٢٩١ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم المصري، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني أبو يحيى فُلَيح بن سليمان الخُزاعي، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن مَعمَر الأنصاري، عن سعيد بن يَسَار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن تعلَّم علمًا مما يُبتغَى به وجهُ الله، لا يَتعلَّمُه إلّا ليُصيبَ به عَرَضًا من الدنيا، لم يَجِدْ عَرْفَ الجنةِ يومَ القيامة" (^١).
_________________
(١) إسناده ضعيف لمخالفة فليح بن سليمان من هو أوثق منه في إسناده كما سيأتي، وفليح ليس بذاك القوي. وأخرجه ابن حبان (٧٨) من طريقين عن عبد الله بن وهب، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٤٥٧)، وأبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجه (٢٥٢) من طريقين عن فليح بن سليمان، به. وخالف فليحًا زائدةُ بن قدامة - وهو أحد الثقات - فرواه عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر، عن محمد بن يحيى بن حَبّان قال: حدثني رهطٌ من أهل العراق، أنهم مرُّوا على أبي ذر فسألوه، فحدَّثهم فقال لهم … فذكر نحو هذا الحديث موقوفًا من قول أبي ذر، أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٤٤) - ومن طريقه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١١٢٩) - عن زائدة. وبهذا أعلَّه أبو زُرْعة الرازي فيما نقله عنه ابن أبي حاتم في "علل الحديث" (٢٨١٩)، وهذا الإسناد ضعيف لجهالة الرهط العراقيين. وانظر ما بعده. ويشهد له غير حديثي جابر بن عبد الله وكعب بن مالك الآتيين عند المصنف: حديثُ ابن عمر عند ابن ماجه (٢٥٣)، وحديث حذيفة عنده أيضًا (٢٥٩)، وحديث أنس عند البزار (٧٢٩٥)، وأسانيدها ضعيفة جدًّا، وفي إسناد حديث أنس سليمان بن زياد بن عبيد الله، قال الذهبي فيه في كتابه "المغني في الضعفاء" (٢٥٨٥): لا يعرف، وحديثه منكر بل باطل. قلنا: وأحسن حديث في هذا الباب وأصحُّه حديث أبي هريرة مرفوعًا في أول من يقضى فيه يوم القيامة ثلاثة، وذكر منهم: "ورجل تعلَّم العلمَ وعلَّمه وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلم وعلَّمتُه وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك =
[ ١ / ٤١٧ ]
هذا حديث صحيح سندُه، ثِقاتٌ رواتُه على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، وقد أسنده ووَصَلَه عن فُليح جماعةٌ غيرُ ابن وهب:
٢٩٢ - حدَّثَناه أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد السُّرِّيّ.
وحدثنا أبو عبد الله محمد بن علي الجوهري ببغداد، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البَلَدي.
وأخبرنا أبو العباس السَّيّاري والحسن بن حَليم بمرو، قالا: حدثنا أبو الموجِّه؛ قالوا: حدثنا سعيد بن منصور المكي، حدثنا فُلَيح، عن أبي طُوَالةَ، عن سعيد بن يَسَار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن تعلَّمَ علمًا يُبتغَى به وجهُ الله، لا يتعلَّمُه إلّا ليصيبَ به عَرَضًا من الدنيا، لم يَجِدْ عَرْفَ الجنة". قال فُليح: وعَرْفُها: ريحُها (^١).
وقد رُوِيَ هذا الحديث بإسنادين صحيحين عن جابر بن عبد الله وكعب بن مالك.
أما حديث جابر:
٢٩٣ - فأخبرَناه أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم القَنطَري ببغداد، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السُّلَمي.
وأخبرنا أحمد بن محمد بن سلمة العَنَزي، حدثنا عثمان بن سعيد الدارِمي، قالا: حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن ابن جُرَيج، عن أبي الزُّبير، عن جابر بن عبد الله، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تَعلَّموا العلمَ لتُباهُوا به العلماءَ أو تمارُوا به السُّفهاء، ولا لتَحيَّزوا به المجلسَ، فمن فَعَلَ ذلك فالنارُ النارُ" (^٢).
_________________
(١) = تعلَّمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثمّ أمر به فسُحِب على وجهه حتى أُلقي في النار"، أخرجه مسلم (١٩٠٥) وغيره، وسيأتي عند المصنف برقم (٣٦٩).
(٢) إسناده ضعيف كسابقه. أبو طوالة: هو عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري. وأخرجه أبو الحسن بن القطان في زياداته على "سنن ابن ماجه" بإثر (٢٥٢) عن أبي حاتم الرازي، عن سعيد بن منصور، بهذا الإسناد.
(٣) إسناده ضعيف، فيحيى بن أيوب - وهو الغافقي المصري - ليس بذاك الضابط الثقة وقد خالف في هذا الحديث من هو أوثق منه بدرجات فأسنده، بينما أرسله عبد الله بن وهب كما =
[ ١ / ٤١٨ ]
٢٩٤ - حدَّثَناه أبو أحمد بن محمد بن الحسين الشَّيباني من أصل كتابه، حدثنا أحمد بن حماد بن زُغْبة التُّجِيبي بمصر، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب، سمعتُ ابن جُرَيج يحدِّث عن أبي الزُّبير، فذكره بمثله.
هذا إسناد حَفِظَه يحيى بن أيوب المصري عن ابن جريج فوَصَله، ويحيى متَّفَق على إخراجه في "الصحيحين"، وقد أرسله عبد الله بن وَهْب، فأنا على أصلي الذي أصَّلتُه في قَبُول الزيادة من الثقة في الأسانيد والمتون.
٢٩٥ - حدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، أخبرنا ابن وَهْب قال: وسمعتُ ابنَ جُرَيج يحدِّث: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تَعلَّموا العلمَ لتُباهُوا به العلماء، ولا لتُمارُوا به السُّفهاء، ولا لتتحدَّثوا به في المجالس، فمَن فَعَلَ ذلك فالنارُ النارُ" (^١).
وأما حديث كعب بن مالك:
٢٩٦ - فحدَّثَناه أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد، حدثنا ابن أبي أُوَيس، حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: "مَن ابتَغَى العلمَ ليُباهيَ
_________________
(١) = يذكر المصنف نفسه فجعله من حديث ابن جريج عن النبي ﷺ، وابن وهب ثقة حافظ، فروايته مقدَّمة راجحة، وستأتي عند المصنف برقم (٢٩٥). وأخرجه ابن ماجه (٢٥٤)، وابن حبان (٧٧) من طريقين عن سعيد بن أبي مريم، بهذا الإسناد. قوله: "تماروا" أي: تجادلوا. وقوله: "لتحيّزوا" كذا عند المصنف، وعند غيره: "لتخيَّروا" وهو بمعناه، أي: لتختاروا به خيار المجالس وصدورها. وقوله: "فالنار" أي: فله النارُ، أو فيستحق النارَ.
(٢) ضعيف لإعضاله، فإنَّ بين ابن جريج والنبي ﷺ اثنان أو أكثر. وأخرجه البيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (٤٧٩) عن أبي عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله، بهذا الإسناد. وانظر ما قبله.
[ ١ / ٤١٩ ]
به العلماء، أو يُمارِيَ به السُّفهاء، أو يَقبَلَ إفادةَ الناس إليه، فإلى النار" (^١).
لم يُخرج الشيخان لإسحاق بن يحيى شيئًا، وإنما جعلته شاهدًا لما قدَّمتُ من شرطهما، وإسحاق بن يحيى من أشراف قريش.
٢٩٧ - حدثنا أبو محمد عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم العَدْل ببغداد، حدثنا أبو الأحوَص محمد بن الهيثم القاضي.
وحدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد العَنَزي من أصل كتابه - وسأله عنه أبو علي الحافظ - حدثنا عثمان بن سعيد الدارِمي؛ قالا: حدثنا نُعَيم بن حمّاد، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كَيْسان، عن الزُّهْري، عن محمد بن جُبير بن مُطعِم، عن أبيه جُبير قال: قام رسول الله ﷺ بالخَيْف فقال: "نَضَّرَ اللهُ عبدًا سَمِعَ مَقالَتي فوَعَاها ثم أدَّاها إلى مَن لم يَسمَعْها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ لا فقهَ له، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى مَن هو أفقهُ منه.
ثلاثٌ لا يُغِلُّ عليهنَّ قلبُ مؤمنٍ: إخلاصُ العمل لله، والطاعةُ لذَوِي الأمر، ولزومُ جماعة المسلمين، فإنَّ دعوتهم تُحِيطُ من ورائِهم" (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف جدًّا، إسحاق بن يحيى بن طلحة متروك الحديث. ابن أبي أويس: هو إسماعيل بن عبد الله، وهو ليس بذاك القوي، وأخوه ثقة: وهو أبو بكر عبد الحميد بن أبي أويس. وأخرجه الترمذي (٢٦٥٤) من طريق أمية بن خالد، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، بهذا الإسناد. وقال: حديث غريب، وضعَّف إسحاق.
(٢) صحيح لغيره، وهذا إسناد خولف فيه نعيم بن حماد، وهو ليس بذاك القوي عند المخالفة، خالفه من هو أوثق منه بدرجات وهو يعقوب بن إبراهيم بن سعد، فرواه - كما سيأتي في الحديث التالي - عن أبيه إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق عن الزهري، وابن إسحاق لم يسمعه من الزهري كما سيأتي. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١٥٤٤) عن يحيى بن عثمان بن صالح، عن نعيم بن حماد، بهذا الإسناد. وله شاهد من حديث زيد بن ثابت عند أحمد ٣٥/ (٢١٥٩٠)، وابن ماجه (٢٣٠)، وابن حبان (٦٧) و(٦٨٠)، وإسناده صحيح. وآخر من حديث أنس بن مالك عند أحمد ٢١/ (١٣٣٥٠)، وابن ماجه (٢٣٦)، وإسناده حسن. =
[ ١ / ٤٢٠ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، قاعدةٌ من قواعد أصحاب الرِّوايات، ولم يُخرجاه، فأما البخاري فقد روى في "الجامع الصحيح" عن نُعَيم بن حماد، وهو أحد أئمة الإسلام.
وله أصلٌ في حديث الزُّهري من غير حديث صالح بن كَيْسان، فقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار من أوجهٍ صحيحةٍ عنه عن الزهري:
٢٩٨ - أخبرَناه أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أَبي.
وحدثنا أبو علي الحافظ، أخبرنا أبو يَعلى، حدثنا أبو خَيْثمة؛ قالا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق.
وأخبرني أبو الحسن محمد بن عبد الله الجَوهَري، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا يعلى بن عُبيد الطَّنافِسي وأحمد بن خالد الوَهْبي قالا: حدثنا محمد بن إسحاق.
_________________
(١) = وثالث من حديث ابن مسعود عند الترمذي (٢٦٥٨)، ورجاله ثقات، وهو مختصر عند أحمد ٧/ (٤١٥٧). ورابع من حديث النعمان بن بشير، وسيأتي عند المصنف برقم (٣٠٠)، وإسناده حسن. وانظر تتمة شواهده عند حديثي ابن مسعود وأنس في "مسند أحمد". قوله: "نضَّر اللهُ" أي: نعَّمه، ويروى بالتخفيف والتشديد من النَّضارة، وهي في الأصل: حُسْن الوجه والبريق، وإنما أراد: حسَّن خُلُقه وقَدْره، قاله ابن الأثير في "النهاية". وقوله: "لا يُغِلُّ" قال في "النهاية": هو من الإغلال: الخيانة في كل شيء، ويروى: "يَغِلُّ" بفتح الياء، من الغِلِّ: وهو الحقد والحسد، أي: لا يدخله حقدٌ يزيله عن الحق، وروي: "يَغِلُ" بالتخفيف، من الوُغول: الدخول في الشر. والمعنى: أنَّ هذه الخِلَال الثلاث تُستَصلح بها القلوب، فمن تمسَّك بها طَهُرَ قلبُه من الخيانة والدَّغَل والشر، و"عليهنَّ" في موضع الحال، تقديره: لا يغلُّ كائنًا عليهنَّ قلبُ مؤمن. وقوله: "تحيط من ورائهم" قال: أيضًا: أي: تحوطهم وتكنفهم وتحفظهم، يريد أهلَ السُّنة دون أهل البدعة.
[ ١ / ٤٢١ ]
وأخبرني محمد بن المظفَّر الحافظ، حدثنا محمد بن هارون، حدثنا سليمان بن عمر، حدثنا يحيى بن سعيد الأُمَوي، عن محمد بن إسحاق.
وأخبرني أبو عمرو محمد بن أحمد بن إسحاق العَدْل، حدثنا محمد بن خُرَيم الدمشقي، حدثنا هشام بن عمّار، حدثني سعيد بن يحيى اللَّخْمي، حدثنا ابن إسحاق.
وحدثني علي بن عيسى - واللفظ له - حدثنا مسدَّد بن قَطَن، حدثنا عثمان بن أبي شَيْبة، حدثنا يعلى بن عُبيد، حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزُّهري، عن محمد بن جُبير بن مُطعِم، عن أبيه قال: قام رسول الله ﷺ بالخَيْف من مِنًى فقال: "نَضَّرَ اللهُ عبدًا سمع مَقالَتي فوَعَاها ثم أدَّاها إلى مَن لم يَسمَعْها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ لا فقهَ له، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى مَن هو أفقهُ منه.
ثلاثٌ لا يُغِلُّ عليهنَّ قلبُ مؤمن: إخلاصُ العمل لله، والنصيحةُ لأُولي الأمر، ولزومُ الجماعة، فإنَّ دعوتَهم تُكِنُّ (^١) من ورائِهم (^٢).
قد اتَّفق هؤلاء الثِّقات على رواية هذا الحديث عن محمد بن إسحاق عن الزُّهري، وخالفهم عبدُ الله بن نُمير وحده فقال: عن محمد بن إسحاق عن عبد السلام - وهو ابن أبي الجَنُوب - عن الزهري، وابنُ نُمير ثقة، والله أعلم (^٣).
_________________
(١) في المطبوع: تكون، وهي كذلك في المصادر التي خرَّجته، وفي النسخ الخطية: تكنّ، وهي صحيحة أيضًا، معناها: تحفظهم وتسترهم.
(٢) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن لولا أنَّ ابن إسحاق مدلِّس ولم يصرِّح بسماعه من الزهري، وقد أدخل عبد الله بن نمير في روايته عن ابن إسحاق بينهما رجلًا كما سيأتي. والحديث في "مسند أحمد" ٢٧/ (١٦٧٣٨) عن يعلى بن عبيد الطنافسي. وأخرجه أيضًا من طريق يعلى بن عبيد ابنُ ماجه برقم (٢٣١ م). وأخرجه أحمد ٢٧/ (١٦٧٥٤) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، به. وأخرجه ابن ماجه (٢٣١ م) من طريق سعيد بن يحيى اللخمي، عن محمد بن إسحاق، به. وانظر ما قبله.
(٣) رواية ابن نمير أخرجها ابن ماجه (٢٣١) و(٣٠٥٦) عن محمد بن عبد الله بن نمير، =
[ ١ / ٤٢٢ ]
ثم نَظَرْناه فوجدنا للزُّهريِّ فيه متابِعًا عن محمد بن جُبير:
٢٩٩ - أخبرَناه أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عمرو بن أبي عمرو مولى المطَّلِب، عن عبد الرحمن بن الحُوَيرِث، عن محمد بن جُبير بن مُطعِم عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو بالخَيْف من مِنًى: "رَحِمَ اللهُ عبدًا سمع مَقالَتي فوَعَاها ثم أدَّاها إلى مَن لم يَسمَعْها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ لا فقهَ له، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى مَن هو أفقهُ منه.
ثلاثٌ لا يُغِلُّ عليهنَّ قلبُ المؤمن: إخلاصُ العمل، ومناصحةُ ذوي الأمر، ولزومُ الجماعة، فإنَّ دعوتهم تكون مِن ورائهم" (^١).
وفي الباب عن جماعة من الصحابة منهم عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جَبَل وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وأنس، وغيرهم عِدَّةٌ، وحديث النُّعمان بن بَشِير من شرط الصحيح.
٣٠٠ - سمعتُ أبا العباس محمد بن يعقوب غيرَ مرَّةٍ يقول: حدثنا إبراهيم بن بكر المروَزي ببيت المَقدِس، حدثنا عبد الله بن بكر السَّهْمي، حدثنا حاتم بن أبي صَغِيرة، عن سِمَاك بن حَرْب، عن النُّعمان بن بَشِير قال: خَطَبَنا رسولُ الله ﷺ فقال: "نَضَّرَ اللهُ وجهَ امرِئٍ سَمِعَ مَقالَتي فحَمَلَها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ غيرُ فقيه، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى مَن هو أفقهُ منه.
_________________
(١) = عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن عبد السلام بن أبي الجنوب، عن الزهري، به. وهذا إسناد ضعيف جدًّا، عبد السلام هذا متفق على ضعفه، فإن كان ابن نمير حفظه عن ابن إسحاق، فإنه يكون قد دلَّسه، والله تعالى أعلم. وقد قال الدارقطني في "العلل" ١٣/ ٤١٩: قول ابن نمير أشبه بالصواب؛ يعني بزيادة عبد السلام هذا، ولابن إسحاق فيه إسناد آخر كما في الحديث التالي، وهو حسن.
(٢) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن إن شاء الله. عبد الرحمن بن الحويرث: هو عبد الرحمن بن معاوية بن الحويرث أبو الحويرث، نُسب هنا إلى جدِّه. والحديث في "مسند أحمد" ٢٧/ (١٦٧٥٤).
[ ١ / ٤٢٣ ]
ثلاثٌ لا يُغِلُّ عليهنَّ قلبُ مؤمن: إخلاصُ العمل لله، ومناصحةُ وُلَاةِ الأمر، ولزومُ جماعةِ المسلمين" (^١).
قد احتَجَّ مسلم في "المسند الصحيح" بحديث سِمَاك بن حَرْب عن النُّعمان بن بَشِير أنه قال: لقد رأيت نبيَّنا ﷺ وما يملأُ بطنَه من الدَّقَل (^٢)، وعن سِمَاك عن النعمان قال: كان رسول الله ﷺ يسوِّي صفوفَنا … الحديث (^٣)، وحاتم بن أبي صَغِيرة وعبد الله بن بكر السَّهْمي متَّفَق على إخراجهما.
وقد روي عن الشَّعْبي ومجاهد عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ نحوُه.
٣٠١ - حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر النَّحْوي ببغداد، حدثنا القاسم بن المغيرة الجوهري.
وأخبرنا أحمد بن سهل الفقيه ببُخارَى، حدثنا صالح بن محمد بن حَبِيب الحافظ؛ قالا: حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي، حدثنا عَبّاد بن العوّام، عن الجُرَيري، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخُدْري أنه قال: مَرْحبًا بوصيَّة رسول الله ﷺ، كان رسول الله ﷺ يُوصِينا بكم (^٤).
_________________
(١) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن. وأخرجه الرامهرمزي في "المحدّث الفاصل" (١١)، والطبراني في "الكبير" ٢١/ (٩٤)، وأبو نعيم في "مستخرجه على مسلم" (٩) من طريق عيسى بن أبي عيسى الحناط، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير. وعند الطبراني: عن الشعبي ومجاهد. وعيسى الحناط متروك الحديث. وأخرجه ابن حكيم المديني الأصبهاني في "جزء نضَّر الله امرأً" (٤٣) من طريق عطاء بن عجلان الحنفي، عن نعيم بن أبي هند، عن الشعبي، به. وعطاء هذا متروك الحديث أيضًا. وأخرجه الطبراني في "الكبير" ٢/ (١٢٢٤) من طريق محمد بن كثير الكوفي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، عن أبيه مرفوعًا. ومحمد بن كثير ضعيف الحديث.
(٢) هو عند مسلم برقم (٢٩٧٧)، وسيأتي عند المصنف برقم (٨١١٨).
(٣) هو عند مسلم برقم (٤٣٦).
(٤) إسناده صحيح، وقد جزم الحافظ البوصيري في حاشية له على كتاب "المختلطين" للعلائي =
[ ١ / ٤٢٤ ]
هذا حديث صحيح ثابت لاتفاق الشيخين على الاحتجاج بسعيد بن سليمان وعبّاد بن العوّام والجُريري، ثم احتجاج مسلم بحديث أبي نَضْرة، فقد عَدَدتُ له في "المسند الصحيح" أحدَ عشرَ أصلًا للجُريري، ولم يُخرجا هذا الحديث الذي هو أول حديث في فضل طلّاب الحديث، ولا يُعلَمُ له علَّة، ولهذا الحديث طرقٌ يجمعُها أهل الحديث عن أبي هارون العَبْدي عن أبي سعيد، وأبو هارون ممّن سَكَتوا عنه (^١).
_________________
(١) = (١٦) بأنَّ عباد بن العوام سمع من الجريري - وهو سعيد بن إياس - قبل اختلاطه. وقد ذكرنا في تعليقنا على الحديث (٢٤٧) من "سنن ابن ماجه" أنه سمع منه بعد الاختلاط، وهو تعجُّل منا لا دليل عليه، فيستدرك من هنا. وأخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" ٦/ ٥٤٠، و"المدخل إلى السنن الكبرى" (٦٢١) عن أبي عبد الله الحاكم، بإسناديه. وأخرجه ابن أبي حاتم في مقدمة "الجرح والتعديل" ٢/ ١٢، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٢١)، وأبو الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" (٩٣٨)، وتمّام في "فوائده" (٢٣) من طريقين عن سعيد بن سليمان الواسطي، به. وأخرجه بنحوه الرامهرمزي (٢٠) من طريق بشر بن معاذ العقدي، عن أبي عبد الله، جار لحماد بن زيد، عن الجريري، به - وزاد: أمرنا أن نحفّظكم الحديث ونوسِّع لكم في المجالس. وأبو عبد الله هذا لا يُعرف، وقال الذهبي في ترجمته من "ميزان الاعتدال" بعد أن ساق له هذا الحديث: غريب جدًّا، والمحفوظ عن الجريري مختصر: وهو أنَّ رسول الله ﷺ كان يوصينا بكم. وأخرج الرامهرمزي أيضًا (٢٣) من طريق يحيى الحمّاني، عن ابن الغسيل، عن أبي خالد مولى ابن الصباح الأسدي، عن أبي سعيد أنه كان يقول: مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ إذا جاؤوه في العلم. وإسناده ضعيف لضعف يحيى الحماني، وجهالة أبي خالد. وأخرجه بنحوه ابن ماجه (٢٤٧)، والترمذي (٢٦٥٠) و(٢٦٥١) من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد - وزاد فيه كلامًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ. وأبو هارون - واسمه عُمارة بن جُوين - متروك وكذّبه بعضهم. وقد ذهب الإمام أحمد كما في "المنتخب من علل الخلّال" (٦٦) إلى أنَّ المحفوظ في هذا الحديث حديث أبي هارون العبدي لا حديث أبي نضرة، والله تعالى أعلم.
(٢) بل وهّنوه وتكلموا فيه بعبارات شديدة.
[ ١ / ٤٢٥ ]
٣٠٢ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا السَّرِي بن خُزيمة، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ما مِن رجلٍ سَلَكَ طريقًا يَطلُبُ فيه علمًا، إلّا سَهَّلَ الله له به طريقَ الجنة، ومَن أبطأ به عملُه، لم يُسرعْ به نَسَبُه" (^١).
تابعه أبو معاوية وابن نُمَير.
أما حديث أبي معاوية:
٣٠٣ - فحدَّثَناه أبو زكريا يحيى بن محمد العَنبَري، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثنا أبو كُريب وسَلْم بن جُنادة، قالا: حدثنا أبو معاوية (^٢) (^٣).
وأمّا حديث عبد الله بن نُمير:
٣٠٤ - فحدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب - واللفظ له - حدثنا الحسن بن علي بن عفَّان، حدثنا ابن نُمير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن سَلَكَ طريقًا يَلتمِسُ فيه عِلمًا، سهَّلَ اللهُ له طريقًا إلى الجنة" (^٤).
_________________
(١) إسناده صحيح. زائدة: هو ابن قدامة، والأعمش: هو سليمان بن مهران، وأبو صالح: هو ذكوان السمّان. وأخرجه أبو داود (٣٦٤٣) عن أحمد بن عبد الله بن يونس، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٣١٦) و١٥/ (٩٢٧٤)، ومسلم (٢٦٩٩)، والترمذي (٢٦٤٦) و(٢٩٤٥) من طرق عن الأعمش، به - وبعضهم يزيد فيه على بعض. وصرَّح الأعمش في بعض هذه الطرق بالسماع من أبي صالح.
(٢) من قوله: "وابن نمير" إلى هنا سقط من (ب) والمطبوع.
(٣) إسناده صحيح. أبو كريب: هو محمد بن العلاء الهمداني، وأبو معاوية: هو محمد بن خازم الضرير. وأخرجه أحمد ١٢/ (٧٤٢٧)، ومسلم (٢٦٩٩)، وابن ماجه (٢٢٥)، وابن حبان (٨٤) من طريق أبي معاوية، بهذا الإسناد - وهو عند مسلم عن أبي كريب محمد بن العلاء وغيره عن أبي معاوية.
(٤) إسناده صحيح. ابن نمير: هو عبد الله. =
[ ١ / ٤٢٦ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه! واللفظة التي أسندَها زائدةُ قد وَقَفَها غيرُه (^١)، فأمّا طلب العلم فلم يختلَف على الأعمش في سنده.
٣٠٥ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو بَكْرة بكَّار بن قُتيبة بن بكَّار القاضي بمصر، حدثنا أبو داود الطَّيالسي، حدثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه قال: كنتُ عند ابن عباس فأتاه رجل فمَتَّ إليه برَحِمٍ بعيدة، فقال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: "اعرِفوا أنسابَكم تَصِلُوا أرحامَكم، فإنه لا قُرْبَ لرَحِمٍ إذا قُطِعَت وإن كانت قريبةً، ولا بُعْدَ لها إذا وُصِلَت وإن كانت بعيدةً" (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجه واحدٌ منهما، وإسحاق بن سعيد: هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص قد احتجَّ البخاري بأكثر رواياته عن أبيه (^٣).
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ١٢/ (٧٤٢٧)، ومسلم (٢٦٩٩) من طريق عبد الله بن نمير، بهذا الإسناد. فاستدراك الحاكم له ذهولٌ منه.
(٢) الظاهر أنه يريد قوله: "من أبطأ به عمله … إلخ"، وهذا الحرف مرفوع عند جمهور أصحاب الأعمش ولم ينفرد برفعه زائدة.
(٣) إسناده صحيح. أبو داود الطيالسي: هو سليمان بن داود بن الجارود. وسيأتي مكررًا برقم (٧٤٧٠). والحديث في "مسند الطيالسي" برقم (٢٨٨٠)، ومن طريقه أخرجه البيهقي في "السنن" ١٠/ ١٥٧، و"شعب الإيمان" (٧٥٦٩)، والسمعاني في "الأنساب" ١/ ٤٠ - ٤١. وتابع الطيالسيَّ على رفعه قُرَاد أبو نوح - واسمه عبد الرحمن بن غزوان - عن إسحاق بن سعيد عند البيهقي في "الشعب" (٧٥٧٠). وخالفهما أحمد بن يعقوب عند البخاري في "الأدب المفرد" (٧٣) فرواه عن إسحاق بن سعيد، عن أبيه، عن ابن عباس موقوفًا. والطيالسي وقُراد أوثق منه. قوله: "فمتَّ إليه" أي: توصَّل إليه.
