قبل أن نتطرق لعرض ما حكي عن الإمام عبد الرزاق في هذا الشأن، ارتأينا أن نقدم بين يدي ذلك كلمة للإمام الذهبي، تبين معنى مصطلحي التشيع والرفض في لسان علماء الحديث وعرفهم؛ حتى لا يذهب الفكر ببعض الناس بعيدا، فيحسب أن معناه في زمنهم مثل معناه في زمننا هذا الذي انحرفت فيه بعض فرق الشيعة انحرافا عقديا كبيرا ليس من دين الإسلام في شيء.
قال الذهبي: "ولكن من سكت عن ترحم مثل الشهيد أمير المؤمنين عثمان، فإن فيه شيئا من تشيع، فمن نطق فيه ببغض وتنقص فهو شيعي جلد يؤدب، وإن ترقى إلى الشيخين بذم فهو رافضي خبيث، وكذا من تعرض للإمام علي بذم، فهو ناصبي يعزر،
_________________
(١) تكررت روايته في "المعرفة والتاريخ" عن عبد الرزاق، وتبين لنا أنه عبد الرزاق بن همام، ينظر: (١/ ٤٧٩، ٦٣٧، ٦٤١) وغيرها.
(٢) "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٤٠٠).
(٣) "ذم الكلام" للهروي (٤/ ٣٠٠، ٣٠١)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٨٦).
[ ١ / ٣٩ ]
فإن كفره، فهو خارجي مارق، بل سبيلنا أن نستغفر للكل، ونحبهم، ونكف عما شجر بينهم" (^١).
وقال في ترجمة أبي عروبة: "كل من أحب الشيخين فليس بغالٍ، بل من تعرض لهما بشيء من تنقص فإنه رافضي غال، فإن سب، فهو من شرار الرافضة، فإن كفر فقد باء بالكفر، واستحق الخزي" (^٢).
ونقول: إن الناظر في الأقوال المتعلقة بهذا الشأن في حق الإمام عبد الرزاق يتضح له مدى تباينها في تحديد موقفه: فمن هذه الأقوال والروايات ما يدفع عنه وصفه بالتشيع فضلًا عن الرفض، أو يؤكد رجوعه عن هذا المسلك بعد اتصافه به، ويدخل في هذا النوع من الأقوال ما ينقله بعض تلاميذه كالإمام أحمد بن حنبل وأحمد بن الأزهر وغيرهما، فمن هذه الآثار ما ينقل عنه عدم تصريحه بتفضيله لعلِي علَى أبي بكر وعمر ﵃ جميعا، وأنه على مذهب أهل السنة والجماعة في أن أفضل هذه الأمة بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر وعمر.
فعن عبد الله ابن الإمام أحمد قال: "حدثني سلمة بن شبيب، قال: سمعت عبد الرزاق يقول: واللَّه ما انشرح صدري قطُّ أن أُفضل عليًّا على أبي بكر وعمر، ورحم الله أبا بكر، ورحم الله عمر، ورحم الله عثمان، ورحم الله عليًّا، ومن لم يحبهم فما هو بمؤمن، وإن أوثق عملي حُبّي إياهم" (^٣).
وعن أبي الأزهر قال: "سمعت عبد الرزاق يقول: أُفضِّل الشيخين بتفضيل علِيٍّ إياهما على نفسه، ولو لم يفضلهما لم أفضلهما، كفى بي إزراء أن أحب عليًّا ثم أخالف قوله" (^٤).
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" (٧/ ٣٧٠).
(٢) "سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٥١١).
(٣) "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد رواية عبد الله (٢/ ٥٩).
(٤) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٥٤٠).
[ ١ / ٤٠ ]
وقال الفسوي: "حدثني محمد بن أبي السري، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر قال: سألت الزهري عن عثمان وعلي أيهما أفضل؟ فقال: الدم الدم، عثمان أفضلهما. قال: وكان يقول: أبو بكر وعمر، ويسكت. وقال ابن أبي السري: فقلت لعبد الرزاق: ما رأيك أنت؟ فأبى أن يخبرني. وقال: كان سفيان الثوري يقول: أبو بكر وعمر وعثمان، ثم يسكت"، ثم قال: "وقال عبد الرزاق: وكان مالك بن أنس يقول: أبو بكر وعمر وعثمان، ثم يسكت. قال: وكان هشام بن حسان يقول: أبو بكر وعمر وعثمان، ثم يسكت" (^١).
وعن أبي بكر بن زنجويه قال: سمعت عبد الرزاق يقول: "الرافضي كافر" (^٢). وهذا الأثر الذي ينقله عنه أحد تلامذته يدفع عنه تهمة الرفض والغلو في التشيع.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: "سألت أبي قلت له: عبد الرزاق كان يتشيع ويفرط في التشيع؟ فقال: أما أنا فلم أسمع منه في هذا شيئًا، ولكن كان رجلا تعجبه أخبار الناس أو الأخبار" (^٣).
