٢٦٧٦ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأُموي، حدثنا محمد بن سنان القَزّاز، حدثنا عبد الله بن خُمْران، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، أخبرني أبي، عن عمر بن الحَكَم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: أتى رسولَ الله ﷺ رجلٌ وهو يَقسِمُ تمرًا يوم حُنين، فقال: يا محمد، اعدِلْ، قال: "وَيحَك ومَن يعدلُ عليك إذا لم أعدِلْ؟ " أو "عند مَن تلتمِسُ العدْلَ بعدي؟ " ثم قال: "يُوشِكُ أن يأتيَ قومٌ مثلُ هذا، يَسألُون كتابَ الله وهم أعداؤه، يقرؤون كتابَ الله، محلَّقةً رؤوسُهم، فإذا خَرجُوا فاضرِبُوا رقابَهم" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذه السِّياقة.
٢٦٧٧ - أخبرني أبو أحمد بكر بن محمد الصَّيرفي بمَرْو، حدثنا عبد الملك بن محمد بن عبد الله الرَّقَاشي، حدثنا أبو عاصم الضحّاك بن مَخْلَد، حدثنا عثمان الشَّحّام، حدثنا مُسلم بن أبي بَكْرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ أقوامًا من أمتي أشدّةً ذَلِقةً ألسنتُهم بالقرآن، لا يجاوزُ تَراقِيَهم، يَمْرُقُون مِن الدِّين كما يَمرُق السهمُ من الرَّمِيَّة، فإذا لقيتُمُوهم فاقتُلُوهم، فإنَّ المأجورَ مَن قَتلَهم" (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد من أجل محمد بن سنان القزاز، وقد توبع. وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (٩٤٤) عن أبي موسى محمد بن المثنى، والطبراني في "الكبير" (١٤٢٤٩) من طريق رجاء بن محمد العُذري، كلاهما عن عبد الله بن حُمران، بهذا الإسناد. وأخرجه بنحوه أحمد (١١/ ٧٠٣٨) من طريق مِقْسَم أبي القاسم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وإسناده حسن.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي من أجل عثمان الشحَّام، وقد روي الحديث عن أبي بكرة =
[ ٣ / ٥١٥ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
وقد رواه حماد بن زيد عن عثمان الشّحّام:
٢٦٧٨ - أخبرَناه أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه ببُخارى، أخبرنا صالح بن محمد بن حبيب الحافظ، حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود العَتَكي وأحمد بن عَبْدة الضَّبّي قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن عثمان الشحّام، قال: أتيت مُسلمَ بن أبي بَكْرة وفَرْقَدَ السَّبَخي، فدخلْنا عليه، فقلنا: أسمعتَ أباك يذكُر في حديث الفتن؟ فقال: نعم، سمعتُ أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكون في أمتي قومٌ أعداءٌ ذَلِقَةٌ ألسنتُهم بالقرآن، فإذا رأيتُمُوهم فأَنِيمُوهم، فإذا رأيتموهم فأَنِيمُوهم" (^١).
٢٦٧٩ - حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ، حدثنا إسحاق بن الحسن بن ميمون، حدثنا عفّان بن مسلم، حدثنا حماد بن سَلَمة، حدثنا الأزرق بن قيس، عن شَريك بن شِهاب، قال: كنت أتمنّى أن أرى رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يحدّثُني عن الخوارج، قال: فلقيتُ أبا بَرْزة في يوم عرفةَ في نفر من أصحابه، فقلت: يا أبا بَرْزة،
_________________
(١) = من وجهين آخرين أحدهما حسن كما سيأتي. وأخرجه أحمد (٣٤/ ٢٠٣٨٢) عن وكيع بن الجراح، و(٢٠٤٤٦) عن روح بن عُبادة، كلاهما عن عثمان الشحّام، به. وسيأتي بعده من طريق حماد بن زيد عن عثمان الشحّام. وأخرجه بنحوه أحمد (٢٠٤٣٤) من طريق بلال بن بُقْطُر، عن أبي بكرة. وبلال مجهول. وله طريق أخرى عند ابن أبي عاصم في "السنة" (٩٣٦) عن نصر بن عاصم، عن أبي بكرة. وإسناده حسن. ذَلِقَة، أي: فصيحة بليغة. والتراقي: جمع تَرْقُوة، وهي العظم الذي بين ثُغْرة النَّحر والعاتق، وهما تَرقُوَتان. والرَّمِيَّة: الصيد الذي ترميه فتقصده وينفُذ فيه سهمك. وقيل: هي كل دابّة مَرْميّة.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد قوي كسابقه. وقوله: "فأنيموهم"، أي: اقتلوهم.
[ ٣ / ٥١٦ ]
حدِّثنا بشيءٍ سمعتَه من النبيّ ﷺ يقول في الخوارج، قال: أحدّثُك ما سمعتْ أُذناي ورأتْ عَيناي: أُتي رسول الله ﷺ بدنانيرَ من أرضٍ، فكان يَقسِمُها وعنده رجلٌ أسودُ مَطمُومُ الشعر، عليه ثوبان أبيضان، بين عينيه أثرُ السُّجود، فتعرَّض لرسول الله ﷺ، فأتاه من قِبَل وجهه، فلم يُعطِه شيئًا، فأتاه مِن قِبَل شماله، فلم يُعطِه شيئًا، فأتاه من خلفه، فقال: والله يا محمد، ما عَدلْتَ منذ اليومِ في القِسْمة، فغضب النبيُّ ﷺ فقال: "لا تَجِدُون بعدي أحدًا أعدَلَ عليكم مني" قالها ثلاثًا، ثم قال: "يخرج من قِبَل المشرق قومٌ كأنّ هديَهم هكذا، يقرؤون القرآنَ لا يجاوزُ تَراقِيَهم، يَمْرُقُون من الدِّين كما يَمرُق السهمُ من الرَّمِيَّة، ثم لا يَرجعون إليه - ووضع يده على صدره - سِيماهم التَّحليق، لا يزالون يخرُجُون حتى يخرجَ آخرُهم، فإذا رأيتُمُوهم فاقتُلُوهم - قالها حماد ثلاثًا - هم شرُّ الخَلْق والخَلِيقة - قالها حماد ثلاثًا" وقال: قال أيضًا: "لا يَرجِعون فيه" (^١).
_________________
(١) صحيح لغيره، وهذا إسناد محتمل للتحسين من أجل شريك بن شهاب، فلا يُعرف له غير هذا الحديث، ولا يُعرف روى عنه غير الأزرق بن قيس، وقال النسائي: ليس بذاك المشهور، وذكره ابن حبان في "الثقات". وأخرجه أحمد (٣٣/ ١٩٧٨٣) عن عفان بن مسلم، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (١٩٨٠٨) عن عبد الصمد بن عبد الوارث ويونس بن محمد المؤدّب، والنسائي (٣٥٥٢) من طريق أبي داود الطيالسي، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة، به. وقالوا فيه: "حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال". ويشهد له دون قوله: "حتى يخرج آخرهم" حديثا عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي بكرة اللذان قبل هذا الحديث. وحديثا أنس بن مالك وأبي سعيد الخُدْري الآتيان بعده. وكذلك حديث علي بن أبي طالب عند البخاري (٣٦١١)، ومسلم (١٠٦٦). وحديث عبد الله بن عُمر عند البخاري (٦٩٣٢). وحديث سهل بن حُنيف عند البخاري (٦٩٣٤)، ومسلم (١٠٦٨). =
[ ٣ / ٥١٧ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٦٨٠ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الزاهد، حدثنا الحسن بن علي بن بحر البَرِّي، حدثنا أبي، حدثنا هشام بن يوسف الصنعاني، عن مَعمَر، عن قَتَادة، عن أنس، أنَّ النبي ﷺ قال: "سيكون في أمتي اختِلافٌ وفُرقةٌ، وسيجيء قومٌ يُعجِبُونكم وتُعجبُهم أنفسُهم، الذين يقتلونهم أَولى بالله منهم، يُحسِنون القيلَ ويُسيئُون الفِعلَ، يَدعُون إلى الله، وليسوا مِن الله في شيء، فإذا لَقيتمُوهم فأَنِيمُوهم" قالوا: يا رسول الله، انعَتْهم لنا، قال: "آيتُهم الحَلْقُ والتَّسْبيتُ" يعني: استئصال القَصير (^١)، قال: والتَّسبِيتُ: استئصال الشَّعر (^٢).
_________________
(١) = وحديث جابر بن عبد الله عند البخاري (٣١٣٨)، ومسلم (١٠٦٣)، لكن رواية البخاري مختصرة. وحديث أبي ذر الغفاري ورافع بن عمرو الغفاري عند مسلم (١٠٦٧). وعند أبي ذر ورافع وأنس وحدهم من هؤلاء الذين تقدَّم ذكرهم من الزياة: "هم شر الخلق والخَليقة"، وهي في رواية عن أبي سعيد عند مسلم. وفي رواية عن عليٍّ عند مسلم: "مِن أبغضِ خلق الله إليه". وزادها بعضُ من ذُكر في روايته خارج الصحيح، وغيرهم، كما بينه الحافظ في "فتح الباري" ٢٢/ ٢١٦ - ٢١٧. ويشهد له مع قوله: "حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال" حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فيما سيأتي عند المصنف برقم (٨٧٠٧)، وإسناده حسن إن شاء الله وقوله: "مطمُوم الشعر" أي: مجزوز الشعر محلوقه. والسِّيْما: العَلامة.
(٢) في (ص) و(ب): التقصير، والمثبت من (ز) هو الوجه، والمعنى: استئصال الشعر القصير، كما صرَّح به في رواية أحمد (٢٠/ ١٣٠٣٦).
(٣) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد (٢٠/ ١٣٠٣٦) من طريق رباح بن زيد الصنعاني، وأبو داود (٤٧٦٦)، وابن ماجه (١٧٥) من طريق عبد الرزاق، كلاهما عن معمر، به. وسيأتي بعده من طريق الأوزاعي عن قتادة. وأخرجه بنحوه أحمد (١٢٨٨٦) و(١٢٩٧٢) من طريق سليمان التيمي، عن أنس بن مالك، قال: ذُكر لي أنَّ نبي الله ﷺ قال - ولم أسمعه منه - فذكره. ومرسل الصحابي حجّة باتفاق أهل العلم. =
[ ٣ / ٥١٨ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
وقد روى هذا الحديث الأوزاعيُّ عن قَتَادة عن أنس، وهو صحيح على شرط الشيخين:
٢٦٨١ - حدَّثَناه أحمد بن عثمان البَزّاز ببغداد، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن الهيثم البَلَدي، حدثنا محمد بن كثير المِصِّيصي، حدثنا الأوزاعي، عن قَتَادة، عن أنس بن مالكٍ، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "سيكون في أمتي اختِلافٌ وفُرقةٌ، قومٌ يُحسِنون القِيلَ ويُسيئون الفِعلَ، يقرؤون القرآنَ لا يُجاوزُ تَراقِيهَم، يَحقِرُ أحدُكم صلاتَه مع صَلاته، وصيامَه مع صيامه، يَمرُقون من الدِّين مُروقَ السهْم من الرَّمِيَّة، لا يرجعُ حتى يُرَدَّ السهمُ على فُوقِه، وهم شِرارُ الخلق والخليقة، طُوبَى لمن قتَلَهم وقتَلُوه، يَدعُون إلى كتاب الله، وليسُوا منه في شيءٍ، مَن قاتلهم كان أَولى بالله منهم" قالوا: يا رسول الله، ما سِيماهُم؟ قال: "التَّحْلِيق" (^١).
٢٦٨٢ - حدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا بِشْر بن بكر، حدثنا الأوزاعي، حدثني قَتَادة بن دِعامة، عن أنس بن مالك وأبي سعيد الخُدْري، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "سيكونُ في أمتي اختِلافٌ وفُرقةٌ، قومٌ يُحسِنون
_________________
(١) = وأخرجه بنحوه أيضًا أحمد (١٢٦١٥) من طريق خلف بن خليفة، عن حفص ابن أخي أنس بن مالك، عن عمِّه، وقال في هذه الرواية: أشهدُ لَسمعتُ رسول الله ﷺ. ونظن ذلك وهمًا من خلف بن خليفة، فإنه كان قد تَغيَّر واختلط، وخالفه التيمي، وهو أوثق منه فبيَّن أنس في روايته أنه لم يسمع هذا الخبرَ من النبي ﷺ.
