قد بَدَأْنا في هذا الكتاب بنزول القرآن، وما رُوِيَ في المسند من القراءات، وذِكْر الصحابة الذين جَمَعَوا القرآن وحَفِظُوه، هذا قبلَ تفسير السُّوَر.
٢٩٠٨ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفّار الزاهد، حدثنا أحمد بن مَهْدِي بن رُسْتُم الأصبهاني، حدثنا أبو عامر العَقَدي، حدثنا قُرَّة بن خالد، عن أبي رجاء العُطَارِدي، عن أبي موسى الأشعَري؛ قال (^١): تعلَّمنا القرآنَ في هذا المسجد - يعني مسجدَ البصرة - وكنا نجلسُ حَلَقًا حَلَقًا، وكأنما أنظرُ إليه بين ثوبين أبيضين، وعنه أخذتُ هذه السورةَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، قال: وكانت أولَ سورة أُنزِلَت على محمدٍ ﷺ (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
وله شاهد بإسناد صحيح علي شرط مسلم:
٢٩٠٩ - أخبرناه أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أخبرنا بِشْر بن موسى، حدثنا
_________________
(١) القائل هو أبو رجاء العطاردي، وهو الآخذُ عن أبي موسى.
(٢) إسناده صحيح. أبو عامر العقدي: هو عبد الملك بن عمرو، وأبو رجاء العطاردي: هو عمران بن مِلحان. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥٤٢ و١٤/ ٨٨، وابن الضُّريس في "فضائل القرآن" (٢٤)، والطبري في "تفسيره" ٣٠/ ٢٥٢، وأبو نعيم في "الحلية" ١/ ٢٥٦ من طرق عن قرة بن خالد، بهذا الإسناد. قوله: "وكانت أول سورة أنزلت" ليس المراد منه أنها نزلت كاملة، وإنما نزل من أولها أولًا خمس آيات، ثم نزل باقيها بعد ذلك، فإنَّ قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ نزلت في أبي جهل عندما رأى رسولَ الله ﷺ يصلي كما جاء في حديث أبي هريرة عند مسلم (٢٧٩٧). وانظر "فتح الباري" ١٥/ ١٦.
[ ٤ / ٥ ]
الحُمَيدي، حدثنا سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن الزُّهْري، عن عُرْوة، عن عائشة قالت: أولُ سورةٍ نزلت ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (^١).
٢٩١٠ - حدثنا علي بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن الزُّهْري، عن عُرْوة، عن عائشة - قال سفيان: حَفِظَه لنا ابنُ إسحاق -: أنَّ أول شيءٍ نَزَلَ من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (^٢).
٢٩١١ - حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا الحُسَين بن الفضل، حدثنا هَوْذة بن خَليفة، حدثنا عَوف بن أبي جَميلة، حدثنا يزيدُ الفارسي قال: قال لنا ابن عبَّاس: قلت لعثمانَ بن عفَّان: ما حَمَلَكم على أن عَمَدتُم إلى الأنفال وهي من المَثَاني، وإلى براءةَ، وهي من المِئِين، فقَرَنتُم بينهما ولم تكتبوا بينهما سَطْرَ: بسم الله الرحمن الرحيم، ووَضَعتُموها في السَّبْع الطُّوَل، ما حَمَلَكم على ذلك؟ فقال عثمان: إنَّ رسول الله ﷺ كان يأتي عليه الزمانُ تَنزِلُ عليه السُّوَرُ ذواتُ عددٍ، فكان إذا نَزَل عليه الشيءُ يدعو بعضَ مَن كان يكتبُه فيقول: "ضَعُوا هذه في السورة التي يُذكَرُ فيها كذا وكذا"، وتَنزِلُ عليه الآيةُ فيقول: "ضَعُوا هذه في السورة التي يُذكَر
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن إسحاق، وقد ذكر سفيان - وهو ابن عُيينة - في الرواية التالية أنَّ ابن إسحاق حفظه لهم، فهذا تثبيت له في روايته. وأخرجه الطبري في "تفسيره" ٣٠/ ٢٥٢، والبيهقي في "السنن" ٩/ ٦، وفي "دلائل النبوة" ٢/ ١٥٥ من طريق عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، والفاكهي في "أخبار مكة" (٢٣٠١) عن محمد بن منصور، كلاهما عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. وصحَّح البيهقي في "الدلائل" إسناده. وانظر ما بعده و(٣٩٩٧) و(٣٩٩٨)، وسيأتي معناه ضمن حديث بدء الوحي الطويل برقم (٤٩٠٣) من حديث الزهري عن عروة عن عائشة.
(٢) حديث صحيح، رجاله ثقات إلّا أنَّ سفيان بن عيينة لم يسمعه من الزهري كما قال المصنف فيما سيأتي برقم (٣٩٩٧)، فقد كان سفيان يُدخِل بينهما فيه ابنَ إسحاق. وأخرجه الطبري ٣٠/ ٢٥٢، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٦١٤) من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. وانظر ما قبله.
[ ٤ / ٦ ]
فيها كذا وكذا"، فكانت الأنفال من أوائل ما أُنزِلَ بالمدينة، وبراءةُ من آخر القرآن، فكانت قِصَّتُها شبيهةً بقصَّتِها، فقُبِضَ رسولُ الله ﷺ ولم يُبيِّن لنا أنها منها، فظَنَنَّا أنها منها، فمن ثمَّ قَرَنتُ بينهما ولم أكتب بينهما سَطْرَ: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢٩١٢ - أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي ببغداد وأبو منصور محمد بن أحمد الفارسي، قالا: حدثنا أبو بكر محمد بن شاذانَ الجَوهَري، حدثنا مُعلَّى بن منصور، حدثنا هُشَيم حدثنا داود بن أبي هند، عن عِكْرمة، عن ابن عبَّاس: أنَّ رسول الله ﷺ قال يومَ بَدْر: "مَن قَتَلَ قتيلًا، فله كذا وكذا"، أما المَشْيخةُ فثَبَتُوا
_________________
(١) إسناده حسن من أجل يزيد الفارسي، فقد روى عنه غير واحد، وكان يكتب المصاحف كما وقع في خبر عند أحمد (٣٤١٠)، وقال أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" ٩/ ٢٩٤: لا بأس به. وحسّن الترمذي حديثه هذا، وصححه ابن حبان. ويزيد الفارسي هذا فالراجح أنه غير يزيد بن هرمز الثقة المعروف، قال البخاري في "التاريخ الكبير" ٨/ ٣٦٧ وفي "الضعفاء" ص ١٢٢: قال لي علي - يعني ابن المديني -: قال عبد الرحمن - يعني ابن مهدي -: يزيد الفارسي هو ابن هرمز، قال: فذكرته ليحيى - يعني ابن سعيد القطان - فلم يعرفه، قال: وكان يكون مع الأمراء. وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٩/ ٢٩٣: اختلفوا في يزيد بن هرمز أنه يزيد الفارسي أم لا؟ فقال عبد الرحمن بن مهدي وأحمد: يزيد الفارسي هو يزيد بن هرمز، وأنكر يحيى بن سعيد القطان أن يكونا واحدًا، وسمعت أبي يقول: يزيد بن هرمز هذا ليس بيزيد الفارسي، هو سواه، فأما يزيد بن هرمز، فهو والد عبد الله بن يزيد بن هرمز، وكان ابن هرمز من أبناء الفرس الذين كانوا بالمدينة وجالسوا أبا هريرة، وليس هو بيزيد الفارسي البصري الذي يروي عن ابن عباس. وقال المزي في "تهذيب الكمال": الصحيح أنَّ يزيد الفارسي غير يزيد بن هرمز. وأخرجه أحمد ١/ (٣٩٩) و(٤٩٩)، وأبو داود (٧٨٦) و(٧٨٧)، والترمذي (٣٠٨٦)، والنسائي (٧٩٥٣)، وابن حبان (٤٣) من طرق عن عوف بن أبي جميلة، بهذا الإسناد. قال الترمذي: حديث حسن لا نعرفه إلَّا من حديث عوف عن يزيد الفارسي عن ابن عباس، ويزيد الفارسي قد روى عن ابن عباس غيرَ حديث، ويقال: هو يزيد بن هرمز. وسيأتي برقم (٣٣١١) من طريق روح بن عبادة عن عوف.
