ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ العَليِّ العظيمِ
أخبرَنا الشَّيخُ أبو زُرْعةَ عُبَيدُ اللهِ بنُ الشَّيخِ الإمامِ أبي بكرٍ محمَّدِ بنِ أبي نصرِ بنِ أبي بكرٍ اللِّفتوانيِّ بقراءتي عليه في شهرِ جُمادَى الآخِرةِ مِنْ سنةِ تسعٍ وتسعين وخمسِ مئةٍ بمنزلِه بأصبَهانَ، قلتُ له: أخبرَكُم الشَّيخُ الأديبُ أبو عبدِ اللهِ الحُسينُ بنُ عبدِ المَلِكِ بنِ الحُسينِ الخَلَّالُ قراءةً عليه وأنتَ تسمَعُ في ربيعٍ الآخِرِ من سنةِ إحدَى وثلاثين وخمسِ مئةٍ، أنبا أبو الفضلِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أحمدَ بنِ الحسَنِ المُقْري الرَّازيُّ قدِمَ علينا سنةَ إحدَى وخمسين وأربعِ مئةٍ، قال: أنبا أبو القاسمِ جعفرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ يعقوبَ بنِ فنَّاكيٍّ قراءةً عليه في ذي القِعدةِ سنةَ ثمانين وثلاثِ مئةٍ، ثنا أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ هارونَ الرُّويانيُّ الرَّازيُّ:
١ - ثنا عمرُو بنُ عليٍّ، ثنا عبدُ اللهِ بنُ هارونَ، حدَّثَني أبي، عن محمَّدِ ابنِ إسحاقَ، حدَّثني عاصمُ بنُ قتادةَ الأنصاريُّ، عن محمودِ بنِ لَبيدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ قال: حدَّثني سَلْمانُ الفارسيُّ حدَّثَنِيه مِنْ فِيه قال: «كنتُ رجلًا فارسيًّا مِنْ أهلِ أصبَهان مِنْ أهلِ قريةٍ يُقالُ لها: جي، وكان أبي دِهْقانَ قريتِه، وكنتُ أحبَّ خَلْقِ اللهِ إليه، لم يزَلْ حُبُّه إيَّايَ حتَّى حبَسني في بيتِه كما تُحبَسُ الجاريةُ، واجتهدتُ في المجوسيَّةِ حتَّى كنتُ قاطِنَ النَّارِ نوقدُها لا نتركُها ساعةً، وكانتْ لأبي ضَيعةٌ عظيمةٌ،
[ ٣٤ ]
قال: فشُغِل في بُنْيانٍ له يومًا، فقال لي: يا بُنيَّ! إنِّي شُغِلتُ في بُنْياني هذا اليومِ عن ضَيْعتي، فاذهبْ إليها فاطَّلعْها، وأمَرَني فيها ببعضِ ما يُريد وقال: لا تُحبَسْ عليَّ، فإنَّكَ إن احتُبِستَ عنِّي كنتَ أهمَّ إليَّ مِنْ ضيعتي، وشغلْتَني عن كلِّ شيءٍ مِنْ أمري. قال: فخرجتُ أُريدُ الضَّيعةَ التي بعثني إليها أبي بكنيسةٍ مِنْ كنائسِ النَّصارَى، فسَمِعتُ أصواتَهم فيها وهم يُصلُّون قال: وكنتُ لا أدري ما أمْرُ النَّاسِ؛ لحَبْسِ أبي إيَّايَ في بيتِه، فلمَّا سَمِعْتُ أصواتَهم دخلتُ عليهم أنظُرُ ما يَصنعون، فلمَّا رأيتُهم أعجبتْني صلاتُهم، فقلتُ: واللهِ هذا خيرٌ من الدِّينِ الذي نحنُ عليه، فواللهِ ما تركتُهم حتَّى غرَبَتِ الشَّمسُ، وتركتُ ضيعةَ أبي فلمْ آتِها، ثمَّ قلتُ لهم: أينَ أصْلُ هذا الدِّينِ؟ قالوا: بالشَّامِ، قال: ثمَّ رجعتُ إلى أبي، وقد بعثَ في طلبي، وشغلْتُه عن عملِه كلِّه، فلمَّا جئتُه قال أبي: يا بُنيَّ! أين كنتَ؟! يا بُنيَّ ألم أكنْ عَهِدتُ إليكَ بما عهِدتُ؟ قال: نعم يا أبَهْ، مررتُ بأناسٍ يُصلُّون في كنيسةٍ، فأعجبَني ما رأيتُ مِنْ دينِهم، فواللهِ ما زلتُ عندَهم حتَّى غرَبَتِ الشَّمسُ، قال أبي: يا بُنيَّ ليس في ذلكَ الدِّينِ خيرٌ، دينُكَ ودينُ آبائِكَ خيرٌ منه، قال: قلتُ له: كلَّا، واللهِ إنَّه لخيرٌ مِنْ دينِنا، قال: فخافني فجعلَ في رِجْلي قيدًا، فحبَسني في بيتِه، قال: وبَعثتُ إلى النَّصارَى فقلتُ: إذا قدِمَتْ عليكم ركبٌ مِنْ الشَّامِ فأخبِروني بهم، قال: فقدِمَ عليهم رَكْبٌ مِنْ الشَّامِ، فأخبَروني بهم قال: فقلتُ لهم: إذا قضَوا حوائجَهم فأرادوا الرَّجعةَ إلى بلادِهم أخبِروني بهم، فأخبَروني
[ ٣٥ ]
بهم، قال: فألقيتُ الحديدَ مِنْ رِجْلي، ثُمَّ خرجْتُ معهم حتَّى قدِمتُ الشَّامَ قال: فلمَّا قدِمتُها قلتُ: مَنْ أفضلُ هذا الدِّينِ؟ قالوا: الأسقُفُ في الكنيسةِ، فجئتُه فقلتُ له: إنِّي قد رغِبتُ في هذا الدِّينِ، وأحببتُ أن أكونَ معَكَ، وأخدُمَكَ في كنيستِكَ، وأتعلَّمَ منك، وأصلِّيَ معَكَ، قال: فادخلْ، قال: وكان رجُلَ سوءٍ يأمرُهم بالصَّدقةِ، ويُرغِّبُهم فيها، فإذا اجتمع إليه الشيءُ حبَسَه لنفسِه ولم يُعطِ المساكينَ، حتَّى جمَعَ قِلالًا مِنْ ذهبٍ ووَرِقٍ قال: وأبغضْتُه بُغْضًا شديدًا؛ لِمَا رأيتُه يَصنَعُ، ثُمَّ مات، فاجتمعتْ إليه النَّصارَى ليدفِنوه، فقلتُ لهم: إنَّ هذا كانَ رجُلَ سوءٍ، أمرَكم بالصَّدقةِ، ورغَّبكم فيها، فإنْ جئتُموه بها أكنَزَها، ولم يُعطِ المساكينَ منها شيئًا. قال: فقالوا وما علمُكَ بذلكَ؟ قال: قلتُ لهم فأنا أدلُّكم على كَنزِه. قال: فدلَلتُ عليه، فأريتُهم موضعًا، فاستخرجوا سبعَ قِلالٍ مملوءةً ذهبًا ووَرِقًا، فلمَّا رأوها قالوا: إنَّا واللهِ لا ندْفِنُه أبدًا. قال: فصلبوه، ثمَّ رجَموه بالحِجارةِ، وجاءوا برجلٍ آخَرَ، فجعلوه مكانَه.
قال: فقال سَلْمانُ: فما رأيتُ رجلًا لا يُصلِّي الخَمْسَ أزهدَ في الدُّنيا، ولا أرغَبَ في الآخِرةِ منه، ولا أدْأَبَ ليلًا ونهارًا منه.
