والعملُ بسُنة المصطفى - ﷺ - وبما يستفادُ منها من أهمِّ ما يُفْتَرضُ على المُسلم المؤمن، فهي المُبَيِّنة لكتابِ الله تعالى؛ تُفَضِّلُ ما أجملَهُ وتقيِّدُ ما أطلَقَه، وتُخَصِّصُ ما عَمَّمه، وبالكتاب والسُّنَّة وحدَهما دُونَ غيرِهما تقامُ شريعةُ الله في أرضِه، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
إن المفسّرين على أن الضَّمير في قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ راجعٌ إلى النبي - ﷺ -، فصارت المحبة: اتباعَ الرسول - ﷺ - في أقواله وأفعاله وآدابه (١). وقد قرنَ اللهُ سبحانه طاعتَهُ بطاعةِ رسوله في العديد من الآيات، فاتْبَعَ هذه الآية بقوله في التي بعدها: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢]، وأعادَها في السورة نفسها وجعلَها سببًا للرحمة فقال سُبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]، وقال في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وقال جل شأنه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] (٢).
وخَصَّه جل شأنُه بالطاعةِ وحدَهُ في العديد من الآيات. وجعلَ طاعةَ الرسول - ﷺ - من طاعةِ الله، فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وأمرَ المُسلمينَ المؤمنينَ أن يأخذوا بما آتاهم الرسول ويتركوا ما نهاهم عنه - ﷺ - فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وجعلَ من لوازم الإيمان الأخذَ بالتَّوْجيهات النبويّة، فقال جل شأنه مُقسمًا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
_________________
(١) ينظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/ ٣٢ (ط. دار طيبة).
(٢) وتنظر سورة الأنفال: ٢٠، ٤٦، والنور: ٥٤، والأحزاب: ٧١ إلى غيرها من الآيات الكريمات.
[ ١ / ٦ ]
ومن ثَم أصبحَ من أهَمِّ الواجب على كُلِّ مسلمٍ معرفة سُنّة المصطفى المبعوث رحمة للعالمين، والعمل بها وبما يُستفاد منها، في كل شُؤون حياته، وبما يأمُل من السَّعادة في آخرتِه، وأن لا تَتَفرَّقَ به السُّبُل باتباع فُلانٍ وفُلان، فرسولُ الله - ﷺ - هو المُجَسِّدُ للإسلام في أقواله وأفعاله وسيرته، فلَزِمَ التعرف على هذا المِنْهاج النبوي بخصائصه الشاملة لكلِّ مفاصل الحياة الدُّنيا والآخرة، وهو المنهاجُ المتكاملُ المتوازنُ الواقعيُّ المُيَسَّر، وهو وحده الأُسوةُ الحسنةُ التي يتعينُ التأسِّي بها ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
قبل ثلاثينَ عامًا ابتدأت عُصْبةٌ من مُحبي سُنَّة رسول الله - ﷺ - بعملٍ جادٍّ لجمع السُّنَّة في كتابٍ جامع، فكان "المُسند الجامع" بعدَ عملٍ دامَ عَشْر سنوات، فطُبع سنة ١٤١٣ هـ / ١٩٩٣ م وتلقاهُ أهلُ العلم بما يستحِقُّه من تقديرٍ وثَنَاءٍ جميل، وسَرْعان ما نَفِدت نُسَخُه بعد أن عرفَ أهلُ العلم قَدْرَهُ وما بُذل فيه من جُهْدٍ وإتقانٍ ودقةٍ قَلَّ نظيرُها في الكُتُب التي من بابتِه.
وكان العاملون فيه يُدركونَ أن ذلكَ المَشْروع المُبارك إنما هو نواةٌ لمشاريعَ كُبرى للعناية بالسُّنة النبوية الشريفة، إذ سيضافُ إليه مستقبلًا العديدُ من الكُتُب، فضلًا عن مزيدِ من التفصيل الذي يُجَلِّي معانيه، ويُكْثِرُ من فوائده، ويزيدُ ما يُرْتَجى من عوائدِه، فكان أن وفَّقنا اللّهُ جَلَّ في علاه إلى إنجاز "المُسْنَد المُصَنَّف المُعَلَّل" حصيلة أكثر من عقدين من العَمَل الجاد المتواصل الذي ابتدأنا فيه من سنة ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م، شارك فيه أو ساعد على إنجازه فتيةٌ آمنوا بِرَبِّهم وساروا على هَدْي نبيِّهم - ﷺ - فمنهم من قَضَى نحبَهُ ومنهم من ينتظر وما بَدَّلُوا تبديلًا، فالحمدُ لله على ما أنعمَ وتَفَضّل.