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد من أجل محمد بن كثير المِصِّيصي. وأخرجه أحمد (٢١/ ١٣٣٣٨) عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخَولاني، وأبو داود (٤٧٦٥) من طريق الوليد بن مسلم ومُبشِّر بن إسماعيل الحلبي، ثلاثتهم عن أبي عمرو الأوزاعي، به. وقرنوا في رواياتهم بأنس أبا سعيد الخُدْري، كما في رواية بشر بن بكر الآتية بعده. وفُوْق السهم: موضع الوَتَر منه.
[ ٣ / ٥١٩ ]
القِيل ويُسيئون الفِعل، يقرؤون القرآنَ لا يجاوِزُ تَراقيَهم، يَمرُقون من الدِّين مُروقَ السهم من الرَّمِيَّة، لا يَرجِعون حتى يَرْتدَّ على فُوقِه، شرُّ الخلق والخَلِيقة، طُوبَى لمن قتَلَهم وقتَلُوه، يَدعُون إلى كتاب الله، وليسوا منه في شيءٍ، من قاتلَهم كان أَولى بالله منهم" قالوا: يا رسول الله، فما سِيْماهم؟ قال: "التَّحْليق" (^١).
لم يسمع هذا الحديث قَتَادة من أبي سعيد الخُدْري، إنما سمعه من أبي المتوكِّل الناجِيّ عن أبي سعيد:
_________________
(١) إسناده عن أنس صحيح، وأما عن أبي سعيد، فإنَّ قتادة لم يسمع منه كما جزم به المزي، وقد نفى أحمد وأبو حاتم سماعه من أحدٍ من الصحابة غير أنس، وزاد أبو حاتم وأبو زرعة عبدَ الله بن سَرْجِس، وزاد ابنُ المديني أبا الطُّفيل عامر بن واثلة. وعبارة المصنف بإثره تُوهم عدم سماعه لهذا الخبر فقط، والصحيح عدم سماعه من أبي سعيد مطلقًا، والله تعالى أعلم، وبينهما فيه واسطة كما سنبينه في الطريق التالية، وقد روي هذا الخبر عن أبي سعيد الخُدْري من وجوه أخرى صحيحة. وأخرجه أحمد (٢١/ ١٣٣٣٨) عن أبي المغيرة الخَولاني، وأبو داود (٤٧٦٥) من طريق الوليد بن مسلم ومُبشِّر بن إسماعيل، ثلاثتهم عن أبي عمرو الأوزاعي، به. وأخرجه بنحوه أحمد (١٧/ ١١٢٩١)، والبخاري (٥٠٥٨) و(٦٩٣١)، ومسلم (١٠٦٤)، وابن ماجه (١٦٩)، والنسائي (٨٠٣٥)، وابن حبان (٦٧٣٧) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأحمد (١٨/ ١١٦١٤)، والبخاري (٧٥٦٢) من طريق معبد بن سيرين، وأحمد ١٧/ (١١١٩٦) و(١١٢٧٥) و١٨/ (١١٤٤٨) و(١١٧٥٠)، ومسلم (١٠٦٤) من طريق أبي نَضْرة المنذر بن مالك بن قِطْعة، وأحمد (١٨/ ١١٤٨٨) من طريق يزيد بن صهيب الفقير، والبخاري (٦٩٣١)، ومسلم (١٠٦٤) من طريق عطاء بن يسار، كلهم عن أبي سعيد الخُدْري. وقال معبد في روايته: "يخرج أناس من قبل المشرق"، ورواية أبي نضرة مختصرة، بلفظ: "تمرُق مارِقةٌ عند فُرقة من المسلمين، يقتلها أَولى الطائفتين بالحق"، وله لفظ آخر بنحو لفظ الرواية الآتية عند المصنف بعده. وسيأتي بعده من طريق قتادة، عن المتوكِّل الناجي، عن أبي سعيد. وبرقم (٢٦٩١) من طريق عبد الملك بن أبي نضرة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدْري، ضمن قصة ذي الخويصرة التميمي، وسيأتي هناك تمامُ تخريجه.
[ ٣ / ٥٢٠ ]
٢٦٨٣ - أخبرَنيهِ أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه بالطابَرَان، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي بهَراةَ وعُبيد بن عبد الواحد بن شَريك ببغداد، قالا: حدثنا أبو الجُماهر محمد بن عثمان التَّنُوخي، حدثنا سعيد بن بَشير، عن قَتَادة، عن عليّ الناجِيّ، عن أبي سعيد الخُدْري، عن النبي ﷺ قال: "مَثَلُهم مَثَل رجل يَرمي رَميّةً، فيَتَوخّى السهمَ حيث وقعَ، فأخذه فنَظَر إلى فُوقِه فلم يَرَ به دسَمًا ولا دمًا، ثم نظر إلى رِيشه فلم يَرَ به دسَمًا ولا دمًا، ثم نظر إلى نَصْلِه فلم يَرَ به دسمًا ولا دمًا، كما لم يتعلَّقْ به شيءٌ من الدسَمِ والدمِ، كذلك لم يتعلَّقْ هؤلاء بشيءٍ من الإسلام" (^١).
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف سعيد بن بَشير ضعيف يُعتبر به في المتابعات لكنه لم يتابع على ذكر أبي المتوكل علي بن داود الناجيّ في إسناده بين قتادة وأبي سعيد، فقد رواه الأوزاعي في الرواية السابقة وغيره عن قتادة عن أبي سعيد الخُدْري مباشرة دون واسطة، لكن روى أبو عَوانة بعضَ الرواية التي قبل هذه عن قتادة عن أبي نَضْرة المنذر بن مالك بن قِطْعة عن أبي سعيد الخُدْري، فالذي يغلب على ظننا أنَّ هذا هو الصواب في الواسطة، لأنَّ أبا عوانة ثقة حافظ، فروايته مقدَّمة على رواية سعيد بن بشير، والله أعلم، ويؤيده أنَّ سليمان التيمي روى نحو هذه الرواية التي هنا عن أبي نضرة عن أبي سعيد كما سيأتي. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٣٦٩)، وفي "مسند الشاميين" (٢٧١١) من طريق محمد بن بكار، عن سعيد بن بشير، بهذا الإسناد. وأخرج أحمد ١٨/ (١١٤١٦) و(١١٦١١)، ومسلم (١٠٦٤) واللفظ له، والنسائي (٨٥٠٢) من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخُدْري، قال: قال رسول الله ﷺ: "تكون في أمتي فرقتان، فتخرج من بينهما مارِقة، يلي قَتْلَهم أَولاهم بالحق"، وهذه قطعة من حديث الأوزاعي عن قتادة المتقدم قبله. وأخرجه بنحو الرواية التي هنا: أحمد (١٧/ ١١٠١٨)، ومسلم (١٠٦٤) واللفظ له، من طريق سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: أنَّ النبي ﷺ ذكر قومًا يكونون في أمته، يخرجون في فرقة من الناس، سيماهم التحالُق، قال: "هم شر الخلق - أو من شر الخلق - يقتلهم أدنى الطائفتين من الحق" قال: فضرب النبي ﷺ لهم مثلًا، أو قال قولًا: "الرجل يرمي الرميّة - أو قال: الغَرضَ - فينظر في النصل فلا يرى بَصيرة، وينظر في النَّضِيّ فلا يرى بَصيرة، وينظر في الفُوق فلا يرى بَصيرة". =
[ ٣ / ٥٢١ ]
٢٦٨٤ - أخبرنا إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمي بالكوفة، حدثنا محمد بن علي بن عفّان العامِري، حدثنا مالك بن إسماعيل النَّهْدي، أخبرنا إسرائيل بن يونس، عن مسلم الأَعْور، عن حَبَّة (^١) العُرَني، قال: دخلتُ أنا وأبو سعيد الخُدْري على حُذيفة، فقلنا: يا أبا عبد الله، حدِّثنا ما سمعتَ من رسول الله ﷺ في الفتنة، قال حذيفةُ: قال رسول الله ﷺ: "دُورُوا مع كتابِ الله حيثُما دارَ"، فقلنا: فإذا اختلف الناسُ فمع من نكون؟ فقال: انظُروا الفئةَ التي فيها ابنُ سُمَيّة، فالْزَمُوها، فإنه يَدُور مع كتابِ الله، قال: فقلت: ومَن ابنُ سُمَيّة؟ قال: أوَما تعرفُه؟ قلت: بَيِّنه لي، قال: عمّار بن ياسر، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لعمار: "يا أبا اليَقْظانِ، لن تموتَ حتى تَقتُلَك الفئةُ الباغِيةُ عن الطريق" (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه بنحو هذه الرواية أيضًا أحمد ١٧/ (١١٢٩١) و١٨/ (١١٥٣٧) و(١١٥٧٩)، والبخاري (٣٦١٠) و(٦١٦٣) و(٦٩٣٣)، ومسلم (١٠٦٤)، وابن ماجه (١٦٩)، والنسائي (٨٥٠٧) و(٨٥٠٨) و(١١١٥٦)، وابن حبان (٦٧٤١) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، وبعضهم قرن فيه بأبي سلمة الضحاك المِشْرَقيَّ. والنَّضِيُّ: السهم قبل أن يُنحت إذا كان قِدْحًا. والبَصيرة: شيء من الدم يُستَدَلُّ به على الرَّمِيَّة.
(٢) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: خالد، وجاء على الصواب في "إتحاف المهرة" للحافظ (٤٢٣٣).
(٣) إسناده ضعيف جدًّا من أجل مسلم الأعور - وهو ابن كيسان المُلائي - وقد تركه بعضهم كما نَبَّه عليه الذهبي في "تلخيصه". وقد اختلف عليه في ذكر من كان بصحبة حَبّة العُرَني لما دخل على حذيفة، فذكر هنا في رواية إسرائيل عنه أبا سعيد الخُدْري، وذكر في رواية أبي أسامة الآتية برقم (٥٧٨٠)، وكذا في رواية محمد بن فضيل عند غير المصنف أبا مسعود، وذكر في رواية علي بن مسهر ابنَ مسعود! حبّة العُرَني: هو ابن جُوَين، وهو ضعيف. وأخرجه البزار (٢٩٤٨)، والطبري في "تاريخه" ٥/ ٣٨ - ٣٩، والطبراني في "الكبير" (١٤٤٣٠)، وأبو الحسن علي بن عمر السُّكَّري في "مشيخته" (٩٦)، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٩/ ١٩٧ من طريق محمد بن فضيل، وأبو يعلى في "مسنده الكبير" كما في "المطالب العالية" للحافظ (٤٤١٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٤٣/ ٤٢٨ من طريق علي بن مسهر، كلاهما عن مسلم الأعور، به. دون قوله: "دُوروا مع كتاب الله حيثما دار". =
[ ٣ / ٥٢٢ ]
هذا حديث له طرق بأسانيد صحيحة، أخرجا بعضها، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ.
٢٦٨٥ - حدثنا أبو أحمد الحسين بن علي التميمي، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البَغَوي، حدثنا أبو كامل الجَحْدَري، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا خالد الحَذّاء، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، أنه قال له ولابنِه عليّ: انطلِقا إلى أبي سعيد فاسمَعا منه حديثَه في شأن الخوارج، فانطلقا فإذا هو في حائطٍ له يُصلِح، فلما رآنا أخذ رداءه ثم احتَبَى، ثم أنشأ يحدِّثنا حتى علا ذِكرُه في المسجد (^١)، فقال: كنا نَحمِل لَبِنةً لَبِنةً، وعمارٌ يحمِل لَبِنتَين لَبِنتَين، فرآه النبي ﷺ، فجعل يَنفُضُ الترابَ عن رأسِه ويقول: "يا عمارُ، ألا تحملُ لَبِنةً لَبِنةً كما يحملُ أصحابُك؟ " قال: إني أريد الأجرَ عند الله، قال: فجعل يَنفُض عنه الترابَ، ويقول: "وَيْحَ عمارٍ، تقتُلُه الفئةُ الباغِيةُ" قال: ويقولُ عمار: أعوذُ بالله من الفِتَن (^٢).
