بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة العلمية للتحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسَّلام على أشرف خلقه محمَّد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. وبعد:
اعلم أنَّه لم يَزَلِ الحديث النَّبويُّ، والإسلامُ غضٌّ طريٌّ، والدِّين مُحكَمُ الأساسِ قويٌّ، أشرفَ العلوم وأجلَّها لدى الصَّحابة والتَّابعين وأتباعهم خلفًا بعد سلفٍ، لا يشرُف بينهم أحد بعد حفظ التَّنزيل إلَّا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظُم في النُّفوس إلَّا بحسب ما سُمِعَ من الحديث عنه، فتوفَّرت الرَّغبات فيه، وانقطعت الْهِمَم على تعلُّمه، حتَّى رحلوا المراحل ذوات العَدَد، وأفنَوا الأموال والعُدَد، وقطعوا الفيافي في طلبه، وجابوا البلاد شرقًا وغربًا بسببه.
… فمارسوا الدَّفاتر، وسايَرُوا المحابر، وأجالوا في نَظْم قلائده أفكارَهم، وأنفقوا في تحصيله أعمارَهم، واستغرقوا لتقيِيده ليلَهم ونهارَهم، فأبرزُوا تصانيفَ كَثُرَت صنوفُها، ودوَّنُوا دواوين ظهرت شفوفها، فاتَّخذها العالِمُون قدوةً، ونصبها العامِلُون قِبْلَةً، فجزاهم الله ﷾ عن سَعيِهم الحميد أحسنَ ما جزى به علماءَ أمَّةٍ وأحبارَ مِلَّةٍ (^١).
_________________
(١) "إرشاد الساري" للقسطلاني (١/ ٦).
[ ١ / ٧ ]
فمن هؤلاء الأئمة الحاكم أبو عَبْد الله النيسابوريُّ، ولا تخفى المكانة العلمية التي يحظى بها بين أهلى الحديث، وَيكْفينا في ذلك قولُ تلميذه الحافظ البيهقيّ: "أبو عبد الله الحافظ إمام أهل الحديث في عصرِهِ". وقول بلديِّه الحافظ عبد الغافر الفارسيّ: "أبو عبد الله الحافظُ البَيِّع إمامُ أهلِ الحديثِ في عَصْره، والعارفُ به حقَّ معرفته … وبيتُه بيتُ الصَّلاح والورعِ والتَّأذين في الإسلام".
وقد روى عن ألف شيخٍ أو أكثر من أهل الحديث، وقرأ القرآن بخُراسان والعراق على قُرّاء وقتِه، وتفقَّه على الإمام أبي الوليد القرشي، والأستاذ أبي سَهل الصُّعْلُوكيّ، واختص بصُحبة إمام وقته أبي بكر الصِّبْغيّ، فكان في الخواص عنده والمرموقين، وكان الإمامُ يُراجِعُه في السُّؤال عن الجَرْح والتعديل وعلل الحديث، ويقدمه على أقرانه، وأدى اختصاصه به واعتماده إليه في أمور مدرسته دارِ السُّنة، وفوَّض إليه توليةَ أوقافِه، واستضاء برأيه في أموره اعتمادًا على حسن دِيَانته ووفور أمانته، وجرت له مذاكرات ومحاورات مع الحُفاظ والأئمة من أهل الحديث؛ مثل أبي بكر بن الجِعَابي بالعراق، وأبي علي الحافظ المَاسَرْجِسِيِّ الحافظ الذي كان أحفظَ أهل زمانِه.
وأخذ في التَّصنيف سنةَ سبعٍ وثلاثين وثلاثمائة، فاتَّفق له من التَّصانيف ما لعلّه يبلغُ قريبًا من ألف جزءٍ من تخريج "الصَّحيحين"، والعِلَل، والتراجمِ، والأبوابِ، والشُّيوخ، ثم المجموعات مثل: "معرفة علوم الحديث"، و"مُسْتَدرك الصَّحيحين"، و"تاريخ النيسَابُوريين"، و"كتاب مُزكي الأخبار"،
[ ١ / ٨ ]
و"المدخل إلى علم الصَّحيح"، و"كتاب الإِكليل"، و"فضائل الشَّافعي"، وغير ذلك.
ومن تأمّل كلامَهُ في تصانيفه، وتصَرُّفَه في أماليه، ونَظَرَهُ في طُرُق الحديث، أذعن بفضلِهِ، واعترفَ له بالمَزِيّة على من تَقَدَّمه، وإتعابِه مَنْ بعده، وتعجيزِه اللاحقين عن بُلوغ شَأْوه، وعاش حميدًا، ومضى إلى رحمة الله، ولم يُخلّف في وقته مثله في صفر يوم الثلاثاء منه سنة خمس وأربعمائة، وآخر من روى عنه الحديث بنيسابور أبو بكر بن خلف الشِّيرازيّ (^١).
وببركة الله تعالى ذِكْرُه وتوفيقِه نقدم للمكتبة العربية وللباحثين "كتاب المُستدرك على الصَّحيحين" لإمام أهل الحديث في عصرهِ، والعارف به حقَّ معرفته، الحاكم النَّيسابوري؛ في طبعة فريدة محققة منقحة، مقابلة على ثماني نُسخ خطيّة مقابلةً تامَّة، وقد قُوبلت على أكثر من نسخة لـ "تلخيص الذهبي للمُسْتدرك" (ت ٧٤٨ هـ)، وقُوبِلَت أسانيدها على "إتحاف المهرة" لابن حجر (ت ٨٥٢ هـ)، كما رُوجعت على مرويات البيهقيّ عن الحاكم، وأصول روايات المصنّف، وبذا استُكمِلَ النّقص، وعُولِجَ الخلل الواقع في الطّبعات التي سبقتها كافة.
وبحاشية الكتاب تعليقاتُ كلٍّ من الذهبيّ وابن حجر وابن الملقن وغيرهم من أهل العلم وتعقيباتُهم.
ونسأل الله تعالى ذِكره أن نكون وُفِّقنا في وسائل التَّدقيق التي سلكناها،
_________________
(١) "المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور" للصّريفيني (ص ١٥)، "سير أعلام النبلاء" للذهبي (١٧/ ١٧٠).
[ ١ / ٩ ]
حتى يصبح النَّص المحقق في أقرب صورة لما تركه عليه مصنفه ﵀.
واللهَ نسأل أن يتقبلَ هذا العملَ منَّا، وأن يجعلَه في ميزان حسناتنا، وميزان من سعى في نشره، إنه وليُّ ذلك ومولاه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصَحْبه.
* * *
[ ١ / ١٠ ]