(٤) قد احتجَّ مسلم أيضًا برواية إسحاق بن سعيد عن أبيه، وقد تنبّه المصنف لذلك في مكرَّره المذكور فصحَّحه على شرطهما.
[ ١ / ٤٢٧ ]
ولهذا الحديث شاهد مَخرَجُ مثلِه في الشواهد:
٣٠٦ - حدَّثَناه أبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ، حدثنا أبو بكر محمد بن شاذانَ الجوهري، حدثنا يوسف بن سلمان، حدثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا أبو الأسباط الحارثي، عن يحيى بن أبي كَثير، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "تَعلَّموا أنسابَكم تَصِلوا أرحامَكم" (^١).
حدثنا علي بن عيسى الحِيرِي، حدثنا الحسين بن محمد بن زياد قال: سمعتُ محمدَ بن يحيى يقول: أبو الأسباط الحارثي: هو بِشْر بن رافع.
٣٠٧ - حدثنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه، حدثنا هلال بن العلاء الرَّقِّي. وحدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ، حدثنا موسى بن الحسن بن عبَّاد؛ قالا: حدثنا أبو حُذَيفة، حدثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن محمد بن جُبَير بن مُطعِم، عن أبيه: أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، أيُّ البُلدان شرٌّ؟ قال: "لا أدري"، فلمَّا أتاه جبريل قال: "يا جبريل، أيُّ البلدان شرٌّ؟ قال: لا أدري، حتى أسألَ ربي، فانطلق جبريل، فمَكَثَ ما شاءَ اللهُ أن يَمكُثَ، ثم جاء فقال: يا محمد، إنك سألتَني: أيُّ البلادِ شرٌّ؟ وإني قلت: لا أدري، وإني سألتُ ربي فقلت: أيُّ البلادِ شرٌّ؟ فقال: أسواقُها" (^٢).
_________________
(١) صحيح بما قبله، وهذا إسناد ضعيف لضعف أبي الأسباط الحارثي، لكن سيأتي الحديث بنحوه برقم (٧٤٧١) بإسناد حسن. وأخرجه السمعاني في "الأنساب" ١/ ٤٠ من طريق أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٨٣٠٨)، وابن عدي في "الكامل" ٢/ ١٢ من طريقين عن يوسف بن سلمان، به. وأخرجه العقيلي في "الضعفاء" (١٩٧) من طريق عبد الرزاق، عن بشر بن رافع أبي الأسباط، به.
(٢) إسناده حسن في المتابعات والشواهد من أجل عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد روي ما يشهد لحديثه كما في حديث ابن عمر الآتي برقم (٣١٠)، وحديث أبي هريرة عند مسلم (٦٧١) بلفظ: "أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها"، وقد حسَّن الحافظ ابن =
[ ١ / ٤٢٨ ]
قد احتجَّا جميعًا برواة هذا الحديث إلّا عبدَ الله بن محمد بن عَقِيل، وقد تفرَّد البخاري بالاحتجاج بأبي حُذَيفة، وهذا الحديث أصلٌ في قول العالم: لا أدري.
وله شاهد عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل:
٣٠٨ - حدَّثَناه أبو الطيِّب محمد بن أحمد بن الحسن الحِيري، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن عبد الله بن مسعود السَّلَمي، حدثنا عَبْدانُ بن عثمان وسعد بن يزيد الفرَّاء: قالا: حدثنا عبد الله بن المبارَك، عن عمرو بن ثابت، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن محمد بن جُبير بن مُطعِم، عن أبيه: أنَّ رجلًا أَتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، أيُّ البلاد شرٌّ؟ قال: "لا أدري"، فلما أتى جبريلُ محمدًا ﷺ قال: "يا جبريل، أيُّ البلاد شرٌّ؟ قال: لا أدري حتى أسألَ ربي، فانطَلَقَ جبريلُ، فمَكَثَ ما شاء الله أن يَمكُثَ، ثم جاء فقال: يا محمد، سألتَني: أيُّ البلاد شرٌّ؟ وإني قلت: لا أدري، وإني سألت ربي: أيُّ البلاد شرٌّ؟ فقال: أسواقُها" (^١).
عمرو بن ثابت هذا: هو ابن أبي المِقْدام الكوفي، وليس من شرط الشيخين، وإنما ذكرتُه شاهدًا، ورواية عبد الله بن المبارك عنه حثَّني على إخراجه، فإني قد عَلَوتُ فيه من وجه لا يُعتمَد.
٣٠٩ - حدثنا علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا عبد الصمد بن النُّعمان، حدثنا عمرو بن ثابت، فذكره بنحوه.
وعبد الصمد ليس من شَرْط هذا الكتاب.
ولهذا الحديث شاهد آخر من حديث ابن عمر:
_________________
(١) = في "الفتح" ٧/ ١٠٣ (بتحقيقنا) إسناد حديث جبير بن مطعم هذا، والظاهر أنه حسَّنه لشواهده، والله أعلم. أبو حذيفة: هو موسى بن مسعود النهدي، وسيأتي من طريقه مرة أخرى برقم (٢١٧٧). وأخرجه أحمد ٢٧/ (١٦٧٤٤) عن أبي عامر العقدي، عن زهير بن محمد، بهذا الإسناد.
(٢) إسناده ضعيف جدًّا من أجل عمرو بن ثابت، فالجمهور على توهينه.
[ ١ / ٤٢٩ ]
٣١٠ - حدَّثَناه أبو حفص عمر بن محمد الجُمَحي بمكة في دار أبي بكر الصِّدّيق، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا جَرِير، عن عطاء بن السائب، عن محارِب بن دِثَار، عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أيُّ البِقاع خيرٌ؟ فقال: "لا أدري" فقال: أيُّ البقاع شرٌّ؟ فقال: "لا أدري" فقال: سَلْ ربَّك، قال: فلمّا نزل جبريل قال رسول الله ﷺ: "إني سُئِلتُ: أيُّ البقاع خيرٌ؟ وأيُّ البقاع شرٌّ؟ فقلت: لا أدري، فقال جبريل: وأنا لا أدري حتى أسألَ ربي"، قال: فانتفَضَ جبريلُ انتفاضةً كادَ أن يَصعَقَ منها محمدٌ ﷺ، فقال الله: "يا جبريل يسألُك محمدٌ: أيُّ البقاع خيرٌ؟ فقلتَ: لا أدري، فسألك: أيُّ البقاع شرٌّ؟ فقلتَ: لا أدري، وإنَّ خيرَ البقاعِ المساجدُ، وشرَّ البقاعِ الأسواقُ" (^١).
٣١١ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه وعلي بن حَمْشاذَ قالا: حدثنا بِشْر بن موسى، حدثنا الحُمَيدي، حدثنا سفيان، حدثنا ابن جُرَيج.
وحدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا مُسدَّد، حدثنا سفيان.
وأخبرني محمد بن أحمد بن عمر، حدثنا أحمد بن سَلَمة، حدثنا عبد الرحمن بن بِشْر، حدثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن أبي الزُّبَير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يُوشِكُ الناسُ أن يَضرِبوا أكبادَ الإبل، فلا يَجِدُوا
_________________
(١) حسن لغيره، وهذا إسناد رجاله ثقات، إلّا أنَّ عطاء بن السائب اختلط بأَخرة، وسماع جرير - وهو ابن عبد الحميد - منه بعد اختلاطه، ومع ذلك فقد قال الذهبي في "العلو للعلي الغفار" (٢٣٨): حديث غريب صالح الإسناد؛ فلعله قال ذلك بالنظر إلى ما يقويه من شواهد، إذ أورد قبله مباشرة (٢٣٧) حديث أبي أمامة بمعناه، لكن قال: ليس إسناده بالقوي. وسيأتي الحديث برقم (٢١٧٨) من طريق علي بن الحسن الهِسِنجاني ويحيى بن المغيرة السعدي عن جرير كرواية إسحاق بن إسماعيل هنا. وأخرجه مختصرًا ابن حبان (١٥٩٩) من طريق أبي الوليد الطيالسي، عن جرير بن عبد الحميد، بهذا الإسناد - وفيه: أنَّ جبريل سأل ميكائيل، وهي رواية شاذّة.
[ ١ / ٤٣٠ ]
عالِمًا أعلمَ من عالِمِ المدينة" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه، وقد كان ابنُ عيينة ربما يجعله روايةً (^٢):
٣١٢ - كما حدَّثَناه أبو بكر محمد بن عبد الله الجَرَّاحي بمَرْو، حدثنا عَبْدانُ محمد بن عيسى الحافظ، حدثنا عبد الجبار بن العلاء ومحمد بن ميمون قالا: حدثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن أبي الزُّبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة روايةً قال: "يُوشِكُ الناسُ أن يَضرِبوا أكبادَ الإبل" الحديث.
وليس هذا ممّا يُوهِنُ الحديث، فإنَّ الحُميدي هو الحَكَمُ في حديثه لمعرفته به
_________________
(١) إسناده صحيح إن كان ابن جريج سمع من أبي الزبير - وهو محمد بن مسلم بن تدرس المكي - فقد اختُلِفَ على سفيان - وهو ابن عيينة - في تصريح ابن جريج بالسماع، فقد رواه عنه جمهور أصحابه بعنعنة ابن جريج، كما هو مبيَّن في تعليقنا على الحديث في "مسند أحمد" ١٣/ (٧٩٨٠)، وخالفهم هارون بن معروف عند الطحاوي في "مشكل الآثار" (٤٠١٦)، وعلي بن المديني عند ابن أبي طاهر الأزدي السلماسي في "منازل الأئمة الأربعة" ص ١٨٥، وابن مفرِّج المقدسي في كتاب "الأربعين" ص ١٦٠، ومحمد بن عمر بن صفوان عند السلماسي أيضًا، فرواه ثلاثتهم عن سفيان عن ابن جريج قال: حدثنا أبو الزبير، وذكر ابن المديني وابن صفوان تصريح أبي الزبير أيضًا بالتحديث عن أبي صالح، والله تعالى أعلم. والحديث أخرجه أحمد ١٣/ (٧٩٨٠)، والترمذي (٢٦٨٠)، وابن حبان (٣٧٣٦) من طريق سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن. وأخرجه النسائي في "الكبرى" (٤٢٧٧) من طريق سفيان بن عيينة، لكن قال فيه: عن أبي الزناد، مكان أبي الزبير، قال النسائي: هذا خطأ، والصواب: أبو الزبير عن أبي صالح.
(٢) يعني موقوفًا على أبي هريرة وقد خالف الحاكمَ في إطلاق هذا اللفظ هنا على الموقوف كلُّ من كتب في علوم الحديث ممن جاء بعده كالخطيب البغدادي وابن الصلاح وغيرهما، فعدُّوا هذا اللفظ من الكنايات المستعملة في رفع الحديث إلى النبي ﷺ، مثل قولهم: يَبلُغ به، أو يَنْميه. وقد أشار إلى رواية الوقف هذه أحمد فيما رواه عن سفيان - كما في "المنتخب من علل الخلال" (٦٧) - قال: وأوقفه سفيان مرةً فلم يَجُزْ به أبا هريرة.
[ ١ / ٤٣١ ]
وكَثْرة ملازمته له، وقد كان ابنُ عيينة يقول: نرى هذا العالمَ مالكَ بنَ أنس.
٣١٣ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أبو صَخْر، عن سعيد المَقبُري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "مَن جاءَ مسجدَنا هذا يتعلَّمُ خيرًا ويعلِّمُه، فهو كالمجاهد في سبيل الله، ومَن جاءَ بغير هذا، كان كالرجل يَرَى الشيءَ يُعجِبُه وليس له" وربما قال: "يرى المصلِّينَ وليس منهم، ويرى الذَّاكِرينَ وليس منهم" (^١).
٣١٤ - حدَّثَناه عبد الله بن محمد بن إسحاق الخُزَاعي، حدثنا أبو يحيى عبد الله بن أحمد بن زكريا بن أبي مَسَرَّة، حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حَيْوة بن
_________________
(١) ضعيف لما فيه من الاضطراب على سعيد المقبري كما سيأتي. أبو صخر: هو حُميد بن زياد، وكان يَهِمُ في حديثه كما وقع له هنا حيث أسنده عن المقبري. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٦٠٣) و١٥/ (٩٤١٩)، وابن ماجه (٢٢٧) من طريقين عن حميد بن زياد أبي صخر، بهذا الإسناد. وسيأتي بعده من طريق حيوة بن شريح، عن أبي صخر، به. وقد رواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري، واختُلف عليه فيه: فرواه عنه سفيان الثوري عن سعيد المقبري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن كعب الأحبار من قوله. ورواه عنه سفيان بن عيينة، عن سعيد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن كعب الأحبار. وكلاهما عند أبي نعيم في "حلية الأولياء" ٦/ ١٦. ورواه عن سعيد أيضًا عبيدُ الله بن عمر العمري، واختلف عليه فيه: فرواه عنه عبدة بن سليمان عند هنّاد في "الزهد" (٩٥٧)، وعبد الله بن نمير عند ابن أبي شيبة في "المصنف" ١٣/ ٣١٩ - ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" ٦/ ١٦ - عن سعيد المقبري، عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبيه، عن كعب الأحبار. وخالفهما عبد العزيز بن محمد الدراوردي عند أبي نعيم ٦/ ١٦ فرواه عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري قال: بلغني عن كعب. وقد صوَّب الدارقطني في "العلل" (٢٠٦٦) رواية من رواه عن كعب الأحبار من قوله.
[ ١ / ٤٣٢ ]
شُريح، أخبرني أبو صخر، أنَّ سعيد المقبُري أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مَن دَخَلَ مسجدَنا هذا ليتعلَّمَ خيرًا أو يُعلِّمَه، كان كالمجاهدِ في سبيلِ الله، ومَن دَخَلَه لغير ذلك، كان كالنَّاظرِ إلى ما ليسَ له" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجَّا بجميع رواته (^٢) ثم لم يُخرجاه، ولا أعلمُ له علَّةً!
بل له شاهد ثالث على شرطهما جميعًا:
٣١٥ - أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم القَنطَري ببغداد، حدثنا أبو قِلَابة، حدثنا أبو عاصم، عن ثَوْر بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن غَدَا إلى المسجد لا يريدُ إلّا ليتعلَّمَ خيرًا أو يُعلِّمَه، كان له أجرُ معتمرٍ تامِّ العُمْرة، ومَن راحَ إلى المسجد لا يريدُ إلَّا ليتعلَّمَ خيرًا أو يُعلِّمَه، فله أجرُ حاجٍّ تامِّ الحَجَّة" (^٣).
قد احتَجَّ البخاريُّ بثَوْر بن يزيد في الأصول، وخرَّجه مسلم في الشواهد (^٤)، فأما ثور بن زَيْد الدِّيلي فإنه متَّفَق عليه.
_________________
(١) ضعيف كسابقه. وأخرجه أحمد ١٦/ (١٠٨١٤)، وابن حبان (٨٧) من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، بهذا الإسناد.
(٢) أبو صخر حميد بن زياد لم يحتجَّ به البخاري، وهو من أفراد مسلم.
(٣) إسناده حسن من أجل أبي الحسين القنطري، وأبي قلابة: وهو عبد الملك بن محمد الرّقَاشي. وأبو عاصم: هو الضحاك بن مخلد النبيل، وأبو أمامة: هو صُدَيّ بن عجلان. وأخرجه البيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (٣٧٠) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٧٤٧٣)، و"مسند الشاميين" (٤٢٣)، وأبو نعيم في "الحلية" ٦/ ٩٧ من طريق هشام بن عمار، عن محمد بن شعيب، عن ثور بن يزيد، به - بلفظ: "من غدا إلى المسجد لا يريد إلّا أن يتعلم خيرًا أو يعلّمه، كان له كأجر حاجٍّ تامٍّ حجُّه". قال الحافظ العراقي في تخريجه على "إحياء علوم الدين": إسناده جيّد.
(٤) كذا قال، وهو ذهولٌ منه، فإنَّ مسلمًا لم يرو عنه شيئًا في "صحيحه".
[ ١ / ٤٣٣ ]
٣١٦ - حدثنا علي بن حَمْشاذَ العَدْل، في "مسند أنس"، حدثنا أبو سعد يحيى بن منصور الهَرَوي، حدثنا أحمد بن نصر المقرئ النَّيسابوري.
وأخبرني أبو الحسن محمد بن عبد الله الجَوهري، حدثنا محمد بن إسحاق الإمام، حدثني أحمد بن نَصْر، حدثنا سُرَيج بن النعمان، حدثنا أبو عَوَانة، عن قَتَادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "منهومانِ لا يَشبَعان: منهومٌ في علمٍ لا يَشبَعُ، ومنهومٌ في دنيا لا يَشبَع" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، ولم أَجِدْ له عِلَّة.
٣١٧ - حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السَّمّاك ببغداد، حدثنا أبو جعفر محمد بن عبيد الله بن أبي داود المُنادِي، حدثنا رَوْح بن عُبادة، حدثنا كَهمَس بن الحسن، عن عبد الله بن شَقِيق قال: جاء أبو هريرة إلى كعبٍ يَسأَل عنه وكعبٌ في القوم، فقال كعب: ما تريدُ منه؟ فقال: أمَا إني لا أعرفُ أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يكون أحفظَ لحديثه منِّي، فقال كعب: أمَا إنك لم تَجِدْ أحدًا يَطلُبُ شيئًا إلّا سيَشبَعُ منه يومًا من الدهر إلّا طالبَ علمٍ، وطالبَ دنيا، فقال: أنت كعب، فإني لِمثْل هذا جئتُ (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح. أبو عوانة: هو وضّاح بن عبد الله اليَشكُري. وأخرجه البيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (٤٥١) عن أبي عبد الله الحاكم، عن علي بن حمشاذ وحده، بهذا الإسناد. وأخرجه البيهقي أيضًا (٤٥٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٤١/ ٢٨٦ من طريق حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس. ورجاله ثقات. وفي الباب عن ابن مسعود وابن عباس عند الدارمي (٣٤٤) و(٣٤٦) موقوفًا عليهما، وفي إسنادهما ضعفٌ. قوله: "منهومان" أي: حريصان على تحصيل أقصى غايات مطلوبَيهما، وفي "النهاية": النَّهمة: بلوغ الهِمّة في الشيء. قاله في "مرقاة المفاتيح".
(٢) رجاله عن آخرهم ثقات، وأعلَّه الذهبي في "تلخيصه" بالانقطاع، والظاهر أنه ذهب إلى أنَّ =
[ ١ / ٤٣٤ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
وقولُ الصحابي: إني لحديثِ رسول الله ﷺ أحفظُ من غيري، يُخرَّج في مسانيده.
٣١٨ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن علي بن عفَّان العامِري، حدثنا خالد بن مَخلَد القَطَواني، حدثنا حمزة بن حبيب الزَّيّات، عن الأعمش، عن الحَكَم، عن مُصعَب بن سعد بن أبي وقَّاص، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "فَضْلُ العلم أحبُّ إليَّ من فَضْلِ العبادة، وخيرُ دِينِكم الوَرَعُ" (^١).
_________________
(١) = عبد الله بن شقيق لم يحضر هذه القصة التي رواها، لكن عبد الله بن شقيق قد سمع من أبي هريرة وروى عنه، فلا يبعد أن يكون أبو هريرة قد حدَّثه بما جرى له مع كعب، والله أعلم. وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" ٥/ ٢٣٧، والدارمي في "سننه" (٢٩٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٦٧/ ٣٤١ من طريق روح بن عبادة، بهذا الإسناد.
(٢) ضعيف مرفوعًا لاضطرابه والاختلاف فيه على الأعمش، والصحيح أنه من قول مطرّف بن عبد الله بن الشِّخّير - وهو من كبار التابعين - كما قال الدارقطني في "العلل" (٥٩١) و(١٩٣٥) والبيهقي في "المدخل" (٤٥٦). الحكم: هو ابن عتيبة الكوفي. وأخرجه البيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (٤٥٤) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (١١٢٥) عن عبد الله بن أبي زياد، والبيهقي في "الآداب" (١٠٠٩)، و"الزهد" (٨٢١) من طريق محمد بن عبد الوهاب الفرّاء، كلاهما عن خالد بن مخلد القطواني، به. ولم يذكرا فيه الحكم بن عتيبة كرواية ابن نمير التالية عند المصنف. وخالف عبد الله بن عبد القدوس فرواه عن الأعمش عن مطرف بن الشخير عن حذيفة، كما سيأتي عند المصنف برقم (٣٢١). ورواه أبو مطيع - وهو البلخي - عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا، أخرجه الدارقطني في "العلل" ١٠/ ١٤٦، وأبو مطيع ضعيف. وقيل: عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان، وقال المسيب بن شريك: عن الأعمش عن سالم عن جابر. قال الدارقطني في "العلل" ٤/ ٣١٩: وليس يثبت من هذه الأسانيد شيء، =
[ ١ / ٤٣٥ ]
٣١٩ - وحدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ، حدثنا إبراهيم بن إسحاق السَّرّاج، حدثنا محمد بن عبد الله بن نُمَير، حدثنا خالد بن مَخلَد، عن حمزة الزَّيَّات، عن الأعمش، عن مصعب بن سعد، فذكر بنحوه، ولم يَذكُر الحَكَم (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، والحسن بن علي بن عفّان ثقة، وقد أقام الإسناد، وقد أبهَمَه بكرُ بن بكَّار:
٣٢٠ - حدَّثَناه أبو علي الحسين بن علي الحافظ، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن يحيى بن مَندَهْ الأصبهاني، حدثنا إبراهيم بن سَعْدان وأحمد بن عبد الواحد قالا: حدثنا بكر بن بكَّار، حدثنا حمزة الزيَّات، حدثنا الأعمش، عن رجل، عن مُصعَب بن سعد،
_________________
(١) = وإنما يروى هذا عن مطرف بن عبد الله بن الشخير من قوله. قلنا: وخالفهم جميعًا جريرُ بن عبد الحميد - وهو ثقة ثبت - فرواه عن الأعمش قال: بلغني عن مطرِّف أنه قال .. فذكره من قوله. أخرجه أبو خيثمة في كتاب "العلم" (١٣)، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٥٨/ ٣٠٦. ورواه عن مطرفٍ أيضًا من قوله: قتادة عند ابن سعد في "الطبقات" ٩/ ١٤٢، وأحمد في "الزهد" (١٣٣٥)، ويعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" ٢/ ٨٢ - ٨٣، والبيهقي في "المدخل" (٤٥٧)، وابن عبد البر في "بيان العلم وفضله" (١٠٤) و(١٠٥)، وابن عساكر ٥٨/ ٣٠٦، وحميد بن هلال عند ابن عبد البر (١٠٢) و(٢١٢)، وابن عساكر ٥٨/ ٣٠٦، وهذا هو المحفوظ، أنه من قول مطرّف، والله تعالى أعلم. وفي الباب عن عبادة بن الصامت مرفوعًا، أخرجه أبو الشيخ في "الأمثال" (٢٠٣) من طريق مكحول عنه، وروايته عنه مرسلة، فالإسناد ضعيف لانقطاعه. قوله: "فضل العلم .. " أي: نفل العلم أفضل من نفل العمل، وفضل العلم: ما زاد على المفترَض. قاله المناوي في "فيض القدير".
(٢) ضعيف كسابقه. وأخرجه الشاشي في "مسنده" (٧٥)، والدارقطني في "العلل" ٤/ ٣١٩، والضياء في "المختارة" (١٠٦٨) من طريقين عن محمد بن عبد الله بن نمير، بهذا الإسناد. وخالف أحمد بن حفص السعدي عند الإسماعيلي في "المعجم" ١/ ٣٥٥ - ٣٥٦ فرواه عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبي خالد الأحمر - وهو سليمان بن حيان - عن حمزة الزيات.
[ ١ / ٤٣٦ ]
عن أبيه، أنَّ رسول الله ﷺ قال نحوه (^١).
ثم نظرنا فوجدنا خالد بن مخلد أثبتَ وأحفظَ وأوثقَ من بكر بن بكار فحكمنا له بالزيادة.
وقد رواه عبد الله بن عبد القُدُّوس عن الأعمش بإسناد آخر:
٣٢١ - حدَّثَناه أبو علي الحافظ، حدثنا الهيثم بن خلف الدُّوري، حدثنا عبَّاد بن يعقوب، حدثنا عبد الله بن عبد القُدوس، عن الأعمش، عن مطرِّف بن الشِّخِّير، عن حُذَيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "فضلُ العلم خيرٌ من فضلِ العبادة، وخيرُ دِينِكم الوَرَعُ" (^٢).
٣٢٢ - حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أخبرنا العباس بن الفضل الأَسفاطي، حدثنا إسماعيل بن أبي أُوَيس.
وأخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل الشَّعْراني، حدثنا جدِّي، حدثنا ابن أبي أُويس، حدثني أبي، عن ثَوْر بن زيد الدِّيلي، عن عِكْرمة، عن ابن عباس: أنَّ رسول الله ﷺ خَطَبَ الناسَ في حجَّة الوداع، فقال: "إنَّ الشيطان قد يَئِسَ بأن يُعبَدَ
_________________
(١) ضعيف كسابقه، وبكر بن بكار ليس بذاك القوي. وأخرجه أبو الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" (٤٨٧) من طريق محمد بن النضر، عن بكر بن بكار، بهذا الإسناد.
(٢) إسناده ضعيف لضعف عبد الله بن عبد القدوس، وللاختلاف فيه على الأعمش كما سلف عند الحديث (٣١٨). وأخرجه الترمذي في "العلل الكبير" (٦٣٣)، والبزار في "مسنده" (٢٩٦٩)، والطبراني في "الأوسط" (٣٩٦٠)، وابن عدي في "الكامل" ٤/ ١٩٨، وأبو نعيم في "الحلية" ٢/ ٢١١، والبيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (٤٥٥) من طريق عباد بن يعقوب، بهذا الإسناد. قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فلم يعدَّ هذا الحديث محفوظًا، ولم يعرف هذا عن حذيفة عن النبي ﷺ، وقال البيهقي: هذا الحديث يروى مرفوعًا بأسانيد ضعيفة، وهو صحيح من قول مطرف بن عبد الله بن الشخير.
[ ١ / ٤٣٧ ]
بأرضِكم، ولكنه رَضِيَ أن يُطَاعَ فيما سوى ذلك ممّا تَحاقَرُونَ من أعمالكم، فاحذَرُوا يا أيها الناس.
إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به فلن تَضِلُّوا أبدًا: كتابَ الله، وسنةَ نبيِّه ﷺ.
إنَّ كلَّ مسلمٍ أخٌ مسلمٌ (^١)، المسلمون إخوةٌ، ولا يحِلُّ لامرئٍ من مالِ أخيه إلّا ما أعطاه عن طِيبِ نفس.
ولا تَظلِموا ولا تَرجِعوا من بعدي كفارًا يَضرِبُ بعضُكم رِقابَ بعض (^٢).
_________________
(١) هكذا في النسخ الخطية، وفي "تلخيص الذهبي" والمطبوع: أخ المسلم، وعند البيهقي في كتبه من طريق الحاكم: أخو المسلم.
