من أهم القضايا التي أثيرت حول "مصنف عبد الرزاق" زعم بعضهم العثور على جزء مفقود من كتاب "المصنف" للإمام عبد الرزاق، وإصداره لكتاب كتب عليه: "الجزء المفقود من الجزء الأول من "المصنف" للحافظ الكبير أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني"، بتحقيق عيسى بن عبد الله بن محمد بن مانع الحميري، وتقديم محمود سعيد ممدوح، الطبعة الأولى: بيروت - ١٤٢٥ هـ/ ٢٠٠٥ م، يقع متن النص المنسوب إلى "المصنف" لعبد الرزاق مع التعليق عليه من (ص ٥١) إلى (ص ٩٤)، أي: (٤٤ صفحة)، والطبعة الثانية: باكستان - ١٤٢٥ هـ/ ٢٠٠٥ م مع زيادة تقدمة لمحمد عبد الحكيم شرف القادري، وترجمة للكتاب ومقدماته إلى اللغة الأُردِية، لكن مقدمة محمود سعيد ممدوح مؤرخة في ٢٢ ربيع الآخر سنة ١٤٢٦ هـ.
وذكر الحميري أنه تحصل على هذه النسخة من بلاد الهند على يد من سماه بالدكتور السيد محمد أمين بركاتي قادري (^١)، وقال الحميري في وصفه لهذه المخطوطة: "المخطوطة نسخها الناسخ إسحاق بن عبد الرحمن السليماني كما هو مبين في آخر الجزء، وقد انتهى من نسخه يوم الإثنين التاسع من شهرر مضان الميمون سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة من هجرة سيد المرسلين ﵌ ببغداد. فك الله أسرها. ويقع الجزء في مائة وثلاث وثمانين ورقة بخط معتاد منقوط يرجع إلى القرن العاشر الهجري كما ثبت لدينا" (^٢)، ثم قال: "وليس على النسخة التي بين يدينا أية سماعات" (^٣)، وأشار الحميري أن ما سقط من المطبوع عشرة أبواب، وأنه قابل الجزء المخطوط بالمطبوع، فتبين له أن النسخة المخطوطة أضبط من النسخة المطبوعة (^٤).
_________________
(١) مقدمة الحميري "للجزء المنسوب إلى "المصنف"" (ص ٧).
(٢) مقدمة الحميري "للجزء المنسوب إلى "المصنف"" (ص ١٠).
(٣) مقدمة الحميري "للجزء المنسوب إلى "المصنف"" (ص ١٤).
(٤) مقدمة الحميري "للجزء المنسوب إلى "المصنف"" (ص ١١).
[ ١ / ٨٣ ]
وذكر محمود سعيد ممدوح (^١) أن الحميري تحصل على هذا الجزء، وأنه رأى المخطوط في مكتبته.
وقد آثرنا أن ننقل عن عيسى الحميري ومحمود سعيد مباشرة دون واسطة، وكما يقول الشيخ التكلة: "الحاصل أن المعلومات المذكورة في مقدمته والتي تهمنا عن المخطوط هي ما يلي:
١ - أن المخطوط وُجد في الهند على يد أحد مشايخ القادرية (البريلوية) المعاصرين.
٢ - وأن الحميري تملك هذه النسخة، وأن محمود سعيد ممدوح رآها في خزانته.
٣ - وأنه كُتب عليها أنها نُسخت ببغداد سنة ٩٣٣ هـ على يد إسحاق بن عبد الرحمن السليماني.
٤ - وأن الناسخ متقن، بدليل زعم الحميري أن نسخته أدق من المطبوعة.
٥ - وأن الحميري قارن بين خطها وخطوط القرن العاشر ودقق وحقق فوجدها مطابقة لها.
٦ - وأنه لا سماعات ولا إسناد على النسخة.
٧ - وأن في المخطوط زيادة عشرة أبواب عن المطبوع في أوله، وهي: باب في تخليق نور محمد - ﷺ -، وتسعة أبواب في الوضوء. هذا ما أفاده الحميري عن نسخته" (^٢).
قال الشيخ التكلة: "وبتأمل الكتاب يتبيّن جليًّا أنه كتاب مكذوب مفترى؛ أُلصق زورًا وبهتانًا بالحافظ عبد الرزاق ﵀، وإنما افتُعل ونُشر لما في متونه من آراء منحرفة وأباطيل مدسوسة، مثل إثبات أولية النور المحمدي، وجملة خرافات أخرى. أما الأسانيد فقد رُكِّبت كيفما اتفق؛ لتبدو كأنها من رواية عبد الرزاق فعلًا، ولكن الممارس
_________________
(١) ينظر تقريظه "للجزء المنسوب إلى "المصنف" (ص ٤).