_________________
(١) = وقد روي قوله: "دوروا مع كتاب الله حيثما دار" من حديث معاذ بن جبل عند الطبراني في "الكبير" ٢٠/ (١٧٢)، وفي "الصغير" (٧٤٩)، وفي "مسند الشاميين" (٦٥٨)، وعنه أبو نعيم في "الحلية" ٥/ ١٦٥، ورجاله لا بأس بهم، لكن تابعيّه لم يدرك معاذًا. وقوله ﷺ لعمار: "تقتلك الفئة الباغية" مروي عن جملة من الصحابة، كحديث أبي سعيد الخُدْري الآتي بعده، وحديث عمرو بن حزم وعمرو بن العاص الآتي برقم (٢٦٩٥)، وحديث أم سلمة عند مسلم (٢٩١٦). وانظر تمام شواهده في "مسند أحمد" عند حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ١١/ (٦٤٩٩).
(٢) كذا جاء هذا الحرف في النسخ الخطية: حتى علا ذكره في المسجد، وعند سائر من خرَّج الحديث غير المصنف: حتى أتى على ذكر بناء المسجد، وهو كذلك في رواية البيهقي في "دلائل النبوة" ٢/ ٥٤٦ عن أبي عبد الله الحاكم، عن أبي عمرو بن أبي جعفر، عن أبي القاسم البَغَوي. فهذه رواية أخرى عن الحاكم اختلف فيها شيخه فقط، ولم تقع في "مستدركه" هذا، وقد يجوز أن يكون معناها هنا: حتى علا أبو سعيد في حديثه في السَّرْد التاريخي لما حدَّث به النبي ﷺ عن الخوارج من لدن حديثه عنهم يوم حنين وما قاله له ذو الخويصرة حتى رجع في التاريخ إلى حديثه في شأن المسجد، أي مسجد النبي ﷺ. وقد يجوز أن يكون وقع في العبارة سقط وتحريف.
(٣) إسناده صحيح. أبو كامل الجحدري: هو فضيل بن حسين، وخالد الحذّاء: هو ابن مهران، =
[ ٣ / ٥٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعكرمة: هو أبو عبد الله البربري مولى ابن عباس. وقوله في الحديث: "تقتلك الفئة الباغية" لم يسمعه أبو سعيد من النبي ﷺ كما سيأتي بيانه، لكن ذلك لا يضر بصحة الحديث، لأنه يكون عندئذٍ مرسل صحابي. وأخرجه البخاري (٤٤٧) عن مُسدَّد، عن عبد العزيز بن المختار، بهذا الإسناد. لكن لفظ المرفوع آخره عنده: "ويح عمار، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار" دون عبارة: "تقتلك الفئة الباغية" لأكثر رواة البخاري، وقد ثبتت لبعضهم كما بيَّنه الحافظ في "الفتح" ٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨. وبيَّن أيضًا أنَّ البخاري حذفها عمدًا - كأنه قصد بعد أن أثبتها أولًا - لنُكتة خفية، وهي أنَّ أبا سعيد لم يسمعها من النبي ﷺ كما صرَّح به هو نفسه في بعض روايات أبي نضرة عنه عند أحمد، وأنه إنما سمعها من أبي قتادة الأنصاري كما صرَّح به في بعض طرق أحمد ومسلم كما سيأتي واقتصر البخاري على هذا القدر الذي سمعه أبو سعيد من النبي ﷺ وحَذَفَ المدرج. قلنا: لكن إدراجها في حديث أبي سعيد لا يضر بصحة الحديث، لأنَّ غاية ما فيه عندئذٍ أن يكون مرسلًا لصحابي، وهو حُجّة، فكيف إذا عرفنا أنَّ شعبة اقتصر عليها في روايته عن خالد الحذاء كما سيأتي، ولم يذكر واسطةً بين أبي سعيد الخُدْري وبين النبي ﷺ؟! وأخرجه أحمد ١٧/ (١١١٦٦)، والنسائي (٨٤٩٤) من طريق شعبة بن الحجاج، وأحمد ١٨/ (١١٨٦١) عن محبوب بن الحسن، والبخاري (٢٨١٢) من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وابن حبان (٧٠٧٨) من طريق يزيد بن زُريع، و(٧٠٧٩) من طريق خالد بن عبد الله الواسطي، كلهم عن خالد الحذّاء، به. ولم يذكر شعبة ولا يزيد بن زريع في روايتهما قصة إرسال ابن عباس لعكرمة ولابنه علي بن عبد الله بن عباس. وزاد محبوب بن الحسن وكذا يزيد بن زريع وخالد الواسطي في رواياتهم: "يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار". وعبارة "تقتلك الفئة الباغية" حُذفت من رواية أبي ذر الهروي لصحيح البخاري، فوافق صنيعُ البخاري في رواية عبد الوهاب صنيعَهُ في رواية عبد العزيز بن المختار، وثبتت لغير أبي ذرّ، واقتصر شعبة في روايته عليها. وأخرجه أحمد ١٧/ (١١٢٢١) من طريق أبي هشام، عن أبي سعيد الخُدْري، عن النبي ﷺ. وأبو هشام هذا مجهول. وأخرجه أحمد (١١٠١١) من طريق داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخُدْري قال: أمرنا رسول الله ﷺ ببناء المسجد، فجعلنا ننقل لبنة لبنة، وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين، فتتَرَّب رأسه، قال: فحدثني أصحابي، ولم أسمعه من رسول الله ﷺ، أنه جعل ينفض رأسه ويقول: "ويحك يا ابن سُميّة، تقتلك الفئة الباغية". =
[ ٣ / ٥٢٤ ]
هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يُخرجاه بهذه السّياقة.
٢٦٨٦ - أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عثمان بن يحيى المقرئ ببغداد، حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسين بن موسى الحُنيني، حدثنا أبو حذيفة النَّهْدي، حدثنا عِكْرمة بن عمار، عن شدّاد بن عبد الله أبي عمار، قال: شهدتُ أبا أمامة الباهِلي وهو واقف على رأس الحَرُورية عند باب دمشق، وهو يقول: "كلابُ أهل النار - قالها ثلاثًا - خيرُ قَتْلى من قَتَلوا" قال: ودَمَعَت عيناه، فقال له رجل: يا أبا أُمامة، أرأيت قولَك: هؤلاء كلابُ النار، أشيء سمعتَه من رسول الله ﷺ، أو رأي رأيتَه في نفسك؟ قال: إني إذًا لجريءٌ، لو لم أسمعْه من رسول الله ﷺ إلّا مرّة أو مرّتين أو ثلاثًا - وعدّ سبع مرات - ما حدّثْتُكموه، قال له رجل: إني رأيتك قد دَمَعت عيناك، قال: إنهم لما كانوا مؤمنين وكفروا بعد إيمانهم، ثم قرأ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ الآية [آل عمران: ١٠٥]، فهي لهم مرتين (^١).
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ٣٧/ (٢٢٦٠٩)، ومسلم (٢٩١٥) من طريق أبي مسلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخُدْري، قال: أخبرني من هو خير مني؛ أبو قتادة، فذكره. تنبيه: قد روى هذا الحديث شعبة أيضًا عن خالد الحذّاء، عن الحسن البصري وأخيه سعيد، عن أمهما، عن أم سلمة. أخرجه من هذه الطريق أحمد ٤٤/ (٢٦٥٦٣) و(٢٦٦٥٠)، ومسلم (٢٩١٦)، والنسائي (٨٤٩٠)، وتابع خالدًا الحذاء على هذا عبدُ الله بن عون عند أحمد ٤٤/ (٢٦٥٦٣)، ومسلم (٢٩١٦)، والنسائي (٨٢١٧) و(٨٤٩٢)، وأيوب السختياني عند أحمد (٢٦٥٦٣)، والنسائي (٨٤٩١)، فدلَّ ذلك على أنه محفوظ عن خالد الحذاء على الوجهين، وتكفي رواية شعبة عنه لكليهما، والله أعلم.
(٢) إسناده حسن من أجل أبي حُذيفة النَّهْدي - واسمه موسى بن مسعود - لكنه قد تُوبع في الطريق التالية، وقد روي الحديث عن أبي أمامة أيضًا من وجهين آخرين. وأخرجه أحمد ٣٦/ (٢٢١٥١) من طريق سيّار الشامي مولى معاوية بن أبي سفيان، وأحمد (٢٢١٨٣) و(٢٢٢٠٨)، وابن ماجه (١٧٦)، والترمذي (٣٠٠٠) من طريق أبي غالب كلاهما عن أبي أمامة. وأخرجه أحمد (٢٢٣١٤) من طريق صفوان بن سُليم، يقول: دخل أبو أمامة الباهلي دمشق =
[ ٣ / ٥٢٥ ]
٢٦٨٧ - أخبرنا أبو محمد بن زياد، حدثنا محمد بن إسحاق بن خُزيمة، حدثنا أحمد بن يوسف السُّلمي، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عِكْرمة بن عمار، حدثنا شدّاد بن عبد الله أبو عمّار، قال: سمعت أبا أمامة، وهو واقف على رؤوس الحَرُورية على باب حمص أو باب دمشق، وهو يقول: كلابُ النار، كلابُ النار، شرُّ قَتلى تحت ظِلّ السماء، خيرُ قتلى مَن قتلوهُم؛ ثم ساق الحديث نحو حديث أبي حذيفة (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
وحدَّثَ مسلم في "المسند الصحيح" عن نصر بن علي، بن عمر بن يونس بن القاسم، عن عِكْرمة بن عمار، عن شدّاد أبي عمار، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "يقول الله: يا ابنَ آدم، إنك إن تَبذُلِ الفضلَ" الحديث (^٢).
وإنما شرحنا القولَ فيه، لأنَّ الغالب على هذا المتن طرق حديث أبي غالب عن أبي أمامة، ولم يُخرجاه.
٢٦٨٨ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب من أصل كتابه، حدثنا أبو أُميّة محمد بن إبراهيم الطَّرَسُوسي، حدثنا عمر بن يونس بن القاسم بن معاوية اليَمامي، حدثنا عِكرمة بن عمار العِجْلي، حدثنا أبو زُمَيل سِماك الحَنَفي، حدثنا عبد الله بن عباس،
_________________
(١) = فرأى رؤوس حروراء، فذكره. ورجاله ثقات، لكن صفوان لم يُدرك هذه القصة كما تُوهم روايته هذه وسيأتي بعده من طريق النضر بن محمد بن موسى الجُرَشي عن عكرمة بن عمار. ويشهد للمرفوع منه حديث عبد الله بن أبي أوفى الآتي برقم (٦٥٧٧)، وإسناده لا بأس به.
(٢) إسناده صحيح.
(٣) أخرجه مسلم (١٠٣٦) عن نصر بن علي وزهير بن حرب وعبد بن حميد، ثلاثتهم عن عمر بن يونس. والحديث أخرجه أيضًا الترمذي (٢٣٤٣) عن محمد بن بشار، عن عمر بن يونس، به. وليس في رواية مسلم ولا الترمذي ما ذكره الحاكم في اللفظ الذي ساقه: "يقول الله" وإن كان ذلك معلومًا من دلالة نصِّ الحديث، على أنه قد جاء التصريحُ به في رواية للبيهقي في "شعب الإيمان" (٣١٤٣).
[ ٣ / ٥٢٦ ]
قال: لما خرجتِ الحَرُورية اجتمعوا في دارٍ وهم ستة آلاف، أتيتُ عليًّا، فقلت: يا أمير المؤمنين، أبرِدْ بالظُّهر لَعلِّي آتي هؤلاء القوم فَأُكلّمَهم، قال: إني أخافُ عليك، قلت: كلا.