(٢) إسناده حسن، إسماعيل بن أبي أويس وأبوه - وهو عبد الله بن عبد الله بن أُويس - حديثهما حسن في المتابعات والشواهد، وهذا منها، فلحديثهما هذا شواهد إلّا في قوله: "وسنة نبيه" ففيه وهمٌ، والوجه في هذا الحرف ما رواه جابر بن عبد الله في هذه الخطبة كما في "صحيح مسلم" برقم (١٢١٨)، فإنَّ فيه: "وقد تركتُ فيكم ما لن تضلُّوا بعده إن اعتصمتم به؛ كتابَ الله، وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون"، فهذا هو وجه الحديث، فلعلَّ الراوي في حديث ابن عباس وهمَ في قوله: "وأنتم تُسألون عني .. إلخ" فجعله "وسنة نبيه"، والله تعالى أعلم. والحديث أخرجه البيهقي في "السنن" ٦/ ٩٦ و١٠/ ١١٤، و"الدلائل" ٥/ ٤٤٩، و"الاعتقاد" ص ٢٢٨ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٧٧٠) عن العباس بن الفضل الأسفاطي، به - مختصرًا بالقسم الثاني منه. وأخرجه محمد بن نصر المروزي في "السنة" (٦٨)، والآجري في "الشريعة" (١٧٠٥)، وابن المنذر في "الأوسط" (٨١٩٣) و(٩٦٧٥) من طرق عن إسماعيل بن أبي أويس، به. ولأوله شاهد من حديث جابر عند مسلم (٢٨١٢) وغيره. وآخر عن أبي هريرة عند أحمد ١٤/ (٨٨١٠)، وانظر تتمة شواهده فيه. وللقسم الثاني منه شاهد من حديث جابر عند مسلم (١٢١٨)، لكن بلفظ مغاير كما ذكرنا في أول تعليقنا على الحديث. وروى مالك في "الموطأ" ٢/ ٨٩٩ أنه بلغه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه"، وهذا لا يصح لما فيه من إبهام الواسطة بين مالك والنبي ﷺ. =
[ ١ / ٤٣٨ ]
وقد احتجَّ البخاري بأحاديث عِكْرمة، واحتجَّ مسلم بأبي أُويس عبد الله بن أُويس، وسائرُ رواته متَّفَق عليهم، وهذا الحديث لخُطْبة النبي ﷺ متفقٌ على إخراجه في "الصحيح" (^١): "يا أيها الناس، إني قد تركتُ فيكم ما لن تَضِلُّوا بعده إن اعتصمتُم به: كتابَ الله، وأنتم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟.
وذِكرُ الاعتصام بالسُّنّة في هذه الخطبة غريب، ويُحتَاج إليها. وقد وجدتُ له شاهدًا من حديث أبي هريرة:
٣٢٣ - أخبرني أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا محمد بن عيسى بن السَّكَن الواسطي، حدثنا داود بن عمرو الضَّبِّي، حدثنا صالح بن موسى الطَّلْحي، عن عبد العزيز بن رُفَيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إني قد تركتُ فيكم شيئينِ لن تَضِلُّوا بعدَهما: كتابَ الله وسُنَّتي، ولن يَتفرَّقا حتى يَرِدَا عليَّ الحوضَ" (^٢).
_________________
(١) = قال الحافظ ابن حجر في "إتحاف المهرة" (١٦٠٢٤): وأسنده ابن عبد البر من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، مثله سواء، فالظاهر أنَّ مالكًا أخذه عنه. قلنا: هو عند ابن عبد البر في "التمهيد" ٢٤/ ٣٣١، وكثير بن عبد الله ضعيف عند الأكثرين. وانظر حديث أبي هريرة التالي. وللثالث شاهد من حديث عمرو بن يَثرِبي عند أحمد ٢٤/ (١٥٤٨٨). وآخر عن أبي حميد الساعدي عند أحمد ٣٩/ (٢٣٦٠٥)، وابن حبان (٥٩٧٨). وأما "المسلم أخو المسلم" فمشهور في عدة أحاديث. وللرابع شاهد من حديث جرير البجلي عند البخاري (١٢١)، ومسلم (٦٥). وآخر من حديث ابن عمر عند البخاري أيضًا (٦١٦٦)، ومسلم (٦٦). وثالث من حديث حُجْر بن عدي سيأتي عند المصنف برقم (٦٠٩٥).
(٢) هو فقط عند مسلم برقم (١٢١٨)، ولم يُخرجه البخاري.
(٣) إسناده واهٍ، صالح بن موسى الطَّلحي متروك منكر الحديث. أبو صالح: هو ذكوان السَّمّان. وأخرجه البزار (٨٩٩٣)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (٦٣٢)، وابن عدي في "الكامل" ٤/ ٦٩، والدارقطني في "السنن" (٤٦٠٦)، واللالكائي في "أصول الاعتقاد" (٨٩)، والخطيب =
[ ١ / ٤٣٩ ]
٣٢٤ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إسحاق بن الخُراساني العَدْل ببغداد، حدثنا يحيى بن جعفر بن الزِّبْرقان، حدثنا أبو داود سليمان بن داود، حدثنا حمَّاد بن سَلَمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: كان أخَوانِ على عهد النبي ﷺ، فكان أحدهما يأتي النبيَّ ﷺ والآخر يَحتَرِفُ، فشَكَا المحتَرِفُ أخاه إلى النبي ﷺ، فقال: "لعلَّكَ تُرزَقُ به" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم ورواته عن آخرهم أثبات ثِقات، ولم يُخرجاه.
٣٢٥ - أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حاتم الدارَبردي بمَرْو، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي، حدثنا أبو مَعمَر، حدثنا عبد الوارث، عن الحسين، عن ابن بُرَيدة: أنَّ معاوية خرج من حمَّام حِمْص، فقال لغلامه: ائتِني بسِبْتِيَّتَيَّ (^٢)، فلَبِسَهما، ثم دخل مسجدَ حِمصَ فركع ركعتين، فلما فَرَغَ إذا هو بناسٍ جلوسٍ، فقال
_________________
(١) = البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (٢٧٥)، وابن عبد البر في "التمهيد" ٢٤/ ٣٣١ من طرق عن داود بن عمرو الضبي، بهذا الإسناد. وأخرجه العقيلي في "الضعفاء" ٢/ ٢٥٠، وابن شاهين في "الترغيب" (٥٢٨)، و"شرح مذاهب أهل السنة" (٤٤)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ١٠/ ١١٤، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (٢٧٤)، و"الجامع لأخلاق الراوي والسامع" (٨٨) من طريقين عن صالح بن موسى الطلحي، به.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل ابن الخراساني شيخ المصنف، فقد روى عنه الدارقطني وغيره، وقال الدارقطني: فيه لين، كما في "سؤالات السهمي له" (٣٤٩)، وقال الذهبي في "الميزان": صدوق. قلنا: وهو متابع. أخرجه الترمذي (٢٣٤٥) عن محمد بن بشار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، بهذا الإسناد. وقال الترمذي - كما في بعض النسخ -: حديث حسن صحيح.
(٣) تحرَّف في المطبوع إلى: ائتني لبستي. والسِّبْتية: هي النعل المتخَذَة من جلود البقر المدبوغة بالقَرَظ، سمِّيت بذلك لأنَّ شعرها قد سُبِتَ عنها، أي: حُلِقَ وأُزيل، وقيل: لأنها انسبتت بالدِّباغ، أي: لانَتْ. قاله ابن الأثير في "النهاية".
[ ١ / ٤٤٠ ]
لهم: ما يُجلِسُكم؟ قالوا: صلَّينا صلاة المكتوبة، ثمَّ قصَّ القاصُّ، فلما فرغ قعدنا نتذاكرُ سُنَّةَ رسول الله ﷺ، فقال معاوية: ما من رجل أدرَكَ النبيَّ ﷺ أقلَّ حديثًا عنه مني، إني سأحدِّثكم بخَصْلتين حَفِظتُهما من رسول الله ﷺ: "ما من رجلٍ يكون على الناسِ فيقومُ على رأسِه الرجالُ، يحبُّ أن تَكثُرَ الخصومُ عنده، فَيَدخُلَ الجنة".
قال: وكنت مع النبي ﷺ يومًا فدخل المسجد، فإذا هو بقومٍ في المسجد قعودٌ، فقال النبي ﷺ: "ما يُقعِدُكم؟ " قالوا: صلَّينا الصلاةَ المكتوبة، ثم قَعَدْنا نتذاكرُ كتابَ الله وسنَّةَ نبيِّه ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "إنَّ الله إذا ذَكَرَ شيئًا تَعاظَمَ ذِكرُه" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وقد سمع عبدُ الله بن بُرَيدة الأسلمي من معاوية غيرَ حديث.
_________________
(١) إسناده قوي. أبو معمر: هو عبد الله بن عمرو المُقعَد، وعبد الوارث: هو ابن سعيد، والحسين: هو ابن ذكوان المعلِّم، وابن بريدة: هو عبد الله. وأخرجه البيهقي في "المدخل إلى السنن" (٤١٨)، وأبو منصور بن الديلمي في "مسند الفردوس" - كما في "الغرائب الملتقطة" للحافظ ابن حجر (٤١٨) - من طريق أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد - وهو عند ابن الديلمي مختصر جدًّا اقتصر فيه على قوله: "إنَّ الله إذا ذكر شيئًا تعاظم ذِكرُه"، وهو عند البيهقي دون الشطر الثاني. تنبيه: أخطأ الشيخ الألباني ﵀ حيث ذكر هذا الحديث في "السلسلة الضعيفة" (٣٠٤٦)، وذكر أنَّ الحسين الراوي عن ابن بريدة هنا هو الحسين بن واقد وفي حفظه ضعف يسير، وهذا وهمٌ، فإنَّ الحسين هذا هو ابن ذكوان المعلِّم الثقة، وقد جاء منسوبًا في رواية ابن الدَّيلمي، ثم إنَّ عبد الوارث بن سعيد لا تعرف له رواية عن حسين بن واقد، أما روايته عن حسين المعلم فمشهورة في كتب السنة. ثم إنه ﵀ أعلَّه بشيخ الحاكم أبي بكر الدرابردي، حيث لم يجد له ترجمة، وقد ذكره تلميذُه الحاكم في "سؤالات السجزي له" (٣٢٠) باسم أبي بكر بن أبي نصر - وهو نفسه - فقال: رحلتُ إلى مرو وأول ما دخلتها سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة وليس بها من يُقدَّم عليه في الصدق والعدالة، وكان من مزكِّيها.
[ ١ / ٤٤١ ]
حدثنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظُ إملاءً في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين (^١) وثلاث مئة:
٣٢٦ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا هارون بن سليمان الأصبهاني، حدثنا عبد الرحمن بن مَهدِي، عن شُعْبة، عن علي بن الحَكَم، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد قال: كان أصحابُ النبي ﷺ إذا جلسوا كان حديثُهم - يعني - الفقهَ، إلّا أن يَقرأَ رجلٌ سورةً أو يأمرَ رجلًا يقرأُ سورة (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
وله شاهدٌ موقوف عن أبي سعيد:
٣٢٧ - حدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد قال: تَذاكَروا الحديثَ، فإنَّ مُذاكَرةَ الحديث تَهِيجُ الحديثَ (^٣).
_________________
(١) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: سبعين، والسابق واللاحق من تاريخ الإملاء إنما هو بتقديم التاء على السين.
(٢) إسناده صحيح. أبو نضرة: هو المنذر بن مالك بن قِطعة. وأخرجه البيهقي في "المدخل" (٤١٩) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه بنحوه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (٩٤٨)، و"الجامع لأخلاق الراوي والسامع" (١٢٠٧) من طريق عفان، عن شعبة، به - إلّا أنه جعله من قول أبي نضرة.
(٣) أثر صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل أحمد بن عبد الجبار. أبو معاوية: هو محمد بن خازم الضرير، والأعمش: هو سليمان بن مهران، وأبو نضرة: هو المنذر بن مالك بن قِطْعة. وأخرجه الدارمي (٦٢٠) عن أبي معمر، عن أبي معاوية، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٧٣٣، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٧٢٣)، والمصنف في "معرفة علوم الحديث" ص ١٤٠، والبيهقي في "المدخل إلى السنن" (٤٢٢)، والخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي والسامع" (١٨١٩)، وابن عبد البر في "بيان العلم وفضله" (٦٢٦) و(٧٠٦) من طرق عن الأعمش، به. =
[ ١ / ٤٤٢ ]
وقد رُوِيَ في الحثِّ على مُطالَبة (^١) الحديث عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، بأحاديثَ صحيحةٍ على شرط الشيخين.
أما حديث علي:
٣٢٨ - فأخبرَناه أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا سعيد بن مسعود، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا كَهمَس، عن عبد الله بن بُرَيدة قال: قال علي: تَذاكَرُوا الحديثَ، فإنكم إلَّا تفعلوا يَندَرِسْ (^٢).
وأما حديث عبد الله بن مسعود:
٣٢٩ - فحدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن علي بن عفَّان، حدثنا أبو يحيى الحِمَّاني، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قال عبد الله: تَذاكَروا الحديثَ، فإنَّ ذِكرَ الحديث حياتُه (^٣).
_________________
(١) = وأخرجه أحمد في "العلل ومعرفة الرجال" (٢٠)، والدارمي (٦١٨) و(٦١٩) من طريقين عن جعفر بن إياس، به. وأخرجه الدارمي (٦١٧)، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (٤٩ - بغية الباحث)، والرامهرمزي (٧٢٢)، والطبراني في "الأوسط" (٢٤٧٧)، والبيهقي (٧٢٥) من طريقين عن أبي نضرة، به. وسيأتي برقم (٦٥٣٢).
(٢) هكذا في (ز) و(ص)، وفي (ب) والمطبوع: على مذاكرة.
(٣) إسناده صحيح. كهمس: هو ابن الحسن. وأخرجه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٧٢١) من طريق زيد بن سعد الواسطي، عن يزيد بن هارون، بهذا الإسناد - وقرن بيزيد أبا عاصم النبيل. وأخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٧٣٣، والدارمي (٦٥٠)، والمصنف في "معرفة علوم الحديث" ص ٦٠ و١٤١، والخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (٤٦٦)، و"شرف أصول الحديث" (٢٠٢) و(٢٠٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٥/ ٣٤٤ من طرق عن كهمس بن الحسن، به. قوله: "يندرس" أي: يذهب وتختفي آثاره.
(٤) أثر صحيح لكن من قول علقمة، أخطأ الحاكم في إسناده إلى عبد الله بن مسعود فيما قال البيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (٤٢٣ - ٤٢٤)، وقد خالف الحاكمَ عنده أبو زكريا =
[ ١ / ٤٤٣ ]
٣٣٠ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله السَّعْدي، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء بن عازب قال: ما كلُّ الحديث سمعناه من رسول الله ﷺ، كان يحدِّثنا أصحابُنا، وكنا مُشتغِلين في رعاية الإبل (^١).
هذا حديث له طرق عن أبي إسحاق السَّبيعي، وهو صحيح على شرط الشيخين، وليس له علَّة، ولم يُخرجاه.
٣٣١ - أخبرنا أبو العباس عبد الله بن الحسين القاضي بمَرْو، حدثنا الحارث بن أبي أُسامة، حدثنا إسحاق بن عيسى بن الطَّبّاع، حدثنا فُضَيل بن عِيَاض، عن الأعمش،
_________________
(١) = المزكّي وأبو سعيد بن أبي عمرو فوقفاه على علقمة. وأخرجه أبو خيثمة زهير بن حرب في "العلم" (٧١)، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٤١/ ١٨٤ عن أبي يحيى الحماني - وهو عبد الحميد بن عبد الرحمن - بهذا الإسناد. فوقفه على علقمة. وتابعه أحمد بن حرب عند الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٧٢٥)، والعباس بن محمد الدُّوري عند الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" (٢١٢)، وابن عساكر ٤١/ ١٨٥، كلاهما عن أبي يحيى الحماني، به. وتابع أبا يحيى الحِمّاني على وقفه على علقمة: سفيانُ الثوري عند الدارمي (٦٢٧)، وأبي نعيم في "الحلية" ٢/ ١٠١، والخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي والسامع" (١٨٢١)، فرواه عن الأعمش عن إبراهيم - وهو ابن يزيد النَّخعي - عن علقمة بن قيس النخعي. وخالفهم أبو إسرائيل إسماعيل بن خليفة فرواه عن عطاء بن السائب، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود من قوله. أخرجه أحمد في "العلل ومعرفة الرجال" (٢٦٧٥)، والدارمي (٦٤٣)، والرامهرمزي (٧٢٦)، وأدخل الدارمي في روايته بين عطاء وأبي الأحوص السائبَ والد عطاء، وأبو إسرائيل فيه ضعف.
(٢) صحيح، وهذا إسناد قوي من أجل معاوية بن هشام القصّار. سفيان: هو الثوري، وأبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السَّبيعي. وأخرجه أحمد ٣٠/ (١٨٤٩٣) عن معاوية بن هشام، بهذا الإسناد. وأخرجه أيضًا (١٨٤٩٨) عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان، به. وسيأتي بنحوه برقم (٤٤٣).
[ ١ / ٤٤٤ ]
عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ: "تَسمَعُون ويُسمَعُ منكم، ويُسمَعُ من الذين يَسمَعُون منكم" (^١).
تابعه جَرير بن عبد الحميد عن الأعمش:
٣٣٢ - حدَّثَناه جعفر بن محمد بن نُصَير الخُلْدي، حدثنا موسى بن هارون.
وحدثني محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا محمد بن نُعَيم؛ قالا: حدثنا قُتيبة بن سعيد، حدثنا جَرِير، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "تَسمَعُون ويُسمَعُ منكم، ويُسمَعُ ممَّن يَسمَعُ منكم" (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وليس له عِلَّةٌ، ولم يُخرجاه.
وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن مسعود وثابت بن قيس بن شَمَّاس عن رسول الله ﷺ، وفي حديث ثابت بن قيس ذِكرُ الطبقة الثالثة أيضًا (^٣).
_________________
(١) إسناده صحيح. عبد الله بن عبد الله: هو أبو جعفر الرازي قاضي الرّي. وأخرجه أحمد ٥/ (٢٩٤٥)، وابن حبان (٦٢) من طريقين عن الأعمش، بهذ الإسناد. وانظر ما بعده. قوله: "تسمعون ويُسمَع منكم" هو خبر يعني به الأمر، أي: لتسمعوا مني الحديثَ وتبلغوه عني، وليسمعه مَن بعدي منكم، وهكذا، أداءً للأمانة وإبلاغًا للرسالة.
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه أبو داود (٣٦٥٩) من طريقين عن جرير بن عبد الحميد، بهذا الإسناد. وانظر ما قبله.
(٣) كذا قال، والصواب: الطبقة الرابعة، إلّا أن يكون أراد الثالثة بعد طبقة الصحابة، وهذه الرواية وقعت عنده في "معرفة علوم الحديث" ص ٦٠، ونصَّ هناك أنَّ في هذا الحديث أربع طبقات. وإسناد الحديث فيه لِين. وقد أخرجه أيضًا من حديث ثابت بن قيس - لكن دون ذكر الطبقة الرابعة - بالإسناد نفسه: البزار (١٤٦ - كشف الأستار)، والروياني في "مسنده" (١٠٠٥)، والطبراني في "الكبير" (١٣٢١)، و"الأوسط" (٥٦٦٨)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٩١)، وابن عبد البر في "بيان العلم وفضله" (١٩٣١). أما حديث ابن مسعود، فلم نقف عليه.
[ ١ / ٤٤٥ ]
٣٣٣ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدُّورِي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا ثَوْر بن يزيد، حدثنا خالد بن مَعْدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي، عن العِرْباض بن سارِيَة قال: صلَّى لنا رسول الله ﷺ صلاةَ الصبح، ثم أقبلَ علينا فوَعَظَنا مَوعِظةً وَجِلَت منها القلوب، وذَرَفَت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظةُ مُودِّعٍ، فأَوصِنا، قال: "أُوصِيكُم بتقوى الله والسمعِ والطاعةِ وإنْ أُمّرَ عليكم عبدٌ (^١)، فإنه من يَعِشْ منكم فسيَرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدين المهديِّين، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذ، وإياكم ومُحدَثاتِ الأمور، فإنَّ كلَّ بِدْعةٍ ضلالةٌ" (^٢).
هذا حديث صحيح ليس له علَّة، وقد احتَجَّ البخاريُّ بعبد الرحمن بن عمرو وثَوْر بن يزيد، وروى هذا الحديث في أول كتاب الاعتصام بالسُّنة (^٣)، والذي عندي أنهما رحمهما الله توهما أنه ليس له راوٍ عن خالد بن مَعْدانَ غير ثور بن يزيد، وقد رواه محمد بن إبراهيم بن الحارث المخرَّج حديثُه في "الصحيحين" عن خالد بن مَعْدان:
٣٣٤ - حدَّثَناه أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن أيوب، حدثنا أبو حاتم محمد
_________________
(١) هكذا في النسخ الخطية، وفي المطبوع: عبد حبشي.
(٢) حديث صحيح بطرقه التي ذكرها المصنف، وهذا إسناد حسن من أجل عبد الرحمن بن عمرو السلمي، فقد روى عنه جمع وذكره ابن حبان في "الثقات". أبو عاصم: هو الضحاك بن مَخلَد النبيل. وأخرجه أحمد ٢٨/ (١٧١٤٤)، والترمذي بإثر (٢٦٧٦) من طريق أبي عاصم، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه (٤٤) من طريق عبد الملك بن الصبّاح المِسمعي، عن ثور بن يزيد، به. وأخرجه الترمذي (٢٦٧٦) من طريق بَحِير بن سعد، عن خالد بن معدان، به. والنواجذ: الأضراس.
(٣) إن كان المصنف أراد بهذا الكلام أنَّ البخاري روى حديث العرباض هذا في كتاب الاعتصام من "صحيحه"، فهو ذهولٌ منه ﵀، فإنَّ الحديث ليس في شيء من "صحيحه".
[ ١ / ٤٤٦ ]
ابن إدريس الحَنظَلي، حدثنا عبد الله بن يوسف التِّنِّيسي، حدثنا الليث، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد بن مَعْدانَ، عن عبد الرحمن بن عمرو، عن العِرْباض بن ساريةَ، من بني سُلَيم من أهل الصُّفّة، قال: خَرَجَ علينا رسولُ الله ﷺ يومًا فقام فوَعَظَ الناس، ورغَّبهم وحذَّرهم، وقال ما شاء اللهُ أن يقول، ثم قال: "اعبُدوا اللهَ ولا تُشركوا به شيئًا، وأَطِيعوا مَن وَلَّاه اللهُ أمرَكم، ولا تُنازِعُوا الأمرَ أهلَه ولو كان عبدًا أسودَ، وعليكم بما تَعرِفون من سُنَّة نبيِّكم والخُلفاءِ الراشدين المهديِّين، وعَضُّوا على نَواجِذِكم بالحق" (^١).
هذا إسناد صحيح على شرطهما جميعًا، ولا أعرفُ له علَّةً.
وقد تابع ضَمْرةُ بنُ حبيب خالدَ بنَ مَعْدانَ على رواية هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي:
٣٣٥ - حدَّثَناه أبو الحسن أحمد بن محمد العَنَزي، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن المؤمَّل، حدثنا الفضل بن محمد؛ قالا: حدثنا أبو صالح، عن معاوية بن صالح.
وأخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حَنبَل، حدثني أَبي، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن مَهدِي - عن معاوية بن صالح، عن ضَمْرة بن حَبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي، أنه سمع العِرباضَ بن ساريةَ قال: وَعَظَنا
_________________
(١) حديث صحيح. وإسناده حسن كسابقه. وقد خالف يزيدَ بن الهاد يحيى بنُ أبي كثير عند أحمد ٢٨/ (١٧١٤٧) فرواه عن خالد بن معدان عن عبد الله بن أبي بلال عن العرباض بن سارية. وابن أبي بلال هذا مجهول تفرَّد بالرواية عنه محمد بن إبراهيم. وتابعه على هذه الرواية بَحير بن سعد في إحدى الروايتين عنه عند أحمد أيضًا (١٧١٤٦) فقال: عن خالد بن معدان عن ابن أبي بلال عن العرباض.
[ ١ / ٤٤٧ ]
رسولُ الله ﷺ مَوعِظةً ذَرَفَت منها العيون، ووَجِلَت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، إنَّ هذا لموعظةُ مودِّع، فماذا تَعهَدُ إلينا، قال: "قد تَركتُكم على البيضاءِ ليلِها كنهارِها، لا يَزيغُ عنها بعدي إلّا هالك، ومَن يَعِشْ منكم فسَيَرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتُم من سُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ المهديِّين الراشدين من بعدي، وعليكم بالطاعة وإنْ عبدًا حبشيًّا، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذ" (^١).
فكان أسدُ بن وَدَاعةَ يزيد في هذا الحديث: "فإنَّ المؤمن كالجَمَل الأَنِفِ، حيثما قِيدَ انقاد" (^٢).
وقد تابع عبدَ الرحمن بنَ عمرو على روايته عن العِرْباض بن ساريةَ ثلاثةٌ من الثّقات الأثبات من أئمة أهل الشام، منهم حُجْر بن حُجر الكَلَاعي:
٣٣٦ - حدَّثَناه أبو زكريا يحيى بن محمد العَنبَري، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العَبْدي، حدثنا موسى بن أيوب النَّصِيبي وصفوان بن صالح الدِّمشقي قالا: حدثنا الوليد بن مسلم الدمشقي، حدثنا ثَوْر بن يزيد، حدثني خالد بن مَعْدان، حدثني عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي وحُجْر بن حُجْر الكَلَاعي قالا: أتينا العِرباضَ بن ساريةَ، وهو ممَّن نَزَلَ فيه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢]، فسلَّمْنا وقلنا: أتيناك زائرينَ ومُقتبسِين، فقال العرباضُ: صلَّى بنا رسول الله ﷺ الصبحَ ذات يومٍ، ثم أقبَلَ علينا فوعَظَنا موعظةً بليغةً، ذَرَفَت منها
_________________
(١) حديث صحيح، وإسناده حسن كسابقه. أبو صالح: هو عبد الله بن صالح كاتب الليث. والحديث في "مسند أحمد" ٢٨/ (١٧١٤٢). وأخرجه ابن ماجه (٤٣) من طريقين عن عبد الرحمن بن مهدي، بهذا الإسناد.
(٢) لم نقف على رواية أسد بن وداعة هذه، لكن الزيادة المذكورة وقعت أيضًا في حديث عبد الرحمن بن مهدي عند أحمد وابن ماجه. والأَنِف: هو مجروح الأنف، وهو لا يمتنع على قائده للوجع الذي به. والمعنى: أنَّ المؤمن من شأنه الطاعة في كل شيء.
[ ١ / ٤٤٨ ]
العيون، ووَجِلَت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظةُ مُودِّع، فما تَعهَدُ إلينا، فقال: "أُوصِيكُم بتقوى الله والسَّمع والطاعة، وإنْ عبدًا حَبَشيًّا، فإنه مَن يَعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخُلفاء الراشدين المَهديِّين، فتمسَّكُوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذ، وإيَّاكم ومُحدَثاتِ الأُمور، فإنَّ كل محدَثةٍ بدعةً، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ" (^١).
