﷽
٣٢٦٥ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ وأبو الفضل الحسن بن يعقوب العَدْل قالا: حدثنا محمد بن عبد الوهاب العَبْدي، أخبرنا جعفر بن عَوْن، أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن المنكِدر، عن جابر قال: لما نزلت سورةُ الأنعام، سَبَّحَ رسولُ الله ﷺ ثم قال: "لقد شَيَّعَ هذه السورةَ من الملائكة ما سَدُّوا (^٢) الأُفُقَ" (^٣).
_________________
(١) = وأخرجه أبو داود (٣٦٠٥) من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي: أنَّ رجلًا من المسلمين حضرته الوفاة … وذكر القصة. وهذا القضاء من أبي موسى الأشعري على مقتضى الآية السادسة بعد المئة من سورة المائدة.
(٢) إسناده صحيح. وهو مكرر (١٧٥).
(٣) هكذا في النسخ الخطية -وكذا في أصول "شعب الإيمان" للبيهقي (٢٢٠٨) حيث رواه عن المصنف- على إثبات الواو التي هي علامة الفاعل المذكَّر المجموع، وهي لغة لبعض العرب وهم القائلون: أكلوني البراغيث. والجادَّة: سدَّ.
(٤) ضعيف بمرَّة، إسماعيل بن عبد الرحمن هذا ذهب المصنف إلى أنه السُّدِّي، فتعقّبه =
[ ٤ / ٢١٦ ]
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فإنَّ إسماعيل هذا: هو السُّدِّي، ولم يخرِّجه البخاري.
٣٢٦٦ - حدثنا أبو العبَّاس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا
_________________
(١) = الذهبي في "تلخيصه" بقوله: لا والله لم يدرك جعفرٌ السديَّ وأظن هذا موضوعًا، وعقَّب ابن حجر في "نتائج الأفكار" ٣/ ٢٣٠ على كلام الذهبي هذا فقال: لعله يريد إدراك السماع منه لا إدراك زمانه، فإنه وُلد سنة تسع ومئة، ويقال: سنة تسع عشرة، ومات السدي سنة تسع وعشرين ومئة، فعلى التقديرين كان يمكنه السماعُ منه، ولا سيما وهما في بلدة واحدة (يعني البصرة) لكن إنما طلب جعفرٌ العلمَ بعد الأربعين ومئة، والذي ظهر لي أنَّ اسم إسماعيل انقلب على بعض رواته، فقد أخرج الحديثَ المذكور عبدُ بن حميد في "تفسيره" -وهو أحد الحفاظ المتقنين- عن جعفر بن عون المذكور فقال: عن موسى بن عبيدة عن محمد بن المنكدر، فذكره مرسلًا ليس فيه جابر، وهذا أَولى. قلنا: وهذا الطريق المرسل رواه أيضًا البيهقي في "شعب الإيمان" (٢٢٠٩) من طريق أبي عثمان البصري -وهو الإمام القدوة عمرو بن عبد الله بن درهم- عن محمد بن عبد الوهاب، عن جعفر بن عون، عن موسى بن عُبيدة، به. فرجع الحديث في رواية محمد بن عبد الوهاب إلى موسى بن عبيدة أيضًا، وموسى هذا: هو الرَّبَذي، والجمهور على تضعيفه. وله شاهد من حديث أنس بن مالك موقوفًا عند الطبراني في "الأوسط" (٦٤٤٧)، والبيهقي في "الشعب" (٢٢١٠). وفي إسناده أبو بكر أحمد بن محمد السالمي ولا يُعرف حالُه، وعمر بن طلحة الليثي وهو ليس بذاك القوي. وآخر من حديث أسماء بنت يزيد موقوفًا، أخرجه الخِلَعي في "فوائده" ومن طريقه ابن حجر في "نتائج الأفكار" ٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩، وهو من رواية ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب عن أسماء، وليث وشهر ضعيفان، وهو عند إسحاق بن راهويه في "مسنده" (٢٢٩٨)، لكن جعله من رواية الليث عن شهر مرسلًا، فهذه علَّة أخرى للحديث. وثالث عن ابن عبَّاس موقوفًا أيضًا عند ابن الضريس في "فضائل القرآن" (١٩٦) و(٢٠١) بإسنادين ضعيفين، الثاني منهما فيه شهر بن حوشب، وهو صاحب مناكير. قلنا: ومع كل ذلك فقد ذهب الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" إلى تحسين هذه الأخبار ببعضها، ونظن ذلك تساهلًا منه ﵀، والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ٢١٧ ]
أبو بكر بن عيَّاش، عن أبي حَصِين، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام:٢]، قال: هما أَجَلان: أجلٌ في الدنيا، وأجلٌ في الآخرة مسمًّى عنده لا يعلمُه إلَّا الله، وقوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧]، قال: مسُّوه ونَظَروا إليه ولم يؤمنوا به (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٣٢٦٧ - حدثنا علي بن حَمْشاذَ العَدْل، حدثنا محمد بن مَندَهُ الأصبهاني، حدثنا بكر ابن بكَّار، حدثنا حمزة بن حَبيب، عن حَبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس في قول الله ﷿: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦]، قال: نزلت في أبي طالب، كان يَنْهى المشركين أن يُؤْذُوا رسولَ الله ﷺ، ويتباعدُ عمَّا جاءَ به (^٢).