[ ٤ / ٧ ]
تحت الرايات، وأما الشُّبّانُ فتسارَعوا إلى القتل والغنائم، فقالت المَشْيخةُ للشُّبّان: أَشْرِكُونا معكم، فإنَّا كنا رِدْأً لكم، ولو كان فيكم شيءٌ لَجَأتُم إلينا، فأَبَوْا، فاختصَموا إلى رسول الله ﷺ، قال: فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، فقُسِمَت الغنائمُ بينهم بالسَّوِيَّة (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٩١٣ - حدثنا علي بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثنا محمد بن المثنَّى، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا داود بن أبي هند، عن عِكْرمة، عن ابن عبَّاس قال: أَنزل اللهُ القرآنَ إلى السماء الدنيا في ليلة القَدْر، وكان الله إذا أراد أن يُوحَى منه شيءٌ، أَوحاه، أو يَحدُثَ منه في الأرض شيءٌ، أحدَثَه (^٢).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٩١٤ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا موسى بن إسحاق القاضي، حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شَيْبة، حدثنا جَرِير، عن منصور، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، قال: أُنزِلَ القرآنُ جُمْلةً واحدةً في ليلة القَدْر إلى سماءِ الدنيا، وكان بمَوقِع النجوم، وكان الله يُنزِل على رسوله ﷺ بعضَه في إثْرِ بعضٍ، قال: وقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] (^٣).
_________________
(١) إسناده صحيح. وأخرجه أبو داود (٢٧٣٨) عن زياد بن أيوب، عن هشيم، بهذا الإسناد. وقد سلف برقم (٢٦٢٧)، وسيأتي برقم (٣٢٩٩).
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه النسائي (٧٩٣٦) من طريق يزيد بن زريع، عن داود بن أبي هند، بهذا الإسناد. وانظر ما سيأتي برقم (٢٩١٢) و(٢٩١٥) و(٢٩١٧) و(٣٤٣٠) و(٣٨٢٣) و(٤٠٠٢) و(٤٠٠٣) و(٤٢٦٢).
(٣) إسناده صحيح. جرير: هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو ابن المعتمر. =
[ ٤ / ٨ ]
صحيح على شرطهما، ولم يُخرجاه.
٢٩١٥ - حدثنا أبو العبَّاس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا داود بن أبي هِنْد، عن عِكْرمة، عن ابن عبَّاس قال: أَنزل اللهُ القرآنَ جملةً واحدةً إلى السماءِ (^١) الدنيا ليلةَ القَدْر، ثم أُنزِلَ بعدَ ذلك بعشرين سنة: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]؛ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] (^٢).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٩١٦ - أخبرنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب بن يوسف العَدْل، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا زيد بن الحُبَاب، حدثني سليمان بن المغيرة البَكْري، عن ثابت البُنَاني، عن عبد الله بن رَبَاح الأنصاري، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أُوحِيَ إليه لم يَستطِعْ أحدٌ منا يَرفَعُ طَرْفَه إليه حتى ينقضيَ الوحيُ (^٣).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه!
_________________
(١) = وأخرجه النسائي (١١٦٢٥) عن محمد بن قُدامة، عن جرير، بهذا الإسناد. وانظر ما سيأتي برقم (٢٩١٧) و(٣٨٢٣) و(٤٠٠٢) و(٤٠٠٣).
(٢) في النسخ الخطية: من السماء، والمثبت من "تلخيص المستدرك" للذهبي ومن "دلائل النبوة" للبيهقي ٧/ ١٣١ حيث أخرجه عن المصنف بإسناده ومتنه، وهو الصواب.
(٣) إسناده صحيح. وأخرجه النسائي (١١٣٠٨) عن أحمد بن سليمان، عن يزيد بن هارون، بهذا الإسناد. وانظر ما قبله.
(٤) إسناده صحيح. وأخرجه البيهقي في "الدلائل" ٧/ ٥٤ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وهذا الحديث قطعة من الحديث الطويل في فتح مكة الذي أخرجه أحمد ١٦/ (١٠٩٤٨)، ومسلم (١٧٨٠)، والنسائي (١١٢٣٤)، وابن حبان (٤٧٦٠) من طرق - وهو عند النسائي من طريق زيد بن الحباب - عن سليمان بن المغيرة، به. فاستدراك الحاكم له ذهول منه ﵀.
[ ٤ / ٩ ]
٢٩١٧ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفّار، حدثنا أبو طاهر الزُّبيري (^١) محمد بن عبد الله الأصبهاني، حدثنا الحسين بن حفص، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن حسَّان بن حُريث، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عبَّاس قال: فُصِلَ القرآنُ من الذِّكْر فوُضِعَ في بيت العِزَّة في السماء الدنيا، فجعل جبريل ﵇ يُنزِّله على النبي ﷺ يُرتِّلُه ترتيلًا (^٢).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٩١٨ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا مسدَّد، حدثنا المعتمِر بن سليمان، عن محمد بن عمرو بن
_________________
(١) زاد بعده في (ب): حدثنا، فصار من رواية أبي طاهر الزبيري عن محمد بن عبد الله الأصبهاني، وهو خطأ، فإنَّ أبا طاهر الزبيري هذا هو محمد بن عبد الله بن الزبير الأصبهاني كما وقع على الصواب أيضًا عند البيهقي في "الأسماء والصفات" (٤٩٦) حيث رواه عن المصنف بإسناده ومتنه.
(٢) خبر موقوف وهو صحيح، وأبو طاهر الزبيري لم نقف على ترجمته حتى تتبيَّن حاله، لكنه لم ينفرد به، فقد روي هذا عن سفيان - وهو الثوري - من غير وجه، منها رواية أبي حذيفة النهدي عنه وذلك فيما سيأتي عند المصنف برقم (٤٢٦٢)، وكذا روي من غير وجه عن الأعمش. وقوله في هذا الإسناد: "حسان بن حريث" كذا وقع هنا، ولعلَّه وهمٌ من بعض رواته ممَّن دون سفيان، فقد جاء في سائر المصادر: حسان بن أبي الأشرس، وهو الذي جزم به الحافظ المزي في ترجمته من "التهذيب" وفي "تحفة الأشراف" (٥٤٩٢). ومهما يكن من أمرٍ، فالحسّانان كلاهما ثقة. وأخرجه النسائي (٧٩٣٧)، والطبراني في "الكبير" (١٢٣٨١) من طريق محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان، بهذا الإسناد عند النسائي: حسان غير منسوب، وعند الطبراني: حسان بن أبي الأشرس. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥٣٣، والطبري في "تفسيره" ٢/ ١٤٤، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٨/ ٢٦٩٠، والطبراني (١٢٣٨٢) من طرق عن الأعمش، به. وانظر ما سلف برقم (٢٩١٣) و(٢٩١٤) ومكرراتهما.
[ ٤ / ١٠ ]
عَلقَمة، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "مِراءٌ في القرآنِ كفرٌ" (^١).
تابَعَه عمرُ بن أَبي سَلَمة عن أبيه:
٢٩١٩ - حدثنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه، حدثنا عبد الملك بن محمد الرَّقَاشي، حدثنا أبو عاصم، عن سعيد، عن سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سَلَمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الجِدالُ في القرآن كفرٌ" (^٢).