ومنهم يحيى بن أبي المُطاع القرشي:
٣٣٧ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد التِّنِّيسي، حدثنا عمرو بن أبي سَلَمة التِّنِّيسي، أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زَبْر، عن يحيى بن أبي المُطاع قال: سمعتُ العِرباضَ بن ساريةَ السُّلَمي يقول: قامَ فينا رسول الله ﷺ ذاتَ غَدَاةٍ فوَعَظَنا موعظةً وَجِلَت منها القلوب، وذَرَفَت منها الأعيُن، قال: فقلنا: يا رسول الله، قد وَعَظْتَنا موعظةَ مودِّع، فاعهَدْ إلينا، قال: "عليكم بتَقوَى الله"، أظنه قال: "والسَّمعِ والطاعة، وسيَرى مَن بعدي اختلافًا شديدًا - أو كثيرًا - فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاءِ المهديِّين، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذ، وإيَّاكم والمُحدَثاتِ، فإنَّ كلَّ بِدْعةٍ ضلالةٌ" (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد جيد، لمتابعة اثنين من التابعين بعضهما بعضًا، وحُجْر الكلاعي وإن كان مجهولًا لتفرد خالد بن معدان بالرواية عنه، إلّا أنه في رتبة من يصلح للاعتبار في المتابعات والشواهد، وعبد الرحمن سلف الكلام عليه. وأخرجه أحمد ٢٨/ (١٧١٤٥)، وعنه أبو داود (٤٦٠٧)، وأخرجه ابن حبان (٥) من طريق علي بن المديني، كلاهما (أحمد وابن المديني) عن الوليد بن مسلم، بهذا الإسناد.
(٢) حديث صحيح بما قبله، وهذا إسناد ضعيف لضعف أحمد بن عيسى التنيسي، لكن الحديث روي من غير طريق عن عبد الله بن العلاء بن زبر، فقد أخرجه ابن ماجه (٤٢) عن عبد الله بن أحمد بن بشير الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء به، والإسناد من هذا الوجه جيد إن صحَّ سماع يحيى بن أبي المطاع من العرباض بن سارية، فقد تُكلِّم فيه كما هو مبيَّن في تعليقنا على "سنن ابن ماجه".
[ ١ / ٤٤٩ ]
ومنهم مَعبَد بن عبد الله بن هشام القُرشي (^١)، وليس الطريق إليه من شرط هذا الكتاب، فتركتُه.
وقد استقصَيتُ في تصحيح هذا الحديث بعضَ الاستقصاءِ على ما أدَّى إليه اجتهادي، وكنت فيه، كما قال إمامُ أئمة الحديث شُعْبةُ في حديث عبد الله بن عطاء عن عُقْبة بن عامر لمّا طلبه بالبصرة والكوفة والمدينة ومكة، ثم عاد الحديثُ إلى شَهْر بن حَوشَب فتركه، ثم قال شعبةُ: لَأن يَصِحَّ لي مثلُ هذا عن رسول الله ﷺ، كان أحبَّ إلي من والدي ووَلَدي والناس أجمعين.
وقد صحَّ هذا الحديثُ. والحمد لله وصلَّى الله على محمدٍ وآله أجمعين.
٣٣٨ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني معاوية بن صالح.
وحدثنا أبو النَّضْر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه - واللفظ له - حدثنا عثمان بن سعيد الدارِمي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، أخبرني رَبيعة بن يزيد، عن أبي إدريسَ الخَوْلاني، عن يزيد بن عَمِيرة: أنَّ معاذ بن جبل لما حَضَرَتْه الوفاةُ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، أَوصِنا؟ قال: أجلِسوني، ثم قال: إنَّ العلم والإيمان مكانَهما، مَن التمَسَهما وَجَدَهما - قال ذلك ثلاثَ مرات - فالتمِسُوا العلمَ عند أربعةِ رَهْطٍ: عند عُوَيمِرٍ أبي الدَّرداء، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن سَلَام (^٢)، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنه عاشرُ عَشَرةٍ في الجنَّة" (^٣).
_________________
(١) لم نقف عليه مسندًا في شيء من المصادر التي بين أيدينا.
(٢) كذا في النسخ الخطية و"تلخيص المستدرك"، لم يذكر الرابع، وزاده في المطبوع بين سلمان الفارسي وعبد الله بن سلام بلفظ: "وعند عبد الله بن مسعود"، وهو الموافق لما في مصادر التخريج والمواضع الأخرى عند المصنف.
(٣) إسناده صحيح، وعبد الله بن صالح - على ما به من كلام - متابَع. أبو إدريس الخولاني: هو عائذ الله بن عبد الله. =
[ ١ / ٤٥٠ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ويزيد بن عَمِيرة السَّكْسَكي صاحب (^١) معاذ بن جبل.
وقد شَهِدَ مكحولٌ الدمشقي ليزيد بذلك، وهو مما يُستشهَد لمكحول عن يزيد متابعةً لأبي إدريس الخَوْلاني:
٣٣٩ - حدثناه أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا العباس بن الوليد بن مَزْيَد البَيروتي، حدثنا محمد بن شعيب بن شابُور، حدثني النُّعمان بن المنذر، عن مكحول قال: وَجِعَ معاذُ بن جبل يومًا وعنده يزيد بن عَمِيرة الزُّبيدي، فبكى عليه يزيدُ، فقال له معاذ: ما يُبكِيكَ؟ قال: يُبكِيني ما كنتُ أسألُك كلَّ يومٍ، يَنقطِعُ عني، فقال معاذ: إنَّ العلم والإيمان بَشَاشَتان، قُمْ فالتمِسْهما، قال يزيد: وعندَ مَن أَلتمسُهما؟ فقال معاذ: عند أربعةِ نفرٍ عند عُويمِر أبي الدرداء، وعند عبد الله بن مسعود، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن سَلَام، فإنه كان يقال: "إنه عاشرُ عَشَرةٍ في الجنة"، قال يزيد: فقلت: وعند عمر بن الخَطَّاب؟ فقال: لا تَسألْه عن شيء، فإنه عنك مشغول (^٢).
وقد روى الزُّهْريُّ عن أبي إدريسَ طَرَفًا من هذا الحديث:
٣٤٠ - حدَّثَناه علي بن حمشاذَ العَدْل، حدثنا عُبيد بن شَريك، حدثنا نُعيم بن حمَّاد، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن عَجْلان، حدثني ابن شِهاب، عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن معاذ بن جبل قال: العلمُ والإيمانُ مكانَهما، مَن ابتغاهما وَجَدَهما (^٣).
_________________
(١) = وأخرجه ابن حبان (٧١٦٥) من طريق حرملة بن يحيى، عن عبد الله بن وهب، بهذا الإسناد. وسيأتي بالأرقام (٣٣٥) و(٣٣٦) و(٥٢٤٩) و(٥٨٢٧) و(٨٥٠٦)، وانظر (٨٣٦٥).
(٢) في النسخ الخطية: السكسكيان صاحبا! ويزيد هذا لم يرو له الشيخان شيئًا.
(٣) صحيح بما قبله، وهذا إسناد منقطع، مكحول لم يدرك معاذ بن جبل يقينًا، ويغلب على ظننا أنه لم يدرك يزيد بن عميرة أيضًا فهو تابعي كبير مخضرم.
(٤) صحيح بما قبله، أبو إدريس الخولاني إنما سمع هذا من يزيد بن عميرة عن معاذ كما سلف برقم (٣٣٨). ابن عجلان: هو محمد.
[ ١ / ٤٥١ ]
٣٤١ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، حدثنا عُبيد بن شَرِيكَ البزَّار، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَير، حدثني الليث بن سعد، عن إبراهيم بن أبي عَبْلة، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن جُبير بن نُفَير، أنه قال: حدثني عوفُ بن مالك الأشجعي: أنَّ رسول الله ﷺ نَظَرَ إلى السماء يومًا فقال: "هذا أوانُ أن يُرفَعَ العِلمُ"، فقال له رجل من الأنصار - يقال له: ابن لَبِيد -: يا رسول الله، كيف يُرفَعُ العلمُ وقد أُثبِتَ في الكتب، ووَعَتْه القلوب؟ فقال رسول الله ﷺ: "إن كنتُ لأحسَبُك من أفقَهِ أهل المدينة"، ثم ذكر ضلالةَ اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله.
قال: فلَقِيتُ شَدَّادَ بن أَوْس فحدَّثتُه بحديث عوف بن مالك، فقال: صَدَقَ عوفٌ، ألا أُخبرُك بأوَّل ذلك يُرفَع؟ قلت: بلى، قال: الخشوعُ، حتى لا تَرى خاشعًا (^١).
هذا حديث صحيح، وقد احتَجَّ الشيخان بجميع رُواتِه (^٢)، والشاهد لذلك فيه شدَّاد بن أَوْس، فقد سمع جبيرُ بنُ نُفير الحديثَ منهما جميعًا، ومن ثالثٍ من الصحابة وهو أبو الدَّرداء:
٣٤٢ - حدَّثَناه أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل القارئ وأبو الحسن أحمد بن محمد العَنَزي، قالا: حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه جُبير، عن أبي الدَّرداء قال: كنا مع رسول الله ﷺ فشَخَصَ ببصرِه إلى السماء، ثم قال: "هذا أوانُ يُختَلَسُ العلمُ من الناس، حتى لا يَقدِرُوا منه على شيءٍ"، قال: فقال زياد بن لَبِيد
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي من أجل عبيد بن شريك - وهو عبيد بن عبد الواحد بن شريك - وقد توبع. وابن لبيد المذكور في الحديث: هو زياد بن لبيد الأنصاري كما سيأتي لاحقًا. وأخرجه النسائي (٥٨٧٨)، وابن حبان (٤٥٧٢) و(٦٧٢٠) من طريق عبد الله بن وهب، عن الليث بن سعد، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٣٩/ (٢٣٩٩٠) من طريق محمد بن حِمْير، عن إبراهيم بن أبي عبلة، به.
(٢) الوليد بن عبد الرحمن - وهو الجُرَشي - لم يرو له البخاري شيئًا في "صحيحه"، وإنما روى له خارجه في كتابه "خلق أفعال العباد".
[ ١ / ٤٥٢ ]
الأنصاري: يا رسول الله، وكيف يُختلَسُ منا وقد قرأْنا القرآن؟ فوالله لنَقرَأنَّه ولنُقرِئنَّه نساءَنا وأبناءَنا، فقال: "ثَكِلَتكَ أمُّك يا زياد، إني كنت لَأعدُّك من فقهاءِ أهل المدينة، هذا التوراةُ والإنجيلُ عند اليهود والنصارى، فماذا يُغْني عنهم؟! ".
قال جُبير: فَلِقيتُ عُبادةَ بن الصَّامت، فقلت له: ألا تَسمَعُ ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ وأخبرتُه بالذي قال، قال: صَدَقَ أبو الدرداء، إن شئتَ لأحدِّثُك بأول علم يُرفَعُ من الناس: الخشوعُ، يُوشِكُ أن تَدخُلَ مسجدَ الجماعة فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا (^١).
هذا إسناد صحيح من حديث المِصريِّين.
وفيه شاهدٌ رابع على صحة الحديث وهو عُبادة بن الصامت، ولعلَّ متوهمًا يتوهَّم أنَّ جبير بن نفير رواه مرةً عن عوف بن مالك الأشجعي، ومرةً عن أبي الدرداء، فيصيرُ به الحديث معلولًا، وليس كذلك، فإنَّ رواة الإسنادين جميعًا ثقات، وجُبير بن نُفير الحضرمي من أكابر تابعي الشام، فإذا صحَّ الحديث عنه بالإسنادين جميعًا، فقد ظَهَرَ أنه سمعه من الصحابيَّينِ جميعًا، والدليل الواضح على ما ذكرتُه أنَّ الحديث قد رُوِيَ بإسناد صحيح عن زياد بن لَبِيد الأنصاري الذي ذَكَرَ مراجعةَ رسول الله ﷺ في الحديثين:
٣٤٣ - أخبرني أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شُعْبة، عن عَمرو بن مُرَّة، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن ابن لَبِيد الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: "هذا أوانُ ذهابِ العِلْم" - قال شعبة: أو قال: "أوانُ انقطاع العِلْم" - قالوا: كَيفَهْ وفينا كتابُ الله نعلِّمُه
_________________
(١) المحفوظ ما قبله من حديث عوف بن مالك، عبد الله بن صالح - وهو كاتب الليث - في حفظه شيء، تقع له في رواياته أخطاء وأوهام، وهذا منها. وأخرجه الترمذي (٢٦٥٣) من عبد الله بن الرحمن - وهو الدارمي - عن عبد الله بن صالح، بهذا الإسناد. وقال: حديث حسن.
[ ١ / ٤٥٣ ]
أبناءَنا، ويعلِّمُه أبناؤُنا أبناءَهم؟ قال: "ثَكِلَتكَ أمُّك ابنَ لَبيدٍ، ما كنتُ أحسَبُك إلَّا من أعقلِ أهلِ المدينة، أليس اليهودُ والنصارى فيهم كتابُ الله التوراةُ والإنجيلُ لم يَنتفِعوا منه بشيءٍ" (^١).
قد ثَبَتَ الحديثُ بلا ريبٍ فيه برواية زياد بن لَبِيد بمثل هذا الإسناد الواضح.
٣٤٤ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني معاوية بن صالح، أخبرني عبد الوهاب بن بُخْت، عن زِرِّ بن حُبَيش، عن صفوان بن عَسَّال المُرادِي: أنه جاء يسأله عن شيء، فقال: ما أعمَلَكَ إليَّ إلّا ذلك؟ قال: ما أَعمَلتُ إليك إلّا لذلك، قال: فأَبشِرْ، فإنه ما من رجلٍ يخرُج في طلبِ العلم إلّا بَسَطَت له الملائكةُ أجنحتَها، رِضًى بما يفعلُ، حتى يَرجِعَ (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح بما قبله، وهذا إسناد رجاله ثقات، وسالم بن أبي الجعد قال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" ٣/ ٣٤٤: لا أُراه سمع من زياد، وجزم الحافظ ابن حجر في "الإصابة" بأنه لم يلقه. والحديث في "مسند أحمد" ٢٩/ (١٧٩٢٠). وسيأتي من طريق الأعمش برقمي (٦٦٤٣) و(٦٦٩٥/ ٣).
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد ٣٠/ (١٨٠٩٣)، وابن ماجه (٢٢٦)، وابن حبان (٨٥) و(١٣١٩) و(١٣٢٥) من طريق معمر، وأحمد (١٨٠٩٥)، والترمذي (٣٥٣٥)، وابن حبان (١١٠٠) و(١٣٢١) من طريق سفيان بن عيينة، وأحمد (١٨٠٩١) و(١٨٠٩٨) من طريق حماد بن سلمة، وأحمد (١٨١٠٠)، والترمذي (٣٥٣٦) من طريق حماد بن زيد، والنسائي (١٣١) و(١٤٥) من طريق شعبة، خمستهم عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، به - إلّا أنَّ معمرًا وحماد بن سلمة جعلا قوله في وضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وقال حماد بن زيد في حديثه عن صفوان: بلغني أنَّ الملائكة … إلخ. والظاهر أنَّ هذا مرفوع كما في روايتي معمر وحماد بن سلمة، فإنَّ مثله لا يقال من قِبَل الرأي. وفي الباب عن أبي الدرداء عند أحمد ٣٦/ (٢١٧١٥)، وأبي داود (٣٦٤١)، وابن ماجه (٢٢٣)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن حبان (٨٨)، وإسناده ضعيف.
[ ١ / ٤٥٤ ]
هذا إسناد صحيح، فإنَّ عبد الوهاب بن بُخْت من ثِقاتِ المصريِّين (^١) وأثباتهم ممَّن يُجمَع حديثُه، وقد احتجَّا به، ولم يُخرجا هذا الحديث، ومَدَارُ هذا الحديث على حديث عاصم بن بَهْدلَة عن زِرٍّ، وقد أعرضا عنه بالكُلِّيّة، وله عن زر بن حُبيش شهودٌ ثقاتٌ غيرُ عاصم بن بَهْدلة.
فمنهم المِنْهال بن عمرو، وقد اتَّفقا عليه:
٣٤٥ - أخبرنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا عارِمٌ، حدثنا الصَّعْق بن حَزْن، عن علي بن الحَكَم، عن المِنهال بن عمرو، عن زِرِّ بن حُبيش قال: جاء رجل من مُراد إلى رسول الله ﷺ يقال له: صفوان بن عسَّال، وهو في المسجد، فقال له رسول الله ﷺ: "ما جاء بك؟ " قال: ابتغاءُ العلم، قال: "فإنَّ الملائكة تَضَعُ أجنحتَها لطالب العلم رِضًى بما يَصنَعُ"، وذكر الحديث (^٢).
عارِمٌ هذا: هو أبو النُّعمان محمد بن الفضل البصري، حافظٌ ثقةٌ، اعتمَدَه البخاريُّ في جملة من الحديث رواها عنه في "الصحيح"، وقد خالفه شيبانُ بن فَرُّوخَ في هذا الحديث، فرواه عن الصَّعْق بن حَزْن:
٣٤٦ - أخبرَناه أحمد بن سلمان الفقيه، حدثنا إسماعيل بن إسحاق والحسن بن علي المَعْمَري ومحمد بن عبد الله بن سليمان، قالوا: حدثنا شَيْبانُ، حدثنا الصَّعْق بن حَزْن، حدثنا علي بن الحَكَم، عن المِنهال بن عمرو، عن زِرِّ بن حُبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: حدَّث صفوانُ بن عسَّال المُراديُّ قال: أتيتُ
_________________
(١) هكذا في النسخ الخطية، وفي المطبوع البصريين، وكلاهما وهمٌ، فإنَّ عبد الوهاب بن بخت شاميٌّ ثم سكن المدينة كما في مصادر ترجمته.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن. وأخرجه ابن عبد البر في "بيان العلم وفضله" (١٦٢) من طريق قاسم بن أصبغ، عن إسماعيل بن إسحاق القاضي، بهذا الإسناد. وانظر ما بعده.
[ ١ / ٤٥٥ ]
رسولَ الله ﷺ، فذكر الحديث (^١).
وقد أوقفَه أبو جَنَابٍ الكَلْبي عن طَلْحة بن مُصرّف عن زر بن حُبيش، وأبو جناب ممَّن لا يحتَجُّ بروايته في هذا الكتاب:
٣٤٧ - حدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن علي بن عفّان، حدثنا يحيى بن فَصِيل (^٢)، حدثنا الحسن بن صالح، حدثني أبو جَنَابٍ، حدثني طلحةُ بن مُصرِّف: أن زِرَّ بن حُبيش أتى صفوانَ بن عسّال فقال: ما غَدَا بك إليَّ؟ قال: غَدًا بيَ الْتماسُ العلم، قال: أما إنه ليس يَصنَعُ ما صنعت أحدٌ، إِلَّا وَضَعَت له الملائكةُ أجنحتَها رِضًى بما يَصنَع، وذكر باقي الحديث (^٣).
هذا مما لا يُوهِنُ هذا الحديث، فقد أسنَدَه جماعةٌ وأوقَفَه جماعة، والذي أسنده أحفظُ، والزِّيادة منهم مقبولة.
٣٤٨ - حدثنا جعفر بن محمد بن نُصَير إملاءً ببغداد، حدثنا القاسم بن محمد
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن، إلّا أنَّ المحفوظ فيه أنه من رواية زر بن حبيش عن صفوان بن عسال بلا واسطة. وأخرجه الطبراني (٧٣٤٧)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٣٨١٨)، والضياء في "المختارة" ٨/ (٣٤) و(٣٥) من طرق عن شيبان بن فروخ، بهذا الإسناد.
(٢) تصحف في (ع) والمطبوع إلى: فضيل. وقد ضبطه بالصاد المهملة المصنفُ في "سؤالات السجزي له" (٨٢)، والدارقطني في "المؤتلف والمختلف" ٤/ ١٨١٧، وغيرهما كالخطيب البغدادي في "تلخيص المتشابه في الرسم" ١/ ٢٤٦ وقال: بفتح الفاء وكسر الصاد المهملة. وانظر "تاريخ الإسلام" للذهبي ٥/ ٢٢٥.
(٣) صحيح بما قبله، وهذا إسناد ضعيف لضعف أبي جناب: وهو يحيى بن أبي حية الكلبي. وأما يحيى بن فصيل فقد روى عنه اثنان ثقتان على الأقل وذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٩/ ١٨١ فلم يأثر فيه جرحًا أو تعديلًا، وهو متابَع فيما يرويه، فهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى. وأخرجه ابن الأعرابي في "المعجم" (١٤٠٢)، والطبراني في "الكبير" (٧٣٤٩) - وعنه أبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٢٢ - من طريق الحسن بن علي بن عفان، بهذا الإسناد.
[ ١ / ٤٥٦ ]
ابن حمَّاد، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثني محمد بن ثَوْر، حدثنا ابن جُرَيج قال: جاء الأعمشُ إلى عطاءٍ فسأله عن حديثٍ فحدَّثه، فقلنا له: تحدِّثُ هذا وهو عراقيٌّ؟ قال: لأني سمعت أبا هريرة يحدِّث عن النبي ﷺ قال: "مَن سُئِلَ عن علمٍ فكَتَمَه، جِيءَ به يومَ القيامة وقد أُلجِمَ بلِجَامٍ من نار" (^١).
هذا حديث تداوَلَه الناسُ بأسانيدَ كثيرة تُجمَعُ ويُذاكَرُ بها، وهذا الإسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٣٤٩ - ذاكرتُ شيخَنا أبا علي الحافظ بهذا الباب، ثم سألته: هل يصحُّ شيءٌ من هذه الأسانيد عن عطاء؟ فقال: لا، قلت: لمَ؟ قال: لأنَّ عطاءً لم يسمعه من أبي هريرة؛ أخبرَناه محمد بن أحمد بن سعيد الواسطي، حدثنا أزهَرُ بن مروان، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، حدثنا علي بن الحَكَم، عن عطاء، عن رجل، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن سُئِلَ عن علمٍ فكَتَمَه، أَلْجَمَه اللهُ يومَ القيامة بلِجامٍ من نار" (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح بطرقه، وهذا إسناد ضعيف لضعف القاسم بن محمد بن حماد. عطاء: هو ابن أبي رباح. وأخرجه أحمد ١٣/ (٧٩٤٣) و١٦/ (١٠٤٨٧) و(١٠٥٩٧) من طريق حجاج بن أرطاة، عن عطاء، به. وأخرجه ابن ماجه (٢٦٦) من طريق ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. وانظر ما بعده. ويشهد له حديث عبد الله بن عمرو الآتي عند المصنف، وأحاديث أخرى مذكورة في التعليق على الحديث (٧٥٧١) "مسند أحمد".
(٢) حديث صحيح، وهذا الإسناد ضعيف بوجود الواسطة المبهمة بين عطاء وأبي هريرة، والجادَّة فيه إسقاط هذه الواسطة كما وقع عند حماد بن سلمة عن علي بن الحكم، وحماد أروى الناس عن علي بن الحكم فيما قاله أبو داود. أخرجه أحمد ١٣/ (٧٥٧١) و(٨٠٤٩) و١٤/ (٨٥٣٣) و(٨٦٣٨)، وأبو داود (٣٦٥٨)، وابن حبان (٩٥) من طرق عن حماد بن سلمة، عن علي بن الحكم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة. وهذا إسناد صحيح. =
[ ١ / ٤٥٧ ]
فقلت له: قد أخطأ فيه أزهرُ بن مروان أو شيخُكم ابن أحمد الواسطي، وغيرُ مُستبدَعٍ منهما الوهمُ:
٣٥٠ - فقد حدَّثنا بالحديث أبو بكر بن إسحاق وعلي بن حَمْشاذَ قالا: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن علي بن الحَكَم، عن رجل، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "مَن سُئِلَ عن علمٍ عنده فكَتَمَه، ألْجَمَه اللهُ بِلِجَامٍ من نارٍ يومَ القيامة".
فاستحسنه أبو عليٍّ واعترف لي به، ثم لمَّا جمعتُ البابَ وجدتُ جماعة ذكروا فيه سماعَ عطاء من أبي هريرة.
ووجدنا الحديث بإسناد صحيح لا غبارَ عليه عن عبد الله بن عمرو:
٣٥١ - حدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني عبد الله بن عيّاش، عن أبيه، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن كَتَمَ علمًا ألجَمَه اللهُ يومَ القيامة بلِجَامٍ من نار" (^١).
هذا إسناد صحيح من حديث المصريِّين على شرط الشيخين وليس له عِلَّة، وفي الباب جماعةٌ من الصحابة غير أبي هريرة.
٣٥٢ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد
_________________
(١) = وتابع حمادًا على هذه الرواية عُمارةُ بن زاذان عند أحمد ١٦/ (١٠٤٢٠)، وابن ماجه (٢٦١)، والترمذي (٢٦٤٩). وعمارة بن زاذان حسن الحديث في المتابعات والشواهد، وذكر سماع عطاء من أبي هريرة عند ابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن.
(٢) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد من أجل عبد الله بن عياش بن عباس. ابن وهب: هو عبد الله بن وهب المصري، وأبو عبد الرحمن الحبلي: هو عبد الله بن يزيد المَعَافري المصري. وأخرجه ابن حبان (٩٦) من طريق أبي الطاهر بن السَّرْح، عن ابن وهب، بهذا الإسناد. ويشهد له ما قبله.
[ ١ / ٤٥٨ ]
الحَكَم، أخبرنا ابن وَهْب قال: سمعت سفيان بن عُيَينة يحدِّث عن بَيَانٍ، عن عامر الشَّعْبي، عن قَرَظَة بن كعب قال: خرجنا نريد العراقَ، فمشى معنا عمرُ بنُ الخطّاب إلى صَرَارٍ فتوضَّأ ثم قال: أتدرون لم مشيتُ معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحابُ رسول الله ﷺ مشيتَ معنا، قال: إنكم تأتون أهلَ قرية لهم دَوِيّ بالقرآن كدَوِيِّ النحل، فلا تبدؤونهم بالأحاديث فيَشغَلُونكم (^١)، جَرَّدوا القرآنَ وأَقِلُّوا الروايةَ عن رسول الله ﷺ، وامضُوا وأنا شريكُكم. فلما قدم قَرَظةُ قالوا: حدِّثنا، قال: نهانا ابن الخطّاب (^٢).
هذا حديث صحيح الإسناد له طرقٌ تُجمَع ويُذاكَر بها، وقَرَظةُ بن كعب الأنصاري صحابيٌّ سمع من رسول الله ﷺ، ومن شرطنا في الصحابة أن لا نَطوِيَهم، وأما سائر رواته فقد احتجَّا به.
٣٥٣ - حدثني علي بن عيسى بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن نَجْدة، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا شَريك (^٣)، عن عثمان بن أبي زُرْعة، عن عامر بن سعد البَجَلي قال: دخلتُ على قَرَظة بن كعب وأبي مسعود وزيد بن ثابت، فإذا عندهم جَوَاري يُغنِّينَ، فقلت لهم: أتفعلون هذا وأنتم أصحابُ رسول الله ﷺ؟! فقالوا: إن كنتَ تسمعُ وإلَّا فامضِ، فإنَّ رسول الله ﷺ رَخَّصَ لنا في اللَّهو في العُرْس، وفي البكاء عند الميت (^٤).
