محمّد بن عبد الله بن محمَّد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم أبو عبد الله الضَّبي، الطهماني، النيسابوري، الحاكم الشافعي، المعروف بابن البَيِّع، إمام أهل الحديث في عصره والعارف به حق معرفته (^١).
سمع من نحو ألفي شيخ، ينقصون أو يزيدون، فإنه سمع بنيسابور وحدها من ألف نفس (^٢). وهُو أبو عبد الله الحافظُ ابن البَيِّع إمامُ أهلِ الحديثِ في عَصْره، والعارفُ به حقّ معرفته، يُقال له: الضَّبي؛ لأن جدَّ جَدَّتِه هو عيسى بنُ عبد الرحمن الضَّبي، وأُمُّ عيسى هي منويه بنتُ إبراهيم بن طَهمان الفقيه، وبيتُه بيتُ الصّلاح والورعِ والتَّأذين في الإسلام، وقد ذكر أباه في "تاريخه"، فأغنى عن إعادته، وُلد سنةَ إحدى وعشرين وثلاث مائة.
قال: ولقي عبدَ الله بنَ محمد بن الشَّرقي، وأبا علي الثَّقفي، وأبا حامد بنَ بلال، ولم يسمع منهم، وسمع من: أبي طاهر المحمداباذي، وأبي بكر القطّان، ولم يظفر بمسموعِهِ منهما، وتصانيفُه المشهورةُ تطفَحُ بذكر شيوخِه، وقرأ القرآن بخُراسان والعراق على قُرّاء وقتِه، وتفقه على الإمام أبي الوليد القرشي، والأستاذ أبي سَهل الصُّعْلُوكيّ، واختص بصُحبة إمام وقته أبي بكر الصِّبْغيّ، فكان في الخواص عنده والمرموقين، وكان الإمامُ يُراجِعُه في السُّؤال عن الجَرْح والتعديل وعلل الحديث، ويقدمه على أقرانه، وأدى
_________________
(١) "المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور" (ص ١٥ - ١٧ رقم ١)، "سير أعلام النبلاء" (١٧/ ١٦٢، ١٧٧)، "تاريخ الإسلام" (٩/ ٨٩)، "العبر في خبر من غبر" (٣/ ٩١)، "تذكرة الحفاظ" (٣/ ١٠٣٩).
(٢) قاله الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١٧/ ١٦٣).
[ ١ / ٨٢ ]
اختصاصه به واعتماده إليه في أمور مدرسته دارِ السُّنة، وفوَّض إليه توليةَ أوقافِه، واستضاء برأيه في أموره اعتمادًا على حسن ديانته ووفور أمانته، وجرت له مذاكرات ومحاورات مع الحفاظ والأئمة من أهل الحديث؛ مثل أبي بكر بن الجِعَابي بالعراق، وأبي علي الحافظ المَاسَرْجِسِيِّ الحافظ الذي كان أحفظَ أهل زمانِه.
وأخذ في التَّصنيف سنةَ سبعٍ وثلاثين وثلاثمائة، فاتَّفق له من التَّصانيف ما لعلّه يبلغُ قريبًا من ألف جزءٍ من تخريج "الصَّحيحين"، والعِلَل، والتراجمِ، والأبوابِ، والشُّيوخ، ثم المجموعات مثل: "معرفة علوم الحديث"، و"مسْتدرك الصَّحيحين"، و"تاريخ النيسَابوريين"، و"كتاب مُزكي الأخبار"، و"المدخل إلى علم الصَّحيح"، و"كتاب الإِكليل"، و"فضائل الشَّافعى"، وغير ذلك.
ومن تأمَّل كلامَهُ في تصانيفه، وتصَرُّفه في أماليه، ونَظَرَهُ في طُرُق الحديث، أذعن بفضلِهِ، واعترفَ له بالمَزِيّة على من تَقَدّمه، وإتعابِه مَنْ بعده، وتعجيزِه اللاحقين عن بُلوغ شَأْوه، وعاش حميدًا، ومضى إلى رحمة الله، ولم يُخلِّف في وقته مثلَه في صفر يوم الثلاثاء منه سنة خممس وأربعمائة، وآخر من روى عنه الحديث بنيسابور أبو بكر بن خلف الشِّيرازيّ (^١).
* * *
_________________
(١) "المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور" للصريفيني (ص ١٥)، "سير أعلام النبلاء" للذهبي (١٧/ ١٧٠).
[ ١ / ٨٣ ]