إنّ قيمة أي كتاب لا تظهر دائمًا في شُهرة صِيته، وذيوع خبره، واشتهار أمره، فكثيرًا ما ترجع قِيمة الكتاب إلى خدمته من قِبَل الآخرين، ومدى إعجاب المتخصصين به. فالكتاب إذا كان طريفًا في موضوعه، جديدًا في بنائه، فإنه يثير فضول الباحثين، فيتعرضون له إما بالنَّقد، أو بالاستدراك، أو بالشَّرح والبيان لما غَمض منه، أو بالتَّذييل عليه فيما أغفله، أو بِرَدِّ بعض محتوياته، أو بتعديلها.
ولا ريب أن هِمَم الباحثين في الغالب لا تتجه هذه الوجهة إلا إذا كان الكتاب جديرًا بذلك، فإن لم يكن كذلك فإنه يُنسَى مع الزمن، خاصة إذا كان صاحبه خامل العلم، حسير القلم.
ولذا كم من مؤلفات نُسيت بنسيان أصحابها، وماتت بموتهم، وكم من كتاب ما زالت الأقلام تتناوشه، وتعتوره، وقد مر على موت صاحبه حينٌ من الدهر.
وهذا "كتاب المُستدرك على الصَّحيحين" لأبي عبد الله الحاكم، كم من طاقات جُنِّدت لتتبعه وترصده في كل كلمة سطرها، فكُتِبت حوله العديد من الكتب المتنوعة … واستمر فيه الأخذ والرد طيلة قرون.
وبناءً عليه، فالكتاب الذي لم يُختبر من طرف الباحثين الآخرين يبقى سرمدًا حاملًا بذورَ النَّقص، وما نُقِّح وهُذِّب أحسنُ مما لم يكن كذلك، وما تعاورته الأقلام والألسن فصمد لها هُو الذي يقدر على أن يَصْمد أمام التَّحديات، ويقدر على الوفاء بمتطلبات الحياة (^١).
_________________
(١) "مقدمة تحقيق بيان الوهم" (١/ ٣٢٧) بتصرف.
[ ١ / ١١ ]
ولـ "كتاب المُستدرك على الصَّحيحين" مزايا كثيرة؛ فهو كتاب مُفيد، توجهت إليه أنظار العلماء، إما بالنَّقد، أو بالاستدراك، أو برد بعض محتوياته، أو بتعديلها.
وسنذكر طرفًا من مزايا "كتاب المُستدرك على الصَّحيحين"، ثم نُتْبِعه بذكر عناية العلماء به، ليُستدل به على عِظم أهمية الكتاب، ولعل أنظار الباحثين تتجه إلى دراسته والاستفادة منه من منظور مختلف. فمن أهم مزاياه ما تضمنه من:
- نُقولاتٍ مُسْندة عن كُتُب نفيسة فُقِد أغلبُها، حتى أصبحنا نأخذ النَّص وكأننا نرى المصدر الذي استُقِى منه كـ: "الجامع الكبير" لسُفيان الثَّورى، و"المُسْند" (^١) لأحمد بن حَازم بن أبي غَرَزَةَ، و"المُسْند" لمسدد بن مسرهد، رواية مُعاذ بن المثنى، و"المُسْند" لعلي بن حمشاذ العدل.
والعديد من كُتب عَبْد الله بن المبارك، وكتب عَبْد الله بن وهب المصريّ، و"جزء حديث سَعدان بن نصر"، رواية الرَّزاز، و"جزء حديث سُفيان بن عُيينة"، رواية علي بن حرب الطَّائي، والعديد من أجزاء أحاديث مشايخه كأبي بكر الصِّبْغيّ، وأبى العباس الأصم، وأبي بكر النَّجاد. وهذه الأجزاء لو كُتبت بالذَّهب لكان قليلًا في حقّها؛ لشرفها وعلوِّ سندها.
- النَّقل عن كثير من كتب إمام الحديث علي بن عَبْد الله المديني، وقد وقع للحاكم غير ما كتاب منها، خاصة كتبه المصنفة في العلل، وكذا النَّقل عن مصنفات مسلم في العلل كـ "كتاب ما أخطأ فيه مَعْمر بالبصرة".
- تَصْويبات لعشرات المواضع المحرفة التي اقتبسها البيهقيُّ من هذا
_________________
(١) وصلنا من هذا الكتاب "جزء من مُسْند عابس الغفاري وجماعة من الصَّحابة ﵃ ".
[ ١ / ١٢ ]
الكتاب ورواها في "كتاب الخلافيات".
- عشرات النُّصوص المخرجة عند الشَّيخين، لكن بتغيير في بعض صيغ الأداء والتَّحمل، أو زيادة في المعنى.
- مئات الأحكام على الأحاديث من ناحية الصِّحة والضَّعف، والقبول والرَّد.
- أحكام الحاكم على الرُّواة بالجرح والتَّعديل، وتُقدَّر بالعشرات، وتُفرَد في مجلد وسط.
- ذِكْر مذاهب كبار النُّقاد في قبول الأحاديث ورفضها، كمذهب: أبي سَعيد عبد الرحمن بن مهدي في المسامحة في أسانيد فضائل الأعمال.
- مذاهب الرواة الَّذين لا يُحدِّثون إلا عن ثقة، كزائدة بن قدامة.
- المناظرات العلمية بين كبار المحدثين، كمناظرة الوضوء مِن مَسِّ الذكر، التي جرت في مَسْجد الخَيْف بين أساطين النُّقاد، كأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين.
- بيان مذهب الشَّيخين؛ في كون تفسير الصَّحابي الذي شهد الوحي والتَّنزيل عندهما حديثًا مُسْندًا.
- الإبانة عن مذاهب الشَّيخين؛ في ترك تخريج بعض الأحاديث؛ للعلل الواقعة فيها، وبيان هذه العلل.
- أبواب لم يُخرِّج الشَّيخان فيها شيئًا من الأحاديث.
- اقتباس مئات النُّصوص المسندة؛ والحكم على سندها صحةً وضعفًا، كـ "المُسْند" لأحمد بن حنبل، و"المصنف" لعبد الرزاق، و"التَّفسير" لآدم بن أبي إياس، المطبوع باسم: "تفسير مجاهد"، وغيره.
- ذِكْر أوجه الخلاف على الرواة بسند الحاكم، وبيان الراجح والمرجوح منها.
[ ١ / ١٣ ]
- حِفظ أقوال في الجرح والتعديل عن كبار الأئمة، وهي من الأهمية بمكان، لا سِيما أن المصدر التي اقتبس منها لم يصلنا.
- قواعد حديثية نادرة، نحو تعليق الحاكم على قول إبراهيم بن هانئ، قال: قال لنا أبو اليمان: "الحديث حديث الزهري، والذي حدثتكم عن ابن أبي حُسين غلطتُ فيه بورقة قلبتُها".
فقال الحاكم: "هذا كالأخذ باليد؛ فإن إبراهيم بن هانئ ثقة مأمون".
[ ١ / ١٤ ]