قال: فخرجتُ إليهم، ولبستُ أحسنَ ما يكون من حُلل اليمن، قال أبو زُميل: كان ابن عباس جميلًا جَهِيرًا، قال ابن عباس: فأتيتُهم وهم مجتمِعُون في دارهم قائلون، فسلَّمتُ عليهم، فقالوا: مرحبًا بك يا ابن عباس، فما هذه الحُلّة؟ قال: قلت: ما تَعيبون عليَّ، لقد رأيتُ على رسول الله ﷺ أحسنَ ما يكون من الحُلَل، ونَزَلَ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، قالوا: فما جاء بك؟ قلت: أتيتُكم مِن عند صحابة النبي ﷺ من المهاجرين والأنصار، لأُبلِّغكم ما يقولون، وتُخبروني (^١) بما تقولون، فعليهم نزل القرآن، وهم أعلمُ بالوحي منكم وفيهم أُنزل، وليس فيكم منهم أحدٌ. فقال بعضهم: لا تُخاصِموا قريشًا، فإنَّ الله يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].
قال ابن عباس: وأتيتُ قومًا لم أرَ قومًا قطُّ أشدَّ اجتهادًا منهم، مُسهَمَةً وجوهُهم من السَّهر، كأنَّ أيديهم ورُكبَهم ثَفِنٌ (^٢)، عليهم قُمُصٌ مُرَحَّضة (^٣)، فقال بعضُهم: لنُكلِّمنَّه ولنَنظُرنَّ ما يقول، قلت: أخبِروني ماذا نَقَمتُم على ابن عمِّ رسول الله ﷺ وصهرِه والمهاجرين والأنصار؟ قالوا: ثلاثًا، قلت: ما هنّ؟ قالوا: أما إحداهنّ: فإنه
_________________
(١) وقع في النسخ الخطية: المخبرون، والمثبت من رواية البيهقي في "سننه الكبرى" ٨/ ١٧٩ عن أبي عبد الله الحاكم، وهو الموافق لرواية عبد الرحمن بن مهدي عن عكرمة بن عمار، حيث جاء فيها: وأبلّغهم ما تقولون.
(٢) تحرَّف في النسخ إلى: تثنى، وجاء على الصواب في رواية البيهقي. والثَّفِن: ما ولي الأرض من كل ذات أربع إذا بَرَكت، ويحصل فيه غِلَظٌ.
(٣) تحرَّفت العبارة في النسخ، وجاءت على الصواب في رواية البيهقي. والقُمُص المُرحَّضة: المغسُولة.
[ ٣ / ٥٢٧ ]
حَكَّم الرجالَ في أمر الله، وقال الله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠]، وما للرِّجال وما للحكم؟ فقلت: هذه واحدة، قالوا: وأما الأُخرى: فإنه قاتَلَ ولم يَسْبِ ولم يَغْنَم، فلئن كان الذي قاتَلَ كفارًا، لقد حَلَّ سَبْيُهم (^١) وغنيمتُهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حَلّ قتالُهم. قلت: هذه ثِنتان، فما الثالثة؟ قالوا: إنه مَحَا نفسَه مِن أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين، قلت: أعندكم سوى هذا؟ قالوا: حسبُنا هذا.
فقلت لهم: أرأيتُم إن قرأتُ عليكم من كتاب الله ومن سنة نبيه ﷺ ما يردُّ به قولَكم، أتَرْضَون؟ قالوا: نعم، فقلت لهم: أمّا قولكم: حَكَّم الرجالَ في أمر الله، فأنا أقرأ عليكم ما قد رُدَّ حكمُه إلى الرجال في ثمن رُبع درهم في أرنبٍ ونحوِها من الصيد، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، فنشَدتُكم بالله، أحُكمُ الرجالِ في أرنبٍ ونحوها من الصيد أفضلُ، أم حُكمُهم في دمائهم وصلاحِ ذاتِ بينِهم، وأن تَعلَمُوا أنَّ الله لو شاء لحكَم ولم يُصيِّر ذلك إلى الرجال؟
وفي المرأة وزوجها قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، فجعل الله حُكمَ الرجالِ سنةً ماضية. أخَرَجتُ عن هذه؟ قالوا: نعم.
قال: وأما قولكم: قاتَلَ ولم يَسْبِ، ولم يَغْنَم، أتسْبُون أمَّكم عائشة، ثم تَستحلُّون منها ما يُستحلُّ من غيرها؟ فلئن فعلتُم لقد كفرتُم وهي أمُّكم، ولئن قلتم: ليست بأمِّنَا، لقد كفرتم، فإنَّ الله يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فأنتم تدُورون بين ضلالَتَين، أيُّهما صِرتُم إليها صِرتُم إلى ضلالةٍ، فنظر بعضُهم إلى بعض. قلت: أخَرَجتُ من هذه؟ قالوا: نعم.
قال: وأما قولكم: مَحَا اسمَه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكُم بمن تَرضَون، وأُراكم قد
_________________
(١) تحرَّف في (ز) إلى: سلبهم.
[ ٣ / ٥٢٨ ]
سمعتُم: أنَّ النبي ﷺ يومَ الحُدَيبيَة كاتَبَ سُهيلَ بن عمرو وأبا سفيان بن حَرْب، فقال رسول الله ﷺ لأمير المؤمنين: "اكتُبْ يا عليُّ: هذا ما اصطَلَح عليه محمدٌ رسول الله" فقال المشركون: لا والله ما نعلم أنك رسولُ الله، لو نعلم أنك رسولُ الله ما قاتَلْناك، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم إنك تَعلمُ أني رسولُ الله، اكتُبْ يا عليُّ: هذا ما اصطَلَح عليه محمدُ بنُ عبد الله"، فوالله لَرسولُ الله خيرٌ من عليٍّ، وما أخرَجَه من النبوّة حين مَحَا نفسه.
قال عبد الله بن عباس: فرجع من القوم أَلفان، وقُتل سائرُهم على ضلالةٍ (^١).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٦٨٩ - حدثنا علي بن حَمْشاذَ، حدثنا هشام بن علي السَّدُوسي، حدثنا محمد بن كَثير العَبْدي، حدثنا يحيى بن سُليم وعبد الله (^٢) بن واقِد، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن عبد الله بن شَدّاد بن الهادِ، قال: قَدِمتُ على عائشة، فبينما نحنُ عندها
_________________
(١) إسناده صحيح. وأخرجه أبو داود (٤٠٣٧) عن إبراهيم بن خالد أبي ثور الكلبي، عن عمر بن يونس، بهذا الإسناد. مختصرًا بذكر خروج ابن عباس للحرورية لابسًا أحسن الحلل. وأخرجه أحمد ٥/ (٣١٨٧)، والنسائي (٨٥٢٢) و(١١٧٤٧) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن عكرمة بن عمار به ورواية أحمد والنسائي في الموضع الثاني مختصرة بذكر صلح الحديبية. وسيأتي برقم (٧٥٥٥) من طريق محمد بن عيسى بن حيان المدائني، عن عمر بن يونس، لكن بزيادة رجل بين أبي زُميل وابن عباس. وانفرد بذلك المدائني وهو إلى الضعف أقرب. وقوله: "أبرِد بالظهر" أي: أخّر الصلاة حتى يخفّ الحَرّ. والحَرُورية: نسبة إلى حَرُوراء، وهي موضع قريب من الكوفة كان أول ما اجتمعت فيه الخوارج، فنسبوا إليه، وخروجهم هو انتقاضهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁. والجَهِير: ذو المنظر الجليل الحسن. ومُسهَمَة، أي: متغيّرة.
(٢) تحرَّف في (ز) إلى: ويحيى، وهو خطأ.
[ ٣ / ٥٢٩ ]
جلوسٌ مَرجِعَها من العراق لياليَ قُوتل عليٌّ، إذ قالت: يا عبدَ الله بن شدّاد، هل أنت صادقِي عمَّا أسألك عنه؟ حَدِّثني عن هؤلاء القومِ الذين قتَلَهم عليٌّ، قلت: وما لي لا أَصدُقُكِ؟ قالت: فحدِّثني عن قصتهم، قلت: إنَّ عليًّا لما كاتَبَ معاويةَ وحَكَّم الحكَمَين، خرج عليه ثمانية آلاف من قُرّاء الناس، فنزلوا أرضًا من جانب الكوفة يقال لها: حَرُوراء، وإنهم أنكَروا عليه، فقالوا: انسلخْتَ من قميصٍ ألبَسَكَهُ اللهُ وأسماكَ به، ثم انطلقتَ فحكَّمْتَ في دِين الله، ولا حُكمَ إِلَّا لله، فلما بلغ عليًّا ما عَتَبوا عليه وفارَقُوه، أمَرَ فأذَّن مُؤذِّن: لا يَدخُلَنَّ على أمير المؤمنين إلّا رجلٌ قد حَمَلَ القرآن، فلما أن امتلأ من قرّاء الناس الدارُ، دعا بمصحف عظيم، فوضعَه عليٌّ بين يديه، فطَفِقَ يَصُكُّه بيده، ويقول: أيها المصحفُ حَدَّثَ الناسَ، فناداه الناسُ، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما تسألُه عنه؟ إنما هو وَرَقٌ ومِدادٌ، ونحن نتكلّم بما رأينا منه، فماذا تريد؟ قال: أصحابكم الذين خرجوا بيني وبينهم كتابَ الله، يقول اللهُ ﷿ في امرأة ورجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥]، فأُمَّةُ محمد ﷺ أعظمُ حُرمةً من امرأة ورجل.
ونَقَمُوا عليَّ أني كاتبتُ معاويةَ وكتبتُ (^١) عليَّ بن أبي طالب، وقد جاء سُهيل بن عمرو ونحن مع رسول الله ﷺ بالحُدَيبيَة حين صالَحَ قومَه قريشًا، فكتب رسول الله ﷺ: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سُهيلٌ: لا تَكتُبْ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: "فكيف أكتُبُ؟ " قال: اكتُبْ: باسمِك اللهمَّ، فقال رسول الله ﷺ: "اكتُبْ" ثم قال: "اكتُبْ: من محمدٍ رسول الله" قال: لو نعلمُ أنك رسولُ الله لم نُخالِفْك، فكتب: هذا ما صالَحَ عليه محمدُ بن عبد الله قريشًا. يقول الله في كتابه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١].
_________________
(١) وقع في النسخ الخطية: وكتب، بصيغة الغائب، والمثبت بصيغة المتكلم من رواية البيهقي في "الكبرى" ٨/ ١٧٩ - ١٨٠ عن أبي عبد الله الحاكم، وكذلك جاء في "تاريخ دمشق" لابن عساكر ٢٧/ ١٠٢ - ١٠٣ حيث رواه من طريق البيهقي عن الحاكم.
[ ٣ / ٥٣٠ ]
فبعثَ (^١) إليهم عليُّ بن أبي طالب [عبدَ الله بنَ عباس] (^٢)، فخرجتُ معهم، حتى إذا تَوسَّطْنا عسكَرَهم قام ابن الكَوّاء فخطب الناسَ، فقال: يا حَمَلةَ القرآن، هذا عبد الله بن عباس، فمن لم يكن يَعرِفُه فأنا أَعرِفُه مِن كتاب الله، هذا مَن نزل في قومه: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]، فرُدُّوه إلى صاحبِه، ولا تُواضِعُوه كتابَ الله، قال: فقام خطباؤهم، فقالوا: لا والله، لنُواضِعنَّه كتابَ الله، فإذا جاء بالحقّ نَعرفُه استطَعْناه، ولئن جاء بالباطل لنُبَكِّتَنَّه بباطِلِه، ولنَرُدَّنّه إلى صاحبِه، فواضَعُوه على كتابِ الله ثلاثةَ أيامٍ، فرجع منهم أربعةُ آلافٍ كلُّهم تائبٌ، منهم ابن الكوّاء، حتى أدخلَهم على عليٍّ، فبعث عليٌّ إلى بقيّتهم فقال: قد كان مِن أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتُم، فقِفُوا حيثُ شئتم، حتى تجتمعَ أمّةُ محمد ﷺ، وتنزلوا فيها حيث شئتم، بيننا وبينكم أن نَقِيَكم رماحَنا ما لم تقطعُوا سبيلًا أو تطلبوا دمًا، فإنكم إن فعلتُم ذلك فقد نَبَذْنا إليكم الحربَ على سَواءٍ، إن الله لا يحبُّ الخائنين.