حديث المعتمِر عن محمد بن عمرو صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه، فأمَّا عمر بن أبي سلمة فإنهما لم يَحتجَّا به.
٢٩٢٠ - أخبرنا عبد الرحمن بن حَمْدان الجَلَّاب وعبد الصمد بن علي بن مُكرَم، قالا: حدثنا جعفر بن أبي عثمان الطَّيَالسي، حدثنا عَفَّان بن مُسلِم، حدثنا حمَّاد بن
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن عمرو بن علقمة، وقد توبع. وأخرجه أحمد ١٣/ (٧٨٤٨) و١٥/ (٩٤٧٩) و١٦/ (١٠١٤٣) و(١٠٥٣٩) و(١٠٨٣٤)، وأبو داود (٤٦٠٣)، وابن حبان (١٤٦٤) من طرق عن محمد بن عمرو، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ١٣/ (٧٩٨٩)، والنسائي (٨٠٣٩)، وابن حبان (٧٤) من طريق أبي حازم - وهو سلمة بن دينار - عن أبي سلمة، به. وهذا إسناد صحيح.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل عمر بن أبي سلمة. أبو عاصم: هو الضحاك بن مخلد النبيل، وسعيد: هو ابن أبي عروبة، وكُتب فوقه في نسخة (ص): ظ شعبة، يعني: الظاهر أنه شعبة لا سعيد، ومهما يكن من أمرٍ فكلاهما ثقة حُجّة. وأخرجه أحمد ١٦/ (١٠٢٠٢) من طريق سفيان الثوري، و(١٠٤١٤) من طريق منصور بن المعتمر، كلاهما عن سعد بن إبراهيم، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد أيضًا ١٢/ (٧٥٠٨) من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، به. ولم يذكر فيه عمر بن أبي سلمة، وهو ابن عمِّ سعد بن إبراهيم، وسعد قد روى عنه وعن أبيه أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (وهو عمُّ سعد)، فذكرُ عمر فيه من المَزيد في متصل الأسانيد.
[ ٤ / ١١ ]
سَلَمة، حدثنا قَتَادة، عن الحسن، عن سَمُرةَ، عن النبي ﷺ قال: "أُنزِلَ القرآنُ على ثلاثة أحرُفٍ" (^١).
قد احتجَّ البخاريُّ برواية الحسنِ عن سَمُرة، واحتجَّ مسلم بأحاديث حمَّاد بن سلمة، وهذا الحديث صحيح وليس له عِلَّة!
٢٩٢١ - أخبرنا أبو العبَّاس محمد بن أحمد المحبُوبي بمَرْو، حدثنا سعيد بن مسعود، حدثنا عُبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن عبد الله قال: أقرأَني رسول الله ﷺ سورةَ (حم)، ورُحْتُ إلى المسجد عَشِيَّةً، فجلس إليَّ رَهْطٍ، فقلت لرجل من الرَّهْط: اقرأْ عليَّ، فإذا هو يقرأُ حروفًا لا أقرؤُها، فقلت له: مَن أقرأَكَها؟ قال: أقرأَنيها رسول الله ﷺ، فانطَلَقْنا إلى رسول الله ﷺ وإذا عنده رجل، فقلت: اختَلَفْنا في قراءتنا، وإذا وجهُ رسول الله ﷺ قد تغيَّر ووَجَدَ في نفسه حين ذكرتُ له الاختلاف، فقال: "إنما أهلَكَ من كان قبلَكم الاختلافُ"، ثم أسرَّ إلى عليٍّ، فقال عليٌّ: إنَّ رسول الله ﷺ يأمرُكم أن يقرأَ كلُّ رجل منكم كما عُلِّم، فانطَلَقْنا وكلُّ رجل منا يقرأُ حروفًا لا يقرؤُها صاحبُه (^٢).
_________________
(١) صحيح لغيره لكن بلفظ "سبعة أحرف"، فقد اختُلف على حماد بن سلمة في لفظه، فرواه بَهْز بن أسد عن حماد عند أحمد ٣٣/ (٢٠١٧٩) بلفظ: "سبعة أحرف"، وبهز أثبت الناس في حماد، وبلفظ حديثه جاءت الشواهد كما هو مذكور عند حديث أبي هريرة من "مسند أحمد" ١٣/ (٧٩٨٩). وأما حديث عفان فقد أخرجه أحمد ٣٣/ (٢٠٢٦٢) وغيره. وقد تابع عفانَ على لفظه حجاج بن منهال عند الطبراني (٦٨٥٣)، وعبيد الله العيشي عند ابن عدي في "الكامل" ٢/ ٢٦٢، كلاهما عن حماد بن سلمة، به. فلعلَّ حمادًا كان يضطرب فيه، والله تعالى أعلم.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناده حسن من أجل عاصم: هو ابن أبي النَّجود. زر: هو ابن حُبيش، وعبد الله: هو ابن مسعود. =
[ ٤ / ١٢ ]
٢٩٢٢ - حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، أخبرنا علي بن محمد بن أبي الشَّوَارب، حدثنا أبو الوليد الطَّيَالِسي، حدثنا أبو عَوَانة، عن عاصم، فذكر الحديث بإسناده نحوَه، قال فيه: فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ وإذا عنده رجلٌ؛ قال زِرٌّ: إنهم يَلعَنُونه (^١)! يعني عليًّا (^٢).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه بهذه السِّياقة.
٢٩٢٣ - أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن صفوان الجُمَحي بمكة، حدثنا علي بن عبد العزيز بن يحيى، حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا عبد الرحمن (^٣)
_________________
(١) = وأخرجه ابن حبان (٧٤٧) من طريق عامر بن مُدرِك، عن عاصم، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٧/ (٣٩٨١) و(٣٩٩٢) و(٣٩٩٣) و(٤٣٢٢)، وابن حبان (٧٤٦) من طرق عن عاصم، به. وأخرجه بنحوه مختصرًا أحمد ٦/ (٣٨٠٣) من طريق همام، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود. وأخرجه أحمد ٦/ (٣٧٢٤) و٧/ (٣٩٠٧) و(٣٩٠٨) و(٤٣٦٤)، والبخاري (٢٤١٠) و(٣٤٧٦) و(٥٠٦٢)، والنسائي (٨٠٤٠) من طريق النَّزّال بن سَبْرة، عن عبد الله بن مسعود ولم يذكر فيه عليًّا.
(٢) تحرَّف في المطبوع إلى: يعينونه. والمراد بقولهم: "إنهم يلعنونه" بنو أُمية وشيعتهم، كانوا يلعنون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ على المنابر، حتى أزاح عنهم هذه السَّوءةَ أمير المؤمنين عمرُ بن عبد العزيز ﵀ حين استُخلف وجعل مكان ذلك في الخطبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية [النحل: ٩٠] فلم يزل مستعملًا إلى عصرنا هذا، ونِعمَ السُّنةُ سنَّ ﵀. انظر "تاريخ الإسلام" للذهبي ٣/ ١٤٤ - ١٤٥، و"السلوك في طبقات العلماء والملوك" لبهاء الدين الجندي اليمني ١/ ١١٢، و"مورد اللطافة فيمن ولي السلطنة والخلافة" لابن تغري بردي ١/ ٩١.
(٣) إسناده حسن كسابقه. أبو الوليد الطيالسي: هو هشام بن عبد الملك، وأبو عوانة: هو وضّاح بن عبد الله اليَشكُري.
