد الله بن عمر بن أبان عن خالد بن سعيد أخي إسحاق برقم (٥١٦٨) لكنه قال فيه: عن أبيه، عن عمه خالد بن سعيد الأكبر أنه قدم على رسول الله ﷺ، فذكره، وجعله من مسند خالد بن سعيد. ولم يدرك سعيدُ بن عمرو عمَّه خالد بن سعيد، ففيه انقطاع كما قال الذهبي في "التلخيص" وابن حجر في "إتحاف المهرة" (٤٤٣٨). والخَميصة: ثوب من خزٍّ أو صوف مُعْلَم، وقيل: لا تُسمَّى خميصةً إلّا أن تكون سوداء معلمة وكانت من لباس الناس قديمًا. والعَلَم: العلامة من طراز وغيره.
(٣) إسناده صحيح. ثابت: هو ابن أسلم البُناني. =
[ ٣ / ٣٠٨ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٤٠٠ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشَّيباني، حدثنا محمد بن عبد الوهاب العَبْدي.
وحدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ، حدثنا إسحاق بن الحسن بن ميمون الحَرْبي؛ قالا: حدثنا سُريج بن النعمان الجَوهري، حدثنا أبو عَوَانة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، أنَّ النبي ﷺ قال: "من سألكُم بالله فأَعْطُوه، ومَن استعاذكُم باللهِ فأعيذُوه، ومَن آتى إليكُم معروفًا فكافِئوه، فإن لم تَجِدُوا فادعُوا له حتى تعلَمُوا أنكم كافأْتُموهُ، ومن استجارَكُم باللهِ فأجِيرُوه" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، للخلاف الذي بين أصحاب الأعمش فيه (^٢).
٢٤٠١ - أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد الصَّيرفي بمَرْو، حدثنا إبراهيم بن هِلال، حدثنا علي بن الحَسن بن شقيق، حدثنا الحُسين بن واقِد، حدثني عبد الله بن بُريدة، عن أبيه: أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ بحِمار وهو يمشي، فقال: اركَبْ يا رسول الله، فقال:
_________________
(١) = وأخرجه أبو داود (٤٨١٢) عن موسى بن إسماعيل، بهذا الإسناد. وأخرجه النسائي (٩٩٣٨) من طريق يحيى بن حماد، عن حماد بن سلمة، به. وأخرجه أحمد ٢٠/ (١٣٠٧٥) و(١٣١٢٢)، والترمذي (٢٤٨٧) من طريق حميد بن أبي حميد الطويل، عن أنس. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
(٢) إسناده صحيح. أبو عوانة: هو الوضاح بن عبد الله اليشكُري، والأعمش: هو سليمان بن مهران، ومجاهد: هو ابن جبر المكي. وأخرجه أحمد ١٠/ (٥٧٤٣) عن سريج بن النعمان، بهذا الإسناد. وقد تقدَّم من طريق مسلم بن إبراهيم عن أبي عوانة برقم (١٥١٩/ ١)، ومن ثلاثة طرق أخرى عن الأعمش بالأرقام (١٥١٩) و(١٥١٩/ ٢) و(١٥١٩/ ٣).
(٣) قدّم المصنف بيان ذلك بالأرقام (١٥١٩ - ١٥١٩/ ٣).
[ ٣ / ٣٠٩ ]
"إنَّ صاحبَ الدابَّةِ أحقُّ بصَدْرِ دابَّتِه إلّا أن تجعلَه لي" قال: قد فَعَلْتُ (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٤٠٢ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه وعلي بن حَمْشاذَ العَدْل، قالا: حدثنا عُبيد بن عبد الواحد، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكر بن سَوَادة أخبره عن أبي سالم الجَيْشاني، عن زيد بن خالد الجُهَني، أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن آوى ضالَّةً فهو ضالٌّ ما لم يُعرِّفْها" (^٢).
صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه!
