لا شك أن الاهتمام بكتاب معين وصرف وجوه العناية به يعد أحد مظاهر قيمة هذا الكتاب ومكانته العلمية، وصور الاهتمام عامة تتمثل في عدة أمور، منها: اتساع نطاق روايته، والاعتناء بشرحه، واختصاره أو تهذيبه، أو استخراج زوائده علي كتب أخرى، وشرح غريبه، واستخراج آثاره، والترجمة لرواته إن كان كتابًا مسندًا.
وقد ينال كتاب ما شهرة في وقت ثم تخبو شهرته، وربما ينشط أهل العلم له بعد أزمنة بعيدة عن زمن تأليفه، وربما كان هذا هو الحال مع "المصنَّف"؛ فإنك لا تجد حفاوة به كالحفاوة التي نالتها مصنفات أخرى تلته أو سبقته، لدرجة أن الدهلوي جعله في الطبقة الثالثة من حيث الترتيب بين كتب السنة فقال: "الطبقة الثالثة: مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت - قبل البخاري ومسلم وفي زمانهما وبعدهما - جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف، والمعروف والغريب، والشاذ والمنكر، والخطأ والصواب، والثابت والمقلوب؛ لم تشتهر في العلماء ذلك الاشتهار وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة، ولم يتداول ما تفردت به الفقهاء كثيرَ تداول، ولم يفحص عن صحتها وسقمها المحدثون كبيرَ فحص، ومنه ما لم يخدمه لغوي لشرح غريب، ولا فقيه بتطبيقه علي مذاهب السلف، ولا محدث ببيان مشكله، ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله. ولا أريد المتأخرين المتعمقين، وإنما كلامي في الأئمة المتقدمين من أهل الحديث، فهي باقية على استتارها واختفائها وخمولها كـ: "مسند أبي يعلي" و"مصنف عبد الرزاق" … " (^١) إلخ.
_________________
(١) "حجة الله البالغة" لولي الله الدهلوي (١/ ٢٣٣).
[ ١ / ١٣٠ ]
وربما يرجع ذلك لعدة أسباب، بعضها يتعلق بالإمام عبد الرزاق، وبعضها بـ "المصنَّف":
١ - فالإمام عبد الرزاق على الرغم من شهرته الواسعة إلا أنه لم يسلم من النقد الذي نال منه في أخريات عمره، وربما جعل هذا البعضَ يحجم عن الرواية عنه، وهو ما يظهر في هذه القصة التي ساقها ابن عدي حيث قال: "وسمعت ابن حماد يقول: سمعت أبا صالح محمد بن إسماعيل الضراري يقول: بلغنا ونحن بصنعاء عند عبد الرزاق أن أصحابنا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهما تركوا حديث عبد الرزاق أو كرهوه؛ فدخلنا من ذلك غم شديد، وقلنا: قد أنفقنا ورحلنا وتعبنا، وآخر ذلك سقط حديثه! فلم أزل في غم من ذلك إلى وقت الحج، فخرجت من صنعاء إلى مكة، فوافيت بها يحيى بن معين، فقلت له: يا أبا زكريا، ما نزل من شيء بلغنا عنكم في عبد الرزاق؟ فقال: ما هو؟ قلت: بلغنا أنكم تركتم حديثه ورغبتم عنه، فقال: يا أبا صالح، لو ارتد عبد الرزاق عن الإسلام ما تركنا حديثه" (^١).
ولا شك أن هذه القصة تعكس قدر الإمام عبد الرزاق ومكانته في الرواية عند أكابر النقاد ممن لهم شأن في الحكم على الرجال؛ إلا أنها تظهر أيضًا التأثير السلبي لانتشار النقد الذي يلحق براوٍ ما، ولعل هذا يعكس جانبًا من ضعف الاهتمام بمصنف عبد الرزاق وعدم إنزاله منزلته اللائقة به بين آثار تلك الطبقة من كتب السنة.
٢ - ومما قد يُعدّ معوقًا لانتشار "المصنَّف" أو الإقبال عليه، هو ما ذُكر عن ميل الإمام عبد الرزاق إلى التشيع، وقد تعرضنا لهذا الجانب عند الكلام علي عقيدته.
٣ - ولعل من الأسباب انصراف العلماء إلى الصحيحين وكتب السنن؛ إذ أولوها من
_________________
(١) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٥٣٨). وينظر ما ذُكِر من انتقادات لعبد الرزاق في مبحث: مكانة الإمام عبد الرزاق العلمية وأقوال العلماء فيه.
[ ١ / ١٣١ ]
العناية والنظر ما لم يحصل بعضه لغيرها من المؤلفات، سواء في ذلك "مصنف" عبد الرزاق أو غيره من الكتب.