_________________
(١) كذا وقعت الرواية عن ابن وهب، وهي كذلك في "مسنده" برقم (١١١)، بإثبات النون في الكلمتين، والجادة: فلا تبدؤوهم بالأحاديث فيشغلوكم، بحذف النون فيهما.
(٢) إسناده صحيح. بيان: هو ابن بِشْر أبو بشر الأحمسي. وأخرجه بنحوه ابن ماجه (٢٨) من طريق مجالد بن سعيد، عن الشعبي، به.
(٣) تحرَّف في المطبوع إلى: إسرائيل.
(٤) حديث حسن، وهذا إسناد ضعيف لضعف يحيى بن عبد الحميد: وهو الحِمّاني، وشريك - وهو ابن عبد الله النَّخَعي - متكلَّم في حفظه، وهو في الجملة حسن الحديث إلّا إذا خالف أو أتى بما يُنكَر. =
[ ١ / ٤٥٩ ]
٣٥٤ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن بكر بن عَمْرو، عن عَمرو بن أبي نُعَيمة، عن أبي عثمان مسلم بن يَسَار، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن قال عليَّ ما لم أقُلْ، فليَتبَوَّأْ مَقعَدَه من النار، ومَن استشاره أخوه فأشارَ عليه بغير رَشْدةٍ، فقد خانه، ومَن أُفتيَ بفُتْيا غيرِ ثَبَتٍ، فإنما إثمُه على مَن أفتاه" (^١).
تابعه يحيى بن أيوب عن بكر بن عمرو:
_________________
(١) = والمحفوظ في هذا الحديث: شريك عن أبي إسحاق السَّبيعي عن عامر بن سعد البجلي، هكذا رواه ثقات أصحاب شريك، منهم ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٤/ ١٩٢، وعلي بن حُجْر السعدي عند النسائي (٥٥٣٩)، وأبو غسان النَّهدي فيما سيأتي عند المصنف برقم (٢٧٨٧)، وقد تابعه عن أبي إسحاق فيه شعبةُ فيما سيأتي برقم (٢٧٨٦). والجارية: البنت الصغيرة.
(٢) إسناده محتمل للتحسين، عمرو بن أبي نعيمة - ويقال: نِعمة - روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال فيه بكر بن عمرو الراوي عنه - كما في الحديث التالي -: كان امرأَ صدقٍ، وتشدَّد فيه الدارقطني وابن القطان الفاسي فجهّلاه. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٢٦٦) عن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، به. وأخرجه أحمد (٨٧٧٦) من طريق رِشدين بن سعد، عن بكر بن عمرو، به - مرسلًا لم يذكر فيه أبا هريرة، ورشدين بن سعد ضعيف. وأخرجه مختصرًا بقصة الفُتيا ابن ماجه (٥٣) عن ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، عن أبي هانئ حميد بن هانئ، عن أبي عثمان مسلم بن يسار، عن أبي هريرة. وهذا إسناد - إن كان محفوظًا - حسن، لكن رواه غير ابن أبي شيبة عن المقرئ فجعله من رواية سعيد بن أبي أيوب عن بكر بن عمرو، وهو المحفوظ، والله تعالى أعلم. وسيأتي الحديث برقم (٣٥٥) و(٤٤١). وأول الحديث، وهو قوله: "من قال عليَّ ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار" روي من غير وجه صحيح عن أبي هريرة في "الصحيحين" وغيرهما، وهو متواتر، انظر "مسند أحمد" ١٥/ (٩٣١٦) و(٩٣٥٠) و١٦/ (١٠٥١٣). قوله: "بغير رَشْده"، الرَّشْدة: ضدُّ الغَيّة. والثَّبَت، بفتحتين: الصواب، وبتسكين الباء: ثابتة.
[ ١ / ٤٦٠ ]
٣٥٥ - أخبرَناه أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح السَّهْمي، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن أيوب، عن بكر بن عَمْرو، عن عَمرو بن أبي نُعَيمة رَضِيع عبد الملك بن مروان - وكان امْرأَ صِدقٍ - عن مسلم بن يَسَار قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "مَن قال عليَّ ما لم أَقُلْ، فليتبوَّأْ ببِناءٍ في جهنَّم، ومن أُفتيَ بغير علمٍ، كان إثمُه على مَن أفتاه، ومَن أشار على أخيه بأمرٍ يَعلَمُ أَنَّ الرُّشدَ في غيره، فقد خانه" (^١).
هذا حديث قد احتجَّ الشيخان برواته غير عمرٍو هذا (^٢)، وقد وثَّقه بكر بن عمرو المَعافِري، وهو أحد أئمَّة أهل مصر، والحاجةُ بنا إلى لفظة التثبّت في الفتيا شديدة.
٣٥٦ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن أبي هانئ الخَوْلاني، عن مسلم بن يَسَار، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "سيكون في آخرِ الزَّمان ناسٌ من أمَّتي يحدِّثونكم بما لم تَسْمَعُوا أنتم ولا آباؤُكم، فإيَّاكم وإيَّاهم" (^٣).
هذا حديث ذَكَرَه مسلم في خُطْبة الكتاب مع الحكايات، ولم يُخرجاه في أبواب
_________________
(١) إسناده محتمل للتحسين كسابقه. وأخرجه أبو داود (٣٦٥٧) من طريق عبد الله بن وهب، عن يحيى بن أيوب بهذا الإسناد.
(٢) وأبو عثمان مسلم بن يسار لم يخرج له البخاري في "صحيحه" شيئًا.
(٣) إسناده حسن من أجل مسلم بن يسار أبي عثمان الطُّنبذي. أبو هانئ الخولاني: هو حميد بن هانئ. وأخرجه مسلم (٧)، وابن حبان (٦٧٦٦) من طريقين عن عبد الله بن وهب، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٢٦٧)، ومسلم (٦) من طريق أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، به. وأخرجه بنحوه أحمد ١٤/ (٨٥٩٦) من طريق ابن لهيعة، عن سلامان بن عامر، عن أبي عثمان الأصبحي، عن أبي هريرة وإسناده ضعيف.
[ ١ / ٤٦١ ]
الكتاب، وهو صحيح على شرطهما جميعًا، ومحتاج إليه في الجَرْح والتعديل، ولا أعلمُ له علَّة.
٣٥٧ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن علي بن عفّان، حدثنا عبد الله بن نُمَير، عن الأعمش، عن عُمَارة بن عُمير ومالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله قال: الاقتصادُ في السُّنة، أحسنُ من الاجتهاد في البِدْعة (^١).
رواه الثَّوري عن الأعمش عن مالك بن الحارث:
٣٥٨ - أخبرَناه أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أحمد بن سيّار، حدثنا محمد بن كَثِير، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الله، مثلَه (^٢).
هذا حديث مُسنَد صحيح على شرطهما، ولم يُخرجاه، إنما خرَّجا في هذا النوع حديثَ أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله: وإنما هما اثنتان: الهَدْي والكلام، فأفضلُ الكلام كلامُ الله، وأحسنُ الهَدْي هديُ محمدٍ ﷺ … الحديث (^٣).
_________________
(١) إسناده صحيح. عبد الله: هو ابن مسعود ﵁. وأخرجه البيهقي ٣/ ٣٨٠ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن بطة في "الإبانة" ١/ ٣٣٧ عن إسماعيل بن محمد الصفار، عن الحسن بن علي بن عفّان، به. وأخرجه أحمد في "الزهد" (٨٧١)، والدارمي (٢٢٣)، واللالكائي في "أصول الاعتقاد" (١٣ - ١٤)، وابن بطة ١/ ٣٥٧ من طرق عن الأعمش، به.
(٢) إسناده صحيح كسابقه. وأخرجه ابن بطة ١/ ٣٥٨ من طريق ابن المبارك، عن سفيان الثوري، بهذا الإسناد.
(٣) عزو هذا الأثر إلى تخريج الشيخين من هذا الطريق ذهولٌ من المصنف ﵀، وهو عند ابن ماجه برقم (٤٦) من طريق موسى بن عقبة عن أبي إسحاق - وهو عمرو بن عبد الله السَّبيعي - عن أبي الأحوص - وهو عوف بن مالك الأشجعي - عن ابن مسعود مرفوعًا إلى النبي ﷺ. =
[ ١ / ٤٦٢ ]
٣٥٩ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الرَّبيع بن سليمان، حدثنا شعيب بن الليث، حدثنا الليث.
وأخبرني عمرو بن محمد بن منصور العَدْل وأحمد بن يعقوب الثقفي، قالا: حدثنا عمر بن حفص السَّدُوسي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا الليث بن سعد، أخبرني سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عن أخيه عبَّاد بن أبي سعيد، أنه سمع أبا هريرة يقول: كان رسول الله ﷺ يدعو فيقول: "اللهمَّ إني أعوذُ بك من الأربع: من علمٍ لا يَنفَع، وقلبٍ لا يَخشَع، ونفسٍ لا تَشبَع، ودعاءٍ لا يُسمَع" (^١).
هذا حديث صحيح ولم يُخرجاه، فإنهما لم يُخرجا عبَّادَ بن أبي سعيد المَقْبُري، لا لجَرْح فيه بل لقِلَّة حديثه وقِلَّة الحاجة إليه.
وقد رواه محمد بن عَجْلان عن سعيد المقبُري عن أبي هريرة، ولم يذكر أخاه عبَّادًا:
٣٦٠ - حدَّثَناه أبو محمد أحمد بن عبد الله المُزَني، حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، حدثنا سعيد بن عمرو الأشعَثي ومحمد بن العلاء الهَمْداني وهارون بن إسحاق
_________________
(١) = وخالف موسى بنَ عقبة في رفعه شعبةُ وإسرائيلُ وشريكٌ فرووه عن أبي إسحاق من كلام عبد الله بن مسعود، قال الدارقطني في "العلل" ٥/ ٣٢٣: وقول شعبة ومن تابعه أولى بالصواب. قلنا: وتابعهم على وقفه أيضًا معمر في "جامعه" (٢٠٠٧٦) عن أبي إسحاق. وأخرجه البخاري نحوه برقم (٦٠٩٨) و(٧٢٧٧) من طريقين آخرين عن عبد الله بن مسعود من قوله.
(٢) حديث صحيح عباد بن أبي سعيد لم يرو عنه سوى أخيه سعيد هذا الحديث الواحد، وقد تابعه فيه أخوه سعيد مرة أخرى كما سيأتي في الحديث التالي، فلعلَّ سعيدًا قد سمعه على الوجهين، والله تعالى أعلم. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٤٨٨) و(٨٧٧٩) و١٥/ (٩٨٢٩)، وأبو داود (١٥٤٨)، وابن ماجه (٣٨٣٧)، والنسائي (٧٨٢٠) و(٧٨٢٢) و(٧٨٢٤) من طرق عن الليث بن سعد، بهذا الإسناد. وسيتكرر برقم (١٩٧٩).
[ ١ / ٤٦٣ ]
قالوا: حدثنا أبو خالد سليمان بن حيّان، عن ابن عَجْلان، عن سعيد المَقبُري، عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ يدعو يقول: "اللهمَّ إني أعوذ بك من الأربع: من علمٍ لا يَنفَع، وقلبٍ لا يَخشَع، ونفسٍ لا تَشبَع، ودعاءٍ لا يُسمَع" (^١).
وله شاهد صحيح من رواية أنس بن مالك على شرط مسلم:
٣٦١ - حدَّثَناه علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا محمد بن نُعَيم، حدثنا قُتيبة بن سعيد، حدثنا خلف بن خَلِيفة، عن حفصٍ ابن أخي أنس، عن أنس قال: كان من دعاءِ النبي ﷺ: "اللهمَّ إني أعوذُ بك من علمٍ لا يَنفَع، وقلبٍ لا يخشَع، ونفسٍ لا تَشبَع، ودعاءٍ لا يُسمَع"، ويقول في آخر ذلك: "اللهمَّ إني أعوذُ بك من هؤلاءِ الأربع" (^٢).
وقد بلغني أنَّ مسلم بن الحَجّاج أخرجه من حديث زيد بن أرقَمَ عن النبي ﷺ (^٣).
٣٦٢ - حدثنا أبو بكر إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الضَّرير بالرَّيّ، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد.
وأخبرنا أبو قُتيبة سَلْم بن فضل الأَدَمي بمكة، حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجِيَة، حدثنا عَبْدة بن عبد الله الخُزَاعي، حدثنا زيد بن حُبَاب، حدثنا ليث بن سعد المِصري، حدثني خالد بن يزيد، عن عبد الواحد بن قيس، عن عبد الله بن عمرو قال: قالت لي قريش: تكتبُ عن رسول الله ﷺ، وإنما هو بشرٌ يَعْضَبُ كما يَعْضَب
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي. وأخرجه ابن ماجه (٢٥٠)، والنسائي (٧٨٢٣) من طريقين عن أبي خالد سليمان بن حيان، بهذا الإسناد.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي. وأخرجه النسائي (٧٨٢١) عن قتيبة بن سعيد، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٢١/ (١٤٠٢٣) عن عفان بن مسلم، عن خلف بن خليفة، به. وأخرجه أحمد ٢٠/ (١٣٠٠٣) و٢١ / (١٣٦٧٤)، وابن حبان (٨٣) من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس - لكن قال فيه بدلَ "ونفس لا تشبع": "وعمل لا يُرفَع".
(٣) هو عنده في "صحيحه" برقم (٢٧٢٢).
[ ١ / ٤٦٤ ]
البشرُ؟ فأتيتُ رسولَ الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنَّ قريشًا تقول: تكتبُ عن رسول الله ﷺ، وإنما هو بشرٌ يَعْضَبُ كما يَعْضَب البشر؟ قال: فأَوْمأَ إِلى شَفَتَيهِ فقال: "والذي نفسي بيده، ما يَخرُجُ مما بينهما إلّا حقٌّ، فاكتُبْ" (^١).
هذا حديث صحيح الأسانيد أصلٌ في نَسْخ الحديث عن رسول الله ﷺ، ولم يُخرجاه، وقد احتجَّا بجميع رُواته إلّا عبد الواحد بن قيس، وهو شيخ من أهل الشام، وابنُه عمر بن عبد الواحد الدمشقي أحد أئمة الحديث. وقد روى عبد الواحد بن قيس عن جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة وأبو أُمامة الباهلي ووائلة بن الأسقَع، وروى عنه الأوزاعيُّ أحاديث.
ولهذا الحديث شاهدٌ قد اتَّفقا على إخراجه على سبيل الاختصار عن همَّام بن مُنبِّه عن أبي هريرة أنه قال: ليس أحدٌ من أصحاب النبي ﷺ أكثر حديثًا مني إلّا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يَكتُب وكنت لا أكتُب. وعن عمرو بن دينار عن وَهْب بن مُنبِّه عن أخيه همَّام عن أبي هريرة نحوه (^٢).
فأما عبد الواحد بن قيس وحديثُه عن عبد الله بن عمرو، فقد وجدتُ له فيه شاهدًا من حديث عَمرو بن شعيب.
٣٦٢ م - وقد سمعتُ أبا الوليد حسّان بن محمد الفقيه يقول: سمعت الحسن بن سفيان يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحَنظَلي يقول: إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب ثقةً، فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر.
فأما حديث الشاهد:
٣٦٣ - فحدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني عبد الرحمن بن سلمان، عن عُقَيل بن خالد، عن عَمْرو بن شعيب، أنَّ شعيبًا حدَّثه ومجاهد، أنَّ عبد الله بن عمرو حدَّثهم أنه قال:
_________________
(١) إسناده صحيح. ولم نقف عليه من هذا الوجه عند غير المصنف، وانظر ما بعده.
(٢) أخرجه من هذا الطريق البخاري وحده في "صحيحه" برقم (١١٣).
[ ١ / ٤٦٥ ]
يا رسول الله، أكتبُ ما أسمَعُ منك؟ قال: "نعم" قلت: عند الغضب وعند الرِّضا؟ قال: "نَعَم، إنه لا يَنبَغي لي أن أقولَ إلّا حقًّا" (^١).
فليَعلَمْ طالبُ هذا العلم أنَّ أحدًا لم يتكلَّم قَطُّ في عمرو بن شعيب (^٢)، وإنما تكلَّم مسلم في سماع شعيب من عبد الله بن عمرو، فإذا جاء الحديث عن عمرو بن شعيب عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو، فإنه صحيح، على أني إنما ذكرتُه شاهدًا لحديث عبد الواحد بن قيس.
وقد رُوِيَ هذا الحديث بعَيْنه عن يوسف بن ماهَكَ:
٣٦٤ - أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السَّمّاك ببغداد، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارِثي، حدثنا يحيى بن سعيد.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه - واللفظ له - حدثنا أبو المثنَّى، حدثنا مُسدَّد، حدثنا يحيى، عن عبيد الله بن الأخنَس، عن الوليد بن عبد الله، عن يوسف بن ماهَك، عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتبُ كلَّ شيءٍ أسمعُه من رسول الله ﷺ وأريدُ حِفظَه، فنَهَتْني قريش وقالوا: تكتبُ كلَّ شيءٍ تسمعُه من رسول الله ﷺ، ورسولُ الله ﷺ بشرٌ يتكلَّم في الرِّضا والغضب؟! قال: فأمسكتُ، فذَكَرتُ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "اكتُبْ، فوالَّذي نفسي بيده ما خَرَج منه إلّا حقٌّ"، وأشار بيده إلى فيهِ (^٣).
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل عمرو بن شعيب، فهو صدوق حسن الحديث. وأخرجه البيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (٧٥٤)، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣١/ ٢٥٩ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن عدي في "الكامل" ٤/ ٣١٨، وأبو طاهر المخلِّص في "المخلصيات" (٦٩٢)، والخطيب البغدادي في "تقييد العلم" ص ٧٩ من طريقين عن عبد الله بن وهب، به. وسيأتي برقم (٦٣٧٦) من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب وحده عن أبيه عن جده.
(٢) بل تكلَّم فيه غير واحد كيحيى القطان ويحيى بن معين وليَّنوا حديثه، راجع ترجمته في "تهذيب الكمال".
(٣) إسناده صحيح. يحيى: هو ابن سعيد القطّان، وأبو المثنى: هو معاذ بن المثنى بن معاذ. =
[ ١ / ٤٦٦ ]
رواةُ هذا الحديث قد احتجَّا بهم عن آخرهم غير الوليد هذا، وأظنُّه الوليدَ بن أبي الوليد الشامي فإنه الوليد بن عبد الله (^١)، وقد غَلَبَ على أبيه الكُنْية، فإن كان كذلك فقد احتجَّ به مسلم.
وقد صحَّت الروايةُ عن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب أنه قال: قيِّدوا العلمَ بالكِتاب:
٣٦٥ - حدَّثَناه أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله السَّعْدي، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جُرَيج، عن عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان، أنه سمع عمر بن الخطّاب يقول: قيِّدوا العلمَ بالكتاب (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه أبو داود (٣٦٤٦) عن مسدَّد، بهذا الإسناد. وقرن بمسدَّد أبا بكر بن أبي شيبة. وأخرجه أحمد ١١/ (٦٥١٠) عن يحيى بن سعيد، به.
(٢) الوليد بن عبد الله هذا راوٍ آخر غير الوليد بن أبي الوليد، وهو ابن أبي المغيث مكيٌّ، وهو راوي هذا الحديث، ولم يخرج له الشيخان أو أحدهما شيئًا، أما الوليد بن أبي الوليد الذي احتجَّ به مسلم فهو أكبر من هذا يروي عن عبد الله بن عمرو بلا واسطة، واسم أبي الوليد عثمان، وهو مدني لا شامي.
(٣) إسناده ضعيف من أجل عنعنة ابن جريج - وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج - ثم إنَّ في الإسناد من هذا الطريق هنا سقطًا بين عبد عبد الملك الله وعمر بن الخطاب، بينهما فيه عمرو بن أبي سفيان عمُّ عبد الملك كما سيأتي وهو ثقة. أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد النبيل. وأخرجه البيهقي في "المدخل إلى السنن" (٧٥٨) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٩ - ومن طريقه ابن عبد البر في بيان العلم وفضله" (٣٩٦) - والدارمي (٥١٤) عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان، عن عمه عمرو بن أبي سفيان، أنه سمع عمر بن الخطاب يقول … فذكره. وأخرجه كذلك الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٣٥٨)، والخطيب البغدادي في "تقييد العلم" ص ٨٨ من طريق عمر بن حفص بن صبيح، عن أبي عاصم، عن ابن جريج قال: حدَّث عبدُ الملك؛ هكذا عند الخطيب، وفي المطبوع من الرامهرمزي: حدثني عبد الملك، فيصير الإسناد بهذا متصلًا، لكن الذي يرجح ما عند الخطيب قولُ البيهقي في "المدخل" (٧٥٩) بإثر حديث إبراهيم بن عبد الله =
[ ١ / ٤٦٧ ]
وكذلك الرواية عن أنس بن مالك صحيحٌ من قوله، وقد أُسنِدَ من وجهٍ غير مُعتمَد، فأما الرواية من قوله:
٣٦٦ - فحدَّثَناه أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله التاجر، حدثنا محمد بن إدريس الرازي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني أَبي، عن ثُمَامة، عن أنس: أنه كان يقول لبَنيهِ: قيِّدوا العلمَ بالكتاب (^١).
_________________
(١) = السعدي: ورواه غيره عن أبي عاصم عن ابن جريج قال: حدَّث عبد الملك بن عبد عبد الله بن أبي سفيان، وكأنه أرسله عنه.
(٢) إسناده حسن من أجل عبد الله بن المثنى الأنصاري، والد محمد ثمامة: هو ابن عبد الله بن أنس بن مالك. وأخرجه البيهقي في "المدخل" (٧٦١) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" ٥/ ٣٣٧ و٩/ ٢٢، وزهير بن حرب في "العلم" (١٢٠)، والخطيب في "تقييد العلم" ص ٩٦ من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، به. وأخرجه الدارمي (٥٠٨)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٣٢٦)، والطبراني في "الكبير" (٧٠٠)، والخطيب ص ٩٧، وابن عبد البر في "بيان العلم وفضله" (٤١٠)، والقاضي عياض في "الإلماع" ص ١٤٧ من طرق عن عبد الله بن المثنى، به. وخالف عبدُ الحميد بن سليمان الخزاعي فرواه عن عبد الله بن المثنى بهذا الإسناد مرفوعًا إلى النبي ﷺ، رواه عنه لُوَين في "جزئه" (٥٤)، ومن طريقه أخرجه الرامهرمزي (٣٢٧)، وأبو الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" (٩٠٩)، وابن شاهين في "ناسخ الحديث ومنسوخه" (٦٢٤)، وأبو طاهر في "المخلِّصيات" (٥٥٦)، والخطيب في "تاريخ بعداد" ١١/ ٢٣٤، و"الجامع لأخلاق الراوي والسامع" (٤٤٠)، و"تقييد العلم" ص ٦٩، وابن عبد البر في "بيان العلم وفضله" (٣٩٥)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٩٤)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣٧/ ٣٥٢ - ٣٥٣. وعبد الحميد بن سليمان ضعيف، ووهم في رفعه كما قال الدارقطني في "العلل" ١٢/ ٤٣ (٢٣٨٩)، قال: والصواب عن ثمامة: أنَّ أنسًا كان يقول ذلك لبنيه، ولا يرفعه. ونقل القاضي عياض في "الإلماع" عن موسى بن هارون الحافظ أنه قال: رفعه عبد الحميد، ولا يصحُّ رفعه. ورواه مرفوعًا أيضًا إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمّه موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك، أخرجه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" ٢/ ٢٢٨، =
[ ١ / ٤٦٨ ]
أسنَدَه بعضُ البصريِين عن الأنصاري.
وكذلك أسنده شيخٌ من أهل مكة غيرُ مُعتمَدٍ عن ابن جُرَيج:
٣٦٧ - حدثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن شاذانَ الجوهري.
وأخبرني أحمد بن سهل الفقيه ببُخارَى، حدثنا صالح بن محمد بن حبيب؛ قالا: حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي، حدثنا عبد الله بن المؤمَّل، حدثنا ابن جُرَيج، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: "قَيِّدوا العلمَ" قلت: وما تقييدُه؟ قال: "كِتابتُه" (^١).
_________________
(١) = والقضاعي في "مسند الشهاب" (٦٣٧). وإسماعيل بن أبي أويس متكلَّم فيه وهو يعتبر به في المتابعات والشواهد، إلا أنَّ عبد الله بن المثنى أحسن حالًا منه، فحديثه موقوفًا مقدَّم على حديث إسماعيل مرفوعًا، والله تعالى أعلم.
(٢) إسناده ضعيف، عبد الله بن المؤمَّل ضعيف منكر الحديث، وقد اضطرب فيه. أخرجه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٣١٥)، والطبراني في "الكبير" (١٤٣٣٠)، و"الأوسط" (٥٤٨)، وأبو نعيم في "الحلية" ٣/ ٣٢١، والبيهقي في "المدخل إلى السنن" (٧٦٣)، والخطيب في "تقييد العلم" ص ٦٨، وابن عبد البر في "بيان العلم وفضله" (٤١٢) و(٤١٣)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٩٦) من طرق عن سعيد بن سليمان، بهذا الإسناد. وسقط ابن جريج من "الأوسط" للطبراني. ورواه سُريج بن النعمان عن عبد الله بن المؤمَّل، عن ابن أبي مُليكة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه الخطيب في "تقييد العلم" ص ٦٨، و"الجامع لأخلاق الراوي والسامع" (٤٣٩)، وابن الجوزي في "العلل" (٩٥). ورواه معن بن عيسى عن عبد الله بن المؤمَّل أيضًا، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه الخطيب في "التقييد" ص ٦٩ و٧٥. وتابعه على روايته عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إسماعيلُ بنُ يحيى عن ابن أبي ذئب عن عمرو بن شعيب به، أخرجه الرامهرمزي (٣١٨)، والخطيب في "التقييد" ص ٦٩، وابن الجوزي في "العلل" (٩٧)، وإسماعيل بن يحيى إن كان هو أبا يحيى التيمي، فإنه متَّهم بالكذب، وبه أعلَّه ابن الجوزي، فلا يفرح بهذه المتابعة. وأخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٤٣/ ٥٢٢ - ٥٢٣ من طريق زيد بن يحيى الدمشقي، عن =
[ ١ / ٤٦٩ ]
٣٦٨ - حدثني عبد الله بن الحسين القاضي بمَرْو، حدثنا الحارث بن محمد، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا جرير بن حازم، عن يعلى بن حَكِيم، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: لما قُبِضَ رسولُ الله ﷺ قلتُ لرجل من الأنصار: هَلُمَّ فلنسأَلْ أصحابَ رسول الله ﷺ، فإنهم اليومَ كثير، فقال: واعجبًا لك يا ابنَ عباس، أترى الناسَ يَفتقِرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ مَن فيهم؟! قال: فتركتُ ذاك، وأقبلتُ أسألُ أصحابَ رسول الله ﷺ، وإن كان يَبلُغُني الحديثُ عن الرجل فآتي بابَه وهو قائلٌ، فأتوسَّدُ ردائي على بابه تَسْفي الريحُ عليَّ من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابنَ عمّ رسول الله، ما جاءَ بك، هلَّا أرسلت إليَّ فآتيَك؟ فأقول: لا، أنا أحقُّ أن آتيَك، قال: فأسأله عن الحديث.
فعاش هذا الرجلُ الأنصاريُّ حتى رآني وقد اجتمع الناسُ حولي يسألونني، فيقول: هذا الفتى كان أعقلَ منِّي (^١).