_________________
(١) صحيح لغيره، وهذا إسناد قوي من أجل الحسين بن واقد، فهو صدوق لا بأس به، وإبراهيم بن هلال حسن الحديث وهو متابَع. وأخرجه أحمد ٣٨/ (٢٢٩٩٢)، وابن حبان (٤٧٣٥) من طريق زيد بن الحباب، وأبو داود (٢٥٧٢)، والترمذي (٢٧٧٣) من طريق علي بن الحُسين بن واقد، كلاهما عن الحسين بن واقد، بهذا الإسناد. وقد رواه حبيب بن الشهيد عن عبد الله بن بريدة، فأرسله، أخرجه من طريقه ابن أبي شيبة ٨/ ٥٦١، والبيهقي ٥/ ٢٥٨. وله شواهد استوفينا ذكرها في "مسند أحمد" عند حديث بريدة هذا.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل يحيى بن أيوب - وهو الغافقي - وقد توبع. أبو سالم الجيشاني: هو سفيان بن هانئ. وأخرجه أحمد ٢٨/ (١٧٠٥٥)، ومسلم (١٧٢٥)، والنسائي (٥٧٧٤)، وابن حبان (٤٨٩٧) من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، بهذا الإسناد. فاستدراك الحاكم له ذهولٌ منه. وأخرجه أحمد (١٧٠٥٥) من طريق عبد الله بن لَهيعة، عن بكر بن سوادة، به. قال النووي في "شرح مسلم" ١٢/ ٢٨: هذا دليل للمذهب المختار أنه يلزمه تعريف اللقطة مطلقًا سواءًا أراد تملّكها أو حفظها على صاحبها، وهذا هو الصحيح. ويجوز أن يكون المراد بالضالة هنا ضالة الإبل ونحوها مما لا يجوز التقاطه للتملك، بل إنها تُلتقط للحفظ على صاحبها، فيكون معناه: من آوى ضالة فهو ضالٌّ ما لم يعرّفها أبدًا. والمراد بالضالّ المفارق للصواب.
[ ٣ / ٣١٠ ]
٢٤٠٣ - أخبرني أحمد بن محمد العَنَزي، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي.
وأخبرني عبد الله بن محمد (^١) بن موسى، حدثنا محمد بن أيوب؛ قالا: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي العلاء، عن مُطرِّف، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ سُئل عن اللُّقَطة، فقال: "تُعرَّفُ ولا تُغيَّبُ ولا تُكتَم، فإن جاء صاحِبُها، وإلّا فهو مالُ الله يُؤتِيهِ مَن يشاءُ" (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٤٠٤ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم.
وأخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن يعقوب، أخبرنا ابن عبد الحَكَم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بُكير بن عبد الله بن الأشَجّ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الرحمن بن عثمان التَّيمي:
_________________
(١) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: يحيى. وإنما هو عبد الله بن محمد بن موسى الكعبي، وقد جاء على الصواب في عشرات المواضع من هذا الكتاب. وانظر ترجمته في "السير" ١٥/ ٥٣٠.
(٢) إسناده صحيح، وصحَّحه الحافظ ابن حجر في "مختصر زوائد البزار" (٩٥٠). حماد: هو ابن سلمة، وهو ممَّن سمع من سعيد الجريري - وهو ابن إياس - قبل تغيُّره واختلاطه، وأبو العلاء: هو يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، ومطرِّفٌ أخوه. وأخرجه النسائي (٥٧٧٧) من طريق أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. ولحماد بن سلمة فيه إسناد آخر عند النسائي أيضًا (٥٧٧٧) يرويه عن خالد الحذاء عن يزيد بن عبد الله بن الشخير عن مطرِّف، عن عياض بن حمار فذكر فيه عياض بن حمار بدل أبي هريرة، فصار الاختلاف خالد الحذاء وبين سعيد الجُريري في تعيين الصحابي، ومثل هذا الاختلاف لا يضر بصحة الحديث، على أنَّ في حديث عياض ذكر الإشهاد على اللُّقطة بدل ذكر تعريفها، فكأنهما حديثان، والله تعالى أعلم. وقد أخرجه بذكر عياض بن حمار: أحمد ٢٩/ (١٧٤٨١) و٣٠/ (١٨٣٣٦) و(١٨٣٤٣)، وأبو داود (١٧٠٩)، وابن ماجه (٢٥٠٥)، والنسائي (٥٧٧٦) و(٥٧٧٧)، و(٥٩٦٨)، وابن حبان (٤٨٩٤) من طرق عن خالد الحذاء، عن أبي العلاء، عن أخيه مُطرِّف، عن عياض بن حمار.