٣٢٦٨ - أخبرَناه أبو العبَّاس المحبُوبي، حدثنا أحمد بن سيَّار، حدثنا محمد بن كَثير، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عمَّن سمع ابنَ عبَّاس يقول في قول الله ﷿: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾، قال: نزلت في أبي طالب، كان ينهى المشركين أن يُؤْذُوه ويَنْأَى عنه (^٣).
_________________
(١) إسناده حسن. أبو حصين: هو عثمان بن عاصم الأسدي. وهذا الخبر انفرد به الحاكم.
(٢) إسناده ضعيف لضعف محمد بن منده الأصبهاني، وبكر بن بكار ليس بذاك القوي. وأخرجه البيهقي في "الدلائل" ٢/ ٣٤٠ - ٣٤١، والواحدي في "أسباب النزول" (٤٢٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٦٦/ ٣٢٣ من طريق أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وانظر ما بعده.
(٣) إسناده ضعيف لإبهام الواسطة بين حبيب وابن عبَّاس. سفيان: هو الثوري. وأخرجه البيهقي في "الدلائل" ٢/ ٣٤٠ عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. ومن طريق سفيان أخرجه أيضًا أبو حذيفة النهدي في "تفسير سفيان" (٢٦٤)، وعبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٢٠٦، والطبري في "تفسيره" ٧/ ١٧٣، وكذا ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٧٦ - ١٢٧٧. وتابع سفيانَ على هذه الرواية بإبهام الواسطة: قيسُ بن الربيع عند الطبري ٧/ ١٧٣، وابن عساكر ٦٦/ ٣٢٣، وذُكر قيس عند الطبري بكنيته وهي أبو محمد الأسدي. ووقعت روايته عند الطبراني في "الكبير" (١٢٦٨٢) بإسقاط الواسطة المبهمة. وقيس بن الربيع فيه ضعف.=
[ ٤ / ٢١٨ ]
حديث حمزة عن حبيب صحيحٌ على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٣٢٦٩ - حدثني أبو بكر محمد بن عبد الله الحَفِيدُ، حدثنا الحسين بن الفضل، حدثنا محمد بن سابق، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ناجيَةَ بن كعب الأَسَدي، عن علي قال: قال أبو جهل للنبي ﷺ: قد نعلمُ يا محمدُ أنك تَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصدُقُ الحديثَ، ولا نُكَذِّبُك ولكن نكذِّبُ بالذي جئتَ به، فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٣٢٧٠ - أخبرني أبو عبد الله محمد بن علي الصنعاني بمكة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن عبَّاد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعمَر، عن جعفر الجَزَري، عن يزيد ابن الأَصمِّ، عن أبي هريرة في قوله ﷿: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، قال: يُحشَر الخلقُ كلُّهم يومَ القيامة: البهائمُ والدوابُّ والطيرُ وكلُّ شيء، فيَبلُغُ من عَدْل الله أن يأخذَ للجَمَّاءِ من القَرْناء، ثم يقول: كُوني ترابًا، لذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] (^٢).
_________________
(١) = وتابعهما حماد بن شعيب عند سعيد بن منصور في التفسير من "سننه" (٨٧٤). وحماد هذا ضعيف.