(٤) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: عبد الله، والتصويب من "شعب الإيمان" للبيهقي (٢٤٢٥) حيث رواه عن المصنف بإسناده ومتنه، وعبد الرحمن بن أبي الزناد معروف برواية سليمان بن داود الهاشمي عنه، وأبو الزناد: اسمه عبد الله بن ذكوان، وليس له ولد اسمه عبد الله.
[ ٤ / ١٣ ]
ابن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن خارِجةَ بن زيد، عن أبيه زيد بن ثابت قال: القراءةُ سُنَّة؛ قال سليمان: يعني: أن لا تخالفَ الناسَ برأيك في الاتِّباع (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٩٢٤ - حدثنا أبو العبَّاس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو البَختَري عبد الله بن محمد بن شاكر، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله قال: قرأْنا المفصَّلَ بمكة حِجَجًا ليس فيه: يا أيُّها الذين آمَنوا (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢٩٢٥ - أخبرني عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد الأسَدي، حدثنا إبراهيم بن
_________________
(١) إسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن أبي الزناد. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢٤٢٥) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه سعيد بن منصور في التفسير من "سننه" (٦٧)، ومن طريقه الطبراني في "الكبير" (٤٨٥٥)، والبيهقي في "السنن" ٢/ ٣٨٥، والخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي والسامع" (١٥٩٦) عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، به. وقرن الطبراني بسعيدِ بن منصور سعيدَ بنَ أبي مريم وعيسى بنَ ميناء. قال البيهقي في "السنن": أراد - والله أعلم - أنَّ اتباع مَن قبلنا في الحروف وفي القراءات سُنَّة مُتَّبعة لا يجوز مخالفة المصحف الذي هو إمام، ولا مخالفة القراءات التي هي مشهورة، وإن كان غيرُ ذلك سائغًا في اللغة أو أظهرَ منها، وبالله التوفيق. وقال البغوي في "شرح السنة" ٤/ ٥١٢: أجمعت الصحابة والتابعون فمَن بعدهم على هذا: أنَّ القراءة سُنَّة، فليس لأحدٍ أن يقرأ حرفًا إلّا بأثرٍ صحيح عن رسول الله ﷺ موافقٍ لخطِّ المصحف أخَذَه لفظًا وتلقينًا.
(٢) إسناده صحيح. أبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السَّبيعي، وعبد الرحمن بن يزيد: هو ابن قيس النَّخَعي. وأخرجه ابن عدي في "الكامل" ١/ ٤٢٣ من طريق خلف - وتحرَّف في المطبوع إلى: خالد - بن سالم، عن يحيى بن آدم، بهذا الإسناد. وسيأتي من طريق وكيع عن إسرائيل عند المصنف برقم (٤٣٤٢). وانظر (٤٣٤١).
[ ٤ / ١٤ ]
الحسين بن دِيزِيل، حدثنا آدم بن أبي إيَاس، حدثنا شُعْبة، عن عاصم، عن زِرِّ، عن أُبيِّ بن كعب قال: قال لي رسول الله ﷺ: "إنَّ الله أمَرني أن أقرأَ عليك القرآنَ"، فقرأ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١]، ومِن نَعتِها: "لو أنَّ ابنَ آدمَ سأَل واديًا من مالٍ فأُعطِيَه سأل ثانيًا، وإن سأَل ثانيًا فأُعطِيَه سأل ثالثًا، ولا يَملأُ جوفَ ابنِ آدمَ إِلَّا الترابُ، ويتوبُ الله على من تاب، وإن ذاتَ الدِّينِ عند الله الحَنِيفيَّةُ غيرُ اليهوديةِ ولا النصرانيةِ، ومن يَعمَلْ خيرًا فلن يُكفَرَه" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٩٢٦ - حدثنا علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا عفَّان بن مسلم وأبو الوليد الطَّيَالسي قالا: حدثنا أبو عَوَانة، عن الأسود بن قيس، عن نُبَيح العَنَزي، عن ابن عبَّاس قال: بينما أنا أقرأُ آيةً من كتاب الله ﷿، وأنا أمشي في طريقٍ من طرق المدينة، فإذا أنا برجل يناديني من بعدي: أتبِعِ ابنَ عبَّاس، فإذا هو أميرُ المؤمنين عمر، فقلت: أُتبِعُك على أُبيِّ بن كعب، فقال: أهو أقرأَكَها كما سمعتُك تقرأُ؟ قلت: نعم، قال: فأرسَلَ معي رسولًا، قال: اذهَبْ معه إلى أُبيِّ بن كعب فانظُرْ أيَقرأُ أُبيٌّ كذلك، قال: فانطلقتُ أنا ورسولُه إلى أُبي بن كعب، فقلت: يا أُبيُّ، قرأتُ آيةً من كتاب الله فناداني مِن بعدي عمرُ بن الخطَّاب: أتبِعِ ابنَ عبَّاس، فقلت: أُتبِعُك
_________________
(١) إسناده حسن من أجل عاصم: وهو ابن أبي النَّجود، وعبد الرحمن بن الحسن الأسدي القاضي - وإن كان فيه مقال - لم ينفرد به. وأخرجه أحمد ٣٥/ (٢١٢٠٢)، وابنه عبد الله في زياداته (٢١٢٠٣) من طرق عن شعبة، بهذا الإسناد. وانظر تمام تخريجه فيه. وروى البخاري بإثر حديث أنس عن النبي ﷺ (٦٤٣٩) قال: "لو أنَّ لابن آدم واديًا من ذهب … " إلخ، حديثَ أنس عن أُبي بن كعب (٦٤٤٠) قال: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. وانظر شرح الحافظ ابن حجر عليه في "فتح الباري" ٢٠/ ٦١ - ٦٢. وسيأتي الحديث مختصرًا برقم (٤٠٠٦) من طريق أبي داود الطيالسي عن شعبة، وانظر (٣٠٤٨).
[ ٤ / ١٥ ]
على أُبيِّ بن كعب، فأرسَلَ معي رسولَه، أفأنت أقرأْتَنِيها كما قرأتُ؟ قال أُبيّ: نعم، قال: فرَجَعَ الرسولُ إليه، فانطلقتُ أنا إلى حاجَتي، قال: فراح عمرُ إلى أُبيّ فوَجَدَه قد فَرَغَ من غَسْل رأسه ووَلِيدتُه تَدَّرِي لحيتَه بمِدْراها، فقال أُبي: مرحبًا يا أمير المؤمنين، أزائرٌ جئتَ أم طالبُ حاجةٍ؟ فقال عمر: بل طالبُ حاجة، قال: فجلس ومعه مَولَيَانِ له، حتى فرغ من لحيته وادَّرَتْ جانبَه الأيمنَ من لِمَّتِه، ثم ولَّاها جانبَه الأيسرَ، حتى إذا فرغ أقبلَ إلى عمر بوجهه، فقال: ما حاجةُ أمير المؤمنين، قال عمر: يا أُبيُّ، عَلَامَ تُقنِّطُ الناسَ؟ قال أُبي: يا أمير المؤمنين، إني تلقَّيتُ القرآنَ ممَّن تلقَّاه (^١) [من] جبريلَ وهو رَطْبٌ، فقال عمر: تَاللهِ ما أنت بمُنتَهٍ وما أنا بصابرٍ؛ ثلاثَ مرات، ثم قام فانطَلَق (^٢).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٩٢٧ - حدثنا أبو العبَّاس محمد بن يعقوب، أخبرنا العبَّاس بن الوليد (^٣) بن مَزيَد، حدثنا محمد بن شعيب بن شابُور، حدثنا عبد الله بن العلاء بن زَبْر، عن بُسْر
_________________
(١) قوله: "ممَّن تلقاه" تحرَّف في (ب) إلى: من تلقاء. ولفظ "من" الذي بين معقوفين زيادة يقتضيها النص ولم يرد في النسخ الخطية.