هذا حديث صحيح على شرط البخاري، وهو أصلٌ في طلب الحديث وتوقير المحدِّث.
_________________
(١) = عمران بن موسى عن مكحول، عن عبد الله بن عمرو وعمران بن موسى لا يعرف، ومكحول لم يسمع من عبد الله بن عمرو، فالإسناد ضعيف. وأصحُّ ما ورد في هذا الباب عن عبد الله بن عمرو هو ما سلف عند المصنف برقم (٣٦٤).
(٢) إسناده صحيح. صحيح الحارث بن محمد: هو ابن أبي أسامة. وأخرجه البيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (٦٧٣) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" ٢/ ٣١٧، والدارمي (٥٩٠)، ويعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" ١/ ٥٤٢، والخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي والسامع" (٢١٥) من طرق عن يزيد بن هارون، به. وأخرجه عبد الله بن أحمد في "فضائل الصحابة" (١٩٢٥)، والطبراني (١٠٥٩٢) من طريق وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه جرير، به. وسيأتي برقم (٦٤٢٧) من طريق سعيد بن مسعود المروزي عن يزيد بن هارون، لكن ذكر فيه سعيد بن جبير مكان عكرمة، وهي رواية شاذة، فكل من رواه عن يزيد ذكر فيه عكرمة.
[ ١ / ٤٧٠ ]
٣٦٩ - حدثنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب بن يوسف العَدْل، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرني ابن جُرَيج، أخبرني يونس بن يوسف، عن سليمان بن يَسَار قال: تفرَّق الناسُ عن أبي هريرة، فقال له ناتِلٌ أخو أهل الشام: يا أبا هريرة، حدِّثنا حديثًا سمعتَه من رسول الله ﷺ، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ أولَ الناس يُقضَى فيه يومَ القيامة ثلاثةٌ: رجلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ به فعرَّفه نِعَمَه فَعَرَفَهَا، فقال: ما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ في سبيلِك حتى استُشهِدتُ، قال: كذبتَ، إنما أردتَ أن يقال: فلانٌ جريءٌ، فقد قيل، فيُؤمَرُ به فيُسحَبُ على وجهه حتى أُلقيَ في النار.
ورجلٌ تعلَّم العلمَ وقرأ القرآنَ، فأُتيَ به فعرَّفه نِعمَه فعَرَفَها، فقال: ما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلمَ وقرأتُ القرآن وعلَّمتُه فيك، قال: كذبتَ، إنما أردتَ أن يقال: فلانٌ عالمٌ، وفلانٌ قارئٌ، فقد قيل، فأُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقيَ في النار.
ورجلٌ آتاه الله من أنواع المال، فأُتيَ به فعرَّفه نِعمَه فعَرَفَها، فقال: ما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من شيء تحبُّ أن أُنفِقَ فيه إلّا أنفقتُ فيه لك، قال: كذبتَ، إنما أردتَ أن يقال: فلانٌ جَوَاد، فقد قيل، فأُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقيَ في النار" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذه السِّيَاقة، ويونس بن يوسف: هو ابن عمرو بن حِمَاس الذي يروي عنه مالك بن أنس في "الموطأ"، ومالكٌ الحَكَم في كلِّ من رَوَى عنه، وقد خرَّجه مسلم.
٣٧٠ - أخبرني أبو بكر بن إسحاق الفقيه من أصل كتابه، أخبرنا عُبيد بن محمد بن حاتم الحافظ - المعروف بالعِجْل - حدثنا إبراهيم بن زياد سَبَلان، حدثنا عبَّاد
_________________
(١) إسناده قوي. وأخرجه أحمد ١٤/ (٨٢٧٧)، ومسلم (١٩٠٥)، والنسائي (٤٣٣٠) و(٨٠٢٩) و(١١٤٩٥) من طرق عن ابن جريج، بهذا الإسناد فاستدراك الحاكم له ذهولٌ منه. وسيأتي برقم (٢٥٥٦). وبنحوه سيأتي برقم (١٥٤١) من طريق عقبة بن مسلم عن شُفي عن أبي هريرة، وبرقم (٢٥٦٠) من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. وانظر الحديث التالي.
[ ١ / ٤٧١ ]
ابن عبَّاد، حدثنا يونس - وهو ابن عُبيد - عن سعيد المَقبُري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثةٌ يَهلِكون عند الحساب: جوادٌ، وشجاعٌ، وعالمٌ" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد على شرطهما، وهو غريبٌ شاذٌّ إلّا أنه مختصر من الحديث الأول شاهدٌ له.
٣٧١ - أخبرنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه ببغداد، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا سليمان بن حَرْب، حدثنا حمَّاد بن سَلَمة، عن ثابت، عن أبي رافع قال: قال أبو هريرة: لولا ما أَخَذَ اللهُ على أهل الكتاب، ما حدَّثتُكم بشيءٍ، ثم تَلَا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولا أعلمُ له علَّةً، ولم يُخرجاه.
_________________
(١) صحيح بما قبله، وهذا إسناد رجاله ثقات إلّا أنه مظنّة الانقطاع بين يونس بن عبيد وسعيد المقبري، فيونس بن عبيد لا يعرف له سماع من سعيد، وقد كان يُدخل بينهما في بعض الأحاديث واسطة مجهولة، ولعلَّ النسائي لهذا رماه بالتدليس، والله تعالى أعلم. عباد بن عباد: هو ابن حبيب بن المهلَّب الأزدي، أو الرملي الأُرسوفي، وكلاهما ثقة إلّا أنَّ المهلبي أوثق من الأرسوفي. وأخرجه أبو الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" (٧٩٨)، ومن طريقه الشجري في "الأمالي" ٢/ ٢٢١ - ٢٢٢ من طريق عثمان بن خُرَّزاد - وهو عثمان بن عبد الله بن محمد الأنطاكي الحافظ - عن إبراهيم بن زياد، بهذا الإسناد مطولًا بنحو الحديث السابق. وقد أخطأ الألباني ﵀ بإيراده هذا الحديث في "السلسلة الضعيفة" (٣٤٥٥) وإعلاله إياه بعبّاد بن عباد وأنه اختصره، فقد روي عنه مطولًا كما ترى عند غير الحاكم فوافق غيره ممَّن رواه مطوَّلًا، والله وليُّ التوفيق.
(٢) إسناده صحيح. ثابت: هو ابن أسلم البُناني، وأبو رافع: هو نُفيع الصائغ. وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (٨٥٦٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٦٧/ ٣٥٤ من طريقين عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وسيأتي معناه من وجه آخر عن أبي هريرة برقم (٣١١١)، لكن تلا فيه الآية (١٥٩) من سورة البقرة، وانظر تتمة تخريجه هناك.
[ ١ / ٤٧٢ ]
٣٧٢ - أخبرنا أحمد بن سلمان الفقيه، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا عاصم بن محمد بن زيد، عن أبيه قال: كان أبو هريرة يقوم يومَ الجمعة إلى جانب المنبر فيَطرَحُ أعقابَ نعليه في ذراعَيهِ، ثم يَقبِضُ على رُمَّانة المنبر، يقول: قال أبو القاسم ﷺ …، قال محمدٌ ﷺ …، قال رسولُ الله ﷺ قال الصادقُ المصدوق ﷺ ثم يقول في بعض ذلك: "ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقتَرَب"، فإذا سمع حركةَ باب المقصورة بخروج الإمام جَلَس (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه هكذا، وليس الغَرَضُ في تصحيح حديث: "ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب"، فقد أخرجاه (^٢)، إنما الغرضُ فيه استحبابُ رواية الحديث على المنبر قبل خروج الإمام.
٣٧٣ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه - واللفظ له - أخبرنا بِشْر بن موسى، حدثنا الحُمَيدي، حدثنا سفيان، حدثني أبو النَّضْر سالم مولى عمر بن عبيد الله بن مَعمَر،
_________________
(١) إسناده صحيح، وأعلَّه الذهبي بالانقطاع، مع أنَّ سماع محمد بن زيد - وهو ابن عبد الله بن عمر - من أبي هريرة محتمل جدًّا، فقد روى عمَّن هو أقدم وفاةً من أبي هريرة، ومحمد بن زيد مدنيٌّ وهو بَلَديُّ أبي هريرة، وقد وقع التصريح برؤيته وسماعه لأبي هريرة وهو يفعل ذلك فيما سيأتي برقم (٦٢٩٧) بإسناد صحيح من طريق شبابة بن سوّار عن عاصم بن محمد. أحمد بن يونس: هو أحمد بن عبد الله بن يونس، نسب هنا إلى جده. وهذا الخبر قد انفرد الحاكم بإخراجه فيما وقفنا عليه، إلّا قوله: "ويل للعرب من شر قد اقترب" فقد روي من وجوه أخرى عن أبي هريرة عند أحمد ١٥/ (٩٠٧٣) و(١٠٩٢٦)، وأبي داود (٤٢٤٩)، وابن حبان (٦٧٠٥)، وغيرهم. وسيأتي عند المصنف برقم (٨٥٦١) و(٨٦٩٩).
(٢) البخاري (٣٣٤٦) ومسلم (٢٨٨٠) من حديث زينب بنت جحش. أما حديث أبي هريرة فلم يخرجاه كما سبق.
[ ١ / ٤٧٣ ]
عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "لا أُلفِيَنَّ (^١) أحدكم متَّكِئًا على أَريكتِه، يأتيه الأمرُ من أمري ممّا أمرتُ به أو نَهيتُ عنه، فيقول: ما أدري، ما وَجَدْنا في كتاب الله اتَّبعناه" (^٢).
قد أقام سفيانُ بن عُيينة هذا الإسنادَ وهو صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، والذي عندي أنهما تَرَكاه لخلافٍ للمصريين في هذا الإسناد:
٣٧٤ - حدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني مالك، عن أبي النَّضْر، عن عبيد الله بن أبي رافع، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا أعرِفنَّ الرجلَ متَّكئًا، يأتيه الأمرُ من أمري ممّا أمرت به أو نهيتُ عنه، فيقول: ما نَدْري، هذا هو كتابُ الله، وليس هذا فيه" (^٣).
٣٧٥ - قال (^٤): وأخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي النضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن النبي ﷺ.
_________________
(١) هكذا في "تلخيص المستدرك" والمطبوع ومصادر الحديث الأخرى، وفي النسخ الخطية: "لأُلفين".
(٢) إسناده صحيح. سفيان: هو ابن عيينة. وأخرجه أحمد ٣٩/ (٢٣٨٧٦)، وأبو داود (٣٦٠٥)، وابن ماجه (١٣)، والترمذي (٢٦٦٣) من طريق سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد - وفيه عند ابن ماجه: عن سالم أبي النضر أو زيد بن أسلم، وهذا لا يضر، فكلاهما ثقة، ووقع عند الترمذي محمد بن المنكدر مقرونًا بسالم، ثم بيَّن الترمذي أن رواية محمد بن المنكدر عن النبي ﷺ مرسلة. وأخرجه بنحوه أحمد (٢٣٨٦١) من طريق عبد الله بن المبارك، عن عبد الله بن لهيعة، عن سالم أبي النضر، به.
(٣) حديث صحيح رجاله ثقات، وقد خولف ابن وهب عن مالك في إرساله، فرواه أبو إسحاق الفزاري عن مالك موصولًا بذِكْر أبي رافع فيه أخرجه من طريقه ابن حبان في "صحيحه" (١٣).
(٤) القائل هو عبد الله بن وهب. وحديث عمرو بن الحارث هذا أخرجه الطحاوي في "معاني الآثار" ٤/ ٢٠٩ عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن أبي النضر، عن أبي رافع، عن النبي ﷺ. هكذا وقع عنده، وعند الدارقطني في "العلل" ٧/ ٩ و(١٦٧٢) كما عند الحاكم سواءٌ.
[ ١ / ٤٧٤ ]
قال: وأخبرني الليث بن سعد، عن أبي النضر، عن موسى بن عبد الله بن قيس، عن أبي رافع، عن رسول الله ﷺ أنه قال والناسُ حولَه: "لا أعرفَنَّ أحدَكم يأتيه الأمرُ من أمري قد أمرتُ به أو نهيتُ عنه، وهو متَّكئٌ على أَريكتِه، فيقول: ما وَجَدْنا في كتاب الله عَمِلْنا به، وإلَّا فلا" (^١).
قال الحاكم: أنا على أصلي الذي أصَّلتُه في خُطْبة هذا الكتاب: أنَّ الزيادة من الثِّقة مقبولة، وسفيان بن عُيَينة حافظ ثقة ثبت، وقد مَيَّز وحَفِظَ واعْتَمَدْنا حفظَه بعد أن وجدنا للحديث شاهدين بإسنادين صحيحين، أمّا أحدهما:
٣٧٦ - فأخبرَناه أبو الحسن أحمد بن محمد بن عَبْدُوس، حدثنا عثمان بن سعيد الدارِمي، حدثنا عبد الله بن صالح، أن معاوية بن صالح أخبره.
وأخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حَنْبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن - وهو ابن مَهْدي - حدثنا معاوية بن صالح، حدثني الحسن بن جابر، أنه سمع المِقدامَ بن مَعْدِي كَرِبَ الكِنْدي صاحب النبي ﷺ يقول: حَرَّم النبيُّ ﷺ أشياءَ يومَ خَيبر منها الحمارُ الأهلي وغيره، فقال رسول الله ﷺ: "يُوشِكُ أن يَقعُدَ الرجلُ منكم على أَريكتِه يحدَّثُ بحديثي فيقول: بيني وبينَكم كتابُ الله، فما وَجَدْنا فيه حلالًا استَحَلْلناه، وما وَجَدْنا فيه حرامًا حرَّمناه، وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ الله ﷺ كما حَرَّمَ اللهُ" (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف لجهالة موسى بن عبد الله بن قيس. وأخرجه الطحاوي ٤/ ٢٠٩ من طريق ابن وهب، والطبراني في "الكبير" (٩٧٥)، و"الأوسط" (٨٦٧١) من طريق عبد الله بن صالح، كلاهما عن الليث بن سعد، بهذا الإسناد.
(٢) إسناده حسن إن شاء الله، الحسن بن جابر روى عنه اثنان وذكره ابن حبان في "الثقات". والحديث في "مسند أحمد" ٢٨/ (١٧١٩٤)، وقرن فيه بعبد الرحمن بن مهدي زيدَ بنَ الحُباب. وأخرجه ابن ماجه (١٢) من طريق زيد بن الحُباب، والترمذي (٢٦٦٤) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن معاوية بن صالح، به. وقال الترمذي حديث حسن. وأخرجه أحمد (١٧١٧٤)، وأبو داود (٤٦٠٤)، وابن حبان (١٢) من طريق عبد الرحمن بن أبي =
[ ١ / ٤٧٥ ]
وأما الحديث الثاني:
٣٧٧ - فحدَّثَناه أبو بكر محمد بن عبد الله بن عَتَّاب العَبْدي ببغداد، حدثنا محمد بن خَليفة العاقُولي عَنبَرٌ، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عُقْبة بن خالد الشَّنِّي، حدثنا الحسن قال: بينما عِمرانُ بن حصين يحدِّث عن سُنَّة نبيِّنا ﷺ، إذ قال له رجل: يا أبا نُجَيد، حدِّثنا بالقرآن، فقال له عمران: أنت وأصحابُك تقرؤون القرآن، أكنتَ محدِّثِي عن الصلاة وما فيها وحدودِها؟ أكنتَ محدِّثي عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال؟ ولكن قد شَهِدتُ وغِبتَ أنت، ثم قال: فَرَضَ علينا رسولُ الله ﷺ في الزكاة كذا وكذا، وقال الرجل: أحييتني أحْياكَ الله. قال الحسن: فما مات ذلك الرجل حتى صارَ من فقهاءِ المسلمين (^١).
_________________
(١) = عوف الجرشي، عن المقدام بن معدي كرب دون قوله: "وإن ما حرَّم رسولُ الله كما حرَّم الله"، وإسناده صحيح.
(٢) حسن إن شاء الله، وهذا إسناد ضعيف لجهالة عقبة بن خالد الشَّنِّي، فقد انفرد بالرواية عنه مسلم ابن إبراهيم الفراهيدي، ومع ذلك فقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه المصنف كما سيأتي لاحقًا، وهما من المتساهلين في إطلاق التوثيق، والحسن - وهو البصري - في سماعه من عمران بن حصين خلاف كما سلف عند الحديث (٧٨)، لكن كلاهما - أي: عقبة والحسن - قد توبعا. وأخرجه ابن حبان في "الثقات" ٧/ ٢٤٧ - ٢٤٨، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (٢٣٨) من طريق أبي خليفة الفضل بن الحباب، والطبراني في "الكبير" ١٨/ (٣٦٩) عن علي بن عبد العزيز، وابن مخلد في "حديثه" (٧٠) من طريق حامد بن سهل الثغري، ثلاثتهم عن مسلم بن إبراهيم، بهذا الإسناد - ووقع في رواية الفضل بن الحباب وحده تصريحُ الحسن البصري أنه كان عند عمران بن حصين عندما وقعت هذه القصة. وأخرج نحوه الخطيب (٢٣٧) من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن عنبسة الغَنَوي، عن الحسن البصري، به وعنبسة الغنوي - وهو ابن أبي رائطة - لا يكاد يُعرَف. وأخرجه كذلك الخطيب (٢٣٦) من طريق معمر، عن علي بن زيد بن جُدْعان، عن أبي نضرة - وهو المنذر بن مالك - عن عمران بن حصين وابن جدعان ضعيف، لكن باجتماع هذه الطرق يَحسُن الخبر إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٤٧٦ ]
عُقْبة بن خالد الشَّنِّي من ثقات البصريين وعُبّادهم، وهو عزيز الحديث، يُجمَع حديثه فلا يَبلُغ تمام العشرة. وصلَّى الله على محمد وآله أجمعين.
٣٧٨ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن هشام بن حُجَير قال: كان طاووسٌ يصلي ركعتين بعد العصر، فقال له ابن عباس: اترُكْها، فقال: إنما يُنهَى عنهما أن تُتَّخَذَ سُلَّمًا أن يُوصِلَ ذلك إلى غروب الشمس، قال ابن عباس: فإنَّ النبي ﷺ وقد نهى عن صلاةٍ بعد العصر، وما أدري أيُعذَّب عليه أم يُؤجَر، لأنَّ الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب: ٣٦] (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين موافقٌ لما قدَّمنا ذِكرَه من الحثِّ على اتباع السُّنة، ولم يُخرجاه بهذه السِّياقة.
٣٧٩ - حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا عفَّان، حدثنا شُعْبة.
_________________
(١) إسناده حسن إن شاء الله من أجل هشام بن حجير سفيان: هو ابن عيينة. وأخرجه الدارمي (٤٤٨)، والبزار (٤٨٧١)، والبيهقي في "السنن" ٢/ ٤٥٣، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (٣٨٦)، وابن عبد البر في "بيان العلم وفضله" (٢٣٣٩) من طرق عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. وأخرجه مختصرًا النسائي (٣٦٨) عن أحمد بن حرب، عن سفيان، به واقتصر على قوله: إنَّ النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر. وأخرجه بنحو رواية المصنف وغيره: الشافعي في "السنن المأثورة" (٣٩٣)، والبزار (٤٨٧٠)، والطحاوي في "معاني الآثار" ١/ ٣٠٥، والبيهقي في "معرفة السنن والآثار" (١١٣) و(٥١٤٧)، والخطيب (٣٨٥) من طريق عامر بن مصعب، عن طاووس، عن ابن عباس. وهذا إسناد يصلح للاعتبار به في المتابعات والشواهد. وأما النهي عن الصلاة بعد العصر فقد صحَّ في عدة أحاديث عن غير واحدٍ من الصحابة، انظر تخريج حديث ابن عمر في "مسند أحمد" ٨/ (٤٦١٢)
[ ١ / ٤٧٧ ]
وأخبرني أحمد بن يعقوب الثَّقَفي، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا أبو عمر الحَوْضي، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه: أنَّ عمر بن الخطَّاب قال لابن مسعود ولأبي الدَّرداء ولأبي ذر: ما هذا الحديثُ عن رسول الله ﷺ؟! وأحسبُه حَبَسَهم بالمدينة حتى أُصيب (^١).
٣٨٠ - حدَّثَناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفّار، حدثنا محمد بن الحسن بن علي بن بَحْر البَرِّي، حدثنا عبد الله بن جعفر البَرمَكي، حدثنا مَعْن بن عيسى.
وحدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العَنبَري وعلي بن عيسى الحِيري قالا: حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العَبْدي، حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، حدثنا معن بن عيسى، حدثنا مالك بن أنس، حدثني عبد الله بن إدريس، عن شُعْبة، فذكر الحديث بإسناده نحوه (^٢).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وإنكارُ عمرَ أميرُ المؤمنين على الصحابة كَثْرة الرواية عن رسول الله ﷺ فيه سُنَّة، ولم يُخرجاه.
٣٨١ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا أبو أحمد الزُّبَيري، حدثنا إسرائيل، عن أبي حَصِين، عن يحيى بن وَثَّاب، عن مسروق،
_________________
(١) إسناده صحيح. أبو عمر الحوضي: هو حفص بن عمر، وإبراهيم: هو ابن عبد الرحمن بن عوف. وأخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار" ١٥/ ٣١١ - ٣١٢ من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم، عن شعبة، بهذا الإسناد. وانظر ما بعده.
(٢) إسناده صحيح. ورواية مالك هنا عن عبد الله بن إدريس من باب رواية الشيخ عن تلميذه، فمالكٌ شيخ ابن إدريس. وأخرجه الطحاوي ١٥/ ٣١٢، وابن الأعرابي في "معجمه" (٢٢٨٤) من طريقين عن أبي موسى إسحاق بن موسى الأنصاري، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٧٥٦ عن عبد الله بن إدريس، به.
[ ١ / ٤٧٨ ]
عن عبد الله: أنه حَدَّث يومًا عن رسول الله ﷺ، فارتعد وارتَعَدَت ثيابُه، ثم قال: أو نحو هذا (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
وله شواهدُ فيه عن عبد الله:
٣٨٢ - حدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن علي بن عفّان العامري، حدثنا علي بن حَكِيم، حدثنا شَرِيك.
وأخبرنا علي بن عبد الله الحَكِيمي، حدثنا العباس الدُّوري، حدثنا إسحاق بن منصور السَّلُولي، حدثنا شَرِيك، عن أبي العُمَيس عُتْبة بن عبد الله، عن مسلم البَطِين، عن أبي عمرو الشَّيباني قال: كنت أجلِسُ إلى عبد الله بن مسعود حَوْلًا لا يقول: قال رسول الله ﷺ، فإذا قال: قال رسول الله ﷺ، استقبَلَته الرِّعْدةُ، ثم قال: بل كذا، أو نحوُ ذا، أو قريبٌ من ذا، أو ما شاء الله (^٢).
_________________
(١) خبر صحيح، وهذا إسناد قوي من أجل يحيى بن أبي طالب. أبو أحمد الزبيري: هو محمد بن عبد الله بن الزبير الكوفي، وإسرائيل: هو ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي، وأبو حصين: هو عثمان بن عاصم، وعبد الله: هو ابن مسعود. وأخرجه أحمد ٧/ (٤٠١٥) عن يحيى بن أبي بكير، عن إسرائيل، بهذا الإسناد. وأخرجه بنحوه أحمد أيضًا (٤٣٣٣) من طريق عامر الشعبي، عن مسروق، به.
(٢) خبر صحيح، وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى من أجل شريك: وهو ابن عبد الله النخعي. مسلم البطين: هو ابن عمران، ويقال: ابن أبي عمران، وأبو عمرو الشيباني: هو سعد بن إياس. وأخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣٣/ ١٦٤ من طريق أبي سعيد الصيرفي، عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم، بهذا الإسناد. وأخرجه الدارقطني في "العلل" ١٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦ عن إسماعيل الصفار، عن عباس بن محمد الدوري، به. وأخرجه الطبراني (٨٦١٣)، والدارقطني ١٣/ ٢٦٦ من طريقين عن علي بن حكيم به. وأخرجه الشاشي في "مسنده" (٧٦٢)، وابن عساكر ٣٣/ ١٦٤ من طريق محمد بن سعيد بن الأصبهاني، عن شريك، به.
[ ١ / ٤٧٩ ]
٣٨٢ م - أخبرنا علي بن عبد الله الحكيمي ببغداد، حدثنا العباس بن محمد الدُّوري، حدثنا إسحاق بن منصور السَّلُولي، حدثنا شريك (^١)، فذَكَرَه بنحوه (^٢).
هذا حديث من أصول التوقِّي عن كثْرة الرواية والحثِّ على الإتقان فيه، وقد اتَّفقا على إسرائيل عن أبي حَصِين، وقد احتَجَّ مسلمٌ بشَرِيك بن عبد الله، وهو أهلٌ أن يُحتَجَّ به، ولم يُخرجاه.
وله شاهد آخر على شرطهما:
٣٨٣ - حدثناه أبو محمد عبد الله بن محمد بن موسى العَدْل، حدثنا الفضل بن محمد الشَّعْراني، حدثنا مُسدَّد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا ابن عَوْن، أخبرني مسلم بن أبي عِمران، عن إبراهيم التَّيْمي، عن أبيه، عن عمرو بن ميمون قال: ما أخطأَني - وقال ابن عون: قَلَّ ما أخطَّأني - عَشِيَّةُ خميس إلّا أَتيتُ فيها ابنَ مسعود، فما سمعتُه لشيءٍ يقول: قال رسول الله ﷺ، حتى إذا كان ذاتَ عشيَّةٍ قال: قال رسول الله ﷺ، فنظرتُ إليه فإذا هو محلولٌ أزرارُ قميصِه، منتفِخٌ أوداجُه، مُغرَورِقةٌ عيناه، ثم قال: هكذا وفوق ذا، أو قريب من ذا، أو كما قال رسول الله ﷺ (^٣).
٣٨٤ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفّار، حدثنا أحمد بن يونس الضَّبِّي، حدثنا محمد بن عُبيد الطَّنافِسي، عن محمد بن إسحاق.
وحدثني علي بن حَمْشَاذَ العَدْل، أخبرنا علي بن عبد العزيز، أنَّ سعيد بن منصور
_________________
(١) من قوله: "عن أبي العميس" في الإسناد السابق إلى هنا، سقط من (ب) والمطبوع.
(٢) هذا الإسناد مكرر في الذي قبله ولا ندري ما وجه إعادته هنا، فلعله غفلة من النساخ، والله تعالى أعلم.
(٣) إسناده صحيح إسماعيل بن إبراهيم: هو ابن عُليَّة، وابن عون: هو عبد الله، وإبراهيم التيمي: هو إبراهيم بن يزيد بن شريك. وأخرجه أحمد ٧/ (٤٣٢١)، وابن ماجه (٢٣) من طريقين عن عبد الله بن عون، بهذا الإسناد. وانظر ما سيأتي برقم (٥٤٥٩) من طريق مسلم بن أبي عمران - وهو البطين - عن عمرو بن ميمون بنحوه.
[ ١ / ٤٨٠ ]
حدثهم، حدثنا أبو شِهَاب.
وحدثنا أبو القاسم يوسف بن يعقوب السُّوسِي، حدثنا أبو علي محمد بن عمرو الحَرَشي، حدثنا القَعْنَبي، حدثنا أبو شهاب.