ونقل ابن عساكر طرفًا من الروايات التي فيها نسبة الإمام عبد الرزاق إلى التشيع، ثم قال: "وقد روي عنه أنه رجع عن ذلك"، ثم أخرج عن أبي مسلم البغدادي قال: "عبيد الله بن موسى من المتروكين؛ تركه أبو عبد الله أحمد بن حنبل لتشيعه، وقد عوتب أحمد بن حنبل على روايته عن عبد الرزاق، فذكر أنه رجع عن ذلك" (^٤).
ومن هذه الأقوال والروايات ما يَذكُر تشيعه دون وسمه بالغلو فيه، مع التأكيد على صدقه وتثبته فيما يرويه، فمنها ما يُنقل عن ابن معين - وهو من تلاميذه - وكذلك عن بعض النقاد كابن عدي، والذهبي، وابن رجب وغيرهم ممن يأتي ذكره.
_________________
(١) "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٨٠٦، ٨٠٧). وينظر: "تاريخ الإسلام" للذهبي (١٥/ ٢٦٤)، و"ميزان الاعتدال" له (٢/ ٦١٢).
(٢) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٥٤٠)، و"سير أعلام النبلاء" (١٤/ ١٧٨).
(٣) "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد رواية عبد الله (٢/ ٥٩).
(٤) "تاريخ دمشق" (٣٦/ ١٨٩).
[ ١ / ٤١ ]
فعن ابن معين أنه قال: "سمعت من عبد الرزاق كلامًا يومًا فاستدللت به على ما ذُكِر عنه من المذهب (^١)، فقلت: إن أُستاذِيك الذين أخذت عنهم ثقات كلهم أصحاب سنة: معمر، وما لك بن أنس، وابن جريج، وسفيان، والأوزاعي، فعَمَّن أخذتَ هذا المذهب؟ فقال: قدم علينا جعفر بن سليمان الضبعي، فرأيته فاضلًا حسن الهدي، فأخذت هذا عنه" (^٢).
وقال العقيلي: "حدثنا محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس، قال: سألت محمد بن أبي بكر المقدمي عن حديث لجعفر بن سليمان، فقلت: روى عنه عبد الرزاق؟ فقال: فقدت عبد الرزاق، ما أفسد جعفر غيره" (^٣). قال الذهبي: "يعني: في التشيع. قلت أنا: بل ما أفسد عبدَ الرزاق سوى جعفر بن سليمان" (^٤).
وعن مخلد الشعيري أنه قال: "كنت عند عبد الرزاق، فذكر رجل معاوية، فقال: لا تقذروا مجلسنا بذكر ولد أبي سفيان" (^٥).
وعن أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب قال: سمعت يحيى بن معين يقول - وبلغه أن أحمد بن حنبل يتكلم في عبيد الله بن موسى بسبب التشيع - قال يحيى: "واللَّه الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، لقد سمعت من عبد الرزاق في هذا المعنى أكثر مما يقول عبيد الله بن موسى، ولكن خاف أحمد بن حنبل أن تذهب رحلته إلى عبد الرزاق، أو كما قال" (^٦).
_________________
(١) أي: فاستدللت به على تشيعه، كما في لفظ الذهبي في "ميزان الاعتدال" (٢/ ٦١١).
(٢) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٨٧).
(٣) "الضعفاء" للعقيلي (٢/ ٦٠٠).
(٤) "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٥٧٠).
(٥) "الضعفاء" للعقيلي (٢/ ٦٠٣).
(٦) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣٦/ ١٨٨)، وهو في "التاريخ الكبير - السفر الثالث" لابن أبي خيثمة (١/ ٣٣) بلفظ مختصر عن هذا.
[ ١ / ٤٢ ]
فهذه الآثار تدل على تشيع عبد الرزاق، ويأتي على منوالها بعض العبارات النقولة عن بعض النقاد، فدونكها على الترتيب:
قال العجلي: "عبد الرزاق بن همام يماني ثقة، يكنى أبا بكر، وكان يتشيع" (^١).
وقال ابن حبان: "وكان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر، وكان ممن يخطئ إذا حدث من حفظه، على تشيع فيه" (^٢).
وقال أبو داود: "كان عبد الرزاق يُعرِّض بمعاوية، أخذ التشيع من جعفر" (^٣).
وقال البزار: "ثقة يتشيع" (^٤).