(٢) إسناده صحيح. أبو عوانة: هو وضّاح اليَشكُري. وأخرجه مختصرًا جدًّا أحمد ٣٥/ (٢١١١٢) عن عفان وهشام بن عبد الملك - وهو أبو الوليد الطيالسي - بهذا الإسناد. واقتصر فيه على قول أُبي لعمر: إني تلقيت القرآن ممَّن تلقَّاه من جبريل وهو رطب. قوله: "أَتبِع ابنَ عبَّاس" أي: أَتبِع يا ابن عبَّاس، أي: أَسنِدْ قراءتك ممَّن أخذتها، وأَحِلْ على من سمعتها منه. قاله ابن الأثير في "النهاية". وقوله: "تدَّرِي لحيته بمِدراها" أي: تمشطه وتسرّحه، والمِدرَى: كالمُشْط لكنه أطول أسنانًا منه. وقوله: "تدَّري" أصله: تَدْتَري، تَفتعِل، فأُدغِمت التاء في الدال. قاله ابن الأثير. واللِّمَّة: الشَّعر الذي يجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغ المنكبين فهو جُمَّة.
(٣) قوله: "بن الوليد" لم يرد في (ز) و(ص)، وأثبتناه من (ع) و(ب).
[ ٤ / ١٦ ]
ابن عُبيد الله، عن أبي إدريس، عن أُبيِّ بن كعب: أنه كان يقرأُ: (إذْ جَعَلَ الذين كفروا في قلوبِهمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهليةِ، ولو حَمِيتُم كما حَمَوْا لَفَسَدَ المسجدُ الحرامُ، فأنزَلَ اللهُ سَكِينتَه على رسولِه) (^١)، فبَلَغَ ذلك عمرَ فاشتَدَّ عليه، فبَعَثَ إليه وهو يَهنَأُ ناقةً له، فدخل عليه، فدَعَا ناسًا من أصحابه فيهم زيدُ بن ثابت، فقال: مَن يَقرَأُ منكم سورةَ الفتح؟ فقرأَ زيدٌ على قراءتنا اليومَ، فغَلَّظَ لهُ (^٢) عمرُ، فقال له أُبي: أأتكلَّمُ؟ فقال: تكلَّمْ، فقال: لقد عَلِمتَ أني كنتُ أَدخُلُ على النبي ﷺ ويُقرِئُني وأنتم بالباب، فإن أحببتَ أن أُقرِئَ الناسَ على ما أقرأَني، أقرأتُ، وإلَّا لم أُقرِئْ حرفًا ما حَيِيتُ، قال: بل أقرِئِ الناس (^٣).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢٩٢٨ - أخبرني إبراهيم بن عِصْمة بن إبراهيم العَدْل، حدثنا السَّرِي بن خُزَيمة، حدثنا محمد بن عبد الله الرَّقَاشي، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا أبو عِمران الجَوْني،
_________________
(١) انظر الآية (٢٦) من سورة الفتح.
(٢) أي: فغلَّظ لأُبي بن كعب في القول.
(٣) رجاله لا بأس بهم على خلاف في إسناده، وأبو إدريس - وهو عائذ الله بن عبد الله الخولاني - قيل: إنَّ روايته عن أبي بن كعب مرسلة. وأخرجه النسائي (١١٤٤١) من طريق شبابة بن سوّار، عن عبد الله بن العلاء بن زَبْر، بهذا الإسناد مختصرًا. وشبابة ومن فوقه ثقات. وأخرجه عمر بن شبّة في "تاريخ المدينة" ٢/ ٧٠٩ - ٧١٠، وابن أبي داود في "المصاحف" (٥١٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٧/ ٣٣٧ - ٣٣٨ من طريق الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء بن زبر، عن عطية بن قيس، عن أبي إدريس الخولاني: أنَّ أبا الدرداء ركب إلى المدينة في نفر من أهل دمشق - وذكر القصة. ورجاله ثقات، ولا يضر هذا الخلاف على ابن زبر في شيخه، فعطية بن قيس وبُسْر بن عبيد الله كلاهما ثقة، وأبو إدريس من أثبات أصحاب أبي الدرداء وكان عالمَ الشام بعده، فإن لم يكن حضر هذه القصة فلا بدَّ أنه سمع خبرها من أبي الدرداء، والله تعالى أعلم. قوله: "يَهنَأ ناقة له" أي: يطليها بالقَطِران علاجًا لها من الجرب وغيره.
[ ٤ / ١٧ ]
عن جُندُب قال: أتيتُ المدينة لأتعلَّمَ العلمَ، فلما دخلتُ مسجدَ رسول الله ﷺ إذا الناسُ فيه حَلَقٌ يتحدَّثون، قال: فجعلتُ أَمضي حتى انتهيتُ إلى حَلْقَةٍ فيها رجل شاحبٌ عليه ثوبانِ كأنما قَدِمَ من سفر، فسمعتُه يقول: هَلَكَ أصحابُ العَقْدِ وربِّ الكعبة، ولا آسَى عليهم - يقولها ثلاثًا - هَلَكَ أصحابُ العَقْد وربِّ الكعبة، هَلَكَ أصحابُ العَقْد وربِّ الكعبة (^١)، قال: فجلستُ إليه فتحدَّث ما قُضِيَ له، ثم قام، فسألتُ عنه، فقالوا: هذا سيِّدُ الناس أُبيُّ بن كعب.
قال: فتبعتُه إلى منزله، فإذا هو رَثُّ المنزل، رَثُّ الكِسْوة، رثُّ الهيئة، يُشبِهُ أمرُه بعضُه بعضًا، فسلَّمتُ عليه، فردَّ عليَّ السلامَ، قال: ثم سألني: ممَّن أنت؟ قال: قلت: من أهل العراق قال: أكثرُ شيءٍ سؤالًا، وغَضِبَ، قال: فاستقبلتُ القِبلةَ، ثم جَثَوتُ على ركبتيَّ ورفعتُ يديَّ هكذا - ومدَّ ذراعيه - فقلت: اللهمَّ إنا نَشكُوهم إليك، إنا نُنفِقُ نَفَقاتِنا ونُنصِبُ أبدانَنا، ونَرحَلُ مَطَايانا ابتغاءَ العلم، فإذا لَقِيناهم تَجهَّموا لنا، وقالوا لنا، قال: فبَكَى أُبيٌّ وجعل يترضَّاني، ويقول: وَيحَك، إني لم أَذهب هناك، ثم قال أُبيّ: أعاهدُك لَئِن أَبقَيتَني إلى يوم الجمعة لأتكلَّمَنَّ بما سمعتُ من رسول الله ﷺ، لا أخافُ فيه لومةَ لائم، قال: ثم انصرفتُ عنه وجعلت أنتظرُ يومَ الجمعة، فلما كان يومُ الخميس خرجتُ لبعض حاجتي، فإذا الطريقُ مملوءةٌ من الناس لا آخُذُ فِي سِكَّة إلّا استقبَلَني الناسُ، قال: فقلت: ما شأنُ الناس؟ قالوا: إنا نَحسَبُك غريبًا، قال: قلت: أجل، قالوا: مات سيدُ الناس أبيُّ بن كعب، قال: فلَقِيتُ أبا موسى بالعراق فحدَّثتُه، فقال: هلَّا كان يبقى حتى تَبلُغَنا مَقَالتُه (^٢).
_________________
(١) يريد بأصحاب العقد: الأُمراء، وذلك لأنَّ الناس يعقدون لهم البيعةَ بالإمارة والولاية.
