احتل الإمام عبد الرزاق بين علماء عصره مكانة فريدة ومنزلة رفيعة جعلت الإمام يحيى بن معين - وقد سئل إن كان قد ترك حديثه - يقول: "لو ارتد عبد الرزاق عن
_________________
(١) "الأثمار الجنية في أسماء الحنفية" (ص ١٣١).
(٢) "ترتيب المدارك" (٢/ ٢٠٨).
(٣) "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى (١/ ٢٠٩).
(٤) "منهج الحافظ عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه" لأسماء إبراهيم سعود عجين (ص ٢٩٨ - ٣١٢).
(٥) "منهج الحافظ عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه" (ص ٣١٢).
[ ١ / ٤٦ ]
الإسلام ما تركنا حديثه" (^١). وقد كان ﵀ محط رحال طلبة العلم ومقصدهم من المشرق والمغرب، يظهر هذا جليًّا في قول السمعاني عنه: "قيل: ما رُحِل إلى أحد بعد رسول الله - ﷺ - مثل ما رُحِل إليه" (^٢)، وقال الذهبي: "احتج به كل أرباب الصحاح" (^٣).
ولا شك أن مثل هذه المكانة الفريدة قَلَّ من حظي بها من المحدثين. وفيما يلي جملة من أقوال شيوخه وأقرانه وغيرهم قد سيقت في معرض الثناء عليه، وقد راعينا في إيرادها ترتيبها حسب وفيات قائليها، ثم أتبعناها ببعض الانتقادات التي وُجِّهت إليه.
قال محمد بن أبي السري العسقلاني، عن عبد الوهاب بن همام أخي عبد الرزاق: "كنت عند معمر وكان خاليًا، فقال: يختلف إلينا في طلب العلم من أهل اليمن أربعة: رباح بن زيد، ومحمد بن ثور، وهشام بن يوسف، وعبد الرزاق بن همام، فأما رباح فخليق أن تغلب عليه العبادة فينتفع بنفسه ولا ينتفع به الناس، وأما هشام فخليق أن يغلب عليه السلطان، وأما ابن ثور فكثير النسيان قليل الحفظ، وأما ابن همام فإن عاش فخليق أن تضرب إليه أكباد الإبل". قال محمد بن أبي السري: "فواللَّه لقد أتعبها" (^٤).
وقال علي بن الديني: قال لي هشام بن يوسف - وهو أحد أقران عبد الرزاق (^٥) -: "كان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا" (^٦).
_________________
(١) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٥٣٨).
(٢) "الأنساب" للسمعاني (٨/ ٣٣١).
(٣) "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٥٧٢).
(٤) "تهذيب الكمال" (١٨/ ٥٧)، وينظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٧٢، ١٧٣).
(٥) "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٥٨٠).
(٦) "تاريخ دمشق" (٣٦/ ١٧٠).
[ ١ / ٤٧ ]
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني سفيان بن وكيع قال: سمعت أبي وذكر عبد الرزاق فقال: "يشبه رجال أهل العراق" (^١).
وعن يحيى بن معين أنه قال: "عبد الرزاق ثقة لا بأس به" (^٢).
وقال يحيى بن معين أيضًا: "كان عبد الرزاق في حديث معمر أثبت من هشام بن يوسف، وكان هشام بن يوسف أثبت من عبد الرزاق في حديث ابن جريج، وكان أقرأ لكتب ابن جريج من عبد الرزاق، وكان أعلم بحديث سفيان من عبد الرزاق" (^٣).
وقال علي بن الديني: "ستة كادت تذهب عقولهم عند المذاكرة: يحيى وعبد الرحمن ووكيع وابن عيينة وأبو داود وعبد الرزاق". قال علي: "من شدة شهوتهم له" (^٤).
وعن أحمد بن صالح المصري: "قلت لأحمد بن حنبل: رأيتَ أحدًا أحسن حديثًا منه؟ - يعني عبد الرزاق - قال: لا" (^٥).
وقال الإمام أحمد أيضًا: "كتب عبد الرزاق هي العلم" (^٦).
وقال أيضًا: "إذا اختلف أصحاب معمر فالحديث لعبد الرزاق" (^٧).
وقال كذلك: "حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إليَّ من حديث هؤلاء البصريين، كان - يعني: معمرًا - يتعاهد كتبه وينظر فيها - يعني: باليمن - وكان يحدثهم حفظًا بالبصرة" (^٨).
_________________
(١) "العلل" للإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (٢/ ٥٩).
(٢) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٥٣٩).
(٣) "تاريخ ابن معين" رواية الدوري (٣/ ١٣٠).
(٤) "الجامع لآداب الراوي" للخطيب البغدادي (٢/ ٢٧٤).
(٥) "الفوائد المعللة" لأبي زرعة الدمشقي (ص ٢٥٥)، و"تهذيب الكمال" للمزي (١٨/ ٥٦، ٥٧).
(٦) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٧٠).
(٧) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٦٩).
(٨) "تهذيب الكمال" للمزي (١٨/ ٥٧).