وحدثني علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد العُودِي، حدثنا أبو الرَّبيع، حدثنا أبو شهاب، عن محمد بن إسحاق، عن مَعبَد بن كعب بن مالك قال: سمعتُ أبا قَتَادة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المِنبَر: "إيَّاكم وكَثْرة الحديث عنِّي، فمن قالَ عنّي، فلا يقولَنَّ إلّا حقًّا، ومن قال عليَّ ما لم أقُلْ، فليتبَوَّأ مَقعَدَه من النار" (^١).
وفي حديث محمد بن عُبيد: حدثني ابن كعب وغيرُه عن أبي قتادة.
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وفيه ألفاظٌ صَعْبة شديدة، ولم يُخرجاه.
وله شاهد بإسناد آخرَ عن أبي قتادة:
٣٨٥ - حدَّثَنيهِ علي بن حَمْشاذَ، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا يحيى بن موسى بن خَتٍّ ببَلْخ، حدثنا عَتّاب بن محمد بن شوذَب، حدثنا كعب بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: قلت لأبي قَتَادة: حدِّثني بشيءٍ سمعتَه من رسول الله ﷺ، قال: أخشى أن يَزِلَّ لساني بشيءٍ لم يَقُلْه رسول الله ﷺ، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إيَّاكم وكثْرةَ الحديث عنّي، مَن كَذَبَ عليَّ متعمِّدًا، فليتَبوَّأْ مقعدَه من النار" (^٢).
_________________
(١) إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق ومعبد بن كعب، وابنُ إسحاق صرَّح بالتحديث في رواية محمد بن عبيد الطنافسي. القعنبي: هو عبد الله بن مسلمة، وأبو الربيع: هو سليمان بن داود العَتَكي وأبو شهاب: هو عبد ربه بن نافع الحنّاط. وأخرجه أحمد ٣٧/ (٢٢٥٣٨) عن محمد بن عبيد الطنافسي، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن ماجه (٣٥) من طريق يحيى بن يعلى التيمي، عن ابن إسحاق، به. وقوله: ومن قال عليَّ … " إلخ، قد روي من أوجه عن النبي ﷺ بلغت حدَّ التواتر، انظر حديث عبد الله بن عمرو في "مسند أحمد" ١١/ (٦٤٧٨).
(٢) حديث حسن بما قبله، عتاب بن محمد بن شوذب وكعب بن عبد الرحمن ليسا بالمشهورَين =
[ ١ / ٤٨١ ]
٣٨٦ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا محمد بن نُعيم، حدثنا محمد بن رافع، حدثنا علي بن حفص المَدائني، حدثنا شُعْبة، عن خُبَيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "كَفَى بالمَرْءِ إثمًا أن يحدِّثَ بكلِّ ما سَمِعَ" (^١).
قد ذكر مسلم هذا الحديث في أوساط الحكايات التي ذكرها في خُطْبة الكتاب عن محمد بن رافع (^٢)، ولم يُخرجه محتجًّا به في موضعه من الكتاب، وعليُّ بن حفص المَدائني ثقة، وقد نبَّهنا في أول الكتاب على الاحتجاج بزيادات الثِّقات.
وقد أرسله جماعةٌ من أصحاب شعبة:
٣٨٧ - حدَّثَناه أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن القاضي بهَمَذان، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا آدم بن أبي إياس.
وأخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا سليمان بن حَرْب.
وأخبرني عبد الله بن محمد بن موسى، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا حفص بن عمر؛ قالوا: حدثنا شعبة، عن خُبَيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم قال:
_________________
(١) = لا يكادان يُعرفان، والمحفوظ في هذا الحديث أنه من رواية معبد بن كعب عن أبي قتادة كما في الحديث السابق. وأخرجه الطبراني في "طرق حديث من كذب علي متعمدًا" (٩٦) عن موسى بن هارون، بهذا الإسناد. وأخرجه الطبراني أيضًا (٩٦)، وابن عدي في "الكامل" ١/ ٣ - وعنه ابن الجوزي في مقدمة "الموضوعات" ١/ ٧١ - من طريق داود بن حماد البلخي، عن عتاب بن محمد بن شوذب، به.
(٢) إسناده صحيح. وأخرجه مسلم في مقدمة "صحيحه" (٥)، وأبو داود (٤٩٩٢)، وابن حبان (٣٠) من طريقين عن علي بن حفص المدائني، بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم أيضًا (٥) من طريق معاذ العنبري وعبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن شعبة، به.
(٣) بل عن أبي بكر بن أبي شيبة عن علي بن حفص.
[ ١ / ٤٨٢ ]
قال رسول الله ﷺ: "كَفَى بالمَرْءِ إثمًا أن يحدِّثَ بكلِّ ما سَمِع" (^١).
٣٨٨ - أخبرني أبو عمرو إسماعيل بن نُجَيد بن أحمد بن يوسف السُّلَمي ﵀، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا محمد بن سِنَان العوقي، أخبرنا ابن المبارَك، عن مَعمَر، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: قرأ ابن عباس ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] فقال: كنا نَحفَظُ الحديثَ، والحديثُ يُحفَظُ عن رسول الله ﷺ، حتى رَكِبتُم الصَّعْبَ والذُّلُول (^٢).
هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وله شاهدٌ آخرُ مثله:
٣٨٩ - حدَّثَناه أبو علي الحسين بن علي الحافظ، أخبرنا أحمد بن علي بن المثنَّى، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا سفيان بن عُيَينة، عن هشام بن حُجَير، عن طاووس، عن ابن عباس قال: كنَّا نُحدِّث عن رسول الله ﷺ إذ لم يُكذَبُ عليه، فلما رَكِبَ الناسُ الصعبَ والذُّلُولَ، تركْنا الحديثَ عنه (^٣).
_________________
(١) رجاله ثقات - غير عبد الرحمن بن الحسن شيخ المصنف في الإسناد الأول فضعيف - وقد اختُلف على شعبة في وصله وإرساله، وصله جماعة ثقات أيضًا - كما سبق - من أصحاب شعبة، فهو زيادة ثقة مقبولة. وأخرجه أبو داود (٤٩٩٢) عن حفص بن عمر - وهو أبو عمر الحوضي - بهذا الإسناد.
(٢) إسناده صحيح محمد بن أيوب: هو ابن الضُّريس صاحب كتاب "فضائل القرآن"، وابن طاووس: هو عبد الله. وأخرجه مسلم في مقدمة "صحيحه" باب رقم (٤)، وابن ماجه (٢٧)، والنسائي (٥٨٣٨) من طريق عبد الرزاق عن معمر، بهذا الإسناد. وأخرجه بمعناه مسلم أيضًا من طريق مجاهد، عن ابن عباس. قوله: "الصعب والذَّلول" قال النووي في "شرح مسلم": أصل الصعب والذلول في الإبل، فالصعب: العَسِرُ المرغوب عنه، والذَّلول" السهل الطيب المحبوب المرغوب فيه، فالمعنى: سلك الناسُ كلَّ مسلك ممّا يُحمَد ويُذَم.
(٣) خبر صحيح، وهذا إسناد حسن إن شاء الله من أجل هشام بن حجير. =
[ ١ / ٤٨٣ ]
وصلَّى الله على محمد وآله.
٣٩٠ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن يحيى بن ميمون الحَضْرمي أخبره عن أبي موسى الغافِقِي قال: آخرُ ما عَهِدَ إلينا رسولُ الله ﷺ أنه قال: "عليكم بكتابِ الله، وستَرجِعُون إلى قومٍ يحبُّون الحديثَ عني - أو كلمةً تشبهها - فمَن حَفِظَ شيئًا فليحدِّثْ به، ومن قال عليَّ ما لم أقُلْ فليَتبوَّأْ مَقعَدَه من النار" (^١).
رواة هذا الحديث عن آخرهم يُحتَجُّ بهم، فأما أبو موسى مالك بن عُبادة الغافقي فإنه صحابي سكن مصر، وهذا الحديث من جُمْلة ما خرَّجناه عن الصحابي إذا صحَّ إليه الطريق، على أنَّ وَدَاعَةَ الجَنْبي قد روى أيضًا عن مالك بن عُبادة الغافقي، وهذا الحديث قد جمع لفظتين غريبتين: إحداهما قوله: "سترجعون إلى قوم يحبُّون الحديث عني"، والأخرى: "فمن حَفِظَ شيئًا فليحدِّثْ به"، وقد ذهب جماعة من أئمة الإسلام إلى أنَّ ليس للمحدِّث أن يحدِّثَ بما لا يحفظُه، ولم يُخرجاه.
٣٩١ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا العباس بن الوليد بن مَزْيَد البَيْروتي، حدثنا محمد بن شعيب بن شابُور، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه - واللفظ له - أخبرنا الحسن بن علي بن زياد، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني بُسْر بن عُبيد الله الحضرمي، حدثني أبو إدريس الخَوْلاني، أنه سمع
_________________
(١) = وأخرجه مسلم في مقدمة "صحيحه" باب رقم (٤) من طريقين عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. وانظر ما قبله.
(٢) إسناده ضعيف، يحيى بن ميمون الحضرمي لم يسمعه من أبي موسى الغافقي، بينهما فيه وداعة الحمدي أو الجمدي على خلاف في نسبته، وهو مجهول، وانظر تتمة بيان ذلك في التعليق على الحديث في "مسند أحمد" ٣٦/ (١٨٩٤٦)، فقد أخرجه من طريق الليث بن سعد عن عمرو بن الحارث بأطول مما هنا.
[ ١ / ٤٨٤ ]
حُذَيفةَ بن اليَمَان يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسألُه عن الشرِّ مخافة أن يُدرِكَني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشرٍّ، فجاءَنا اللهُ بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟ قال: "نعم، وفيه دَخَنٌ" قلت: وما دَخَنُهُ؟ قال: "قومٌ يَهدُون بغير هَدْيِي، يُعرَفُ منهم ويُنكَر" قلت: وهل بعد ذلك الخير من شرّ، قال: "نعم، دُعاةٌ على أبواب جهنَّم، من أجابهم إليه قَذَفُوه فيها" قلت: يا رسول الله، صِفْهم لنا، قال: "هم من جِلْدتِنا، ويتكلَّمون بألسنتِنا" قلت: فما تأمرُني إن أدركتُ ذلك؟ قال: "تَلَزَمُ جماعةَ المسلمين وإمامَهم" قلت: فإن لم يكن لهم إمامٌ ولا جماعة؟ قال: "فاعتزِلْ تلك الفِرَق كلها، ولو أنْ تَعَضَّ بأصلِ شجرةٍ حتى يُدرِكَك الموتُ وأنت كذلك" (^١).
هذا حديث مخرَّج في "الصحيحين" هكذا، وقد خرَّجاه أيضًا مختصرًا من حديث الزهري عن أبي إدريس الخَوْلاني (^٢)، وإنما خرَّجتُه في كتاب العلم لأني لم أجِدْ للشيخين حديثًا يدلُّ على أنَّ الإجماع حُجَّةٌ غير هذا، وقد خرَّجتُ في هذا الموضع
_________________
(١) إسناده صحيح. أبو إدريس الخولاني: هو عائد الله بن عبد الله. وأخرجه البخاري (٣٦٠٦) و(٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧) (٥١)، وابن ماجه (٣٩٧٩) من طرق عن الوليد بن مسلم بهذا الإسناد - ورواية ابن ماجه مختصرة. وانظر "مسند أحمد" ٣٨/ (٢٣٢٨٢). وانظر ما سيأتي برقم (٤٢٢) و(٨٥٣٧) و(٨٥٣٥) و(٨٧٤٣). قوله: "فيه دَخَنٌ" هو الدخان، والمعنى: أنَّ الخير الذي يجئ بعد الشر لا يكون خيرًا خالصًا، بل فيه كَدَرٌ. قاله الحافظ ابن حجر في "الفتح".
(٢) ليس في "الصحيحين" من هذا الطريق إلّا ما أخرجه مسلم برقم (٢٨٩١) به عن حذيفة بن اليمان، قال: والله إني لأعلمُ الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي إلّا أن يكون رسول الله ﷺ أسرَّ إليَّ في ذلك شيئًا لم يحدِّثه غيري ولكن رسول الله ﷺ قال وهو يحدِّث مجلسًا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله ﷺ وهو يعدُّ الفتن: "منهنَّ ثلاث لا يكدنَ يذرن شيئًا، ومنهنَّ فتن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار"، قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري. وسيأتي عند المصنف برقم (٨٦٦١).
[ ١ / ٤٨٥ ]
أحاديثَ من هذا الباب ما لم يُخرجاه.
الحديث الأول منها:
٣٩٢ - حدَّثَناه أبو أحمد بكر بن محمد بن أبو أحمد بكر بن محمد بن حَمْدان الصَّيرَفي بمَرْو، حدثنا إبراهيم بن هلال البُوزَنْجِرْدي، حدثنا علي بن الحسن بن شَقِيق، أخبرنا عبد الله بن المبارَك.
وأخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد الفقيه البخاري بنَيْسابور، حدثنا أبو الموجِّه، أخبرنا عَبْدانُ، أخبرنا عبد الله بن المبارك.
وحدثنا بُكَير بن محمد الصُّوفي بمكة، حدثنا الحسن بن علي المَعمَري، حدثنا الحسن بن عيسى، أخبرنا عبد الله بن المبارك.
وحدثني أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل القارئُ - واللفظ له - حدثنا عثمان بن سعيد الدَّارِمي، حدثنا نُعيَم بن حمّاد، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا محمد بن سُوقَة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: خَطَبَنا عمرُ بالجابيَةِ فقال: إني قمتُ فيكم كمَقامِ رسول الله ﷺ فينا، فقال: "أُوصِيكُم بأصحابي، ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يَلُونهم، ثم يَفشُو الكذبُ حتى يَحلِفَ الرجلُ ولا يُستحلَف، ويَشهَدَ ولا يُستشهَد، فمن أراد منكم بحبَحةَ الجنة فليَلزَمِ الجماعةَ، فإنَّ الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعَدُ، ألَا لا يَخلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلّا كان ثالثَهما الشيطانُ" قالها ثلاثًا "وعليكم بالجماعةِ، فإنَّ الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنينِ أبعَدُ، أَلَا وَمَن سَرَّتْه حَسَنتُه وساءَتْه سيِّئتُه، فهو مؤمنٌ" (^١).
_________________
(١) إسناده صحيح. أبو الموجِّه: هو محمد بن عمرو الفَزَاري، وعبدان: هو عبد الله بن عثمان المروزي. وأخرجه أحمد ١/ (١١٤)، وابن حبان (٧٢٥٤) من طريقين عن عبد الله بن المبارك، بهذا الإسناد. وخالف عطاء بن مسلم - وهو الخفّاف - فرواه عن محمد بن سُوقة، عن أبي صالح قال: قدم عمر الجابية، فذكره. أخرجه النسائي (٩١٨٢)، وهذا من أوهام عطاء بن مسلم فقد كان يخطئ في رواياته كثيرًا، وأبو صالح - وهو ذكوان السمان - لم يدرك عمر. =
[ ١ / ٤٨٦ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فإني لا أعلم خلافًا بين أصحاب عبد الله بن المبارك في إقامة هذا الإسناد عنه. عنه، ولم يُخرجاه.
وله شاهدان عن محمد بن سُوقَة قد يُستشهَدُ بمثلهما في مثل هذا الموضع:
أما الشاهد الأول:
٣٩٣ - فحدَّثَناه أبو أحمد إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمي بالكوفة، حدثنا جعفر بن محمد العَلَوي، حدثنا عثمان بن سعيد المُرِّي (^١)، حدثنا الحسن بن صالح، عن محمد بن سُوقَة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أنَّ عمر بن الخطَّاب خَطَبَ بالجابيَة فقال: قام فينا رسولُ الله ﷺ مَقامِي فيكم فقال: "استَوصُوا بأصحابي خيرًا" فذكر الحديث بنحوه (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه النسائي (٩١٨٠) من طريق يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن شهاب الزهري، عن عمر. وهذا منقطع الزهري لم يدرك عمر، وقد صوَّب البخاري في "التاريخ الكبير" ١/ ١٠٢ والدارقطني في "العلل" ٢/ ٦٧ هذه الرواية وقدماها على رواية محمد بن سوقة، مع أنه ثقة ثبت، والطريق إليه أقوى من الطريق إلى يزيد بن الهاد، والله تعالى أعلم. وأخرجه أحمد ١/ (١٧٧)، وابن ماجه (٢٣٦٣)، والنسائي (٩١٧٥ - ٩١٧٧)، وابن حبان (٥٥٨٦) و(٦٧٢٨) من طريق عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمُرة، عن عمر. وأخرجه النسائي (٩١٧٨) و(٩١٧٩) من طريق عبد الملك بن عمير أيضًا، عن عبد الله بن الزبير، عن عمر وله وجوه أخرى عن عبد الملك بن عمير ذكرها الدارقطني في "العلل" ٢/ ١٢٢ (١٥٥). وقوله: "من سرَّته حسنته … إلخ" سلف عند المصنف برقم (٣٢) من حديث أبي موسى الأشعري. والجابية: موضع قريب من نَوَى جنوب دمشق.
(٢) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: المزني، والتصويب من مصادر ترجمته، واسمه عثمان بن سعيد بن مُرّة القرشي مولاهم، فهو مولى سعيد بن العاص، والظاهر أنه نُسب إلى جده مرة.
(٣) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن إن شاء الله، وذلك من أجل أبي أحمد شيخ المصنف وشيخه جعفر بن محمد وشيخه عثمان المري. وأخرجه أبو سعيد بن الأعرابي في "معجمه" (١٠٣٦)، ومن طريقه القضاعي في "مسند الشهاب" =
[ ١ / ٤٨٧ ]
وأما الشاهد الثاني:
٣٩٤ - فحدَّثَناه أبو بكر محمد بن داود بن سليمان الزاهد، حدثنا جعفر بن أحمد بن سِنَان الواسطي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدُّورَقي وأحمد بن مَنِيع قالا: حدثنا النَّضْر بن إسماعيل البَجَلي، حدثنا محمد بن سُوقَة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: خَطَبَنا عمرُ بالجابيَة فقال: إني قمتُ فيكم كمَقامِ رسول الله ﷺ فينا، فذكر الحديث بنحوه (^١).
فأما الخلافُ في هذا الحديث عن عبد الملك بن عُمير فإنه مجموعٌ لي في جزء، والذي عندي أنَّ الإمامين تَرَكا هذا الحديث من ذلك الخلاف بين الأئمة على عبد الملك فيه، وتلك الأسانيد لا تُعلَّلُ بهذه الأسانيد الخارجة منها، وقد رُوِيناه بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقَّاص عن عمر:
٣٩٥ - حدَّثَناه أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد.
وحدثني أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد المؤذِّن، حدثنا أحمد بن زيد بن هارون القزَّاز بمكة؛ قالا: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحِزَامي، حدثني محمد بن مُهاجِر بن مِسْمار (^٢)، عن عامر بن سعد بن أبي وَقَّاص، عن أبيه قال: وَقَفَ عمر بن الخطّاب بالجابِيَة فقال: رَحِمَ اللهُ رجلًا سمع مقالتي فوَعَاها، إني رأيتُ رسول الله ﷺ وَقَفَ
_________________
(١) = (٤٠٣) عن إبراهيم بن سليمان بن حيان الهمداني، عن عثمان بن سعيد المري، بهذا الإسناد. وإبراهيم بن سليمان مختلف فيه. وانظر ما قبله وما بعده.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف لضعف النضر بن إسماعيل، وهو متابع فيما سبق. وأخرجه الترمذي (٢١٦٥) عن أحمد بن منيع وحده، بهذا الإسناد. وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي (٩١٨١) عن محمد بن الوليد، الفحام عن النضر بن إسماعيل، به.
(٣) كذا وقع في النسخ الخطية، ولم نقف في الرواة على من اسمه محمد بن مهاجر بن مسمار، والصواب هنا أنه من رواية إبراهيم بن مهاجر بن مسمار، وهو ضعيف، وقد أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٢٠/ ٢٨٢ - ٢٨٣ من طريق الحاكم فسماه إبراهيمَ على الصواب، وكذا وقع عند ابن أبي عاصم في "السنة" (٨٦) و(٨٩٦).
[ ١ / ٤٨٨ ]
فينا كمَقامي فيكم ثم قال: "احفَظُوني في أصحابي، ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يَلُونهم - ثلاثًا - ثم يَكثُرُ الهَرْجُ، ويظهَرُ الكَذِبُ، ويَشْهَدُ الرجلُ ولا يُستشهَد، ويَحلِفُ ولا يُستحلَف، من أحبَّ منكم بُحبُوحةَ الجنة فعليه بالجماعة، فإنَّ الشيطانَ مع الواحد، وهو من الاثنين أبعَدُ، لا يَخلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ، فإنَّ الشيطان ثالثُهما، مَن سَرَّتْه حَسَنتُه وساءته سيِّئتُه، فهو مؤمن" (^١).
الحديث الثاني فيما احتَجَّ به العلماء أنَّ الإجماع حُجَّة، حديثٌ مُختلَف فيه عن المعتمِر بن سليمان من سبعة أوجه، فالوجه الأول منها:
٣٩٦ - ما حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم الأصمّ ببغداد، حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر، حدثنا خالد بن يزيد القَرْني، حدثنا المُعتِمر بن سليمان، عن أبيه، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يَجمَعُ اللهُ هذه الأُمَّةَ على الضلالة أبدًا" وقال: "يدُ الله على الجماعة، فاتَّبِعوا السَّوادَ الأعظمَ، فإنه مَن شَذَّ شَذَّ في النار" (^٢).
_________________
(١) صحيح بما قبله، وهذا إسناد ضعيف لما مضى بيانه في التعليق السابق. وأخرجه ابن عساكر ٢٠/ ٢٨٢ - ٢٨٣ من طريق البيهقي، عن أبي عبد الله الحاكم، عن أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بهذا الإسناد. وأخرجه مختصرًا ابن أبي عاصم في "السنة" (٨٦) و(٨٩٦) عن إبراهيم بن المنذر الحزامي، به. واقتصر على قوله: "من أراد بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة فإنَّ الشيطان مع الفذّ"، وجعله من رواية إبراهيم بن المهاجر عن أبيه عن عامر بن سعد. والهَرْج: القتل والاضطراب في الناس.
(٢) صحيح لغيره دون قوله: "من شذ شذ في النار"، وإسناد حديث ابن عمر قد اضطُرب فيه على معتمر في شيخه، والصواب أنه سليمان آخر غير أبيه، وما وقع هنا في رواية خالد القرني فهو وهمٌ منه، وسليمان هذا: هو ابن سفيان المَديني، ويقال: أبو سفيان، ويقال غير ذلك، وهو ضعيف. وأخرجه اللالكائي في "أصول الاعتقاد" (١٥٤)، وأبو نعيم في "الحلية" ٣/ ٣٧ من طريقين عن جعفر بن محمد بن شاكر، بهذا الإسناد. =
[ ١ / ٤٨٩ ]
خالد بن يزيد القَرْني هذا شيخ قديم للبغداديين، ولو حَفِظَ هذا الحديث لحَكَمْنا له بالصحة.
والخلاف الثاني فيه على المعتمِر:
٣٩٧ - ما حدَّثَناه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى، حدثنا محمد حدثنا محمد بن المسيَّب، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمِر بن سليمان، حدثني أبو سفيان المَدِيني، عن عبد الله بن دِينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يَجمَعُ اللهُ هذه الأُمَّةَ على الضلالة أبدًا، ويدُ الله على الجماعة، فمن شَذَّ شَذَّ في النار" (^١).
والخلاف الثالث فيه على المعتمِر:
٣٩٨ - ما حدثنا علي بن عيسى بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، حدثنا أبو بكر بن نافع، حدثنا المعتمِر، حدثني سليمان المَدِيني، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يَجْمَعُ الله أُمَّتِي على ضلالةٍ أبدًا" (^٢).
والخلاف الرابع على المعتمِر فيه:
٣٩٩ - ما أخبرني محمد بن عبد الله العُمَري، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني
_________________
(١) = وللحديث دون قوله: "ومن شذَّ شذَّ في النار" شواهد يتقوّى بها ويصح، منها حديث ابن عباس الآتي عند المصنف برقم (٤٠٣) و(٤٠٤)، وسنده صحيح. وانظر تتمة شواهده في "مسند أحمد" ٣٥/ (٢١٢٩٤)، و"جامع الترمذي" (٢٣٠٥ - طبعة الرسالة).
(٢) صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لضعف أبي سفيان المديني - ويقال: المدني، نسبة إلى مدينة رسول الله ﷺ واسمه سليمان بن سفيان وقيل غير ذلك في اسمه وكنيته. وأخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٧٠١) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (٨٠) من طريق المسيب بن واضح، عن المعتمر بن سليمان، به.
(٣) صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف كسابقه. أبو بكر بن نافع: هو محمد بن أحمد بن نافع. وأخرجه الترمذي في "الجامع" (٢١٦٧)، وفي "العلل الكبير" (٥٩٧)، والدولابي في "الكنى والأسماء" (١٤٣١) من طريق أبي بكر بن نافع بهذا الإسناد. وانظر ما سيأتي برقم (٤٠٢).
[ ١ / ٤٩٠ ]
علي بن الحسين الدِّرهَمي، حدثنا المعتمِر بن سليمان، عن سفيان - أو أبي سفيان - عن عبد الله بن دِينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "لن يَجمَعَ اللهُ أمَّتي على ضلالةٍ أبدًا، ويد الله على الجماعة هكذا - ورفع يديه - فإنه مَن شَذَّ شَذَّ في النار" (^١).
قال الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق: لستُ أعرِفُ سفيان أو أبا سفيان هذا.
والخلاف الخامس على المعتمر فيه:
٤٠٠ - ما حدَّثَناه أبو الحسين عبد الصمد بن علي بن مُكرَم البزَّاز ببغداد، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا المعتمِر، عن سَلْم بن أبي الذَّيّال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يَجْمَعُ اللهُ هذه الأُمَّة - أو قال: أمتي - على الضَّلالة أبدًا، واتَّبعوا السَّوادَ الأعظمَ، فإنه مَن شَذَّ شَذَّ في النار" (^٢).
قال لنا عمر بن جعفر البصري: هكذا في كتاب أبي الحسين: عن سَلْم بن أبي الذَّيّال.
قال الحاكم أبو عبد الله: وهذا لو كان محفوظًا من الراوي، لكان من شرط الصحيح.
والخلاف السادس على المعتمِر فيه:
_________________
(١) صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف. وأخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (٤٢٠) من طريق محمد بن محمد الحجّاجي، عن محمد بن إسحاق، بهذا الإسناد.
(٢) صحيح لغيره، وخالد بن عبد الرحمن الراوي عن معتمر هنا لا يُعرَف إلَّا إذا كان هو خالد بن يزيد - أو ابن أبي يزيد - القَرْني، فقد أخرجه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٤١٩) من طريق محمد بن الحسن البربهاري، عن محمد بن غالب، فقال فيه: عن خالد القرني. وله فيه طريق أخرى عنه من حديث أحمد بن الهيثم بن خالد قال: حدثنا خالد بن يزيد، فذكره. وذكر سلم بن أبي الذيال فيه وهمٌ لعلَّة من محمد بن غالب، وهو التمتام، فلقد كان يخطئ أحيانًا في أسانيده، والحديث محفوظ عن المعتمر بن سليمان عن سليمان أبي سفيان المدني عن عبد الله بن دينار، كما في الأسانيد السابقة، وسليمان هذا ضعيف كما تقدم.