قال: فأحببْتُه حبًّا لم أُحِبَّ شيئًا مثلَه. قال: فأقمتُ معه زمانًا، ثُمَّ حضَرَتْه الوفاةُ، فقلتُ له: يا فلانُ! إنِّي كنتُ معَكَ، وأحببْتُك حبًّا لم أحبَّ شيئًا قبلَكَ، وقد حضَرَك ما ترى مِنْ أمرِ اللهِ، فإلى مَنْ تُوصي بي، وما تأمرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعلَمُ اليومَ أحدًا على ما كنتُ عليه، لقد هلَك النَّاسُ وبدَّلوا، وتركوا أكثرَ ما كانوا عليه، إلَّا
[ ٣٦ ]
رجُلًا بالمَوْصِلِ، وهو فلانٌ على ما كنتُ عليه، فالْحَقْ به، فلمَّا مات وغُيِّبَ، لحِقتُ بصاحبِ المَوْصِلِ، فقلتُ له: إنَّ فلانًا أوصاني عندَ موتِه أنْ ألحَقَ بكَ، وأخبَرَني أنَّك على أمرِه. قال: فقال لي: أقِمْ عندِي. قال: فأقمتُ عندَه، فوجدتُه خيرَ رجُلٍ على أمرِ صاحبِه، فلم يلبَثْ أنْ مات، فلمَّا حضرَتْه الوفاةُ قلتُ له: يا فلانُ، إنَّ فلانًا أوصَى إليكَ، وأمَرَني باللُّحوقِ بكَ، وقد حضرَك مِنْ أمرِ اللهِ ما ترى، فإلى مَنْ تُوصِي، وما تأمُرُني به؟ قال: يا بُنَيَّ، واللهِ ما أعلَمُ رجُلًا على مثْلِ ما كنَّا عليه، إلَّا رجلًا بنَصِيبينَ، وهو فلانٌ فالحَقْ به، فلمَّا مات وغُيِّبَ، لحِقْتُ بصاحبِ نَصِيبينَ، فأخبرْتُه خبَري، وما أمَرَني به صاحبِي قال: أقِمْ عندِي، فأقمتُ عندَه، فوجدتُه على أمرِ صاحبَيه، فأقمتُ مع خيرِ رجلٍ، فواللهِ ما لبثْتُ أن نزلَ به الموتُ، فلمَّا احتُضِر قال: قلتُ له: يا فلانُ، إنَّ فلانًا كان أوصَى بي إلى فلانٍ، ثُمَّ أوصَى بي فلانٌ وفلانٌ إليكَ، فإلى مَنْ تُوصِي بي وما تأمرُني؟ قال: يا بُنَيَّ، واللهِ ما أعلَمُ بقِيَ أحدٌ على أمرِنا آمُركَ أن تأتيَه، إلَّا رجلًا بعموريَّةَ من أرضِ الرُّومِ على ما نحنُ عليه، فإن أحببتَ فأْتِه، فإنَّه على أمرِنا، فلمَّا مات لحِقْتُ بصاحبِ عموريَّةَ، فأخبرتُه خبَري قال: أقِمْ عندي، فأقمتُ على خيرِ رجلٍ على هُدَى أصحابِه وأمرِهم، واكتسبتُ حتى كانت عندي بُقيراتٌ وغُنيمةٌ، ثمَّ نزل به أمرُ اللهِ، فلمَّا احتُضِر قلتُ: يا فلانُ! إنِّي كنتُ مع فلانٍ، فأوصَى بي إلى فلانٍ، ثمَّ أوصَى بي فلانٌ إلى فلانٍ، ثمَّ أوصى بي فلانٌ إلى فلانٍ، ثمَّ أوصى بي فلانٌ إليكَ، فإلى مَنْ تُوصى بي، وما تأمُرُني؟
[ ٣٧ ]