(٢) إسناده جيد. أبو عمران الجوني: هو عبد الملك بن حبيب. وسيأتي الحديث مختصرًا برقم (٥٤١١) من طريق أبي قلابة عبد الملك بن محمد بن عبد الله الرقاشي عن أبيه. وأخرجه بطوله ابن سعد في "الطبقات" ٣/ ٤٦٥، وعبد الله بن أحمد في زياداته على "الزهد" =
[ ٤ / ١٨ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٩٢٩ - حدثنا أبو العبَّاس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عَلقَمة قال: جاء رجلٌ إلى عمر وهو بعَرَفةَ، فقال: يا أمير المؤمنين، جئتُ من الكوفة وتركتُ بها مَن يُمْلي المصاحفَ عن ظَهْر قلبه، قال: فغضب عمرُ وانتفَخَ حتى كاد يملأُ ما بين شُعبَتَي الرَّحْل، ثم قال: وَيحَك، من هو؟ قال: عبدُ الله بن مسعود، فما زال يُطفأُ ويُسرَّى الغضبُ، حتى عاد إلى حالِه التي كان عليها، ثم قال: وَيحَك، والله ما أَعلمُه بقيَ أحد من المسلمين هو أحقُّ بذلك منه، سأحدِّثُك عن ذلك:
كان رسول الله ﷺ لا يزالُ يَسمُرُ في الأمر من أمر المسلمين عند أبي بكر، وإنه سَمَرَ عنده ذاتَ ليلةٍ وأنا معه، ثم خرج رسول الله ﷺ وخرجنا نمشي معه، فإذا رجلٌ قائمٌ يصلِّي في المسجد، فقام رسول الله ﷺ يستمعُ قراءتَه، فلمَّا أعْيانا أن نعرفَ مَن الرجل، قال رسول الله ﷺ: "مَن سَرَّه أن يقرأَ القرآن غضًّا كما أُنزِلَ، فليَقرَأْه على قراءَةِ ابنِ أمِّ عَبْدٍ"، ثم جلس الرجلُ يدعو، فجعل رسول الله ﷺ يقول له: "سَلْ تُعطَهْ". قال: فقال عمر: فقلت: والله لأَغدُوَنَّ إليه فَلأُبشِّرَنَّه، قال: فغَدَوتُ إليه لأبشِّرَه،
_________________
(١) = لأبيه (١١٦٢)، وأبو يعلى في "مسنده الكبير" كما في "المطالب العالية" (٣٠٨٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٧/ ٣٤١ و٣٤٢ من طرق عن جعفر بن سليمان الضُّبَعي، به. وأخرج هذه القصة باختصارٍ ابنُ سعد ٣/ ٤٦٤، ومن طريقه ابن عساكر ٧/ ٣٤٠ عن روح بن عبادة وهُوذة بن خليفة، عن عوف بن أبي جميلة، عن الحسن البصري قال: أخبرنا عُتَيُّ بن ضَمْرة قال: قلت لأُبي بن كعب: ما لكم أصحابَ رسول الله ﷺ نأتيكم من البُعْد … فذكر نحوها. فجعل القصة لعُتي بن ضمرة مع أُبي، وعُتيٌّ تابعي كبير، والسند إليه صحيح، أما جعفر بن سليمان فجعل القصة لجندب مع أُبي، وجندب الذي يروي عنه أبو عمران الجوني: هو جندب بن عبد الله البجلي، وهو من صغار الصحابة، والقلب إلى حديث الحسن البصري أميَل، فلعلَّ جعفرًا وهم في تسمية صاحب القصة مع أُبي، أو أن يكون كلاهما كان حاضرًا، والله تعالى أعلم. وانظر ما سلف برقم (٨٧٣).
[ ٤ / ١٩ ]
فوجدتُ أبا بكر قد سَبَقَني فبَشَّره، والله ما سابقتُه إلى خيرٍ قطُّ إلَّا سَبَقَني إليه (^١).
٢٩٣٠ - أخبَرَناه أبو بكر بن أبي دارمٍ الحافظ بالكوفة، حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا القاسم بن بِشْر بن معروف، حدثنا مُصعَب بن المِقْدام الخَثعَمي، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عَلقَمة، عن عمر، عن النبي ﷺ قال: "من أحبَّ أن يَقرأَ القرآنَ غَضًّا كما أُنزِلَ، فليَقرَأْ على قراءة ابن أمِّ عبدٍ" (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح، رجاله ثقات عن آخرهم غير أحمد بن عبد الجبار العُطاردي فإنه يَقصُر عن رتبة الثقة وهو حسن الحديث. وهذا الحديث لم يسمعه علقمة - وهو ابن قيس النخعي - من عمر، إنما رواه عن القَرثَع الضبِّي عن قيس بن مروان الجعفي - وهو قيس بن أبي قيس - عن عمر، كما قال البيهقي في "السنن الكبرى" ١/ ٤٥٣، والقريع وقيس ثقتان لا بأس بهما، وقيس هو الرجل الذي جاء إلى عمر، كما وقع مبيَّنًا في رواية البيهقي. ورواية علقمة عن القرثع هذه أخرجها أحمد ١/ (٢٦٥) عن عفان، عن عبد الواحد بن زياد، عن الحسن بن عبيد الله النخعي، عن إبراهيم - وهو ابن يزيد النخعي - عن علقمة، به. والإسناد إليه صحيح. وأما حديث أبي معاوية فقد أخرجه أحمد (١٧٥) عنه بمثل إسناد المصنف ولفظه. ثم قال: قال أبو معاوية: وحدثنا الأعمش، عن خيثمة - وهو ابن عبد الرحمن الجُعْفي - عن قيس بن مروان: أنه أتى عمر … وأخرج منه قصة السَّمر عند أبي بكر مختصرًا أحمد (١٧٨) و(٢٢٨)، والترمذي (١٦٩) من طريق أبي معاوية، به. وقال الترمذي: حديث حسن. وأخرج منه قوله: "من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا … " أحمد (٣٦)، والنسائي (٨١٩٩) من طرق عن الأعمش، به. وهو عند النسائي من طريق أبي معاوية عنه، ومن طريق سفيان الثوري عنه، ومن طريق سفيان سيأتي في الحديث التالي عند المصنف. وأخرجه أيضًا النسائي (٨١٩٨) من طريق محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن خيثمة، عن قيس بن مروان، عن عمر. وللحديث طريق آخر عن عمر سيأتي تخريجه عند حديث علي الآتي عند المصنف برقم (٥٤٧١).
(٢) حديث صحيح، ابن أبي دارم - وإن كان متكلَّمًا فيه - قد توبع، فسيأتي من غير طريقه عن =
[ ٤ / ٢٠ ]
حديث عَلقَمة عن عمر صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، وأتوهَّمُهما لم يَصِحَّ عندهما سماعُ علقمة بن قيس من عمر (^١)، والله أعلم.
وله شاهد مفسَّر من حديث عمَّار بن ياسر:
٢٩٣١ - أخبَرَناه أبو محمد عبد الله بن جعفر الفارسي، حدثنا يعقوب بن سفيان الفارسي، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأُوَيْسي، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كَثير، عن إسماعيل بن صَخْر الأَيْلي، عن أبي عُبيدة بن محمد بن عمَّار بن ياسر، عن أبيه، عن عمَّار بن ياسر: أنَّ رسول الله ﷺ مَرَّ بعبد الله بن مسعود وهو يقرأُ حرفًا حرفًا، فقال: "مَن سَرَّه أن يقرأَ القرآنَ كما أُنزِلَ، فليَقرَأْه على قراءة ابنِ مسعود" (^٢).
٢٩٣٢ - حدثنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي، حدثنا الحسن بن المثنَّى بن معاذ بن معاذ، حدثنا أَبي، حدثنا أَبي (^٣)، حدثنا عبد الله بن عَوْن، حدثني عمر بن قيس، عن أبي مَيْسَرة عَمرو بن شُرَحْبيل قال: أَتى عليَّ رجل وأنا أصلِّي فقال: ثَكِلَتْك أمُّك،
_________________
(١) = مصعب بن المقدام عند المصنف برقم (٥٤٧٦)، وهو قطعة من الحديث السابق، وانظر تخريجه فيه.