(٢) ضعيف، فقد روي موصولًا ومرسلًا، والمرسل أصح كما قال الترمذي في "جامعه" والبخاري فيما نقله عنه الترمذي في "العلل الكبير" (٦٥٦) والدارقطني في "العلل" ٤/ (٤٧٤)، وناجية بن كعب فيه بعض جهالة. أبو إسحاق: هو السَّبيعي عمرو بن عبد الله. وأخرجه الترمذي في "جامعه" (٣٠٦٤) من طريق معاوية بن هشام، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، به موصولًا. ومعاوية صدوق له أوهام. وخالفه عبد الرحمن بن مهدي عند الترمذي أيضًا (٣٠٦٤)، ويحيى بن آدم عند الطبري في "تفسيره" ٧/ ١٨٢، وهما ثقتان حافظان، فروياه عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن ناجية ابن كعب: أنَّ أبا جهل … فذكره مرسلًا، وهو المحفوظ.
(٣) إسناده صحيح. =
[ ٤ / ٢١٩ ]
جعفر الجَزَري هذا: هو ابن بُرْقان، قد احتَجَّ به، مسلم، وهو صحيح على شرطه، ولم يُخرجاه.
٣٢٧١ - أخبرنا أبو بكر الشافعي، حدثنا إسحاق بن الحسن، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان، عن زياد بن عِلَاقة، عن زياد بن حَرمَلة قال: سمعت عليَّ بن أبي طالب يقرأ هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، قال: هذه في إبراهيمَ وأصحابه ليس في هذه الأُمة (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
إنما اتَّفقا (^٢) على حديث الأعمش عن إبراهيم عن عَلقَمة عن عبد الله (^٣): أنهم قالوا: يا رسول الله، وأيُّنا لم يَظلِمْ نفسَه، الحديثَ بطوله بغير هذا التأويل.
٣٢٧٢ - أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشَّعْراني، حدثنا جدِّي، حدثنا عمرو بن عَوْن، حدثنا هُشيم، أخبرنا أبو بِشْر، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عبَّاس
_________________
(١) = وهو في "تفسير عبد الرزاق" ١/ ٢٠٦، ومن طريقه أخرجه الطبري في "تفسيره" ٧/ ١٨٨ - ١٨٩. وأخرجه الطبري أيضًا من طريق محمد بن ثور، عن معمر، به. وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٤/ ١٢٨٦ من طريق كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، به. وقصة الأخذ للشاة الجمّاء (وهي التي بلا قرون) من القَرْناء، قد رويت مرفوعة من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، وهو مخرَّج عند أحمد ١٢/ (٧٢٠٤)، ومسلم (٢٥٨٢)، وغيرهما. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، سيأتي عند المصنف برقم (٨٩٣١).
(٢) إسناده ضعيف لجهالة زياد بن حرملة فلم نقف له على ذكرٍ في شيء من كتب التراجم. أبو حذيفة: هو موسى بن مسعود النهدي، وسفيان: هو الثوري. وأخرجه الطبري ٧/ ٢٥٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٣٣ من طريق قيس بن الربيع، عن زياد بن علاقة، بهذا الإسناد.
(٣) البخاري برقم (٦٩٣٧)، ومسلم برقم (١٢٤).
(٤) قوله: "عن عبد الله" سقط من (ز) و(ص) و(ع)، هو ثابت في (ب).
[ ٤ / ٢٢٠ ]
في قوله ﷿: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦]، قال: المستقَرُّ: ما كان في الرَّحِم، مما هو حيٌّ ومما قد مات، والمستَودَع: ما في الصُّلْب (^١).
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٣٢٧٣ - أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد العَنبَري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا إبراهيم بن الحَكَم بن أبَان، حدثني أبي، عن عِكْرمة، عن ابن عبَّاس أنه سُئِلَ: هل رأى محمدٌ ربَّه؟ قال: نعم، رأى كأنَّ قَدَميهِ على خَضِرةٍ دونَه سِترٌ من لؤلؤ، فقلت: يا أبا عبَّاس، أليس يقول الله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؟ قال: يا لا أمَّ لك، ذاك نُورُه، وهو نورُه، إذا تجلَّى بنُورِه لا يُدرِكُه شيءٌ (^٢).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٣٢٧٤ - أخبرنا أبو بكر الشافعي، حدثنا إسحاق بن الحسن، أبو حُذيفة، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوَص، عن ابن مسعود: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام:١٤٢]، قال: الحَمُولة: ما حَمَل من الإبل، والفَرْش: الصِّغار (^٣).
_________________
(١) إسناده صحيح. أبو بشر: هو جعفر بن أبي وحشيَّة. وأخرجه سعيد بن منصور في التفسير من "سننه" (٨٩٢) عن هشيم، بهذا الإسناد. وسيأتي نحوه في آخر الحديث رقم (٣٩٢٠) من طريق تميم الضبّي عن سعيد بن جبير.