[ ٣ / ٣١١ ]
أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن لُقَطةِ الحاجِّ (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد.
٢٤٠٥ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق وعلي بن حَمْشاذَ؛ قال عليّ: حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحُميدي، حدثنا سفيان، قال: سَمِعْناه من داود بن شابُور ويعقوب بن عطاء، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو: أنَّ رسول الله ﷺ قال في كَنْز وجده رجلٌ، فقال: "إن كنتَ وجدْتَه في قريةٍ مسكونةٍ، أو في سبيلٍ مِيتاءٍ، فعَرِّفْه، وإن كنتَ وجدْتَه في خَرِبةٍ جاهليةٍ، أو في قريةٍ غير مسكونةٍ، أو غير سبيلٍ مِيتاءٍ، ففيه وفي الرِّكازِ الخُمسُ" (^٢).
قد أكثرتُ في هذا الكتاب الحُجَجَ في تصحيح روايات عمرو بن شعيب إذا كان الراوي عنه ثقة، ولا يُذكَر عنه أحسنُ من هذه الروايات، وكنتُ أطلب الحجةَ الظاهرةَ في سماع شعيب بن محمد من عبد الله بن عمرو فلم أصِلْ إليها إلى هذا الوقت.
_________________
(١) إسناده صحيح. ابن وهب: هو عبد الله. وأخرجه أحمد ٢٥/ (١٦٠٧٠)، ومسلم (١٧٢٤)، وأبو داود (١٧١٩)، والنسائي (٥٧٧٣)، وابن حبّان (٤٨٩٦) من طرق عن عبد الله بن وهب، بهذا الإسناد. زاد ابن حبان في روايته: قال ابن وهب: ولقطة الحاج بتركها حتى يجدها صاحبها.
(٢) إسناده حسن. الحميدي: هو عبد الله بن الزُّبَير الأسدي المكي، وسفيان: هو ابن عُيينة. وأخرجه أحمد ١١/ (٦٨٩١)، وأبو داود (١٧١٠)، والنسائي (٢٢٨٥) و(٥٧٩٥ - ٥٧٩٧) من طرق عن عمرو بن شعيب، به. ورواية بعضهم مختصرة. والطريق المِيتاء، أي: المسلوك، وهو مِفعال من الإتيان، والميم زائدة، وبابه الهمزة. قال ابن الأثير في "النهاية": الركاز عند أهل الحجاز: كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض، وعند أهل العراق: المعادن. والقولان تحتملهما اللغة لأنَّ كلًّا منهما مركوز في الأرض، أي: ثابت. والحديث إنما جاء في التفسير الأول، وهو الكنز الجاهلي. وقال أبو الطيب العظيم آبادي في "عون المعبود" ٥/ ٩٢ - ٩٣: حديث عمرو بن شعيب فيه حكم للشيئين، الأول: ما وُجد مدفونًا في الأرض، وهو الركاز، والثاني: ما وُجد على وجه الأرض في خربة جاهلية أو قرية غير مسكونة أو غير سبيل مِيتاء، ففيهما الخمس.
