شهد العالم الإسلامي عامة والعراق خاصة فاجعة لم يعرف التاريخ البشري لها مثيلا، بل لم يصب الإسلام وأهله بمثلها قط، (حديث يأكل الأحاديث، وخبر يطوي الأخبار، وتاريخ ينسي التواريخ، ونازلة تصغر كل نازلة، وفادحة تطبق الأرض، وتملؤها ما بين الطول والعرض) (^١).
ففي شهر صفر من سنة ٦٥٦ هـ (^٢)، اكتسح التتار بجيوشهم الكافرة الفاجرة أرض العراق، واستولوا على عاصمة الخلافة العباسية بغداد،
_________________
(١) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٤٦٧، و«سمط النجوم العوالي» ٣/ ٥٢٢.
(٢) دخل المغول بغداد في ٧ صفر تحديدا. انظر: «محنة الإسلام الكبرى أو: زوال الخلافة العباسية من بغداد على أيدي المغول». تأليف: د. مصطفى طه بدر ص ١٧٧. ومن عجائب تقدير الله تعالى أن كان دخول جيوش الكفر والضلال الأمريكية ببغداد في ٧ صفر من عام ١٤٢٤ هـ، وهو الموافق ليوم ٩/ ٤/ ٢٠٠٣ م!! فلله الأمر من قبل ومن بعد.
[ ٩ ]
أعانهم على ذلك خيانة، وحقد دفين، مع ضعف في أواصر الأمة، وسوء تدبير ولاتها، واضمحلال أسباب التمكين فيها: ﴿ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم﴾ [الأنفال: ٥٣].
دخل التتار العراق، وقتلوا الخليفة المستعصم بالله ﵀ وجميع من معه من مساعديه وقواده، وقتلوا كثيرا من العلماء والقضاة والأعيان، ودمروا المساجد والمدارس والبيوت، ووضعوا السيف في الناس.
قال ابن كثير، وهو يصف ما فعله المغول في بغداد: قتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان (^١)، ودخل كثير من الناس في الآبار، وأماكن الحشوش، وقني الوسخ، وكمنوا كذلك أياما لا يظهرون.
وكان الفئام من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي المكان فيقتلونهم في الأسطحة، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
_________________
(١) قال الذهبي في (تاريخ الإسلام) (١٤/ ٧٣ - بشار): واستمر القتل والسبي في بغداد بضعا وثلاثين يوما، ولم ينج إلا من اختفى. فبلغنا أن هولاكو أمر - بعد ذلك بعد القتلى فبلغوا ألف ألف وثمانمئة ألف وكسر. والأصح أنهم بلغوا ثمانمئة ألف. ثم نودي - بعد ذلك - بالأمان، وظهر من كان قد تخبأ وهم قليل من كثير.
[ ١٠ ]
وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى، ومن التجأ إليهم، وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي (^١)، وطائفة من التجار أخذوا لهم أمانا، بذلوا عليه أموالا جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم.
وعادت بغداد بعدما كانت أنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها أحد إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة (^٢).
وقال السبكي: هذه بغداد لم تكن دار كفر قط جرى عليها هذا الذي لم يقع منذ قامت الدنيا مثله وقتل الخليفة، وإن كان وقع في الدنيا أعظم منه إلا أنه أضيف له هوان الدين والبلاء الذي لم يختص بل عم سائر المسلمين. وهذا أمر قدره الله تعالى، فثبط له عزم هذا الخليفة ليقضي الله ما قدره (^٣).
_________________
(١) قال السبكي في «الطبقات» ٨/ ٢٧٣ - ٢٧٤: وأما الوزير فإنه لم يحصل على ما أمل، وصار عندهم أخس من الذباب وندم حيث لا ينفعه الندم. ويحكى أنه طلب منه يوما شعيرا فركب الفرس بنفسه ومضى ليحصله لهم، وهذا يشتمه، وهذا يأخذ بيده، وهذا يصفعه، بعد أن كانت السلاطين تأتي فتقبل عتبة داره، والعساكر تمشي في خدمته حيث سار من ليله ونهاره، وأن امرأة رأته من طاق، فقالت له: يا ابن العلقمي! هكذا كنت تركب في أيام أمير المؤمنين؟! فخجل وسكت، وقد مات غبنا بعد أشهر يسيرة، ومضى إلى دار مقبره ووجد ما عمل حاضرا. اهـ.