وقال ابن عدي: "ولعبد الرزاق بن همام أصناف وحديث كثير، وقد رحل إليه ثقات المسلمين وأئمتهم وكتبوا عنه، ولم يَرَوْا بحديثه بأسا إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقد روى أحاديث في الفضائل مما لا يوافقه عليها أحد من الثقات، فهذا أعظم ما رموه به من روايته لهذه الأحاديث؛ ولما رواه في مثالب غيرهم مما لم أذكره في كتابي هذا، وأما في باب الصدق فأرجو أنه لا بأس به، إلا أنه قد سبق منه أحاديث في فضائل أهل البيت ومثالب آخرين مناكير" (^٥).
وذكر الخطيب البغدادي أنه كان يذهب إلى التشيع (^٦).
وقال الذهبي: "الثقة الشيعي" (^٧).
وقال ابن رجب: "وقد ذكر غير واحد أن عبد الرزاق حدث بأحاديث مناكير في فضل علي وأهل البيت، فلعل تلك الأحاديث مما لُقِّنَها بعدما عمي - كما قاله الإمام أحمد، واللَّه أعلم - وبعضها مما رواه عنه الضعفاء ولا يصح عنه" (^٨).
_________________
(١) "الثقات" للعجلي (ص ٣٠٢).
(٢) "الثقات" لابن حبان (٨/ ٤١٢).
(٣) "الإكمال" (٨/ ٢٦٨).
(٤) "تهذيب التهذيب" لابن حجر (٦/ ٣١٤).
(٥) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٥٤٥).
(٦) "الكفاية" للخطيب (ص ١٢٥).
(٧) "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٥٦٣).
(٨) "شرح علل الترمذي" (٢/ ٧٥٣).
[ ١ / ٤٣ ]
وقال الداودي: "وثَّقه غير واحد، وحديثه مخرج في الصحاح، وله ما ينفرد به، ونقموا عليه التشيع، وما كان يغلو فيه، بل يحب عليًّا - ﵁ - ويبغض من قاتله" (^١).
ومن هذه الأقوال والروايات ما قد يلحقه بزمرة الغلاة في التشيع، فمنها:
ما أخرجه العقيلي قال: "سمعت علي بن عبد الله بن المبارك الصنعاني يقول: كان زيد بن المبارك لزم عبد الرزاق وأكثر عنه، ثم حرق كتبه، ولزم محمد بن ثور، فقيل له في ذلك فقال: كنا عند عبد الرزاق فحدثنا بحديث عن معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان … الحديث الطويل، فلما قرأ قول عمر لعلي والعباس: "فجئت أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك، وجاء هذا يطلب ميراث امرأته من أبيها". قال عبد الرزاق: انظروا إلى الأنوك يقول: "تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها"، لا يقول: رسول الله - ﷺ -. قال زيد بن المبارك: فقُمت، فلم أعد إليه، ولا أروي عنه حديثا أبدًا" (^٢).
قال الذهبي بعد إيراده الخبر السابق: "في هذه الحكاية إرسال، واللَّه أعلم بصحتها، ولا اعتراض على الفاروق - ﵁ - فيها، فإنه تكلم بلسان قسمة التركات" (^٣).
وقال الذهبي أيضًا: "هذه عظيمة، وما فهم قول أمير المؤمنين عمر، فإنك يا هذا لو سكت لكان أولى بك، فإن عمر إنما كان في مقام تبيين العمومة والبنوة، وإلا فعمر - ﵁ - أعلم بحق المصطفى وبتوقيره وتعظيمه من كل متحذلق متنطع، بل الصواب أن نقول عنك: انظروا إلى هذا الأنوك الفاعل - عفا الله عنه - كيف يقول عن عمر هذا، ولا يقول: قال أمير المؤمنين الفاروق؟ وبكل حال، فنستغفر الله لنا ولعبد الرزاق؛ فإنه مأمون على حديث رسول الله - ﷺ - صادق" (^٤).
_________________
(١) "طبقات المفسرين" (١/ ٣٠٢).
(٢) "الضعفاء" للعقيلي (٢/ ٦٠١).
(٣) "ميزان الاعتدال" (٢/ ٦١١).
(٤) "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٥٧٢، ٥٧٣).
[ ١ / ٤٤ ]
وحسبنا أن هذه الحكاية لم تثبت عنه - كما في كلام الذهبي - بل غاية ما هنالك أن يكون عند الإمام عبد الرزاق تشيع يسير، ما كان يجسر أن يحدث به كل أحد.
وأنت - أيها القارئ الكريم - إذا نظرت في هذه الهفوة - إن صحت عنه - ثم وزنتها بحسنات الإمام عبد الرزاق ومكانته في رواية الحديث النبوي والآثار، طاشت كفتها وانمحى أثرها؛ فإن "الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث". ولله در شيخ المنصفين الذهبي إذ يقول: "ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورا له، قمنا عليه، وبدعناه، وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين" (^١).