- كان ﵀ شيخا طوالا، حسن العمة، مليح الوجه، ظاهر اللون مشربا بحمرة، منور الشيبة، كبير اللحية، مسترسل الشعر فيها، لم تكن كثة. عبارته فصيحة بلغة الأندلس، يعقد القاف قريبا من الكاف على أنه لا ينطق بها في القرآن إلا فصيحة. ثم إنه أضر قبل موته بقليل.
وكان فيه ﵀ خشوع، يبكي إذا سمع القرآن، ويجري دمعه عند سماع الأشعار الغزلية.
قال الأدفوي: قال لي: إذا قرأت أشعار العشق أميل إليها، وكذلك أشعار الشجاعة تستميلني، وغيرها، إلا أشعار الكرم ما تؤثر في. اهـ.
[ ٢٧ ]
قُلْتُ: إلا أنه كانت تعتريه حدّة على المخالف، وربما انقلبت محبَّتُهُ لمن خالفَهُ عداوة وبغضًا وحطًا لقدْرِ مُخالفه. ولعلّ ذلك كان من الأسباب التي دعته إلى الهجرة من غرناطة، فقد حملته حدة الشبيبة على التعرض للأستاذ أبي جعفر بن الطباع، وقد وقعت بينه وبين أستاذه أبي جعفر بن الزبير وقعة، فنال منه، وتصدى لتأليف في الرد عليه وتكذيب روايته، فرفع أمره إلى السلطان، فأمر بإحضاره وتنكيله، فاختفى، ثم ركب البحر ولحق بالمشرق.
وكذا ما وقع بينه وبين الإمام ابن تيمية من بعد مدحه والثناء عليه شعرًا ونثرًا، وتعرضه للإمام تقي الدين ابن دقيق العيد كذلك. وقد قيل: إنه كان يغضُّ من ألفية ابن مالك.
ثم إن بعض من ترجم له وصفه بالبخل، وأنه كان يفتخر به كما يفتخر غيره بالكرم!.
وعندي أنَّ ذلك لا يعدو أن يكون حرصًا وحزمًا بسبب ما عاناه من صعاب الحياة وشدة الاغتراب، وبنحو ذلك أجاب تلميذه الصَّفَدِيّ، فقال: «والذي أراه فيه أنه طال عمره وتغرب، وورد البلاد، ولا شيء معه، وتعب حتى حصل المناصب تعبًا كثيرًا، وكان قد جرَّب الناس، وحلب أشطر الدهر، ومرت به حوادث، فاستعمل الحزم».
ومع كل ذلك فقد كان كثير الضحك والانبساط، بعيدًا عن الانقباض، جيّد الكلام، حسن اللقاء، جميل المؤانسة، مُقبلًا على الطلبة الأذكياء، وعنده تعظيم لهم، ثبتًا صدوقًا، حجة ﵀
[ ٢٨ ]
تعالى ورضي عنه ..
وكان ﵀ يقول الشعر ويكثر منه، وله في ذلك شعر كثير حسن، ولكثرته وصف بالإجادة وضدها، وقد مدح بشعره الإمام الشافعي، والإمام البخاري، وغيرهما من أئمة الفقه والحديث واللغة.
ومن جميل ما استحسنته من شعره قوله:
عداتي لهم فضل علي ومنة … فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها … وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
وقوله:
يظن الغمر أن الكتب تجدي … أخاذهن لإدراك العلوم
وما يدري الجهول بأن فيها … غوامض حيرت عقل الفهيم
إذا رمت العلوم بغير شيخ … ضللت عن الصراط المستقيم
وتلتبس الأمور عليك حتى … صير أضل من توما الحكيم