ومع هذا فقد وقفنا علي أسماء عدة كتب لها تعلق بـ "المصنَّف" تفيد في بيان عناية العلماء به قديمًا، وهي:
١ - "كتاب إصلاح الحروف التي كان إسحاق بن إبراهيم الدبري يصحفها في مصنف عبد الرزاق. تأليف الشيخ الفقيه: أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن يحيى بن مفرج القاضي - ﵀ -، ذكره ابن خير (^١)، وابن حجر (^٢)، والروداني (^٣).
٢ - "كتاب الصلاة المستخرج من مصنف عبد الرزاق للأحاديث المسندة خاصة".
ذكره ابن حجر وقال: "أخبرنا به أبو العباس أحمد بن أبي بكر الحنبلي مكاتبة، وقرأت بعضه على فاطمة بنت المنجَّى وأجازت لي سائره بإجازتها من التقي سليمان بن حمزة إن لم يكن سماعا لأبي العباس، أنبأنا محمد بن عبد الواحد الحافظ، أنبأنا أبو جعفر الصيدلاني، أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد الحداد، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا الطبراني، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، به. وهو في ستة أجزاء" (^٤).
٣ - ذكر الذهبي في ترجمة الحسن بن أحمد بن الحسن أبي علي الأصبهاني الحداد المقرئ أنه سمع "السنن المخرجة من كتب عبد الرزاق" سمعه من أبي نعيم، قال: أخبرنا الطبراني (^٥).
_________________
(١) "فهرسة ابن خير" (ص ١٣١).
(٢) "المعجم المفهرس" (ص ٤٠١).
(٣) "صلة الخلف" (ص ١٢١).
(٤) "المعجم المفهرس" (ص ٦٠)، وينظر: "إثارة الفوائد" للعلائي (١/ ٢٥٤)، و"صلة الخلف" للروداني (ص ٢٨٦).
(٥) "تاريخ الإسلام" (١١/ ٢٣٢) ط. بشار.
[ ١ / ١٣٢ ]
٤ - "عوالي عبد الرزاق في ستة أجزاء جمع الضياء المقدسي"، ذكره ابن حجر (^١)، والروداني (^٢)، والكتاني (^٣).
٥ - عزا إليه السيوطي في "جمع الجوامع أو الجامع الكبير"، وذكر في المقدمة أن من موارده مصنف الإمام عبد الرزاق، ورمز له بالرمز (عب) (^٤)، وكذلك فعل في "الجامع الصغير"، ففي مقدمة الكتاب: "وسميته: "الجامع الصغير من حديث البشير النذير"؛ لأنه مقتضب من الكتاب الكبير الذي سميته "جمع الجوامع"، وقصدت فيه جمع الأحاديث النبوية بأسرها، وهذه رموزه" (^٥)، وذكر فيها: " (عب) لعبد الرزاق في "الجامع"" (^٦).
أما الاهتمام به حديثًا فقد نال "المصنَّف" ومصنِّفه مساحة واسعة من الاهتمام على مستوى الدراسات الأكاديمية والأبحاث، فمن هذا:
١ - "عبد الرزاق وجهوده في علم الحديث رواية ودراية". رسالة للحصول علي درجة الدكتوراه مقدمة من الأستاذ الدكتور/ إسماعيل الدفتار.
٢ - "منهج الإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني في كتابه "المصنف"". رسالة للحصول علي درجة الماجستير مقدمة من الباحثة أسماء إبراهيم عجين.
٣ - "عبد الرزاق بن همام الصنعاني ومصنفه" بقلم الأستاذ: أحمد بن عبد الرحمن الصويان.
_________________
(١) "المعجم المفهرس" (ص ٣١٩).
(٢) "صلة الخلف" (ص ٣٠١).
(٣) "الرسالة المستطرفة" (ص ١٦٤).
(٤) "جمع الجوامع أو الجامع الكبير" (١/ المقدمة).
(٥) "الجامع الصغير" مع "فيض القدير" للمناوي (١/ ٢٣، ٢٤).
(٦) المصدر السابق (١/ ٢٧).
[ ١ / ١٣٣ ]
٤ - عمل على استخراج زوائد مصنف عبد الرزاق على الكتب الستة في رسالة علمية لنيل شهادة الدكتوراه - يوسف بن محمد صديق، وبلغ عدد الزوائد أربعة عشر ألف حديث زائد.
٥ - "مراسيل مصنف عبد الرزاق الصنعاني في كتاب الطهارة والحيض والصلاة" دراسة نقدية - إعداد الباحثة: فايلة ياما، بحث لنيل درجة الدكتوراه في قسم الدراسات: القرآن والسنة بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا - نوفمبر ٢٠٠٩ م.
٦ - "مراسيل مصنف عبد الرزاق في كتاب المناسك وكتاب الجهاد" جمع ودراسة تخريجية - إعداد: نوح علي، بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الماجستير في قسم دراسات القرآن والسنة، كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، فبراير ٢٠١١ م.
* * *
[ ١ / ١٣٤ ]