فقالت له عائشة: يا ابنَ شدّاد، فقد قتلهم، فقال: واللهِ ما بعثَ إليهم حتى قَطَعوا السبيلَ، وسَفَكوا الدماءَ بغير حقِّ الله، وقتلوا ابنَ خَبّاب، واستَحَلُّوا أهلَ الذِّمّة، فقالت: آللهِ؟ فقلت: آللهِ الذي لا إله إلّا هو.
قالت: فما شيءٌ بلغني عن أهل العراق يتحدّثون به يقولون: ذو الثُّدَيّ، ذو الثُّدَيّ، قلتُ: قد رأيتُه ووقفتُ عليه مع عليٍّ في القَتْلى، فدعا الناسَ، فقال: هل تعرفون هذا؟ فكان أكثرُ من جاء يقول: قد رأيتُه في مسجد بني فلان يصلي، ورأيتُه في مسجد بني فلان يصلي، فلم يأتِ بثَبَتٍ يُعرَف إلّا ذلك، قالت: فما قول عليٍّ حين قام عليه كما يَزعُم أهلُ العراق؟ قلت: سمعتُه يقول: صَدَق اللهُ ورسولُه، قالت: وهل سمعتَ أنت منه قال غيرَ
_________________
(١) وقع في النسخ الخطية: فبعثه، بزيادة ضمير الغائب، ولا مذكورَ سابِقٌ فيعودَ عليه الضمير، والمثبت على الصواب من رواية البيهقي عن أبي عبد الله الحاكم، ومن طريقه أخرجه ابن عساكر، بحذف الضمير، وسيُذكر مفعولُه عندهما، وهو عبد الله بن عباس.
(٢) سقط من النسخ وأثبتناه من رواية البيهقي عن الحاكم، ومن طريقه ابن عساكر.
[ ٣ / ٥٣١ ]
ذلك؟ قلت: اللهم لا، قالت: أجَلْ، صدقَ اللهُ ورسولُه، يَرحَمُ اللهُ عليًا، إنه من كلامه، كان لا يرى شيئًا يُعجِبُه إلّا قال: صدق الله ورسوله (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه إِلَّا ذكرَ ذي الثُّدَيّة، فقد أخرجه مسلم بأسانيد كثيرة.
٢٦٩٠ - أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دُحَيم الشَّيباني، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غَرَزَة الغِفاري، حدثنا عُبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن محمد بن قيس، قال: سمعت مالك بن الحارث يقول: شهدتُ عليًّا يوم النَّهْروان طلبَ المُخْدَجَ فلم يَقدِرْ عليه، فجَعَلَت جبينُه تَعرَقُ وأخذه الكَرْب، ثم إنه قَدَرَ عليه، فخَرّ ساجدًا، فقال: والله ما كَذَبتُ ولا كُذِبتُ (^٢).
_________________
(١) حديث حسن، وهذا إسناد لا بأس برجاله، لكن عبد الله بن عثمان بن خثيم لم يسمع هذا الخبر من عبد الله بن شداد، بينهما فيه عبيدُ الله بن عياض القاريّ، كما في رواية غير الحاكم، وإن كان سماع ابن خُثيم من ابن شداد محتمل، لكن لم نقف له على رواية عنه مباشرة، وعُبيد الله بن عياض المذكور ثقة. وما وقع في إسناد الحاكم هنا من نسبة محمد بن كثير عَبْديًّا فيه نظر، لأنَّ عبد الله بن واقد المذكور في الإسناد - وهو أبو رجاء الهروي - المشهور بالرواية عنه محمد بن كثير المِصِّيصي، وليس العَبْدي، وإذا ثبت ذلك فإنَّ محمد بن كثير المِصِّيصي ضعيف يعتبر به، فالظاهر أنَّ إسقاط ذكر عُبيد الله بن عياض جاء من قِبَله، والله تعالى أعلم. وأخرجه أحمد ٢/ (٦٥٦) عن إسحاق بن عيسى الطبّاع، عن يحيى بن سُليم، عن ابن خُثيم، عن عبيد الله بن عياض، عن عبد الله بن شداد. وإسناده حسن.
(٢) صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل مالك بن الحارث - وقيل: اسمه الحارث بن قيس، وهو أبو موسى الهَمْداني - لم يرو عنه غير محمد بن قيس - وهو المُرهِبي - كان ممن شهد مع عليٍّ قتال الخوارج، وقد رُوي خبرُه هذا من وجوه عن عليّ بن أبي طالب. إسرائيل: هو ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي. وأخرجه مسلم (١٠٦٦)، والنسائي (٨٥٠٩)، وابن حبان (٦٩٣٩) من طريق عُبيد الله بن أبي رافع، ومسلم (١٠٦٦)، وأبو داود (٤٧٦٨)، والنسائي (٨٥١٦ - ٨٥١٨) من طريق زيد بن وهب، =
[ ٣ / ٥٣٢ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بذكر سجدة الشُّكر، وهو غريب صحيح في سجود الشكر.
٢٦٩١ - أخبرنا مُكرَم بن أحمد بن مكرم القاضي، حدثنا أبو قِلابة عبد الملك بن محمد بن عبد الله الرَّقَاشي، حدثنا أبو عَتَّاب سهل بن حمّاد، حدثنا عبد الملك بن أبي نَضْرة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدْري: أنَّ رسول الله ﷺ أتاه مال، فجعل يَضرِب بيده فيه فيُعطي يمينًا وشمالًا، وفيهم رجل مُقَلَّص الثياب، ذو سِيْماءَ، بين عَينَيه أثرُ السجود، فجعل رسولُ الله ﷺ يضرب يدَه يمينًا وشمالًا حتى نَفِد المالُ، فلما نَفِدَ المالُ ولَّى مُدبرًا، وقال: والله ما عدلتَ منذ اليومِ. قال: فجعل رسولُ الله ﷺ يُقلِّب كفّه، ويقول: "إذا لم أعدِلْ فمن ذا يَعدلُ بعدي؟ أَمَا إِنه سَتَمْرُق مارِقةٌ، يَمرُقون من الدِّين مُروق السهم من الرَّمِيّة، ثم لا يعُودون إليه حتى يَرجِعَ السهمُ على فُوقِه، يقرؤون القرآن لا يجاوز تَراقِيهَم، يُحسِنون القولَ ويُسيئون الفعلَ، فمن لقيَهم فليقاتلْهم، فمن قتلهم فله أفضلُ الأجر، ومن قتَلُوه فله أفضل الشهادة، هم شرُّ البَرّيّة،
_________________
(١) = وأحمد ٢/ (٦٧٢) من طريق أبي كثير مولى الأنصار، وأبو داود (٤٧٦٩) من طريق أبي الوضيء عبّاد بن نُسيب - وسيأتي من هذا الطريق عند المصنف مطوَّلًا برقم (٨٨٣١) - والنسائي (٨٥١٤) من طريق سُليم بن بَلْج، و(٨٥١٥) من طريق كليب بن شهاب، والنسائي (٨٥٢٠) من طريق عَبيدة السَّلْماني، كلهم عن علي بن أبي طالب في قصة الْتماسه المُخدَج في القتلى يوم النهروان، وأكثرهم يقول في روايته: قال علي: صدق الله، بدل: ما كَذَبتُ ولا كُذِبت، وقال عبيدة في روايته: الله أكبر، ثلاث مرات، ولم يذكر أحد من هؤلاء سجود عليٍّ لما رأى المخدج. وقد رواه عن علي بن أبي طالب جماعة فذكروا سجوده لما رأى المخدج: فقد أخرجه أحمد (٨٤٨) و(١٢٥٥)، والنسائي (٨٥١٣) من طريق طارق بن زياد الكوفي، وعبد الله بن أحمد في "السنة" (١٥١٥)، والبزار (٩٠٠) من طريق أبي المؤمن الواثلي، والبزار (٥٦٤) من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة، والخطيب في "تاريخ بغداد" ١٤/ ٤٦٤ من طريق قيس بن أبي حازم، كلهم عن علي بن أبي طالب. بأسانيد حِسان. والمُخدَج: ناقص الخَلْق. وقد كان ذلك المخدج مُخدج اليد كما صُرِّح به في بعض الروايات.
[ ٣ / ٥٣٣ ]
بَرِئ اللهُ منهم، تقتلهم أَولى الطائفتَين بالحقّ" (^١).
هذا حديث صحيح ولم يُخرجاه بهذه السِّياقة (^٢)، وعبد الملك بن أبي نَضْرة من أعزّ البصريين حديثًا، ولا أعلم أني عَلَوت له في حديث غير هذا.
٢٦٩٢ - حدثنا علي بن حَمْشَاذَ العَدْل، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، أنَّ كثير بن هشام حدثهم، حدثنا جعفر بن بُرْقان، حدثنا ميمون بن مِهْران، عن أبي أُمامة، قال: شهدتُ صِفِّين، فكانوا لا يُجِيزون (^٣) على جَريح، ولا يقتلون
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل عبد الملك بن أبي نضرة وسهل بن عتَّاب. وأخرجه بنحوه أحمد ١٨/ (١١٥٣٧) و(١١٦٢١)، والبخاري (٦١٦٣) و(٦٩٣٣)، ومسلم (١٠٦٤)، والنسائي (٨٥٠٧) و(٨٥٠٨) و(١١١٥٦) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأحمد ١٨/ (١١٦٢١)، والبخاري (٦١٦٣)، ومسلم (١٠٦٤)، والنسائي (٨٥٠٨) من طريق الضحاك المِشْرقي، وأحمد ١٧/ (١١١٠٠٨) و١٨/ (١١٦٤٨) و(١١٦٩٥)، والبخاري (٤٣٥١) و(٤٦٦٧) و(٧٤٣٢)، ومسلم (١٠٦٤)، وأبو داود (٤٧٦٤)، والنسائي (٢٣٧٠) و(٣٥٥٠) و(١١١٥٧)، وابن حبان (٢٥) من طريق عبد الرحمن بن أبي نُعْم، كلهم عن أبي سعيد الخُدْري، وسموا في روايتهم هذا الرجل المذكور بذي الخويصرة التميمي، وذكر ابن أبي نعم في روايته أنَّ هذا كان في قسم ذهيبة أرسل بها علي بن أبي طالب للنبي ﷺ من اليمن، وأنه ﷺ قسمها بين أربعة من المؤلفة قلوبهم، ووقع وصف هذا الرجل المذكور عنده بأنه كان غائر العينين، مشرِفَ الوجنتين، ناشز الجبهة، كثّ اللحية، مشمّر الإزار، محلوق الرأس. وزاد أبو سلمة والضحاك: أنَّ عمر بن الخطاب سأل النبي ﷺ قتلَه، وفي رواية ابن أبي نُعْم أنَّ خالد بن الوليد هو مَن سأل النبي ﷺ ذلك. قال الحافظ في "الفتح" ١٢/ ٦٢٦: لا تنافي بينهما، لاحتمال أن يكون كلٌّ منهما سأل في ذلك. وزاد أبو سلمة والضحاك في روايتهما أيضًا تمثيل النبي ﷺ لمروق هؤلاء بنحو ما تقدم برقم (٢٦٨٢) من طريق قتادة، عن أبي المتوكل الناجيّ، عن أبي سعيد الخُدْري. وقد تقدَّم منه ذكر مروق هذه المارقة إلى آخر الحديث بنحوه برقم (٢٦٨١) من طريق قتادة عن أنس بن مالك وأبي سعيد الخُدْري. وانظر تمام تخريجه هناك.
(٢) قد أخرج الشيخان نحوه بزيادات ليست في حديثنا هنا كما تقدَّم التنبيه عليه.
(٣) في المطبوع: يُجهزون، وهما بمعنًى.