[ ٣ / ٣١٢ ]
٢٤٠٦ - حدثني أبو الحسن علي بن عمر الحافظ، حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد الفقيه النَّيسابوري، حدثنا محمد بن يحيى الذُّهْلي وأحمد بن منصور الرَّمادي وعلي بن حرب الموصلي، قالوا: حدثنا محمد بن عُبيد، حدثنا عُبيد الله بن عُمر، عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه: أنَّ رجلًا أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن مُحْرمٍ وقعَ بامرأةٍ، فأشار إلى عبد الله بن عمر، فقال: اذهب إلى ذاك، فاسأله، قال شُعيبٌ: فلم يَعرفْه الرجلُ، فذهبتُ معه، فسألَ ابنَ عمر فقال: بَطَلَ حَجُّك، فقال الرجلُ: ما أصنعُ؟ قال: أَحرِمْ مع الناس واصنَعْ ما يصنعون، فإذا أدركتَ قابلًا، فحُجَّ وأَهْدِ، فرجَع إلى عبد الله بن عَمرو وأنا معه، فقال: اذهبْ إلى ابن عباس فسَلْه، قال شُعيبٌ: فذهبتُ معه إلى ابن عباس فسأله، فقال له كما قال ابنُ عمر، فرجع إلى عبد الله بن عمرو وأنا معه، فأخبره بما قال ابنُ عباس، ثم قال: ما تقولُ أنت؟ فقال: قَولي مثلُ ما قالا (^١).
هذا حديث ثقاتٌ رواتُه حفاظٌ، وهو كالآخِذِ باليد في صحة سماع شعيب بن محمد من جده عبد الله بن عمرو.
هذا آخر ما أدّى إليه اجتهادي من الزيادة في كتاب البيوع على ما خرَّجه الإمامان
_________________
(١) إسناده حسن. وصحَّح إسناده البيهقي في "السنن الكبرى" ٥/ ١٦٧، والمزي في "التهذيب" في ترجمة شُعيب بن محمد والد عمرو. وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٥/ ١٦٧، وفي "معرفة السنن والآثار" (١٠٣٤٢) عن أبي عبد الله الحاكم بهذا الإسناد. وهو في "سنن الدارقطني" (٣٠٠٠)، ومن طريقه أخرجه البيهقي في "السنن" ٥/ ٣٦٧. وأخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٢٣/ ١١٦ من طريق أبي طاهر المخلِّص، عن عبد الله بن محمد بن زياد، به. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٣٢٤٨ - عوامة) عن عبد الله بن نمير، وابن أبي خيثمة في السفر الثالث من "تاريخه الكبير" (٢٦٨٤) من طريق عتاب بن سعيد، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٢٣/ ١١٧ من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، ثلاثتهم عن عُبيد الله بن عمر، به.
[ ٣ / ٣١٣ ]
أبو عبد الله البخاري وأبو الحسين القُشَيري ﵄. وقد ذكرتُ في ضمن هذا الكتاب كتبًا قد ترجمها البخاريُّ في آخرِ كتابِ البيوعِ؛ فمنها كتابُ السَّلَم، وكتاب الشُّفعة، وكتاب الإجارة، وكتاب الحَوَالة، وكتاب الحَرْث، وكتاب المُزارَعة، وكتاب المُساقاة، وكتاب العطايا، وكتاب الهِبات، وكتاب القِراض، وكتاب اللُّقَطة، وكتاب المَظالم، وكتاب التعفُّف عن المسألة، وكتاب الرهن، وكتاب الشَّرِكة، وكتاب العِتْق، وكتاب المُكاتَب، وكتاب الشهادات، وكتاب الصُّلح، وكتاب الشروط، وكتاب الوصايا، وكتاب الوقف، وإنما شرحتُها في آخر هذا الكتاب لئلّا يَتوهَّم مُتَوهِّمٌ أني أخلَيتُ كتابَ البُيوع عن هذه الكتب، والله المُعين على ما أُؤمِّله مِن تتبع آثار الإمامَين ﵄، وهو حسبي ونِعْم الوكيلُ.
[ ٣ / ٣١٤ ]