بدأت المذاهب الفقهية تتكون منذ العقود الأولى من القرن الثاني الهجري، واستمرت في التطور والتمايز حتى اكتملت أواخر القرن الثالث الهجري، أما المحدثون قبل تميز المذاهب الفقهية، فقد كان ذوو الفقه منهم يذهبون مذهب الحجازيين أو الكوفيين.
ولما تعرض الجعدي لحال الفقه والفقهاء في اليمن، ذكر الإمام عبد الرزاق في الطبقة الثانية من تابعي التابعين وفقهاء اليمن (^٢)، ثم ذكر طبقة أخرى في المائة الثالثة، وقال في أواخر حديثه عن هذه الطبقة: "كان الغالب في اليمن مذهب مالك وأبي حنيفة" (^٣)، ثم ذكر بعض الفتن التي لحقت اليمن في آخر المائة الثالثة وأكثر المائة الرابعة، ومنها دعوة يحيى بن الحسين بن القاسم الناس إلى التشيع، ومما قاله: "وكان أهل اليمن صنفين: إما مفتون بهم، وإما خائف متمسك بنوع من الشريعة؛ إما حنفي - وهو الغالب - وإما مالكي" (^٤)؛ فوضح من كلامه أن كلا المذهبين قد دخل اليمن، وإن كان مذهب الحنفية أكثر انتشارًا في اليمن في هذه الحقبة.
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٤٠).
(٢) ينظر: "طبقات فقهاء اليمن" (ص ٦٨،٦٧).
(٣) "طبقات فقهاء اليمن" (ص ٧٤).
(٤) "طبقات فقهاء اليمن" (ص ٧٩).
[ ١ / ٤٥ ]
ومثل هذا العرض التاريخي المختصر لظهور بعض المذاهب الفقهية في اليمن يظهر أن الإمام عبد الرزاق قد عاش حياته إبان نشأة المذاهب الفقهية وتكونها وتوفي قبل اكتمال هذه المرحلة، ومع ذلك فقد تنازعه أصحاب المذاهب الفقهية، فذكره الملا علي القاري في أصحاب أبي حنيفة فقال: "ومن أهل اليمن: معمر بن راشد، وعبد الرزاق بن همام إمام أهل صنعاء أكثر الرواية عن الإمام" (^١). وقد سبق ذكر الإمام أبي حنيفة في شيوخ الإمام عبد الرزاق، بينما ذكره القاضي عياض في جملة أصحاب مالك وضمن مشاهير الرواة عنه (^٢)، وقد سبق ذكر الإمام مالك في شيوخ الإمام عبد الرزاق أيضا. أما ابن أبي يعلى فعد عبد الرزاق في الطبقة الأولى من أصحاب الإمام أحمد ومن روى عنه حديثًا أو مسألة أو حكاية (^٣).
والحق أن الاتجاه الفقهي لعبد الرزاق كان أوسع من أن يحصر في مذهب فقهي لأحد الذاهب الفقهية المعروفة، إذ لم يكن متقيدًا باتجاه فقهي لشيخ معين من شيوخه؛ دل على ذلك دراسة عينة من كتابه "المصنف" قام بها بعض الباحثين؛ تتبع فيها بعض المواضع التي صرح فيها الإمام عبد الرزاق باختياره واختيار غيره في المسألة (^٤)، وخلاصة البحث في هذه العينة أن مذهب الإمام عبد الرزاق هو مذهب أكثر الصحابة والتابعين، وأن له شخصيته الفقهية المتميزة، وله آراؤه وتوضيحاته الخاصة، وأنها ليست بالضرورة مذهب أحد شيوخه (^٥).