[ ٣ / ٥٣٤ ]
مُولِّيًا، ولا يَسلُبون قَتيلًا (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد في هذا الباب.
وله شاهد صحيح:
٢٦٩٣ - حدَّثَناه محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا أبو سعيد محمد بن شاذان، حدثنا علي بن حُجْر، حدثنا شَريك، عن السُّدِّي، عن يزيد بن ضُبَيعة العَبْسي، قال: نادى مُنادي عمارٍ يوم الجمَل، وقد ولَّى الناسُ: ألا لا يُذْأفُ على جَريح، ولا يُقتَل مُوَلِّي (^٢)، ومن ألقى السلاحَ فهو آمِن، فشقَّ ذلك علينا (^٣).
_________________
(١) إسناده صحيح. وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٨/ ١٨٢، وفي "معرفة السنن والآثار" (١٦٤٩٢)، وفي "الاعتقاد" ص ٣٧٥ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن سعد في "طبقاته" ٩/ ٤١٥، وابن أبي شيبة ١٢/ ٤٢٤، وأبو القاسم اللالكائي في "أصول الاعتقاد" (٢٠١٤)، وابن العَديم في "بغية الطلب في تاريخ حلب" ١/ ٣٠١ - ٣٠٢ من طرق عن كثير بن هشام، به.
(٢) كذا في نسخنا الخطية بإثبات الياء، والجادّة حذفها، وقد سلف التنبيه على مثلها عند الحديث رقم (٢٠٠٩).
(٣) خبر صحيح، وقد روي عن شريك - وهو ابن عبد الله النخعي - على غير وجه، كما سيأتي بيانه، وروي عن علي بن أبي طالب من وجوه أخرى، ويؤيده خبر أبي أمامة الذي قبله. السُّدِّي: هو إسماعيل بن عبد الرحمن. وأخرجه البيهقي في "الكبرى" ٨/ ١٨١ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ٢٦٣ عن يحيى بن آدم، عن شريك، عن السُّدِّي، عن عَبْد خير، عن عليٍّ أنه قال يوم الجمل، فذكره. وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا ١٥/ ٢٨٢ عن يحيى بن آدم، عن شريك، عن سليمان بن المغيرة، عن يزيد بن ضُبيعة، عن علي، أنه قال يوم الجمل، فذكره. وأخرجه بنحوه سعيد بن منصور في "سننه" (٢٩٤٧)، والبَلاذُري في "أنساب الأشراف" ٣/ ٥٧ من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن مروان بن الحكم، قال: صرخ صارخ لعلي، فذكره. وإسناده صحيح. وروي عن جعفر عن أبيه مرسلًا عند أبي يوسف في =
[ ٣ / ٥٣٥ ]
وقد رُوي في هذا الباب حديث مسنَد:
٢٦٩٤ - حدَّثَناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا يوسف بن عبد الله الخُوارزمي ببيت المقدس، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز التمَّار.
وحدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ، حدثنا أحمد بن علي الخزّاز (^١)، حدثنا أبو نصر التمّار، حدثنا كَوثَر بن حَكيم، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن مسعود: "يا ابنَ مسعود، أتدري ما حُكم اللهِ فيمن بَغَى مِن هذه الأُمة؟ " من قال ابن مسعود: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنَّ حُكم الله فيهم أن لا يُتبَعَ مُدبِرُهم، ولا يُقتَلَ أسِيرُهم، ولا يُذفَّفَ على جَريحِهم" (^٢).
_________________
(١) = "الخراج" ص ٢٣٤، وابن أبي شيبة ١٢/ ٤٢٤، والبيهقي ٨/ ١٨١، ووصله عنه ثقتان فلا يُعلّه المرسل. وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة ١٥/ ٢٨٦ من طريق زيد بن وهب، قال: قال عليٌّ، فذكره، وإسناده صحيح كما قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٢٣/ ١١٣. وأخرجه الطبري في "تاريخه" ٤/ ٤٩٠ - ٤٩٣ من طريق كليب بن شهاب، قال: نادى عليّ، فذكره. وإسناده حسن. يُذْأف: يقال بالهمز وتخفيف الفاء، ويقال بألف غير مهموزة وتشديد الفاء، من: ذأَف وذَافَّ. والمعنى: أجهز عليه.
(٢) تصحف في (ز) إلى: الجزار، ولم تعجم في بقية النسخ، وهو بخاء وزايين، وهو أحمد بن علي بن الفُضيل الخزاز المقرئ، وهو مترجم في "تاريخ بغداد" ٥/ ٤٩٦، وفي "تلخيص المتشابه" ١/ ٥٨٢.
(٣) إسناده ضعيف جدًّا من أجل كوثر بن حكيم، فهو متروك كما قال الذهبي في "تلخيصه". وأخرجه البيهقي ٨/ ١٨٢ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد بن منيع في "مسنده" كما في "المطالب العالية" للحافظ ابن حجر (٤٣٩٥)، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" كما في "بغية الباحث" للهيثمي (٧٠٥)، والرُّوياني في "مسنده" (١٤٣٧)، والبيهقي ٨/ ١٨٢ من طرق عن كوثر بن حكيم، به. يُذفَّف، أي: يُجهَز.
[ ٣ / ٥٣٦ ]
٢٦٩٥ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي الصَّنْعاني، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن عبّاد، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عبد الله بن طاووس، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، عن أبيه، قال: لما قُتل عمار بن ياسر دخل عمرو بن حَزْم على عمرو بن العاص، فقال: قُتل عمار، وقد قال رسول الله ﷺ: "تقتلُه الفئةُ الباغِية"، فقام عمرو بن العاص فَزِعًا حتى دخل على معاوية، فقال له معاوية: ما شأنُك؟ فقال: قُتل عمار، فقال معاوية: قُتل عمار، فماذا؟! فقال عمرو: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "تقتله الفئةُ الباغِيةُ"، فقال له معاوية: دَحَضْتَ في بَولِك، أوَنحن قتلناه؟! إنما قتلَه عليٌّ، وأصحابُه، جاؤوا به حتى ألقَوه بين رماحِنا؛ أو قال: بين سيوفنا (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذه السّياقة.
٢٦٩٦ - أخبرنا أبو بكر محمد بن المؤمَّل بن الحسن بن عيسى، حدثنا الفضل بن محمد الشَّعْراني، حدثنا إسماعيل بن أبي أُويس، حدثنا أبي، عن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، عن أبيه، عن عَمْرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، أنها قالت: ما رأيتُ مثلَ ما رَغِبَتْ عنه هذه الأُمة مِن هذه الآية: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح. وسيأتي مكررًا برقم (٥٧٦٣). وأخرجه أحمد ٢٩/ (١٧٧٧٨) عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد. دَحَضْتَ، أي: زَلِقْتَ، كأنه يدعو عليه، ويروى بالصاد المهملة أيضًا بدل المعجمة، بمعنى: بَحَثْتَ في بولك برجلك.
(٢) خبر صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل إسماعيل بن أبي أويس وأبيه، وقد توبعا. وأخرجه البيهقي ٨/ ١٧٢ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه محمد بن الحسن الشَّيباني في "موطئه" (١٠٠٣) عن مالك، عن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، به.
[ ٣ / ٥٣٧ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه.
٢٦٩٧ - أخبرنا أبو العباس السَّيّاري وأبو محمد الحَليميّ جميعًا بمَرْو، وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الفقيه البُخاري بنَيسابور، قالوا: حدثنا أبو المُوجِّه محمد بن عمرو الفَزَاري، حدثنا عَبْدان بن عثمان، حدثنا أبو حمزة محمد بن ميمون، عن زياد بن عِلَاقة، عن عَرْفجة بن شُريح الأسلميّ، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنها ستكون بعدي هَنَاتٌ وهَنَاتٌ - ورفع يديه - فمن رأيتُموه يريدُ أن يُفرِّقَ أَمرَ أمةِ محمدٍ وهم جَميعٌ، فاقتُلُوه، كائنًا مَن كان من الناس" (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه! وإنما حكمتُ به على الشيخين، لأنَّ شعبة بن الحجّاج وسفيان بن سعيد وشَيبان بن عبد الرحمن ومَعمَر بن راشد قد رَوَوه عن زياد بن عِلاقة، ثم وجدتُ أبا حازم الأشجعي (^٢) وعامرًا الشعبي وأبا
_________________
(١) إسناده صحيح. وقد رواه صدقة بن الفضل المروَزي عن أبي حمزة محمد بن ميمون السّكري عند أبي عوانة (٧١٤٢) فزاد فيه بين أبي حمزة وبين زياد ليث بن أبي سُليم، وليث بن أبي سليم حسن الحديث في المتابعات والشواهد، لكن أبا حمزة السُّكري لا يُعرف بتدليس، فالظاهر أنه سمعه على الوجهين، وعلى أي حالٍ فقد رواه جماعة عن زياد بن علاقة كما سيأتي. وأخرجه النسائي (٣٤٧٠) عن أبي علي محمد بن يحيى، عن عبد الله بن عثمان يعني عَبْدان، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٣٠/ (١٨٢٩٥) و(١٨٢٩٦) و٣١/ (١٩٠٠٠) و٣٣/ (٢٠٢٧٧)، ومسلم (١٨٥٢)، وأبو داود (٤٧٦٢)، والنسائي (٣٤٧١)، وابن حبان (٤٤٠٦) من طريق شعبة بن الحجاج، وأحمد ٣١/ (١٨٩٩٩)، ومسلم (١٨٥٢) من طريق شيبان بن عبد الرحمن، ومسلم (١٨٥٢) من طريق أبي عوانة، ومن طريق إسرائيل بن يونس السَّبيعي، ومن طريق عبد الله بن المختار، والنسائي (٣٤٦٩) من طريق يزيد بن مَرْدانْبة، وابن حبان (٤٥٧٧) من طريق يحيى بن أيوب البجلي، كلهم عن زياد بن علاقة، به. واستدراك الحاكم له ذهولٌ منه. وأخرجه مسلم (١٨٥٢) من طريق أبي يعفُور، عن عرفجة، بنحوه.
(٢) أخرجه من طريقه عبد الباقي بن قانع في "معجم الصحابة" ٢/ ٢٨١، والطبراني في "الأوسط" (٢١٣٧).
[ ٣ / ٥٣٨ ]
يَعفُور العَبْدي وغيرَهم تابعوا زياد بن عِلاقة على روايتِه عن عَرْفجة، والباب عندي مجموع في جزء، فأغنى ذلك عن ذكر هذه الروايات.
وقد أخرج مسلم حديث أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "إذا بُويع للخليفتَين، فاقتُلُوا الآخِرَ منهما" (^١). وشرَحَه حديث عبد الرحمن بن عبد ربّ الكعبة عن عبد الله بن عمرو، وقد أخرجه مسلم (^٢).
٢٦٩٨ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي الصنعاني، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري، أخبرنا عبد الرزاق.
وأخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعمَر، عن أبي عِمران الجَوْني، عن عبد الله بن الصامِت، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أبا ذر، كيف أنتَ وموتٌ يصيبُ الناسَ حتَّى يكون البيتُ بالوَكِيف (^٣)؟ " - يعني: القَبْرَ - قلتُ: ما خارَ اللهُ لي ورسولُه، ثم قال: "كيف أنتَ وجوعٌ يصيبُ الناسَ حتى تأتيَ مسجدَك، فلا تستطيعَ أن ترجعَ إلى فِراشِك، ولا تستطيعَ أن تقومَ من فِراشِك إلى مسجدك؟ " قلت: ما خارَ لي اللهُ ورسولُه، قال: "عليك بالعِفّة"، ثم قال: "كيف أنتَ وقتلٌ يصيب الناسَ حتى تَغرقَ حجارةُ الزيتِ بالدم؟ " قال: قلت: ما خارَ اللهُ لي ورسولُه - أو الله ورسوله أعلم - قال: "الْزَمْ منزلَك" قال: فقلت: يا رسول الله، أفلا آخُذُ سيفي فأضربَ به مَن فعل ذاك؟ قال: "فقد
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٨٥٣).
(٢) برقم (١٨٤٤).