قال: يا بُنَيَّ! واللهِ ما أعلَمُ أصبَحَ على ما كنَّا عليه أحدٌ مِنَ النَّاسِ آمرُكَ أنْ تأتِيَه، ولكنَّه قد أظلَّك زمانُ نبيٍّ هو مبعوثٌ بدينِ إبراهيمَ، يخرُجُ بأرضِ العربِ، مُهاجرُه إلى أرضٍ بينَ الحرَّتينِ، بينَهما نخلٌ، به علاماتٌ لا تخفَى: يأكُلُ الهَديَّةَ، ولا يأكُلُ الصَّدقةَ، وبينَ كتِفَيه خاتَمُ النُّبوَّةِ، فإنِ استطعتَ أنْ تلحَقَ بتلكَ البلادِ فافعَلْ، ثُمَّ مات وغُيِّبَ، ومكثتُ بعدَه ماشاء اللهُ أنْ أمكُثَ، ثُمَّ مرَّ بي نفَرٌ مِنْ كلبٍ تُجَّارٌ فقلتُ لهم: تحملوني إلى أرضِ العربِ، وأُعطيكم بقرَتِي هذه؟ قالوا: نعَمْ، فأعطيتُهم وحملوني معَهم، حتَّى إذا بلغُوا بي وادِ القُرَى ظلموني، فباعوني مِنْ رجلٍ يهوديٍّ عبْدًا، فكنتُ إذا رأيتُ النَّخلَ رجوتُ أن تكونَ البلدَ الذي وَصف لي صاحبي، ولم يحِقَّ لي في نفسِي، فبينَما أنا عندَه أنْ قدِم عليه ابنُ عمٍّ له، حتَّى وقف عليه، فقال: قاتَلَ اللهُ نبيَّ قَيْلةَ، واللهِ إنَّهم الآنَ لَمَجموعون على رجلٍ قدِم عليهم مِنْ مكَّةَ اليومَ، ويزعُمون أنَّه نبيٌّ، قال: فلمَّا سمِعْتُها أخذتْني العُرَواءُ، حتى ظننتُ أنَّي ساقطٌ على
[ ٣٨ ]
سيِّدِي، قال: ونزلتُ عنِ النَّخلةِ، فجعلتُ أقولُ لابنِ عمِّه ذلك: ماذا يقولُ؟ قال: فغضِبَ سيِّدي، فلَطَمني لطْمةً شديدةً، ثُمَّ قال: ما لكَ ولِهذا؟ أقبِلْ على عمَلِكَ. قال: قلتُ: لا شيءَ، إنَّما أردتُ أنْ أسألَه عمَّا قال، وكان عندي شيءٌ قد جمعتُه، فلمَّا أمسيتُ أخذتُه، ثُمَّ ذهبتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وهو بقُبَاءَ، فقلتُ له: إنَّه بلغَني أنَّكَ رجلٌ صالحٌ، ومعك أصحابٌ (^١) غُرَباءُ ذوو حاجةٍ، وهذا شيءٌ كان عندي للصَّدقةِ قال: فقرَّبتُه إليه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ لأصحابِه: «كُلُوا» وأمسكَ هو، ولم يأكلْ منه، قال: فقلتُ لنفسِي: هذه واحدةٌ، قال: ثمَّ انصرفتُ عنه، فجمعتُ شيئًا، وتحوَّل رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، ثُمَّ جئتُه فقلتُ له: إنِّي قد رأيتُك لا تأكُلُ الصَّدقةَ، وهذه الهديَّةُ أكرمتُك، قال: فأكَلَ رسولُ اللهِ ﷺ منها، وأمَر أصحابَه فأكلوا منها قال: قلتُ: هاتان خلَّتانِ، ثُمَّ جئتُ رسولَ اللهِ ﷺ وهو ببقيعِ الغَرْقَدِ قدِ اتَّبعَ جنازةَ رجلٍ مِنْ أصحابِه، وعلىَّ شَمْلتانِ لي، وهو جالسٌ في أصحابِه، فسلَّمتُ، ثمَّ استدبرتُ أنظُرُ إلى ظهرِه، هل أرى الخاتَمَ الذي وصفَ صاحبي؟ فلمَّا رآني رسولُ اللهِ ﷺ استدبرتُه، عرَف أنِّي استدبرتُ في شيءٍ وُصِف لي، فألقَى رداءَه عن ظهرِه، فنظرتُ إلى الخاتَمِ، فعرَفتُه، فأكببتُ عليه أُقبِّلُه، فقال لي رسولُ اللهِ ﷺ: «تحوَّلْ». فتحوَّلتُ، فجلستُ بينَ يديه، فقصصتُ عليه حديثي كما حدَّثتُك يا ابنَ عبَّاسٍ، فأُعجِب رسولُ اللهِ ﷺ، وأحبَّ أن يسمَعَ ذاكَ أصحابُه، ثُمَّ شَغَل سلمانَ الرِّقُ حتَّى فاتَه مع رسولِ اللهِ ﷺ بدرًا
_________________
(١) في حاشية الأصل: «السماع: أصحابك».
