الرحلة في طلب تحصيل العلوم الشرعية من الأعمال الصالحة، وخاصة الرحلة في طلب الحديث، وقد ألف بعض الأئمة في فضلها وآدابها تآليف جامعة (١).
وللرحلة في طلب العلم فوائد كثيرة تنعكس على شخصية العَالِم وتُعطينا صورة عن مدى اطلاع العَالِم وتمكنه.
وإمامنا الحافظ قد أخذ من ذلك بالحظ الوافر، فشدَّ الرحال وتنقل في البلدان، وبذل في ذلك المال متحملًا للمشاق والمتاعب والأهوال.
فرحل أولًا إلى مكة سنة (٧٨٤ هـ) مع وصيه الخروبي للحج والمجاورة فسمع على الشيخ عفيف الدين النشاوري أغلب البخاري (٢) وعاد سنة (٧٨٦هـ).
وفي سنة (٧٩٣ هـ) رحل إلى قوص وغيرها من بلاد الصعيد فلقي فيها جماعة من العلماء.
_________________
(١) ألّف في ذلك الخطيب البغدادي كتابًا سماه (الرحلة في طلب الحديث)، وهو كتاب قيم طُبع مرارًا بتحقيق العِتْر.
(٢) الجواهر والدُّرَر (١/ ٦٣).
[ ١ / ٤٥ ]
وفي سنة (٧٩٧ هـ) رحل إلى الإسكندرية وبقي بها عدة أشهر.
ثم رحل إلى اليمن وذلك سنة (٧٩٩ هـ)، وتجول في مدنها كتعز وعدن والمُهجم ووادي الخطيب وغيرها، وأخذ عن أعيانها الكثير.
ولما سمع به صاحب اليمن الملك الأشرف إسماعيل بن عباس، دعاه ليلتقي به، فأحسن إليه وأكرمه، ورجع ابن حجر من اليمن إلى مكة سنة (٨٠٠ هـ)، وحج حجّة الإسلام (١).
وفي سنة (٨٠٢ هـ) خرج إلى الشام للأخذ عن من بها من الشيوخ والمحدثين والمسندين، حيث ظل مقيمًا بها مائة يوم، وقد اتسعت معارفه كثيرًا بما أخذه عن العلماء بها، واستفاد من العلماء الذين صادفهم في طريقه إلى الشام، ومن هذه المدن: نابلس وغزة والرملة وبيت المقدس والخليل وسرياقوس وغيرها (٢). وقد حصل له في هذه المدّة -مع قضاء أشغاله- ما بين قراءة وسماع ومطالعة من الكتب المجلدات أو الأجزاء ما لم يحصل له في رحلة أخرى.
وعاد ابن حجر إلى اليمن للمرّة الثانية سنة (٨٠٦هـ) -حيث جاور بمكة بعض تلك السنة-، فلقي بها أيضًا بعض من التقى معهم في رحلته الأولي.
وفي هذه المرّة انصدع المركب الذي كان فيه الإمام، فغرق جميع ما معه من الأمتعة والنقد والكتب، ثم يسّر الله إنقاذ أكثرها بعد أن دفع ابن حجر مالًا كثيرًا للذين استخرجوها (٣).
_________________
(١) الجواهر والدُّرَر (ص ٨٩).
(٢) المصدر السابق (ص ٨٩ - ٩٠).
(٣) الجواهر والدُّرَر (ص ٩٢ - ٩٣)؛ وابن حجر مؤرخًا (ص ٤١ - ٤٣).
[ ١ / ٤٦ ]
ورحل ابن حجر إلى الحجاز أكثر من مرّة للحجّ والمجاورة وطلب العلم، فلقي بمكة وبمنى والمدينة النبوية جمعا من العلماء والمسندين، وذلك سنة (٨٢٤هـ) (١).
وفي سنة (٨٣٦هـ) سافر إلى حلب ومنها إلى دمشق، وفي طريقه مرّ بحمص وحماة وسمع فيهما من بعض الشعراء وأهل الحديث.
وممن سمع منه بحلب الشيخ الإمام برهان الدين سِبْط ابن العَجْمي. وقد حصل في رحلته هذه على فوائد ودُرر سجّلها في تذكرته التي سماها (جلب حلب) في نحو أربعة أجزاء حديثية (٢).
كما حدّث هناك وأقرأ وعقد المجالس، وهكذا شهدت حياة هذا الإمام رحلات كثيرة في طول البلاد وعرضها (٣)، فأخذ عن أعيانها وسمع منهم وأسمعهم، واستفاد منهم وأفادهم.
* * *
_________________
(١) المصدر نفسه (ص ٩٥ - ٩٧).
(٢) المصدر نفسه (ص ١١٧).
(٣) ذكر السخاوي في الجواهر جميع البلاد التي سافر إليها ابن حجر ورتبها على حروف المعجم (ص ١٣٠)، فلتنظر هناك.
[ ١ / ٤٧ ]