(٣) كذا جاء في نسخنا الخطية، والوكيف في معاجم اللغة: مصدر وَكَفَ الشيءُ، أي: سالَ وقَطَر، ويقال للقطر نفسه أيضًا: وَكِيف، لكن هناك الوَكوف: وهي الناقة الغزيرة اللبن، فقد يكون جائزًا أن تُوصف أيضًا بالوَكيف، لكننا لم نقف عليه منصوصًا في معاجم اللغة، والقياس يجوِّزه، ففي صيغ المبالغة لفاعل: فَعُول وفَعِيل، والله أعلم. والذي في سائر مصادر تخريج الحديث: بالوصيف، بالصاد، وكذلك جاء في النسخة المحمودية من "المستدرك" كما في طبعة الميمان، والوصيف: الغُلام الخادم.
[ ٣ / ٥٣٩ ]
شاركتَ القومَ إذًا" قلت: يا رسول الله، فإن دُخِل بيتي؟ قال: "إن خشيتَ أَن يَبْهَرَك شُعاعُ السَّيف، فقُلْ هكذا، فألْقِ طَرَفَ ثوبِك على وجهِك، فيَبُوءُ بإثمِه وإثمِك، ويكونُ من أصحاب النار" (^١).
_________________
(١) إسناده صحيح. وقد رواه حماد بن زيد - كما سيأتي بعده - فزاد فيه بين أبي عمران الجوني - واسمه عبد الملك بن حبيب - وبين عبد الله بن الصامت رجلًا هو المشعَّث بن طريف - ويقال في اسمه: المنبعث - وهو رجل معروف جليل القدر كما وصفه الحافظ صالح جزرة، وكان المنبعث هذا قاضي هَراة، ولم يذكره أحد غيره من أصحاب أبي عمران، فلعلَّ أبا عمران سمعه مرة بواسطة ومرة بغير واسطة، لأنَّ سماعه من عبد الله بن الصامت ثابت مشهور، وقد أخرج مسلم قطعة من هذا الحديث الذي ذكره بطوله بعض أصحاب أبي عمران عند أحمد ٣٥/ (٢١٤٤٥) في حثِّ النبي ﷺ أبا ذر على الصلاة لوقتها عند تأخير بعض الأمراء لها، وليست في حديثنا هنا، وقد رواها مسلم (٦٤٨) من طريق حماد بن زيد، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت مباشرة، دون ذكر المُشعَّث. وقد أشار الدارقطني في "العلل" (١١٤٠) إلى أنَّ هذه القطعة في الصلاة لوقتها هي جزء من الحديث المطوّل أيضًا. وأخرجه أحمد ٣٥/ (٢١٣٢٥)، وابن حبان (٦٦٨٥) من طريق مرحوم بن عبد العزيز العطار، وأحمد (٢١٤٤٥) عن عبد العزيز بن عبد الصمد العَمّي، كلاهما عن أبي عمران الجوني، به. وزاد عبد العزيز بن العَمّي في روايته عند أحمد ذكر الصلاة لوقتها. وسيأتي برقم (٨٥٠٩) من طريق حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني. وسيأتي بعده وبرقم (٨٥١٠) من طريق حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن المُشعَّث بن طريف، عن عبد الله بن الصامت. وتفسير البيت بالقبر في هذا الحديث من تفسير أبي عمران الجوني، كما تدل عليه رواية حماد بن زيد عند البزار (٢٩٢٨)، وكذا رواية مرحوم بن عبد العزيز عنده أيضًا (٣٩٥٩). وحجارة الزيت: موضع بالمدينة، قريب من الزَّوراء موضع صلاة النبي ﷺ في الاستسقاء، وهي في الحَرّة، سميت بذلك لسواد أحجارها، كأنها طُليت بالزيت. وشُعاع السيف: بَريقه وضَوْؤه. وقوله: "حتى يكون البيت بالوصيف" معناه: أنَّ الناس يُشغَلون عن دفن موتاهم، حتى لا يوجد فيهم من يحفر قبرًا لميت ويدفنه إلّا أن يُعطى وصيفًا أو قيمته، أو أنَّ مواضع القبور تضيق فيبتاعون كل قبر بوصيف.
[ ٣ / ٥٤٠ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، لأنَّ حماد بن زيد رواه عن أبي عمران الجَوْني، عن المُشعَّث بن طَريف، عن عبد الله بن الصامت:
٢٦٩٩ - أخبرَناه أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، أخبرنا سليمان بن حَرْب، حدثنا حماد بن زيد قال: حدثني المُشعَّث بن طَرِيف، وكان قاضيًا بهَراة، عن عبد الله بن الصامِت، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ، نحوه (^١).
٢٧٠٠ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفَّار، حدثنا أحمد بن يونس بن المسيَّب الضَّبِّي، حدثنا جعفر بن عَوْن، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم وعامر الشَّعْبي، قالا: قال مروان بن الحكم لأيمن بن خُريم: ألا تخرجُ فتُقاتلَ معنا، فقال: إِنَّ أبي وعمِّي شهدا بدرًا، وإنهما عَهِدا إليّ أن لا أُقاتل أحدًا يقول: لا إله إلّا الله، فإن أنت جئتني ببراءةٍ من النار قاتلتُ معك، قال: فاخرُجْ عنا، قال: فخرج وهو يقول:
ولست بقاتلٍ رجلًا يصلّي … على سلطانِ آخرَ من قريشِ
له سُلْطانُه وعليَّ إثمي … معاذَ اللهِ مِن جَهلٍ وطَيشِ
أأقتُلُ مسلمًا في غير جُرْمٍ … فليسَ بنافعي ما عشتُ عَيشي (^٢)
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد تفرَّد حماد بن زيد فيه بزيادة المشعَّث بن طريف في إسناده كما أوضحناه عند الطريق السابق. والمشعَّث هذا رجل جليل القدر كما وصفه الحافظ صالح بن محمد جزرة، فلو فرضنا ثبوته في هذا الإسناد فإنه يكون صحيحًا أيضًا، ويكون من المزيد في متصل الأسانيد، لكن يعكّر عليه أنَّ مسلمًا أخرج قطعة من الحديث الطويل الذي رواه بطوله أحمد، فلم يذكر في إسناده المشعَّث، وقد رواها مسلم من طريق حماد بن زيد نفسه، فالله تعالى أعلم. وأخرجه أبو داود (٤٢٦١) و(٤٤٠٩) عن مُسدَّد بن مُسَرهد، وابن ماجه (٣٩٥٨) عن أحمد بن عَبْدة، كلاهما عن حماد بن زيد، بهذا الإسناد. وسيأتي برقم (٨٥١٠) من طريق سعيد بن هبيرة عن حماد بن زيد.
(٢) رجاله ثقات، لكن تفرَّد جعفر بن عون من بين سائر أصحاب إسماعيل بن أبي خالد =
[ ٣ / ٥٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بذكر قيس بن أبي حازم، ومن بين هؤلاء الذين لم يذكروه شعبة ويحيى القطان، وكلهم أجلّ من جعفر بن عون. وقد جزم إسماعيلُ بن أبي خالد فيما أسنده عنه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١٠/ ٤٤ بأنَّ عامرًا الشعبي لم يسمع هذا الخبر، يعني لم يسمعه من أيمن بن خُريم ولا من مروان بن الحكم، وجزم إسماعيل أيضًا فيما أسنده عنه ابن عساكر ١٠/ ٤٥ بأنه لم يسمع هذا الشعر المذكور من عامر الشعبي. واختُلف فيه عن الشعبي في تعيين الواقعة التي شهدها خريم بن فاتك وأخوه، فوقع في بعض الروايات عنه أنها بدر، وفي بعضها الآخر أنها الحديبية، وخطّأ الواقدي فيه ذكر بدر، لكن اعتمده البخاري وأبو حاتم وابن منده وابن السكن في إثبات شهودهما بدرًا، فيما نقله عنهم ابن عساكر ١٦/ ٣٤٧، وابن العديم في "بغية الطلب" ٧/ ٣٢٣٥، وقال ابن عساكر ١٦/ ٣٥١: ذكر الحديبية هو الصواب. وأخرجه البيهقي ٨/ ١٩٣ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني في "مسنده" كما في "المطالب العالية" للحافظ (٢٨٦٤)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" ٦/ ٢٦٧ - ٢٦٨ و١١/ ١٩٦، والطبراني في "الكبير" (٨٥١) و(٨٥٢)، والدارقطني في "المؤتلف والمختلف" ٢/ ٨٥٢ - ٨٥٣، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٢٥١٥)، وأبو عمرو الداني في "السنن الواردة في الفتن" (١٠٤)، وابن عبد البر في "الاستيعاب" ص ٦١، وأبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (٢٣٣٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١٠/ ٤٣ و٤٤، وابن العديم في "بغية الطلب" ٧/ ٣٢٣٤. والمزي في "تهذيب الكمال" في ترجمة أيمن بن خريم ٣/ ٤٤٥ من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر الشعبي وحده، به. وبعضهم يقول في روايته: عن أيمن بن خُريم قال: دعاني مروان، وبعضهم يذكر عبد الملك بن مروان بدل أبيه مروان بن الحكم، وذلك وهم، كما جزم به ابنُ عساكر، وبيان ذلك أنَّ هذه الواقعة إنما كانت بمَرْج راهِط كما وقع مصرَّحًا به في بعض طرقه، وذلك سنة (٦٥) هجرية، حيث استقام الأمر لمروان بن الحكم بالشام بعد هزيمته للضحّاك بن قيس، فالأليق أن يكون الذي دعا أيمن هو مروان. وقد يكون عبد الملك قال ذلك له أيضًا، إذ كان بصحبة أبيه. وذكر أبو القاسم الأصبهاني في روايته الحديبية بدل بدر. وأخرجه ابن الأعرابي في "معجمه" (١٧٧٣)، وأبو يعلى (٩٤٧)، وأبو عمرو الداني (١٠٥)، وابن عساكر ١٠/ ٤٣ و٤٤ و٤٦، وابن الأثير في "أسد الغابة" ١/ ١٨٨ - ١٨٩ من طريق مطرِّف بن طريف، عن الشعبي: أنَّ عبد الملك بن مروان قال لخريم بن فاتك أو ابنه. إلّا أبو يعلى فقال في روايته: لما قاتل مروان الضحاك بن قيس أرسل إلى أيمن بن خُريم. وهذا هو الصحيح الموافق =
[ ٣ / ٥٤٢ ]
هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
والصحابيان اللذان ذُكِرا وشَهِدا بدرًا يصير الحديثُ به في حدود المسانيد.
٢٧٠١ - أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن القاضي بهَمَذان، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي البَخْتَري، عن أبي ثَوْر الحُدّاني، قال: بعث عثمانُ بن عفان يومَ الجَرَعة سعيدَ بن العاص إلى الكوفة، قال: فخرجوا إليه فردُّوه، قال: وكنت قاعدًا مع أبي مسعود (^١) وحذيفة، فقال أبو مسعود: ما كنتُ أرى أن يرجعَ هؤلاء ولم يُهرَقْ فيها مِحجَمةٌ من دمٍ، وما علمتُ من ذلك شيئًا إلّا شيئًا علمتُه ومحمدٌ ﷺ حيٌّ: أنَّ الرجل يُصبح مؤمنًا ويُمسي وما معه شيءٌ، ويُمسي مؤمنًا ويصبحُ وما معه شيءٌ، يُقاتِل في الفتنة اليومَ ويقتلُه اللهُ غدًا، يُنكِّسُ (^٢) قلبَه وتَعلُوه اسْتُه، قلت: أسفلُه؟ قال: بلِ استُه (^٣).
_________________
(١) = لرواية إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي. وكلهم ذكر في روايته الحديبية بدل بدر، إلّا أبا يعلى ومن طريقه ابن الأثير، فذكر بدرًا.