(٢) إسناده ضعيف جدًا، إبراهيم بن الحكم متَّفق على ضعفه، وقال الذهبي في "تلخيصه": متروك. وأخرجه بنحوه الترمذي (٣٢٧٩) من طريق سلم بن جعفر، عن الحكم بن أبان، بهذا الإسناد. دون ذكر القدمين والستر. وهذا الإسناد حسن. وأخرج النسائي (١١٤٧٣) من طريق يزيد بن أبي حكيم، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: إنَّ محمدًا ﷺ رأى ربَّه ﷿. وسلف هذا من طريق آخر عن عكرمة برقم (٢١٨)، وانظر الكلام على مسألة الرؤية في التعليق على الحديث رقم (٢١٧).
(٣) خبر صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل أبي حذيفة -وهو موسى بن مسعود النهدي- وقد =
[ ٤ / ٢٢١ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٣٢٧٥ - حدثنا علي بن حَمْشاذ العَدْل، حدثنا بِشْر بن موسى، حدثنا عبد الله بن الزُّبير الحُمَيدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد (^١): إنهم يَزعُمون أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحُمُر الأهلية زمنَ خيبر، قال: قد كان يقول ذلك الحَكَمُ بن عمرو عن رسول الله ﷺ، ولكن أَبَي ذلك البحرُ -يعني ابنَ عبَّاس- وقرأ ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيةَ [الأنعام: ١٤٥].
وقد كان أهلُ الجاهلية يتركون أشياءَ تقذُّرًا، فأنزل الله ﷿ في كتابه وبيَّن حلالَه وحرامَه، فما أَحلَّ فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سَكَتَ عنه فهو عَفْوٌ؛ ثم تلا هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (^٢).
_________________
(١) = توبع. سفيان: هو الثوري، وأبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السَّبيعي، وأبو الأحوص: هو عوف بن مالك الأشجعي. وأخرجه الطبري في "تفسيره" ٨/ ٦٢ و٦٣، وأبو عبيد في "الأموال" (٩٦٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٥/ ١٤٠٠ من طرق عن سفيان، بهذا الإسناد. وأخرجه الطبري أيضًا ٨/ ٦٣، وابن زنجويه في "الأموال" (١٤٢٩) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، به. لكن بيَّن شعبة في رواية محمد بن جعفر عنه عند الطبري أنه إنما سمعه من سفيان الثوري عن أبي إسحاق.
(٢) في النسخ الخطية: لجابر بن عبد الله، وهو تحريف، وجاء على الصواب كما أثبتناه في "السنن الكبرى" للبيهقي ٩/ ٣٣٠ حيث رواه عن المصنف بإسناده ومتنه، وهو كذلك في "مسند الحميدي" (٨٥٩)، وكذا عند البخاري (٥٥٢٩) من روايته عن علي بن المديني عن سفيان: وهو ابن عيينة، وجابر بن زيد: هذا هو أبو الشعثاء البصري، أحد كبار تلامذة ابن عباس.
(٣) إسناده صحيح. وأخرج الشطر الأول منه أحمد ٢٩/ (١٧٨٦١)، والبخاري (٥٥٢٩) من طريق سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. وأخرجه كذلك أبو داود (٣٨٠٨) من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، به. =
[ ٤ / ٢٢٢ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذه السياقة.
٣٢٧٦ - أخبرنا أبو زكريا العَنبَري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق ابن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعمَر، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عبَّاس: أنه سمع رجلًا يقول: الشرُّ ليس بقَدَر، فقال ابن عبَّاس: بينَنا وبينَ أهل القَدَر: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ حتى بلغ ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩]، قال ابن عبَّاس: والعَجْرُ والكَيْسُ من القَدَر (^١).