(٢) "دفاع عن النبي - ﷺ - وسنته المطهرة" ضمن "مجموع في كشف حقيقة الجزء المفقود المزعوم من "مصنف عبد الرزاق"" (ص ٧١، ٧٢).
[ ١ / ٨٤ ]
لكتب الحديث يعلم بطلانها وتركيبها بمجرد النظر، فكيف إذا قرن معها المتون المنكرة ذات المخالفات الشرعية والتراكيب الأعجمية؟ ودرس النسخة المزعومة للكتاب؟
وإزاء ذلك فقد وجب كشف هذا الكذب الصراح الذي فيه تشويه صورة نبينا محمد - ﷺ -، والدسّ في دينه ما ليس منه، والله المستعان.
مع العلم بأن جميع من عرفتُه علم بالكتاب جزم بوضعه، مثل الشيخ عبد الكريم الخضير، والشيخ سعد الحميّد، والشيخ عبد الله التويجري، والشيخ عبد الله السعد، والشيخ عبد القدوس محمد نذير، والشيخ عبد الرحمن الفريوائي، والشيخ خالد الدريس، والشيخ عمر الحفيان، والشيخ بندر الشويقي، والشيخ صالح العصيمي، والشيخ أحمد عاشور، والشيخ سعد السعدان، وغيرهم" (^١).
وقد صدَّر الشيخ التكلة رده على هذا الجزء المزعوم بذكر بيانات لجماعة من العلماء والمحدثين تتعلق بذلك (^٢)، ومما لم يرد ذكره في عبارته السابقة: الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العقيل ﵀، والشيخ عبد الله بن جبرين ﵀، والشيخ عبد الرحمن البراك، والشيخ محمد الأمين بوخبزة، والشيخ مقتدى بن حسن الأزهري، والشيخ مساعد البشير الحسيني، وبيان مركز الإمام الألباني شاملًا المشايخ: سليم بن عيد الهلالي، ومحمد موسى آل نصر، وعلي حسن الحلبي، ومشهور حسن آل سلمان، وبيان من أساتذة الحديث بجامعة الملك سعود شاملًا الدكاترة المشايخ: خالد بن منصور الدريس، ومحمد بن تركي التركي، وإبراهيم بن حماد الريس، وعلي بن عبد الله الصياح، وتيسير بن سعد أبو حميد.
وبيانات من: الشيخ الدكتور سعد بن ناصر الشثري، والشيخ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي، والدكتور عبد المحسن التخفيفي، والشيخ صالح بن عبد الله الدرويش، والشيخ بدر العمراني المغربي، وآخرين.
_________________
(١) "دفاع عن النبي - ﷺ - وسنته المطهرة" ضمن "مجموع في كشف حقيقة الجزء المفقود المزعوم من "مصنف عبد الرزاق"" (ص ٦٧).
(٢) "مجموع في كشف الجزء المفقود المزعوم من "مصنف عبد الرزاق"" (ص ٧ - ٦١).
[ ١ / ٨٥ ]
واشتمل الرد على رسالتين للشيخ التكلة: الأولى بعنوان: "دفاع عن النبي - ﷺ - وسنته المطهرة وكشف تواطؤ عيسى الحميري ومحمود سعيد ممدوح على وضع الحديث. تفنيد القطعة المكذوبة التي أخرجاها ونسباها لـ"مصنف عبد الرزاق""، والثانية بعنوان: "الإزهاق لأباطيل الإغلاق"، ثم رسالة للشيخ عائض بن سعد الدوسري بعنوان: "الحقيقة المحمدية أم الفلسفة الأفلاطونية" وقد نشرته دار المحدث سنة ١٤٢٨ هـ.
ولعل من الأسباب التي وراء اهتمام بعض أهل الأهواء بالبحث عن أي جزء مفقود "للمصنف":
١ - أن بعض أهل الأهواء كان يهمهم من خروج كتاب "المصنف" وطباعته شيء آخر! ألا وهو البحث عن حديث مكذوب عُزي خطأ "لمصنف عبد الرزاق"، ألا وهو حديث: "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر" بطوله (^١).
فقد نسب الحديث لعبد الرزاق: القسطلاني (^٢)، وتبعه على هذا الزرقاني (^٣)، والعجلوني (^٤)، واللكنوي (^٥).