[ ١ / ٤٨ ]
وقال أبو زرعة: "قلت لأحمد بن حنبل: كان عبد الرزاق يحفظ حديث معمر؟ قال: نعم. قيل له: فمن أثبت في ابن جريج: عبد الرزاق أو محمد بن بكر البرساني؟ قال: عبد الرزاق" (^١).
وقال الإمام أحمد: "عبد الرزاق أوسع علمًا من هشام بن يوسف، وهشام أنصف منه" (^٢).
وقال البخاري في ترجمة الإمام عبد الرزاق: "ما حدث من كتابه فهو أصح" (^٣).
وذكر أبو عبد الله الذهلي أصحاب معمر من أهل صنعاء فقال: "كان محمد بن ثور له صلاح وفضل ولم يكن يحفظ، وكان هشام بن يوسف صحيح الكتاب عن معمر ولم يكن يحفظ، وكان عبد الرزاق أيقظهم في الحديث وكان يحفظ" (^٤).
وقال الآجري: "سئل أبو داود عن عبد الرزاق والفريابي، فقال: الفريابي أحب إلينا منه، وعبد الرزاق ثقة" (^٥).
وقال أبو زرعة: "ربما انتفع المحدث القاصي الدار، كان عبد الرزاق قاصي الدار، فعمَّر داره وحسَّن حديثه" (^٦).
وقال أبو زرعة الدمشقي: "عبد الرزاق أحد من قد ثبت حديثه" (^٧).
وقال البزار: "ثقة يتشيع" (^٨).
_________________
(١) "تاريخ أبي زرعة الدمشقي" (ص ٤٥٧).
(٢) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٦٩).
(٣) "التاريخ الكبير" (٦/ ١٣٠).
(٤) "الإكمال" لمغلطاي (٨/ ٢٧٠).
(٥) "الإكمال" لمغلطاي (٨/ ٢٦٨).
(٦) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٨٤، ١٨٥).
(٧) "الفوائد المعللة" لأبي زرعة الدمشقي (ص ٢٥٥)، و"تهذيب الكمال" للمزي (١٨/ ٥٧).
(٨) "تهذيب التهذيب" لابن حجر (٦/ ٣١٤).
[ ١ / ٤٩ ]
وقال ابن عدي: "ولعبد الرزاق بن همام أصناف وحديث كثير، وقد رحل إليه ثقات المسلمين وأئمتهم وكتبوا عنه، ولم يروا بحديثه بأسا إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقد روى أحاديث في الفضائل مما لا يوافقه عليها أحد من الثقات، فهذا أعظم ما رموه به من روايته لهذه الأحاديث، ولما رواه في مثالب غيرهم مما لم أذكره في كتابي هذا، وأما في باب الصدق فأرجو أنه لا بأس به، إلا أنه قد سبق منه أحاديث في فضائل أهل البيت ومثالب آخرين مناكير" (^١).
وقال أبو الحسن الدارقطني: "ثقة يخطئ على معمر في أحاديث لم تكن في الكتاب" (^٢).
وقال أبو سعد السمعاني: "قيل: ما رُحِل إلى أحد بعد رسول الله - ﷺ - مثل ما رُحِل إليه" (^٣).
ووصفه الذهبي بشيخ الإسلام ومحدث الوقت، ومَن احتج به كل أرباب الصحاح، وإن كان له أوهام مغمورة (^٤).
وقال عنه اليافعي: "الحافظ العلامة المرتَحَل إليه من الآفاق الشيخ الإمام" (^٥).
وقال ابن القيم ﵀: "وأما الكلمات التي تروى عن بعضهم من التزهيد في العلم والاستغناء عنه، كقول من قال: نحن نأخذ علمنا من الحي الذي لا يموت، وأنتم تأخذونه من حي يموت. وقول الآخر - وقد قيل له -: ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق؟ فقال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الخلاق؟ وقول الآخر: العلم حجاب بين القلب وبين الله ﷿. وقول الآخر: لنا علم الخِرَق، ولكُم
_________________
(١) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٥٤٥).
(٢) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٨٢).
(٣) "الأنساب" للسمعاني (٨/ ٣٣١).
(٤) "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٥٧٢).
(٥) "مرآة الجنان" (٢/ ٤٠).
[ ١ / ٥٠ ]
علم الورق. ونحو هذا من الكلمات التي أحسن أحوال قائلها أن يكون جاهلًا يعذر بجهله، أو شاطحًا معترفًا بشطحه، وإلا فلولا عبد الرزاق وأمثاله، ولولا "أخبرنا" و"حدثنا" لما وصل إلى هذا وأمثاله شيء من الإسلام" (^١).
وقد ذكره ابن القيم في المفتين باليمن مع مطرف بن مازن قاضي صنعاء وهشام بن يوسف ومحمد بن ثور وسماك بن الفضل (^٢).
وقال ابن حجر العسقلاني: "ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع" (^٣).
وقال أيضًا: "الحافظ المشهور متفق على تخريج حديثه، وقد نسبه بعضهم إلى التدليس" (^٤).
وقال الداودي: "وثَّقه غير واحد، وحديثه مخرج في الصحاح، وله ما ينفرد به، ونقموا عليه التشيع، وما كان يغلو فيه، بل يحب عليًّا - ﵁ - ويبغض من قاتله" (^٥).