_________________
(١) = وسيأتي عند المصنف برقم (٦٤١٥) من طريق حماد بن زيد عن عمرو بن دينار. والشطر الثاني منه -وهو قوله: قد كان أهل الجاهلية … إلخ- سيأتي عند المصنف برقم (٧٢٩١) من طريق محمد بن شريك عن عمرو بن دينار، وفيه بيانُ أنه من قول ابن عباس رواه عنه أبو الشعثاء. قلنا: الذي كان يأباه ابنُ عبَّاس ﵄ فيما يُروى من النهي عن لحوم الحمر الأهلية هو أنها محرَّمة لذاتها، فقد كان يتردَّد في سبب النهي كما روى البخاري في "صحيحه" (٤٢٢٧) من طريق الشعبي عنه قال: لا أدري أَنَهى عنه رسول الله ﷺ -أي: عن لحم الحُمر الأهليَّة يوم خيبر- من أجل أنه كان حَمُولةَ الناس فكره أن تذهب حمولتُهم، أو حرَّمه؟! وإلّا فالنهي عن لحومها قد جاء مرويًا عن عشرة من الصحابة غير الحكم أو أكثر، وكلها أحاديث صحيحة أخرجها الشيخان وغيرهما، وقد أزال هذا التردُّدَ الذي وقع لابن عبَّاس حديثُ أنس بن مالك عند البخاري (٤١٩٨) و(٥٥٢٨) حيث جاء فيه مرفوعًا: "فإنها رِجْس"، وكذا الأمر بغسل الإناء من أثرها في حديث سلمة بن الأكوع عند البخاري أيضًا (٤١٩٦)، وهذا حكم المتنجِّس، فيستفاد من هذين الحديثين تحريم أكلها، وهما دالَّان على تحريمها لعينها لا لمعنًى آخر، كما قال غير واحد من أهل العلم فيما نقله الحافظ ابن حجر في "الفتح" ١٧/ ١١٦، وانظر بقية كلامه هناك في الردِّ على الاستدلال بآية الأنعام.
(٢) إسناده صحيح. إسحاق بن إبراهيم: هو ابن راهويه. وأخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٣٨٠) عن أبي عبد الله الحاكم، بهذا الإسناد. وأخرجه اللالكائي في "أصول الاعتقاد" (٩٧٠) من طريق ابن شيرويه، عن إسحاق بن راهويه، =
[ ٤ / ٢٢٣ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
٣٢٧٧ - حدثنا بكر بن محمد الصَّيرَفي بمَرْو، حدثنا عبد الصمد بن الفضل، حدثنا مالك بن إسماعيل النَّهْدي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خَليفة قال: سمعت ابن عبَّاس يقول: إِنَّ في الأنعام آياتٍ مُحكَماتٍ هُنَّ أُمُّ الكتاب، ثم قرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخر الآية [الأنعام: ١٥١] (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٣٢٧٨ - أخبرنا أبو زكريا العَنبَري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق ابن إبراهيم، أخبرنا جَرِير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس قال: لما أَنزل الله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢]، و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، انطَلَقَ من كان عنده يتيمٌ فعَزَلَ طعامَه من طعامِه، وشرابَه من شرابِه، فجعل يَفضُلُ الشيءُ من طعامه فيُحبَسُ له حتى يأكلَه أو يَفسُدَ، فاشتَدَّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ
_________________
(١) = وهو في "جامع معمر" مقطَّعًا برقم (٢٠٠٧٣) و(٢٠٠٨٠). ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٥/ ١٤١٢، وابن بطة في "الإبانة الكبرى" ٣/ ٢٧٨ و٤/ ١٦٦. ولم يذكر ابن أبي حاتم فيه قول ابن عبَّاس: العجز والكيس من القدر. وأخرجه كذلك دون قول ابن عبَّاس في آخره: الفريابي في "القدر" (٣٣٦) من طريق ابن المبارك، عن معمر، به. وأخرج قولَ ابن عبَّاس هذا برقم (٣٠٥) من طريق ابن جريج عن عبد الله ابن طاووس. وقوله: "العجز والكيس من القدر" روي مرفوعًا إلى النبي ﷺ من حديث ابن عمر عند مسلم (٢٦٥٥) وغيره بلفظ: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس". والكَيْس: ضد العَجْز، وهو النشاط والحِذْق بالأمور.
(٢) إسناده فيه لِين، كما سبق بيانه عند المصنف برقم (٣١٧٥).
[ ٤ / ٢٢٤ ]
إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فخَلَطُوا طعامَهم بطعامِهم، وشرابَهم بشرابِهم (^١).
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه.
٣٢٧٩ - حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصَّفّار، حدثنا محمد مَسلَمة الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا سفيان بن حسين، عن الزُّهْري، عن أبي إدريس، عن عُبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن يُبايعُني على هؤلاءِ الآياتِ"، ثم قرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] حتى خَتَمَ الآياتِ الثلاثَ "فمَن وَفَّى فأَجرُه على الله، ومَن انتَقَصَ شيئًا أدرَكَه اللهُ بها في الدنيا، كانت عقوبتَه، ومن أُخِّرَ إلى الآخرة، كان أمرُه إلى الله، إن شاء عذَّبه وإن شاء غَفَرَ له" (^٢).