[ ٣٩ ]
وأُحدًا، ثُمَّ قال لي رسولُ اللهِ ﷺ: «كاتِبْ يا سلْمانُ» فكاتبتُ صاحبي على ثلاثِ مئةٍ نخلةٍ أُحيِيها له، وبأربعين أُوقيَّةً، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «أَعِينوا أخاكُم» فأعانوني بالنَّخلِ، الرَّجلُ بثلاثين وَدِيَّةً، والرَّجلُ بعشرين، والرَّجلُ بخمسَ عشرةَ، والرَّجلُ بعشْرةٍ، يُعين الرَّجلُ بقدرِ ما عندَه، حتَّى اجتمعتْ لي ثلاثُ مئةِ وَدِيَّةٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «اذهبْ يا سلمانُ، فاحفِرْ لها، فإذا فرغْتَ فأْتِني، أكونُ أنا الذي أضعُها بيدِي» قال: فحَفَرتُ لها، وأعانني أصحابي، حتَّى إذا فرغتُ جئتُه، فأخبرتُه، فخرجَ رسولُ اللهِ ﷺ إليها، فجعلنا نُقرِّبُ له الوَدِيَّ، ويضعُ رسولُ اللهِ ﷺ بيدِه، حتَّى إذا فرغْنا، فوالذي نفسُ سلمانَ بيدِه ما مات منها وَدِيَّةٌ واحدةٌ، وأدَّيتُ النَّخلَ، وبقِي عليَّ المالُ، وأُتِىَ رسولُ اللهِ ﷺ بمِثْلِ بيضةِ الدَّجاجةِ مِنْ ذهبٍ، من بعضِ المعادنِ، فقال: «ما فعلَ الفارسيُّ المُكاتَبُ»؟ فدُعيتُ له، فقال: «خُذْ هذا، فأدِّ بها ما عليكَ يا سلمانُ» قلتُ: وأينُ تقعُ هذه يا رسولَ اللهِ ممَّا عليَّ؟ قال: «خُذْها، فإنَّ اللهَ سيُؤدِّي بها عنكَ» فأخذتُها، فوزنتُ له منها -والذي نفسُ سلمانَ بيدِه- أربعين أوقيَّةً، فأوفَيتُه بحقِّي.
وأُعتِق سلمانُ، فشهِدَ مع رسولِ اللهِ ﷺ الخندقَ».
٢ - وحدَّثنا أبو طَلْحةَ موسى بنُ عبدِ اللهِ، ثنا بكرُ بنُ سليمانَ، أنبا ابنُ إسحاقَ، حدَّثني عاصمُ بنُ عُمَرَ بنِ قتادةَ، عن محمودِ بنِ لَبيدٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، بمثْلِ حديثِ عمرِو بنِ عليٍّ سواءً.
[ ٤٠ ]
٣ - حدثنا أبو زرعةَ هو الرَّازيُّ، ثنا عبدُ اللهِ بنُ محمَّدٍ، ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، عن حسينِ بنِ واقدٍ، حدثني عبدُ اللهِ بنُ بُرَيدةَ، عن أبيه، أنَّ سَلمانَ لمَّا قدِمَ المدينةَ، أتى رسولَ اللهِ ﷺ فقال: «لمَن أنتَ»؟ فقال: لقومٍ. قال: «فاطلُبْ إليهم أن يُكاتِبوكَ»، قال: فكاتبوني على كذا وكذا، وعلى كذا وكذا نخلةً يغرِسُها لهم، ويقومُ عليها سَلمانُ، حتى تُطعِمَ كلُّ نخلةٍ. قال: ففعلوا، فجاء النَّبيُّ ﷺ فغرَس النَّخلَ كلَّه، إلَّا نخلةً واحدةً غرسَها عُمرُ بنُ الخطَّابِ، فأطعم كلُّه مِنْ سنتِه، إلَّا تلك النَّخلةَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ غرسَها»؟ قالوا: عُمرُ. فغرَسها رسولُ اللهِ ﷺ بيدِه، فحملت مِنْ عامِها.
٤ - حدَّثنا عبدُ المجيدِ بنُ إبراهيمَ بنُ زُهيرٍ الدِّمياطِيُّ، ثنا جعفرُ بنُ هارونَ، ثنا عِمرانُ بنُ خالدٍ الخُزاعِيُّ، عن ثابتٍ البُنانِيُّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: دخلَ سَلمانُ على عُمرَ بنِ الخَطَّابِ، وهو مُتَّكِئٌ على وسادةٍ، فألقاها إليه، فقال سلمانُ: «اللهُ أكبرُ، صدقَ رسولُ اللهِ ﷺ» فقال: «هي يا أبا عبدِ اللهِ! أفِدْنا». قال: دخلتُ على رسولِ اللهِ ﷺ وهو مُتَّكِئٌ على وسادةٍ، فألقاها إليَّ، فقال: «ما مِنْ مُسلمٍ دخل على أخيهِ المسلمِ، وهو مُتَّكِئٌ على وسادةٍ، فألقاها إيَّاهُ (^١) تَكرمةً له، إلَّا غَفَرَ اللهُ له».