(٢) تحرَّف اسم أبي مسعود في النسخ الخطية في الموضعين إلى: ابن مسعود، وجاء على الصواب في بعض النسخ الخطية في الروايتين الآتيتين برقم (٨٥٥٥) و(٨٨٥٥)، وكذلك جاء في سائر مصادر تخريج هذا الخبر، وقد وقع مُقيَّدًا في بعض الروايات بالبدري، وهي نسبة أبي مسعود، بل وقع في بعض الروايات أيضًا مذكورًا باسمه عقبة بن عمرو، وهذا ممّا يدفع الإشكال بِرُمَّته، ويؤكد على أنَّ ما وقع ها هنا تحريف: أنَّ أيام الجرعة هذه كانت في سنة ٣٤ هـ، وعبد الله بن مسعود ﵁ كان قد توفي قبلها بسنة أو سنتين، والله الموفق. والجَرَعة: موضع بالكوفة.
(٣) وقع في (ز) و(ص): ينكسر، ويغلب على ظننا أنه تحريف، والمثبت على الصواب من نسخة بهامش (ز) ومن "تلخيص المستدرك" للذهبي، وِفاقًا لجميع مصادر تخريج الخبر التي ذكرت هذا الحرف فيه، وجاء على الصواب أيضًا في الروايتين الآتيتين.
(٤) خبر حسنٌ، وهذا إسناد ضعيف لضعف عبد الرحمن بن الحسن القاضي، لكنه قد توبع في الروايتين الآتيتين برقم (٨٥٥٥) و(٨٨٥٥)، وكما سيأتي. وأبو ثور الحُدّاني إن كان هو حبيب بن أبي مُلَيكة، كما جزم به أحمد والترمذي وابن حبان والخطيب البغدادي، واستظهره ابن ناصر الدين الدمشقي في "توضيح المشتبه"، غير أنَّ الإمام أحمد نسبه =
[ ٣ / ٥٤٣ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٢٧٠٢ - أخبرنا بكر بن محمد الصَّيرفي بمَرْو، حدثنا أبو الأحوص محمد بن الهيثم القاضي، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا سليمان بن بلال، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمّه: أنَّ غلامًا كان لبابَى (^١)، وكان بابَى يضربه في أشياء ويُعاقِبه، وكان الغلامُ يُعادي سيِّدَه فباعه (^٢)، فلقيه الغلامُ يومًا ومع الغلام سيفٌ، وذلك في إمْرة سعيد بن العاص، فشَهَرَ العبدُ على بابَى السيفَ وتَفلَّت به عليه، فأمسكَه الناسُ عنه،
_________________
(١) = إلى حدأ، فقال: الحدإي، وصحَّح الخطيب هذه النسبة، وخطّأ نسبته إلى حُدَّان، وحُدَّان حي من الأزد، وحدأ حي من مراد، لكن ذكر غير واحدٍ من أهل النسب أنه دخل في مراد من الأزدِ ومن غيرهم، فلعلَّ هذا وجه قول من قال: حدّان حي من مراد، كما وقع في "موضح أوهام الجمع والتفريق" للخطيب ٢/ ٦، وحبيب هذا وثقه أبو زرعة. لكن بقي أنَّ حبيبًا هذا نُسب في كتب التراجم بالنهدي، والنهد لا يجامع الأزد ولا مراد في النسب، ولم نقف على هذه النسبة في شيء من رواياته إلّا في رواية واحدة هي رواية أبي إسحاق الفزاري، عن كليب بن وائل، عن هانئ بن قيس، عن حبيب، عن ابن عمر في غياب عثمان بن عفان عن بيعة الرضوان، ولم ينسبه بذلك غيره ممَّن روى خبر عثمان كزائدة بن قدامة وخالد بن عبد الله الواسطي وعبد الواحد بن زياد ومعتمر بن سليمان، فرجع الأمر إلى الأزد ومراد. وإن لم يكن أبو ثور هذا هو حبيب بن أبي مُلَيكة، وكان رجلًا آخر، كما يظهر من صنيع مسلم وابن أبي حاتم وأبي أحمد الحاكم وغيرهما، فهو رجل صدوق، فقد وصفه أبو داود بأنه تابعي جليل، وروى عنه الشعبي وأبو البختري سعيد بن فيروز، والله تعالى أعلم. وأخرجه أحمد ٣٨/ (٢٣٣٤٨) عن محمد بن جعفر، عن شعبة، بهذا الإسناد. وفيه أنَّ القائل: "ما علمت من ذلك شيئًا إلَّا شيئًا … " هو حذيفة لا أبو مسعود. وكذلك هو في بقية المصادر.
(٢) وقع هذا الاسم معجمًا في (ز) وفي سائر المواضع في الخبر بموحدة ثم تاء مثناة ثم ياء تحتانية، والمثبت بموحدتين ثانيتهما مفتوحة من بقية النسخ، وفي "الثقات" لابن حبان ٤/ ٨٣: بابى أبو عبد الله مولى عائشة؛ فلعله هذا، والله تعالى أعلم.
(٣) تحرَّف في (ز) و(ص) و(ع) إلى: فيدعّه، وجاء على الصواب في (ب) و"تلخيص الذهبي"، وفاقًا لما في "المحلى" لابن حزم، وهو الذي يدل عليه قوله آخر الحديث: فذهب إلى سيد العبد الذي ابتاعه منه.
[ ٣ / ٥٤٤ ]
فدخل بابَى على عائشة، فأخبرها بما فعل العبدُ، فقالت عائشة: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَن أشار بحديدةٍ إلى أحدٍ من المسلمين يريد قتلَه، فقد وَجَبَ دمُه".
قالت: فخرج بابَى من عندها، فذهب إلى سيد العبدِ الذي ابتاعه منه فاستقالَه فأقالَه، وردَّ إليه، فأخذَه بابَى فقتلَه (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢٧٠٣ - حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا السَّريّ بن خُزيمة، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وُهَيب، عن معمر بن راشد، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن الزُّبَير، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن شَهَرَ سيفَه ثم وَضَعَه، فدَمُه هَدْرٌ" (^٢).
_________________
(١) رجاله ثقات، وأم علقمة روى عنها اثنان، وذكرها العجلي وابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: روى عنها ابنُها أحاديث صالحة. قلنا: وقد تفردت بهذا الحديث، وقد احتجَّ الإمام أحمد بخبرها في الحامل ترى الدم أنها لا تصلي، ووافقه على ذلك إسحاق بن راهويه، حكاه عنهما ابن القيم في "زاد المعاد" ٥/ ٦٤٩. وأخرجه ابن حزم في "المحلى" ١١/ ٣٠٢ من طريق يحيى بن أيوب، عن سعيد بن أبي مريم، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٤٣/ (٢٦٢٩٤) عن عبيد بن أبي قرة، عن سليمان بن بلال، به. دون ذكر القصة، مع أنه أشار إليها بقوله: في قصة ذكرها. قوله: "فقد وجب دمه" أي: حلَّ للمقصود أن يدفعه عن نفسه ولو قتله، فوجب ها هنا بمعنى: حلَّ.
(٢) صحيح موقوفًا على عبد الله بن الزُّبَير، قد اختُلف في رفعه ووقفه عن معمر، فرواه عنه وهيب - وهو ابن خالد - والفضل بن موسى السِّيناني مرفوعًا، ورواه عنه عبد الرزاق موقوفًا، وكذلك رواه ابن جُرَيج عن عبد الله بن طاووس موقوفًا، ولهذا أنكر رفعه عليُّ بن المديني كما في "التعديل والتجريح" للباجي ٣/ ١٠٤٨، والبخاريُّ في "علل الترمذي الكبير" (٤٢٩)، ومالَ إلى تصحيح وصله ابن حزم في "المحلى" ١١/ ٣٠٧، وعبد الحق في "أحكامه الوسطى" ٤/ ٧٣، وكذلك الحافظُ في "الدراية" ٢/ ٢٦٧. وأخرجه النسائي (٣٥٤٦) من طريق الفضل بن موسى، عن معمر، بهذا الإسناد. وأخرجه النسائي (٣٥٤٧) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، به موقوفًا. =
[ ٣ / ٥٤٥ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٢٧٠٤ - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا بَحْر بن نَصْر بن سابق الخَوْلاني، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثني يعقوب بن عبد الرحمن، عن عُمارة بن حَزْم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "كيف بكم وبزمانٍ - أو (^١) يُوشِك أن يأتيَ زمانٌ - يُغربَلُ الناسُ غَربلةً، ويَبقى حُثالةٌ من الناس قد مَرِجَتْ عهودُهم وأماناتُهم، واختَلَفوا فكانوا هكذا" وشَبَّك بين أصابعه، قالوا: فكيف بنا يا رسول الله؟ قال: "تأخذون ما تَعرِفون، وتَدَعُون ما تُنكِرون، وتُقبِلون على أمر خاصّتِكم، وتَدَعُون أمرَ عامّتِكم" (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه أيضًا (٣٥٤٨) من طريق ابن جُرَيج، عن عبد الله بن طاووس، به موقوفًا كذلك. قوله: "فدمُه هدر" أي: لم يُطلب بثأره.
(٢) قوله: "كيف بكم وزمان أو" والمثبت على الصواب من رواية أبي طاهر المخلِّص في "المخلِّصيات" (١٤٦٧) حيث روى هذا الخبر عن يحيى بن محمد بن صاعد عن بحر بن نصر الخولاني، ونحوه في المصادر الأخرى.
(٣) حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات، لكن المحفوظ فيه ذكر أبي حازم سلمة بن دينار بين يعقوب بن عبد الرحمن - وهو الإسكندراني - وبين عُمارة بن حزم - وهو عمارة بن عمرو بن حزم - كما في رواية سعيد بن منصور الآتية عند المصنف برقم (٨٥٤٤)، وكما في رواية سعيد ابن كثير بن عُفير عند الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١١٧٧)، ورواية عبد الله ابن صالح كاتب الليث عند الطبراني في "الكبير" (١٣٦٥٤/ ٥) و(١٤٥٨٩)، ورواية قتيبة بن سعيد عند أبي العباس المستغفري في "دلائل النبوة" (٢٧٩). وثبت أيضًا في رواية يحيى بن محمد بن صاعد عن بحر بن نصر عند أبي طاهر المخلِّص في "المخلِّصيات" (١٤٦٧). ولا يمكن ليعقوب إدراك عمارة بن حزم أصلًا، إذ بين وفاتيهما ما يزيد على مئة سنة على أعلى تقدير في وفاة عمارة. وأخرجه أبو داود (٤٣٤٢)، وابن ماجه (٣٩٥٧) من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن عمارة بن حزم، به. وخالف محمدُ بنُ مطرِّف المدني فيه يعقوبَ بنَ عبد الرحمن وعبدَ العزيز بنَ أبي حازم، فرواه عن أبي حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. أخرجه من طريقه أحمد ١١/ (٧٠٤٩). =
[ ٣ / ٥٤٦ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذه السِّياقة.
هذا آخر كتاب الجهاد
_________________
(١) = وقولهما أشبه بالصواب، وقد يكون الحديث محفوظًا على الوجهين، والله تعالى أعلم. وأخرجه أحمد ١١/ (٦٥٠٨) من طريق الحسن البصري، عن عبد الله بن عمرو. وأخرج بعضه البخاري برقم (٤٧٨) من طريق واقد بن محمد العُمري، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو. وسيأتي الحديث برقم (٨٥٤٤) من طريق سعيد بن منصور، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن عمارة بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن عمرو. وسيأتي أيضًا برقم (٧٩٥١) و(٨٨١٣) من طريق عكرمة عن عبد الله بن عمرو. وانظر حديث أبي ذر الآتي برقم (٥٥٥٣). قوله: "يُغربَل الناس غربلة" أي: يذهب خيارهم ويبقى أرذالهم، والمغربَل: المُنتقى، كأنه نُقّي بالغِربال. والحُثالة: الرديء من كل شيء. وقوله: "مَرِجت" أي: اختلطت وفسدت. وقوله: "تُقبلون على أمر خاصتكم وتدَعُون أمر عامتكم" أي: الزموا أمر أنفسكم واحفظوا دينكم، واتركوا الناس ولا تتبعوهم، وهذا رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كثر الأشرار وضَعُف الأخيار.
[ ٣ / ٥٤٧ ]