(٢) «البداية والنهاية» ١٧/ ٣٥٩ - ٣٦٠.
(٣) «طبقات الشافعية» ٨/ ٢٧٢.
[ ١١ ]
وسقطت بغداد عاصمة الخلافة العباسية، ودُمِّرَتْ معالمها الحضارية وصُروحُها العلمية، وخضعت لحكم المغول الإلخانيين لغاية عام (٧٣٧ هـ).
ثم إن هولاكو أَمَرَ - قبل أن يُغادر بغداد بإصلاح بعض المباني العامة، فأعيد بناء دار الخلافة وجامعها، كما أعيدت المدارس والربط، وبدأت الحياة في بغداد تدب شيئًا فشيئًا.
وكان أن أُسندت ولاية بغداد والعراق سنة (٦٥٧ هـ) إلى صاحب الديوان علاء الدين عطا ملك الجويني (^١)، وقد كان عادلًا حسن السيرة فاضلًا، له إحسان إلى العلماء والفضلاء، فصَرفَ همه إلى تعمير ما خربه المغول، وأعاد إلى بغداد عمارتها، وأزال عن أهلها ما نالهم، ووجدوا
_________________
(١) عطا ملك بن محمد بن محمد، الأجل، علاء الدين الجويني، صاحب الديوان. كان ذا كرم وسؤدد وخبرة بالأمور وعدل ورفق بالرعية وعمارة البلاد، وكان له نظر في العلوم العقلية والأدبية. وبالغ بعض الناس فقال: كانت بغداد أيام الصاحب علاء الدين أجود ما كانت أيام الخليفة! توفي سنة (٦٨١ هـ). ترجمته في: «تلخيص مجمع الآداب» ٢/ ١٠٣٤، و«تاريخ الإسلام» للذهبي ١٥/ ٤٥٣، والسير - الجزء المفقود (١٧/ ٣٥٣: التوفيقية)، والوافي بالوفيات للصفدي ٢٠/ ٨٤، و«فوات الوفيات» لابن شاكر الكتبي ٢/ ٤٥٢، و«تاريخ العراق بين احتلالين» للأستاذ المحامي عباس العزاوي ﵀ ١/ ٣٠٩. وقد أفرده بالترجمة: الدكتور محمد السعيد جمال الدين في كتابه «علاء الدين عطا ملك الجويني حاكم العراق بعد انقضاء الخلافة العباسية في بغداد».
[ ١٢ ]
به راحة، فرممت في عهده المدارس كالمستنصرية والنظامية، بل إنه كان يحضر بعض الدروس فيها، وأعيد بناء مئذنة جامع الخليفة، وأمر ببناء الربط، وأعيدت عمارة مسناة جامع قمرية بالجانب الغربي، وأكملت عمارة الشيخ معروف الكرخي، وغير ذلك.
وقد بقيت بغداد خاضعة لحكم المغول الإلخانيين لغاية عام (٧٣٧ هـ).
وفي ظل ما وقع لبغداد من مآس وفتن، انعكس ذلك على الحالة العلمية لبغداد، فبعد أن كانت حاضرة العلم والمعرفة، وقبلة المحدثين والفقهاء والعلماء؛ نالها ما نالها من الخراب والدمار والقتل والتهجير.
إلا أنها سرعان ما نهضت من كبوتها، ونفضت غبار الفتنة التي غشيتها، فعمرت المساجد والمدارس، وعاد النشاط العلمي إلى كثير من صروحها العلمية. بل عاد كثير من علمائها إلى مزاولة التدريس في دور القرآن والحديث.
ولعل الناظر في حال شيوخ كتابنا هذه يتلمس هذا الواقع الطيب، فقد عاشوا - كلهم أو جلهم - هذه الحقبة من تاريخ بغداد والعراق، وكان منهم الفقيه والمحدث والأديب، وغير ذلك، مما جعل إماما كالحافظ أبي العلاء البخاري الفرضي يرحل إلى بغداد، ويسمع من علمائها، ويذكرهم في «مشيخته»، التي صنع منها الإمام أبو حيان الأندلسي هذا المنتخب، وما ذاك إلا لما تتمتع به هذه المدينة المعطاء من مزية يخصها العلماء بالذكر والتصنيف والتأليف.
[ ١٣ ]