_________________
(١) حديث حسن. وهو مكرر (٣٢٢٣).
(٢) حديث صحيح لكن بذكر آية بيعة النساء التي في الممتحنة برقم (١٢)، وهذا إسناد ضعيف، محمد بن مسلمة فيه مقال لكنه متابع، وسفيان بن حسين -مع ثقته- في روايته عن الزهري ضعف باتفاق الكبار من أهل الحديث، وقد تفرَّد بذكر آية الأنعام في حديث الزهري، وهذا من أوهامه، فقد خالفه حفاظ أصحاب الزهري كسفيان بن عيينة عند أحمد (٢٢٦٧٨) والبخاري (٤٨٩٤)، ومعمر عند مسلم (١٧٠٩) (٤٢)، فنصَّا فيه على آية النساء التي في الممتحنة. وأخرجه الشاشي في "مسنده" (١٢٢٩) عن عيسى بن أحمد العسقلاني، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٥/ ١٤١٧ عن أحمد بن سنان الواسطي، كلاهما عن يزيد بن هارون، بهذا الإسناد. وعيسى وأحمد كلاهما ثقة. وأخرجه محمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٦٦٠) من طريق سعيد بن يحيى الواسطي، عن سفيان بن حسين، به. وأخرجه بنحوه أحمد ٣٧/ (٢٢٦٧٨) و(٢٢٧٣٣)، والبخاري (١٨) و(٣٨٩٢) و(٤٨٦٤) و(٦٧٨٤) و(٦٨٠١) و(٧٢١٣)، ومسلم (١٧٠٩)، والترمذي (١٤٣٩)، والنسائي (٧٢٥٢) و(٧٧٣٦) و(١١٥٢٤) من طرق عن الزهري، به -وفي أوله عندهم: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا " وذكر ما في آية الممتحنة، ثم قال: "فمن وفَّى منكم … " وذكره، ومنهم من لم يشر =
[ ٤ / ٢٢٥ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه، إنما اتَّفقا جميعًا على حديث الزُّهري عن أبي إدريس عن عُبادة: "بايِعُوني على أن لا تُشرِكوا بالله شيئًا".
وقد روى سفيانُ بن حسين الواسطي كِلا الحديثين عن الزُّهري (^١)، فلا ينبغي أن يُنسَبَ إلى الوهم في أحد الحديثين إذا جُمِعَ بينهما، والله أعلم.
٣٢٨٠ - حدثنا أبو العبَّاس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو بكر بن عيَّاش، حدثنا عاصم بن أبي النَّجُود.
وأخبرني الشيخ أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حمَّاد بن زيد، حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: خَطَّ لنا رسول الله ﷺ خَطًّا، ثم خَطَّ عن يمينِه وعن شمالِه خُطوطًا، ثم قال: "هذا سبيلُ الله، وهذه السُّبُلُ على كلِّ سبيل منها شيطان يَدعُو إليه" ثمَّ تلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (^٢).
_________________
(١) = إلى الآية، ومنهم من قال: وقرأ آية النساء، ومنهم من قال: وقرأ الآية. وأخرجه بنحوه أحمد (٢٢٦٧٠)، ومسلم (١٧٠٩) (٤٣)، وابن ماجه (٢٦٠٣)، وابن حبان (٤٤٠٥) من طريق أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أَخذ على النساء … وذكره. وشكَّ خالد الحذّاء في روايته عن أبي قلابة عند أحمد (٢٢٦٦٨) فجعله من حديثه عن أبي أسماء الرحبي عن عبادة. والمحفوظ: أبو قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني. وانظر حديث علي بن أبي طالب السالف برقم (١٣).
(٢) إنما هما حديث واحد كما هو ظاهر من سياقه، وهمَ سفيان بن حسين في ذكر آية الأنعام فيه كما سبق، والله تعالى أعلم.
(٣) إسناده حسن من أجل عاصم بن أبي النجود. أبو وائل: هو شقيق بن سلمة، وعبد الله: هو ابن مسعود ﵁. وقد خالف الحاكمَ في الإسناد الأول لهذا الحديث الإمامُ المحدِّث المفسِّر أبو القاسم الحسن ابن محمد بن الحسن عند أبي إسحاق الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١٢١، فرواه عن أبي العبَّاس =
[ ٤ / ٢٢٦ ]
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه، وشاهده لفظًا واحدًا حديثُ الشَّعْبي عن جابر من وجهٍ غير مُعتمَد (^١).