(٢) قد ثبت - كما تقدم - أنَّ علقمة بن قيس النخعي لم يسمع هذا الحديث من عمر، وقد نقل العلائي في "جامع التحصيل": أنَّ أحمد بن حنبل سُئل: هل سمع علقمة من عمر؟ فقال: ينكرون ذلك، قيل: من ينكره؟ قال: الكوفيون أصحابه.
(٣) صحيح بما قبله، وهذا إسناد حسن، وحسَّنه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري فيما نقله عنه الترمذي في "العلل الكبير" (٦٥٢). وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" ١/ ٣٦٠ عن عبد العزيز الأويسي، بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي في "العلل الكبير" (٦٥٢)، والبزار (١٤٠٤)، والطبراني في "الأوسط" (٣٣٢٦)، وأبو طاهر المخلِّص في "المخلصيات" (١٤٨٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣٣/ ١٠٢ - ١٠٣ و١٠٣ من طرق عن عبد العزيز الأُويسي، به.
(٤) قوله: "حدثنا أبي" في المرة الثانية سقط من (ص) و(ع) و(ب)، والمراد به معاذ بن معاذ العنبري فهو الذي يروي عن عبد الله بن عون، وقد تحرَّف "عون" في (ب) إلى عوف. وعبد الله بن عون: هو ابن أَرطَبان المزني.
[ ٤ / ٢١ ]
ألا أَراكَ تصلِّي وقد أُمِرَ بكتاب الله أن يُمزَّقَ كلَّ مُمَزَّق، قال: فتجوَّزتُ في صلاتي، وكنت [لا] أُحبَسُ (^١)، فدخلتُ الدارَ ولم أُحبَسْ، ورَقِيتُ ولم أُحبَسْ، فإذا أنا بالأشعريِّ، وحذيفةُ وابنُ مسعود يَتقاوَلانِ، وحذيفةُ يقول لابن مسعود: ادفَعْ إليهم هذا المصحفَ، قال: واللهِ لا أدفَعُه، أقرأَني رسولُ الله ﷺ بِضعًا وسبعين سورةً، ثم أَدفَعُه إليهم، والله لا أدفَعُه إليهم (^٢).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٩٣٣ - أخبرنا الحسين بن الحسن بن أيوب، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا قَبِيصة بن عُقْبة، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن خُمَير (^٣) بن مالك، قال: قال عبد الله بن مسعود: لقد قرأتُ مِن فِي رسولِ الله ﷺ سبعين سورةً، وزيدُ بن ثابتٍ ذو ذُؤابتَينِ يلعبُ مع الصِّبيان (^٤).
_________________
(١) تحرَّف لفظ "أحسن" في المواضع الثلاثة في المطبوع إلى: أجلس. ولفظ "لا" في هذا الموضع سقط من النسخ الخطية، واستدركناه من مصادر التخريج. ومعنى "وكنت لا أُحبَس" أي: عن الدخول إلى دار الإمارة التي في الكوفة.
(٢) إسناده صحيح. عمر بن قيس: هو الماصر أبو الصبّاح الكوفي. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٨٤٣٨) عن المثنى بن معاذ بن معاذ، بهذا الإسناد. وأخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في "فضائل القرآن" ص ٢٨٥ عن معاذ بن معاذ العنبري، به. وأخرجه الشاشي في "مسنده" (٧٧٧) من طريق الأنصاري - وهو محمد بن عبد الله بن المثنى - عن عبد الله بن عون، به.
(٣) تحرَّف في (ز) إلى: حفص، وفي (ص) و(ع) إلى: حمزة، وكذلك هو في "إتحاف المهرة" للحافظ ابن حجر (١٢٥٢٦)، وكل هذا تحريف، والصواب أنه خُمير بن مالك، كما في (ب)، وقيل: خَمْر، وهو مترجم في "التاريخ الكبير" للبخاري ٣/ ٢٢٧، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم ٣/ ٣٩١، و"المؤتلف والمختلف" للدارقطني ٢/ ٦٧١ - ٦٧٢، و"المتفق والمفترق" للخطيب البغدادي ٢/ ٨٦٢ وغيرها، وبعضهم ذكر له هذا الحديث عن ابن مسعود.
(٤) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل خمير بن مالك فهو تابعي كبير وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقد توبع. سفيان: هو الثوري، وأبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السَّبِيعي. =
[ ٤ / ٢٢ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
ولهذه الزيادة شاهدٌ عن عبد الله:
٢٩٣٤ - أخبَرَناه أبو الحسين محمد بن أحمد الحَنظَلي ببغداد، حدثنا أبو قِلَابة، حدثنا يحيى بن حمَّاد، حدثنا أبو عَوَانة، حدثني إسماعيل بن سالم، عن أبي سَعْد (^١) الأَسْدي قال: سمعت عبدَ الله بنَ مسعود يقول: أقرأَني رسول الله ﷺ سبعين سورةً أحكَمْتُها قبل أن يُسلِمَ زيدُ بن ثابت (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ٦/ (٣٦٩٧) و(٣٨٤٦) و(٤٢١٨) عن وكيع، عن سفيان، بهذا الإسناد. وفيه: وزيد له ذؤابة في الكُتّاب. وأخرجه أحمد ٧/ (٣٩٢٩) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، به - إلّا أنه لم يذكر زيدًا. وأخرجه بنحو رواية المصنف النسائيُّ (٩٢٧٨)، وابن حبان (٧٠٦٤) من طريق الأعمش، عن أبي إسحاق، عن هُبيرة بن يَرِيم، عن ابن مسعود. وللأعمش فيه إسناد آخر، فقد أخرجه أحمد ٧/ (٣٩٠٦)، والبخاري (٥٠٠٠)، ومسلم (٢٤٦٢)، والنسائي (٧٩٤٣) و(٩٢٧٩) من طريقه عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود. ولم يذكر فيه البخاري ومسلم والنسائي في الموضع الأول زيدًا. وأخرجه أحمد ٦/ (٣٥٩٩) و٧/ (٤٣٣٠) من طريق زر بن حبيش، و٦/ (٣٨٤٥) من طريق رجل من هَمْدان من أصحاب ابن مسعود، كلاهما عن ابن مسعود ولم يذكرا فيه زيدًا. وانظر ما بعده.
(٢) في (ص) و(ع) و(ب): سعيد، بياء، وهو صحيح أيضًا، فقد قيل فيه كما في "تهذيب الكمال" للحافظ المِزِّي: أبو سعد وأبو سعيد، وهو الأزْدي، من أزد شَنُوءة، وتقال الزاي بالسين الساكنة أيضًا.
(٣) صحيح بما قبله، وهذا إسناد حسن من أجل أبي سعد الأزدي، فقد روى عنه غير واحد وذكره ابن حبان في "الثقات". أبو قلابة: هو عبد الملك بن محمد الرَّقَاشي، وأبو عوانة: هو وضّاح اليشكُري. وأخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣٣/ ١٣٧ من طريق البيهقي، عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٨٤٣٩) - وعنه أبو نعيم في "الحلية" ١/ ١٢٥ - وابن أبي داود في =
[ ٤ / ٢٣ ]
٢٩٣٥ - حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السَّمّاك إملاءً في مسجده ببغداد، حدثنا إبراهيم بن هيثم البَلَدي، حدثنا محمد بن كَثير الصَّنعاني، حدثنا الأوزاعي.