هذا، وقد قال السيوطي عن هذا الخبر: "ليس له إسناد يعتمد عليه" (^٦)، وذكر الشيخ الألباني ﵀ حديث: "إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم … " ثم قال: "وفي الحديث إشارة إلى ما يتناقله الناس حتى صار ذلك عقيدة راسخة في قلوب كثير منهم، وهو أن النور المحمدي هو أول ما خلق الله ﵎، وليس لذلك أساس من الصحة" (^٧).
_________________
(١) "دفاع عن النبي - ﷺ - وسنته المطهرة" ضمن "مجموع في كشف حقيقة الجزء المفقود المزعوم من "مصنف عبد الرزاق"" (ص ٦٩).
(٢) "المواهب اللدنية" (١/ ٣٦) ط. دار الكتب العلمية.
(٣) "شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية" (١/ ٥٤).
(٤) "كشف الخفاء" (١/ ٢٦٥، ٢٦٦) ط. القدسي.
(٥) "الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" (ص ٤٢).
(٦) "الحاوي للفتاوي" (١/ ٣٢٥) ط. دار الكتب العلمية.
(٧) "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (١/ ٢٥٧، ٢٥٨).
[ ١ / ٨٦ ]
ويحسن هنا إيراد تعليق الشيخ التكلة حيث قال: "لم يصرح القسطلاني أن عبد الرزاق هو ابن همام الصنعاني، ولا نص أنه في "المصنف" أو غيره من كتبه؛ ولهذا لا أستبعد أن يكون النقل - على فرض صحته - عن عبد الرزاق الكاشاني وهو صاحب تصانيف من غلاة الصوفية، وهو ممن يعتقد الحقيقة المحمدية المبنية على هذا الحديث، وهو متقدم على القسطلاني، فلعل من جاء بعده ظنه عبد الرزاق المشهور عند المحدثين لا عند الصوفية" (^١).
وقد أخرج الإمام عبد الرزاق عدة أخبار في كتبه تتناول أول ما خلق الله تعالى، ولم يذكر معها شيئًا عن أولية النور المحمدي، فمن هذه الأخبار:
"عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] قال: هذا بدء خلقه قبل أن يخلق السماء والأرض" (^٢).
"عبد الرزاق، عن معمر والثوري، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: إن أول ما خلق الله من شيء خلق القلم، فقال: اكتب، فقال: أي رب، وما اكتب؟ قال: اكتب القدر، فجرى بما هو كائن في ذلك اليوم إلى أن تقوم الساعة، ثم طُوِي الكتابُ ورُفع القلمُ، فارتفع بخار الماء ففتق السموات، ثم خلق النون ثم بسط الأرض عليها فاضطربت النون فمادت الأرض، فخلق الجبال فوتدها فإنها لتفخر على الأرض، ثم قرأ ابن عباس: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ إلى ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ١، ٢] " (^٣).
_________________
(١) "دفاع عن النبي - ﷺ - وسنته المطهرة" ضمن "مجموع في كشف حقيقة الجزء المفقود المزعوم من "مصنف عبد الرزاق"" (ص ١٠٢) حاشية رقم (١). وينظر مبحث مؤلفات الإمام عبد الرزاق وآثاره، فقد ذكروا له كتابًا هو لعبد الرزاق الكاشي كمال الدين، وينسب أيضًا بالكاشاني كما في "كشف الظنون" (١/ ٣٣٦).
(٢) "تفسير القرآن" لعبد الرزاق (١/ ٣٠١).
(٣) "تفسير القرآن" لعبد الرزاق (٣/ ٣٠٧).
[ ١ / ٨٧ ]
وقد كتب بعض العاصرين بحثًا في بطلان حديث النور هذا (^١)، تحسن مراجعته لمزيد من الإيضاح.
٢ - أن بعض أهل الأهواء الذين يبحثون عن الحديث السابق ذكره: "ظنّوا - لجهلهم بالسُّنّة وكتبها - أنه يُمكن أن يكون الحديث في "المصنّف" فعلًا! وبالتأكيد لم يجدوه فيه. ولما لاحظوا وجود السقط اليسير في أول "المصنف" المطبوع تعلقوا بالأماني، وأن يكون حديثهم في القدر الساقط من المصنف! وكأن حديثهم سيكون في أبواب الطهارة وإزالة الحدث، وبحثوا عنه في شتى خزائن المخطوطات العالمية دون جدوى. فمن هنا ارتأى بعض من هانت عليه نفسه من أهل الأهواء أن يستغل وجود النقص ويكمله بما يناسب هواه! وكان من ذلك: الحديث المكذوب المذكور آنفا، فدسّه وغيره من الأباطيل في الكتاب على أن ذلك من القدر الساقط منه! " (^٢).