[ ١ / ٤٩١ ]
٤٠١ - ما أخبرنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، أخبرنا سهل بن أحمد بن عثمان الواسطي من كتابه، حدثنا يحيى بن حبيب بن عَرَبيّ، حدثنا المعتمِر بن سليمان قال: قال أبو سفيان سليمان بن سفيان المَدِيني، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، أنَّ نبيّ الله ﷺ قال: "لا يَجمَعُ الله أمَّتي على ضلالةٍ أبدًا، ويد الله على الجماعةِ هكذا، فاتَّبِعوا السَّوادَ الأعظمَ، فإنه مَن شَذَّ شَذَّ في النار" (^١).
والخلاف السابع على المعتمِر فيه:
٤٠٢ - ما حدَّثناه أبو الحسن محمد بن الحسين بن منصور، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يونس البَزَّاز، حدثنا أبو بكر بن نافع، حدثنا معتمِر بن سليمان، حدثني سليمان أبو عبد الله المدني، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ الله لا يَجمَعُ أمَّتي - أو قال: أمَّة محمد ﷺ على ضلالةٍ أبدًا، ويدُ الله على الجماعة - وقال بيده يَبسُطُها - إِنَّه مَن شَذَّ شَذَّ في النار" (^٢).
قال الحاكم: فقد استقرَّ الخلافُ في إسناد هذا الحديث على المعتمر بن سليمان - وهو أحد أركان الحديث - من سبعة أوجهٍ لا يَسَعُنا أن نَحكُم أَنَّ كلَّها محمولة على الخطأ، ولا أنَّ كلَّها محمولة على الصواب، وقد كنتُ أسمع أبا علي الحسين بن علي الحافظ يحكم بالصواب لقول من قال: عن المعتمر عن سليمان بن سفيان المديني
_________________
(١) صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لضعف سليمان بن سفيان. وأخرجه الطبراني (١٣٦٢٤) عن سهل بن أبي سهل الواسطي، عن يحيى بن حبيب بن عربي، بهذا الإسناد. وأخرجه أبو عمرو الداني في "السنن الواردة في الفتن" (٣٦٨) من طريق محمد بن هشام بن أبي خيرة، عن المعتمر بن سليمان، به. وأخرجه الطبراني (١٣٦٢٣) من طريق محمد بن أبي بكر المقدمي عن معتمر بن سليمان، عن مرزوق مولي آل طلحة، عن عمرو بن دينار، به - وهذا اختلاف آخر في إسناد هذا الحديث لم يذكره الحاكم، ومرزوق هذا لا يعرف، والمحفوظ سليمان المدني، وهو مولى آل طلحة بن عبيد الله.
(٢) صحيح لغيره، وانظر ما سلف برقم (٣٩٨).
[ ١ / ٤٩٢ ]
عن عبد الله بن دينار، ونحن إذا قلنا هذا القول نَسَبْنا الراوي إلى الجهالة فوَهَّنّا به الحديث، ولكنا نقول: إنَّ المعتمر بن سليمان أحدُ أئمَّة الحديث، وقد رُوِيَ عنه هذا الحديث بأسانيدَ يَصِحُّ بمثلها الحديث، فلا بدَّ من أن يكون له أصل بأحد هذه الأسانيد.
ثم وَجَدْنا للحديث شواهدَ من غير حديث المعتمر لا أدَّعي صحتَها ولا أحكمُ بتوهينها، بل يَلْزَمُني ذِكرُها لإجماع أهل السُّنّة على هذه القاعدة من قواعد الإسلام، فممَّن رُوِيَ عنه هذا الحديث من الصحابة عبدُ الله بن عباس:
٤٠٣ - حدثنا أبو الوليد حسَّان بن محمد الفقيه إملاءً وقراءةً، حدثنا محمد بن سليمان بن خالد، حدثنا سَلَمة بن شَبِيب، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا إبراهيم بن ميمون، أخبرني عبد الله بن طاووس، أنه سمع أباه يحدِّث، أنه سمع ابنَ عباس يحدِّث، أنَّ النبي ﷺ قال: "لا يَجمَعُ الله أمَّتي - أو قال: هذه الأُمة - على الضلالةِ أبدًا، ويدُ الله على الجماعة" (^١).
٤٠٤ - حدَّثَناه أبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا العباس بن عبد العظيم، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إبراهيم بن ميمون العَدَني - وكان يُسمَّى قُريشَ اليمن، وكان من العابدين المجتهدين - قال: قلت لأبي جعفرٍ: والله لقد حدَّثني ابن طاووس عن أبيه قال: سمعت ابنَ عباس يقول: قال رسول الله ﷺ: "لا يَجمَعُ اللهُ أمَّتي على ضلالةٍ أبدًا، ويدُ الله على الجماعة" (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح، ومحمد بن سليمان بن خالد - وهو العبدي الميداني النيسابوري - ذكره الحاكم في "تاريخ نيسابور" (كما في "منتخبه" للخليفة النيسابوري ص ٥٥) وقال شيخ مشهور، وقد توبع في الذي يليه، وباقي رجال الإسناد ثقات. وأخرجه الترمذي (٢١٦٦) عن يحيى بن موسى، عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد. واقتصر على قوله: "يد الله مع الجماعة"، وقال: حديث حسن. وانظر ما بعده.
(٢) إسناده صحيح. وانظر ما قبله.
[ ١ / ٤٩٣ ]
قال الحاكم: فإبراهيمُ بن ميمون العَدَني هذا قد عدَّله عبدُ الرزاق وأثنى عليه، وعبد الرزاق إمامُ أهل اليمن وتعديلُه حُجَّة.
وقد رُوِيَ هذا الحديث عن أنس بن مالك:
٤٠٥ - حدَّثَناه علي بن حَمْشَاذَ العَدْل، حدثنا محمد بن عيسى بن السَّكَن الواسطي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا مبارَك أبو سُحَيم مولى عبد العزيز بن صهيب، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ: أنه سأل ربَّه أربعًا: سأل ربَّه أن لا تموتَ أُمَّتُه (^١) جوعًا، فأُعطيَ ذلك، وسأل ربَّه أن لا يجتمعوا على ضلالةٍ، فأُعطيَ ذلك، وسأل ربَّه أن لا يرتدُّوا كفارًا، فأُعطيَ ذلك، وسأل ربَّه أن لا يَغلِبَهم عدوٌّ لهم فيستبيحَ بَيْضتَهم، فأُعطيَ ذلك، وسأل ربَّه أن لا يكونَ بأسُهم بينهم، فلم يُعطَ ذلك (^٢).
أما مُبارَك بن سُحَيم، فإنه ممَّن لا يُمشَّي في مثل هذا الكتاب، لكني ذكرتُه اضطرارًا.
الحديث الثالث في حُجَّة العلماء بأنَّ الإجماع حُجَّة:
٤٠٦ - أخبرنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه ببغداد، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي، حدثنا عمرو بن عَوْن.
وأخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عمرو بن عَوْن، حدثنا خالد بن عبد الله، عن مُطرِّف، عن خالد بن وَهْبان، عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ: "من فارقَ الجماعةَ قِيدَ شِبْرٍ، فقد خَلَعَ رِيْقةَ الإسلام من عُنقِه" (^٣).
_________________
(١) لفظ "أمته" سقط من (ز) و(ب) وأثبتناه من (ص) و(ع).
(٢) إسناده ضعيف جدًّا، مبارك أبو سحيم - وهو ابن سحيم - متروك.
(٣) صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لجهالة خالد بن وهبان، ثم إنه منقطع هنا بينه وبين مطرِّف، بينهما فيه أبو الجهم كما عند غير المصنف، وأبو الجهم هو الذي تفرَّد بالرواية عن خالد بن وهبان، واسمه سليمان بن الجهم مطرف: هو ابن طريف الحارثي. =
[ ١ / ٤٩٤ ]
تابعه جريرُ بن عبد الحميد الضّبي عن مطرِّف:
٤٠٧ - حدَّثَناه أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي، حدثنا جعفر بن سَوَّار، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جَرير، عن مُطرِّف، عن خالد بن وَهْبان، عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن خالَفَ جماعةَ المسلمين شِبرًا، فقد خَلَعَ رِبْقةَ الإسلام من عُنقِه" (^١).
خالد بن وَهْبان لم يُذكَر بجَرْح في رواياته، وهو تابعي معروف، إلّا أنَّ الشيخين لم يخرجاه.
وقد رُوِي هذا المتنُ عن عبد الله بن عمر بإسناد صحيح على شرطهما:
٤٠٨ - أخبرَناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفّار، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثني يحيى بن سعيد قال: كَتَبَ إليَّ خالدُ بن أبي عِمران قال: حدثني نافع، عن عبد الله بن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من خَرَجَ من الجماعةِ قِيدَ شِبْرٍ، فقد خَلَعَ رِبْقةَ الإسلام من عُنقِه حتى يُراجِعَه"، وقال: "من مات وليس عليه إمامُ جماعةٍ، فإِنَّ مَوْتتَه مَوتةٌ جاهليَّة" (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ٣٥/ (٢١٥٦٠ - ٢١٥٦٢)، وأبو داود (٤٧٥٨) من طرق عن مطرف، عن أبي الجهم، عن خالد بن وهبان به وانظر ما بعده. ويشهد له بلفظه حديثا ابن عمر والحارث الأشعري التاليان وهما صحيحان. وفي معناه في الباب غير ما حديث، انظرها عند حديث ابن عمر في "مسند أحمد" ٩/ (٥٣٨٦). قِيد شبر: أي: قدر شبر. والرِّبقة، قال ابن الأثير في "النهاية": الرِّبقة في الأصل: عُرْوة في حبل تُجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، فاستعارها للإسلام، يعني: ما يشدُّ به المسلم نفسه من عرى الإسلام، أي: حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه.
(٢) صحيح لغيره كسابقه.
(٣) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن إن شاء الله، أبو صالح - وهو عبد الله بن صالح كاتب الليث - حسن الحديث في المتابعات والشواهد، وهذا الحديث منها، وقد سلف عند المصنف برقم (٢٦١). =
[ ١ / ٤٩٥ ]
الحديث الرابع فيما يدلُّ على أنَّ إجماع العلماء حُجَّة:
٤٠٩ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا بكَّار بن قُتيبة القاضي بمصر، حدثنا أبو داود سليمان بن داود الطَّيالسي، حدثنا علي بن المبارَك، عن يحيى بن أبي كَثير، عن زيد بن سَلَّام، عن جدِّه قال: حدثني الحارث الأشعَري قال: قال رسول الله ﷺ: "آمرُكم بخمس كَلِماتٍ أمرَني اللهُ بهنَّ: الجماعةِ، والسمعِ، والطاعةِ، والهجرةِ، والجهادِ في سبيل الله، فمن خَرَجَ من الجماعة قِيدَ شِبْر، فقد خَلَعَ رِبْقةَ الإسلام من رأسِه إلّا أن يَرجعَ" (^١).
وهكذا رواه بطوله معاويةُ بن سَلَّام وأبَانُ بن يزيد العطَّار عن يحيى بن أبي كثير.
أما حديث معاوية:
٤١٠ - فحدَّثَناه علي بن حَمْشاذَ، أخبرنا محمد بن غالب، أنَّ حفص بن عمر العُمَري حدثهم، قال: حدثنا معاوية بن سلَّام، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني زيد بن سلَّام، أنه سمع أبا سلَّام يقول: حدثني الحارث الأشعَري، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ الله أمَرني بخمسٍ أعملُ بهنَّ … " فذكر الحديث بطوله (^٢).
وأما حديث أبانَ بن يزيد عن يحيى:
٤١١ - فحدَّثَناه علي بن حَمْشاذَ، حدثنا تَميم بن محمد، حدثنا هُدْبة بن خالد، حدثنا أبانُ بن يزيد، حدثنا يحيى بن أبي كثير، أنَّ زيدًا حدَّثه، أنَّ أبا سلّام حدَّثه، أنَّ الحارث الأشعري حدَّثه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله أمرَ يحيى بنَ زكريا بخمسٍ
_________________
(١) = ويشهد له ما في الحديثين السابق واللاحق.
(٢) إسناده صحيح. وانظر ما بعده.
(٣) حديث صحيح، حفص بن عمر العُمري هذا لعله هو حفص بن عمر بن سويد أبو عمر الخطّابي العدوي البغدادي، ترجمه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١٤/ ٤٢٣ - ٤٢٥، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٩/ ٨٩، وذكرا أنه روى عن معاوية بن سلام، إلّا أنهما لم يأثُرا فيه جرحًا أو تعديلًا، وباقي رجاله ثقات. وانظر ما بعده.
[ ١ / ٤٩٦ ]
فقال: تعملُ بهنَّ وأْمُرْ بني إسرائيل أن يعملوا بهنَّ" فذكر الحديث، وقال فيه: "إنَّ الله أمَرَني بخمسٍ" فذكره بطوله (^١).
هذا حديث صحيح على ما أصَّلْناه في الصحابة إذا لم نجد لهم إلّا راويًا واحدًا، فإنَّ الحارث الأشعريَّ صحابيٌّ معروف سمعتُ أبا العباس محمد بن يعقوب يقول: سمعت العباس الدُّورِيَّ يقول: سمعت يحيى بن مَعِين يقول: الحارث الأشعريُّ له صُحْبة.
ولهذه اللفظة من من الحديث شاهد عن رسول الله ﷺ:
٤١٢ - حدَّثَناه أبو بكر بن أبي دارِمٍ الحافظ بالكوفة، حدثنا عبد الله بن غنَّام بن حفص بن غِيَاث، حدثني أَبي، حدثنا أبو بكر بن عيّاش، عن عاصم، عن أبي صالح، عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن فارق الجماعةَ شِبرًا، دَخَلَ النار" (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح. أبو سلّام: هو ممطور الحبشي جدُّ زيد بن سلّام. وأخرجه ابن حبان (٦٢٣٣) عن عمران بن موسى بن مجاشع، عن هدبة بن خالد، بهذا الإسناد. وأخرجه بطوله الترمذي (٢٨٦٣) من طريق موسى بن إسماعيل، و(٢٨٦٤) من طريق أبي داود الطيالسي، كلاهما عن أبان بن يزيد، به. وقال: حديث حسن صحيح. وسيأتي عند المصنف برقم (١٥٤٨) من طريق الطيالسي عن أبان. وأخرجه أحمد ٢٨/ (١٧١٧٠) و٢٩/ (١٧٨٠٠) من طريق موسى بن خلف، عن يحيى بن أبي كثير، به. ورواه مختصرًا معمر بن يحيى عن أبي كثير فقال فيه: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أُراه أبا مالك الأشعري، أخرجه من طريقه أحمد ٣٧/ (٢٢٩١٠). وروى منه قطعة مختصرةً النسائي (١١٢٨٦) من طريق محمد بن شعيب، عن معاوية بن سلّام، عن أخيه زيد بن سلام، به. وقطعة منه ستأتي برقم (٧٨٢) من طريق الربيع بن نافع عن معاوية.
(٢) إسناده ضعيف لجهالة حال غنام بن حفص، وأبو بكر بن أبي دارم متكلَّم فيه. عاصم: هو ابن أبي النّجود، وأبو صالح: هو ذكوان السَّمّان، ومعاوية: هو ابن أبي سفيان. =
[ ١ / ٤٩٧ ]
الحديث الخامس فيما يدلُّ على أنَّ الإجماع حُجَّة:
٤١٣ - أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حاتم الدَاربردي بمَرْو، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البِرْتي، حدثنا القَعنَبي.
وحدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه - واللفظ له - أخبرنا أبو المثنَّى، حدثنا القَعنَبي، حدثنا أسامة بن زيد، عن أبيه، جدّه، عن عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من فارَقَ أُمّتَه، أو عادَ أعرابيًّا بعد هجرتِه، فلا حُجَّةَ له" (^١).
قد اتَّفق الشيخانٍ (^٢) على إخراج حديث غَيْلان بن جَرير عن زياد بن رِيَاح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "مَن فارقَ الجماعةَ فمات مات مَوْتةً جاهليّة"، وهذا المتنُ غيرُ ذاك.
الحديث السادس فيما يدلُّ على أنَّ الإجماع حُجّة:
٤١٤ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا حامد بن أبي حامد
_________________
(١) = والمحفوظ في الحديث ما أخرجه أحمد ٢٨/ (١٦٨٧٦) عن أسود بن عامر، وابن حبان (٤٥٧٣) من طريق محمد بن يزيد بن رفاعة كلاهما عن أبي بكر بن عياش، بهذا الإسناد، بلفظ: "من مات بغير إمام، مات ميتة جاهلية". وإسناده حسن.
(٢) إسناده ضعيف لضعف أسامة بن زيد: وهو ابن أسلم العَدَوي مولى عمر أبو المثنى: هو معاذ بن المثنى بن معاذ العنبري، والقعنبي: هو عبد الله بن مسلمة. وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" ٢/ ٢٣ عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، بهذا الإسناد. ونقل عن علي بن المَدِيني توثيق أسامة بن زيد، إلّا أنَّ الجمهور على تضعيفه. والمحفوظ من حديث زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر ما رواه هشام بن سعد عنه عند مسلم (١٨٥١) بلفظ: "من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات مِيتة جاهلية".
(٣) بل انفرد به مسلم في "صحيحه" برقم (١٨٤٨)، وإنما اتفقا على إخراج حديث أبي رجاء العُطاردي عن ابن عباس، فهو عند البخاري برقم (٧٠٥٤) ومسلم برقم (١٨٤٩) بنحو اللفظ المذكور.
[ ١ / ٤٩٨ ]
المقرئ، حدثنا إسحاق بن سليمان القارئ، حدثنا كثير بن أبي كثير أبو النَّضْر (^١)، عن رِبْعيِّ بن حِرَاش قال: أتيتُ حُذيفةَ بن اليَمَان لياليَ سارَ الناسُ إلى عثمان، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن فارَقَ الجماعةَ واستَذَلَّ الإمارةَ، لقيَ الله ولا حُجَّةَ له" (^٢).
تابعه أبو عاصم عن كَثير:
٤١٥ - أخبرَناه أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمَرْو، حدثنا محمد بن معاذ، حدثنا أبو عاصم، حدثنا كَثير بن أبي كَثير، حدثني رِبْعيُّ بن حِراش: أنه أتى حذيفةَ بن اليَمَان يزورُه - وكانت أختُه تحتَ حذيفة - فقال له حذيفة: يا ربعيُّ، ما فعل قومُك؟ وذلك زمنَ خَرَجَ الناسُ إلى عثمان، قال: قد خرج منهم ناس قال: فسمَّى منهم نفرًا، فقال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن فارقَ الجماعةَ واستَذَلَّ الإمارةَ، لقيَ الله ولا حُجَّةَ له عند الله" (^٣).
هذا حديث صحيح، فإنَّ كثير بن أبي كثير كوفيٌّ سكن البصرةَ، روى عنه يحيى بن سعيد القطّان وعيسى بن يونس، ولم يُذكَر بجَرْح.
الحديث السابع فيما يدلُّ على أنَّ الإجماع حُجَّة:
٤١٦ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم الفاكِهي بمكة، حدثنا أبو يحيى عبد الله بن أحمد بن زكريا بن أبي مَسَرَّة، حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ،
_________________
(١) في النسخ الخطية: حدثنا كثير بن النضر، وهو خطأ.
(٢) إسناده حسن من أجل كثير أبي النضر. وسيتكرر عند المصنف برقم (٤٦١٠). وأخرجه أحمد ٣٨/ (٢٣٢٨٣) عن إسحاق بن سليمان، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد أيضًا ٣٨/ ٢٣٢٨٤) و(٢٣٤٥٢) عن محمد بن بكر، عن كثير بن أبي كثير، به.
(٣) إسناده حسن كسابقه. ومحمد بن معاذ في هذه الطبقة يغلب على ظننا أنه ابن يوسف أبو بكر السلمي المروزي، وهذا قد روى عنه غير واحد من الحفّاظ كمحمد بن نصر المروزي وغيره، إلا أننا لم نقف له على ترجمة، لكنه متابع فيما يرويه من الأحاديث، فأقل أحواله أن يكون حسن الحديث وأبو عاصم: هو الضحاك مخلد. وأخرجه أحمد ٣٨/ (٢٣٢٨٨) عن أبي عاصم، بهذا الإسناد.
[ ١ / ٤٩٩ ]
حدثنا حَيْوة، أخبرني أبو هانئ، أنَّ أبا علي الجَنْبي عمرو بن مالك، حدَّثه عن فَضَالة بن عُبيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ثلاثةٌ لا تَسأَل عنهم: رجل فارقَ الجماعة وعصى إمامَه فمات عاصيًا، وأَمَةٌ أو عبدٌ أَبَقَ من سيِّدِه فمات، وامرأةٌ غاب عنها زوجُها وقد كَفَاها مُوْنةَ الدنيا فتبَرَّجَت بعده؛ فلا تَسأَلْ عنهم" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجَّا بجميع رواته (^٢)، ولم يُخرجاه، ولا أعرف له عِلَّة.
الحديث الثامن على أن الإجماع حُجَّة:
٤١٧ - أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا سعيد بن مسعود، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوَّام بن حَوشَب، عن عبد الله بن السائب الأنصاري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "الصلاةُ المكتوبةُ إلى الصلاة المكتوبة التي بعدها كفَّارةٌ لما بينهما، والجُمُعة إلى الجمعة، والشهرُ إلى الشهر - من شهر رمضانَ إلى شهر رمضان - كفَّارةٌ لما بينهما"، ثم قال بعد ذلك: "إلّا من ثلاث"، فعرفتُ أنَّ ذلك من أمرٍ حَدَثَ، فقال: "إلّا من الإشراك بالله، ونَكْثِ الصَّفْقة، وتَرْكِ السُّنَّة" قلت: يا رسول الله، أمّا الإشراك بالله فقد عَرَفْناه، فما نَكْثُ الصَّفْقة وتركُ السُّنّة؟ قال: "أمّا نَكْثُ الصَّفْقة: أن تبايعَ رجلًا بيمينِك، ثم تُخالِفَ إليه فتقابلَه بسيفك، وأمّا تركُ السُّنّةِ: فالخروجُ من الجماعة" (^٣).
_________________
(١) إسناده صحيح. حيوة: هو ابن شريح، وأبو هانئ: هو حميد بن هانئ. وأخرجه أحمد ٣٩/ (٢٣٩٤٣)، وابن حبان (٤٥٥٩) من طريق عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن المقرئ بهذا الإسناد.
(٢) هذا ذهول من المصنف، فإنَّ أبا هانئ من أفراد مسلم، وعمرو بن مالك الجنبي لم يخرجا له شيئًا.
(٣) رجاله ثقات، غريب بهذا السِّياق، سعيد بن مسعود: هذا هو ابن عبد الرحمن المروزي، ذكره الخليلي في "الإرشاد في معرفة علماء الحديث" (٨١٨) ووثّقه، وترجم له الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٢/ ٥٠٤ وقال: أحد الثقات، وسماه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٤/ ٩٥ سعدًا =
[ ١ / ٥٠٠ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتجَّ بعبد الله بن السائب بن أبي السائب الأنصاري (^١)، ولا أعرفُ له علَّةً.
الحديث التاسع في أنَّ الإجماع حُجَّة:
_________________
(١) = وقال: هو صدوق؛ أما عبد الله بن السائب فلم ينسب أنصاريًا إلّا في رواية سعيد بن مسعود هذه، وقد ذُكِر في هذه الطبقة ممن روى عن أبي هريرة أبو السائب الأنصاري، وهو من رجال مسلم، وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب": يقال: اسمه عبد الله بن السائب. قلنا: لكن وقع في رواية هشيم عن العوام بن حوشب عند البيهقي في "شعب الإيمان" (٣٣٤٨): عبد الله بن السائب الكندي، فإن كان هذا محفوظًا - وهشيم أوثق وأحفظ من سعيد بن مسعود - فإنَّ عبد الله بن السائب الكندي هذا قد ذكر له الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" رواية عن أبي هريرة أيضًا، لكن أكثر روايته عن التابعين، وسواء كان هذا أو ذاك فكلاهما ثقة. وأخرجه أحمد ١٦/ (١٠٥٧٦) عن يزيد بن هارون فخالف سعيدَ بنَ مسعود فقال: عن العوام بن حوشب، عن عبد الله بن السائب، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة. فزاد في الإسناد واسطة مبهمة. وممّا يؤيد رواية سعيد بن مسعود بإسقاط هذه الواسطة روايةُ هشيم عند أحمد ١٢/ (٧١٢٩)، ورواية إسحاق بن يوسف الأزرق عند المصنف فيما سيأتي برقم (٧٨٥٨)، كلاهما عن العوام بن حوشب، عن عبد الله بن السائب، عن أبي هريرة وهشيم وإسحاق الأزرق ثقتان مشهوران. وذكره الدارقطني في "العلل" (٢١١٩) ولم يذكر سوى رواية هشيم ورواية يزيد بن هارون التي فيها الواسطة المبهمة، ثم قال: وقول يزيد أشبه بالصواب. كذا قال، مع أن بعض أهل العلم بالرجال كأبي حاتم الرازي قد قدَّم هشيمًا في الحفظ على يزيد بن هارون. وأخرج أوله أحمد ١٥/ (٩١٩٧)، ومسلم (٢٣٣) (١٦) من طريق عمر بن إسحاق مولى زائدة، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات ما بينهنَّ إذا اجتُنبت الكبائر". وهذا هو المشهور في حديث أبي هريرة بإطلاق الكيائر دون حصرها بالثلاث، وهكذا رواه عنه جمع عند مسلم وغيره، انظر تخريج الحديث (٧١٢٩) عند أحمد.
(٢) المشهور بهذا الاسم عبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزومي المكي، وهذا له ولأبيه صحبة، وهو قرشي لا أنصاري، ومسلم روى له حديثًا عن النبي ﷺ، فلعلَّ ما وقع للحاكم هنا وهمٌ، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٥٠١ ]
٤١٨ - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا بِشْر بن موسى، حدثنا خَلّاد بن يحيى قال. وأخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا داود بن عمرو الضَّبِّي؛ قالا: حدثنا نافع بن عمر الجُمَحي، حدثنا أُميَّة بن صفوان، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ بالنَّبَاءَة - أو بالنَّباوَة - يقول: "يُوشِكُ أن تَعرِفوا أهلَ الجنة من أهل النار" أو قال: "خِيارَكم من شِرَارِكم" قيل يا رسول الله، بماذا؟ قال: "بالثَّناءِ الحَسَن، والثناءِ السَّيِّئ، أنتم شهداءُ بعضُكم على بعضٍ" (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، وقال البخاري: أبو زهير الثقفي سمع النبيَّ ﷺ واسمه معاذ. فأما أبو بكر بن أبي زهير فمن كبار التابعين، وإسناد الحديث صحيح ولم يُخرجاه.
فقد ذكرنا تسعةَ أحاديث بأسانيدَ صحيحةٍ يُستَدلُّ بها على الحُجَّة بالإجماع، واستقصيتُ فيه تحرِّيًا لمذاهب الأئمة المتقدِّمين ﵃.