وحدثني محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن مَهْران، حدثنا هشام بن عمَّار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سَلَمة، حدثني عبد الله بن سَلَام قال: قَعَدْنا نَفَرٌ من أصحاب النبي ﷺ، فقلنا: لو نَعلَمُ أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله، عَمِلْنا، فأنزل الله ﵎: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ إلى آخر السورة، وقرأَها علينا رسولُ الله ﷺ (^١).
زاد محمد بن كثير في حديثه: وقال لنا الأوزاعيُّ: قرأَها علينا يحيى بن أبي كثير هكذا، قال محمد بن كثير: وقرأَها علينا الأوزاعيُّ إلى آخر السورة هكذا، قال إبراهيم: وقرأها علينا محمد بن كثير إلى آخر السورة هكذا، قال لنا أبو عمرو بن السَّمّاك: وقرأها علينا إبراهيم بن الهيثم إلى آخر السورة هكذا.
قال الحاكم: وقرأَ علينا أبو عمرو بن السَّمّاك من أول السورة إلى آخرها هكذا، وقرأَها علينا الحاكم من أول السورة إلى آخرها هكذا.
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢٩٣٦ - حدثنا أبو النَّضْر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه، حدثنا عثمان بن سعيد الدارِمي وِبْشر بن موسى الأَسَدي والحارث بن أبي أُسامة التميمي قالوا: حدثنا يحيى بن إسحاق السّالَحِيني، حدثنا يحيى بن أيوب، حدثني يزيد بن أبي حَبِيب،
_________________
(١) = "المصاحف" (٦١) - ومن طريقه ابن عساكر ٣٣/ ١٣٧ - من طريقين عن يحيى بن حماد، به.
(٢) حديث صحيح، والإسناد الأول له حسن في المتابعات من أجل محمد بن كثير الصنعاني، والثاني جيد من أجل هشام بن عمار، وقد سلفا عند المصنف برقم (٢٤١٥) و(٢٤١٦).
[ ٤ / ٢٤ ]
أنَّ عبد الرحمن بن شُمَاسَة حدَّثه عن زيد بن ثابت قال: كنَّا حولَ رسول الله ﷺ نُؤلِّفُ القرآنَ، إذ قال: "طُوبَى للشَّام"، فقيل له: ولِمَ؟ قال: "إنَّ ملائكةَ الرحمنِ باسطةٌ أجنِحتَها عليهم" (^١).
رواه جرير بن حازم عن يحيى بن أيوب:
٢٩٣٧ - حدَّثَناه أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله السَّعْدي، حدثنا وهب بن جَرير، حدثنا أَبي، سمعتُ يحيى بن أيوب يحدِّث عن يزيد بن أبي حَبيب، عن عبد الرحمن بن شُمَاسةَ، عن زيد بن ثابت قال: كنَّا عند رسول الله ﷺ نُؤلِّفُ القرآن من الرِّقَاع، فقال رسول الله ﷺ: "طُوبَى للشَّام"، فقلنا: لأيِّ شيءٍ ذاك؟ فقال: "لأنَّ ملائكةَ الرحمن باسطةٌ أجنِحتَها عليهم" (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل يحيى بن أيوب - وهو الغافقي المصري - وقد توبع، وباقي رجاله ثقات. وأخرجه أحمد ٣٥/ (٢١٦٠٧) عن يحيى بن إسحاق، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد أيضًا (٢١٦٠٦) من طريق عبد الله بن لَهِيعة، وابن حبان (٧٣٠٤) من طريق عمرو بن الحارث وآخر معه - وهو ابن لهيعة - كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، به. ولم يذكرا فيه تأليف القرآن. وانظر ما بعده. قوله: "نؤلِّف القرآن" أي: من الرِّقاع، كما في روايات أخرى، ومعنى "نؤلِّف": نَجمَع، والمراد: تأليف ما نزل من الآيات المتفرِّقة في سُوَرها وجمعها فيها بإشارة النبي ﷺ، ثم كانت مثبتةً في الصدور، مكتوبة في الرِّقاع واللِّخاف والعُسُب، فجمعها (أي: زيدٌ) منها في صُحُف بإشارة أبي بكر وعمر، ثم نَسَخَ ما جمعه في الصُّحف في مصاحف بإشارة عثمان بن عفان على ما رَسَمَ المصطفى ﷺ. قاله البيهقي في "دلائل النبوة" ٧/ ١٤٦ - ١٤٧.
(٢) حديث صحيح كسابقه. وأخرجه الترمذي (٣٩٥٤)، وابن حبان (١١٤) من طريقين عن وهب بن جرير، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن. ولم يذكر ابن حبان فيه فضل الشام. وسيأتي دون ذكر فضل الشام برقم (٤٢٦٣) من طريق إبراهيم بن أبي طالب عن وهب بن جرير.
[ ٤ / ٢٥ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
وفيه البيانُ الواضحُ: أنَّ جَمْعَ القرآن لم يكن مرةً واحدةً، فقد جُمِعَ بعضُه بحَضْرة رسول الله ﷺ، ثم جُمِعَ بحَضْرة أبي بكر الصِّدّيق، والجمعُ الثالث - وهو ترتيب السُّوَر - كان في خلافة أمير المؤمنين عثمان، ﵃ أجمعين.
٢٩٣٨ - أخبرنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي، حدثنا يحيى بن أيوب العَلَّاف، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر بن أبي كَثير، حدثنا شَرِيك بن عبد الله بن أبي نَمِرٍ، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي ذرٍّ أنه قال: دخلتُ المسجدَ يومَ الجُمُعة، والنبيُّ ﷺ يَخطُب، فجلستُ قريبًا من أُبيِّ بن كعب، فقرأَ النبيُّ ﷺ سورةَ براءةَ، فقلت لأُبي: متى نَزَلَت هذه السورةُ؟ قال: فتجهَّمَني ولم يُكلِّمْني؛ قال: وذكر الحديث (^١).
هكذا وجدتُه في كتابي، وطلبتُه في المسانيد فلم أجده بطوله، والحديث بإسنادٍ صحيح.
٢٩٣٩ - أخبرنا أبو العبَّاس محمد بن أحمد المحبُوبي، حدثنا سعيد بن مسعود، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مُهاجِر، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس قال: أيَّ القراءتين تَرَونَ كان آخرَ القراءة؟ قالوا: قراءةُ زيد، قال: لا، إنَّ رسول الله ﷺ كان يَعرِضُ القرآنَ كلَّ سَنةٍ على جبريل ﵇، فلما كانت السنةُ التي قُبِضَ فيها عَرَضَه عليه عَرْضَتين، فكانت قراءةُ ابنِ مسعود آخرَهنَّ (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح. وقد سلف عند المصنف برقم (١٠٧٢)، وذكرنا في تخريجه هناك تتمة الحديث.
(٢) خبر صحيح، وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد من أجل إبراهيم بن مهاجر، وقد توبع. وأخرجه أحمد ٤/ (٢٤٩٤) عن محمد بن سابق عن إسرائيل، بهذا الإسناد. =
[ ٤ / ٢٦ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه بهذه السِّيَاقة، وفائدة الحديث ذِكرُ عبد الله بن مسعود.
٢٩٤٠ - أخبرنا جعفر بن محمد بن نُصَير الخُلْدي، حدثنا علي بن عبد العزيز البَغَوي بمكة، حدثنا حَجَّاج بن المِنهال، قال: حدثنا حمَّاد بن سَلَمة، عن قَتَادة، عن الحسن، عن سَمُرة قال: عُرِضَ القرآنُ على رسول الله ﷺ عَرَضاتٍ.
فيقولون: إنَّ قراءتنا هذه هي العَرْضةُ الأخيرة (^١).
هذا حديث صحيح على شرط البخاري بعضُه، وبعضُه على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.