هذا كله؛ وبمطالعة ما كتبه الشيخ التكلة مع بيانات العلماء يقف القارئ على جملة من الأمور تؤكد عدم صحة هذا الجزء المنسوب للإمام عبد الرزاق، ونورد هاهنا بعض ما ذكره الشيخ التكلة من هذه الطعون، فمما قال (^٢):
"أولًا: إن تفرد نسخة الكتاب ما بين قادرية الهند والحميري كافٍ للتشكيك بمصداقية الكتاب؛ لأن طائفة القادرية هناك (وهي البريلوية) من غلاة الطرقية الذين يعتقدون ويدعون لأولية النور المحمدي، وهم من أجهل الناس بالحديث وأشدهم عداوة لأهله.
_________________
(١) هو "تنبيه الحذاق على بطلان ما شاع بين الأنام من حديث النور المنسوب لـ"مصنف عبد الرزاق"" لمحمد أحمد عبد القادر الشنقيطي المدني، تقديم: سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ﵀، ط. دار الفتح الشارقة.
(٢) "دفاع عن النبي - ﷺ - وسنته المطهرة" ضمن "مجموع في كشف حقيقة الجزء المفقود المزعوم من "مصنف عبد الرزاق"" (ص ٦٩، ٧٠).
[ ١ / ٨٨ ]
ثانيًا: إن المخطوط مزور، وليس من كتابات القرن العاشر - وإن كُتب عليه ذلك وجاهد الحميري لتثبيته - فمن الواضح للعارف أن كاتبه خطاط معاصر هندي، وخطه من جنس خطوط الطبعات الحجرية في القرن الماضي في الهند، وطريقة كتابة الحروف تؤكد ذلك، مثل الياء آخر الكلمة (مثل كلمة الزهري)، وكلمة (الطاؤس)، و(الملئكة)، هذا في الصفحة الأولى التي أوردها الحميري (ص ١٨). وفي الصفحة الأخيرة التي أوردها الحميري (ص ٢٢) تلاحظ كتابة الهاء آخر الكلمة (مثل: مثله، الآية، عليه)، والحاء المقطوعة آخر (نجيح)، والغين المقطوعة آخر (الفراغ)، وهذه هي الطريقة الشائعة في الكتابة عند الهنود.
هذا ما كنتُ سطّرتُه في كتابتي الأولى، أما الآن فقد تبين أن المخطوط حديث النسخ، أفاد الشيخ الكمداني أنه رآه بورق حديث وخط طري! وأنه لما طولب واضعه الهندي بأصل نسخته أفاد أنه استنسخها من مكتبة بالاتحاد السوفيتي، وأنها احترقت! فبطل أمر المخطوط أصلًا، وبان كذب ما جاء فيها أنها نُسخت سنة ٩٣٣ هـ في بغداد!!
ثالثًا: أما إتقان الناسخ فادعاء غير صحيح، ولا يصدَّق الحميري في زعمه ونقله بشكل عام؛ وفي هذا خصوصًا، وأمامنا من نسخته - التي زعمها متقنة - صفحتان مصورتان فقط، وأربعون حديثًا هي عدد أحاديث المطبوع، وبغض النظر عن مسألة الكذب نجد في الحديث الأول أنه أخطأ في اسم الصحابي الشهير السائب بن يزيد - ﵁ -، فكتبه: ابن زيد، وفي الحديث الثاني قال ابن جريج (من أتباع التابعين): أخبرني البراء الصحابي! فأين الإتقان وهذه البداية؟
رابعًا: ومما يدل على عدم الثقة في النسخة أنه لا سند لها ولا سماعات عليها، بخلاف المفترض لكتاب كهذا، مع أن الناسخ لما كتب الكتاب كتبه على الطريقة التي ينبغي فيها وجود سند؛ لأنه يقول عند كل حديث: عبد الرزاق، عن فلان وفلان، ولو كان نسخًا مجردًا للكتاب لما احتاج أن يذكر عبد الرزاق في كل إسناد.
[ ١ / ٨٩ ]
كما أن في النسخة تسمية الناسخ إسحاق بن عبد الرحمن السليماني، وأنه كتبه في بغداد سنة (٩٣٣ هـ) من هجرة سيد المرسلين وأكمل الخلق أجمعين - ﷺ - في بغداد المحروسة.
فأقول: لم تجر العادة بالنص على التاريخ الهجري إلا في آخر أيام الخلافة العثمانية، لما بدأ ينتشر تاريخ النصارى، وإلا فقد كان المعتاد أن يكتب التاريخ مجردًا عن الإضافة للهجرة، ولهذا الموضوع كلام طويل نبّه عليه الشيخ تقي الدين الهلالي ﵀، ومن بعده المشايخ: عبد الرحمن الباني، ومحمود شاكر المؤرخ، وبكر أبو زيد حفظهم الله (^١)، وغيرهم.
وكذلك فإن من الغريب أن يُكتب "المصنف" ببغداد - في ذلك الزمان - وقد اندثر فيها علم الحديث وندر من يطلبه، بل قد مضى ثلاثة قرون على ذهاب غالب مكتباتها على يد التتار.
خامسًا: بدأ الكتاب في هذه النسخة الموضوعة هكذا: باب في تخليق نور محمد - ﷺ -، وأضاف الحميري قبله (كتاب الإيمان) من عنده، ثم بدأ كتاب الطهارة، فهل واقع "مصنف عبد الرزاق" كذلك في التبويبات؟
إن المعلومات التي لدينا تشير إلى أن الباب الأول مفترى جملة وتفصيلًا، فالظاهر أن "المصنَّف" (الحقيقي) يبتدئ بكتاب الطهارة، فقد نص في "كشف الظنون" أن الكتاب مرتب على أبواب كتب الفقه، وهي تبدأ بالطهارة، ولما نقل ابن خير الإشبيلي في "فهرسته" (ص ١٢٩) عن الحافظ أبي علي الغساني تسمية أبواب "المصنف" في رواية ابن الأعرابي عن الدبري للكتاب بدأ بكتاب الطهارة، وسرد أبواب الكتاب، وليس فيها كتاب الإيمان (^٢) ولا ما يمكن أن يدخل تحته باب تخليق نور النبي - ﷺ -، ولم أجد أحدًا عزا هذين - الباب أو الكتاب - لعبد الرزاق على مدى الزمن.
_________________
(١) كان بحث الدكتور التكلة قبل وفاة العالمين الكبيرين: الشيخ بكر أبي زيد والشيخ محمود شاكر المؤرخ رحمهُما اللهُ.
(٢) ينظر مبحث رواة "المصنف" عن الإمام عبد الرزاق ففيها نقل نص كلام ابن خير.
[ ١ / ٩٠ ]
سادسًا: أمر أضيفه أخيرًا: أنه أمكن الوقوف على بعض الساقط فعلًا من "مصنف عبد الرزاق" من كتاب الطهارة وغيره، وذلك على هامش نسخة مخطوطة موثقة من "مصنف ابن أبي شيبة" فإذا ليس فيها شيء من خزعبلات الحميري، وإذا ما في "مصنف الحميري" يغاير ما ثبت أنه من الساقط من "المصنف" مع أنه على شرطه! فهذا دليل قوي على افتراء جزء الحميري ووضعه. أفاد بذلك معالي الشيخ سعد بن ناصر الشثري وفقه الله (^١).
سابعًا: صدّر الحميري الكتاب بقوله: "إسنادي إلى "مصنف الإمام عبد الرزاق الصنعاني"". وساق سنده بالإجازة، وتصرفه هذا فيه إيهام من لا يعرف الشأن بأن الكتاب الذي بين أيدينا متصل السند، وفيه تغرير بثبوته، وليس كذلك! ولا سيما أن الكتاب موجه في الغالب إلى أمثال الحميري من عوام مشايخ الطرق الذين لا شأن لهم ولا بصر في الحديث. ومع ذلك فقد وقع الحميري في عدد من الأخطاء والملاحظات في سنده".
ثم ذكر الشيخ التكلة هذه الأخطاء الواقعة في سياق الحميري لإسناده، ثم عقد مبحثًا في "الكلام على وضع متون وأسانيد النسخة".
وبالجملة فبحث الشيخ التكلة جدير بالاطلاع لما تضمنه من نفائس علمية وفوائد نقدية!!
* * *
_________________
(١) ينظر مقدمة الشيخ الشثري ضمن "مجموع في كشف حقيقة الجزء المفقود المزعوم من "مصنف عبد الرزاق"" (ص ٥٥).
[ ١ / ٩١ ]