_________________
(١) كذا بالأصل، وكتب الناسخ فوق: «إياه» علامة تضعيف. وفي «التخريج الصغير والتحبير الكبير» لابن عبد الهادي (٣/ ١٧٣): «.. فألقاها له تكرمة له، إلا غفر الله له» في الأول من مسند الروياني».
[ ٤١ ]
٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المُثنَّى، ثنا محمَّدُ بنُ عمَّارٍ، ثنا جريرٌ، عنِ الأَعمَشِ، عن أبي سُفيانَ قال: دخلَ سعدٌ على سَلمانَ يَعُودُه، فقال: أَبشِرْ يا أبا عبدِ اللهِ، تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ ﷺ وهو عنكَ راضٍ، ترِدُ عليه الحوضَ. قال: كيف يا سعدُ، وقد سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «ليكن بُلْغَةُ أحدِكُم مِنَ الدُّنيا مِثْلَ زادِ الرَّاكبِ حتَّى يَلقانِي» وما أدرِي ما هذه الأساوِدُ (^١) حولي، قال: فبكَيا جميعًا، ثمَّ قال له سعدٌ: يا أبا عبدِ اللهِ، أَوصِنِي. قال: «اذْكُرِ اللهَ عندَ همِّكَ إذا هَمَمْتَ، وعندَ حُكمِكَ إذا حَكمْتَ، وعند يدِكَ إذا قسمتَ».
٦ - حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، ثنا الفضلُ بنُ قرَّةَ، ثنا الحسنُ بنُ أبي جعفرٍ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ، عن سَلمانَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ.
٧ - وحدَّثنا محمَّدُ بنُ إسحاقَ، ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، ثنا حكيمُ بنُ خِذام أبو سُميرٍ، ثنا عليُّ بنُ زيدٍ بن جُدعانَ، عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ، عن سَلمانَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ فَطَّرَ صائمًا في رمضانَ مِنْ كسبٍ حلالٍ، صلَّتْ عليه الملائكةُ ليالِيَ رمضانَ كلَّها، وصافحُه جبريلُ ليلةَ القدْرِ، ومَن يُصافحْه جبريلُ ﵇ ليلةَ القَدْرِ يَرقَّ قلبُه، وتكثُرْ دموعُه» قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، أفرأيتَ مَنْ لم يكُنْ ذلكَ عندَه؟ قال: «فقبضةٌ مِنْ طعامٍ». قال: أفرأيتَ مَنْ لم يكنْ عندَه؟ قال: «ففَلْقةُ خُبزٍ». قال: أفرأيتَ مَنْ
_________________
(١) قال أبو عبيد: «الأساود: يعني الشخوص من المتاع، وكل شخص سوادٌ من متاع أو إنسان أو غيره. «غريب الحديث» (٤/ ١٣٤).
[ ٤٢ ]
لم يكن عندَه؟ قال: «فمَذْقةٌ مِنْ لبَنٍ». قال: أفرأيتَ مَنْ لم يكن عندَه؟ قال: «فشَرْبةٌ مِنْ ماءٍ».
٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشَّارٍ، وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: ثنا يحيَى بنُ سعيدٍ، عن سُليمانَ التَّيْميِّ، عن أبي عثمانَ النَّهديِّ، عن سَلمانَ الفارسِيِّ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ اللهَ خلقَ مئةَ رحمةٍ، فقَسَمَ رحمةً بينَ الخلائقِ، وتسعةً وتسعينَ ليومِ القِيامَةِ».
٩ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشَّارٍ، وعمرُو بنُ عليٍّ، قالَا: ثنا ابنُ أبي عَديٍّ، ثنا جعفرُ بنُ ميمونٍ صاحبُ الأنْماطِ (^١)، عن أبي عثمانَ النَّهديِّ، عن سَلمانَ الفارسِيِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ اللهَ حَييٌّ كريمٌ، يستحِيي إذا رفعَ الرَّجلُ إليه يدَيهِ، أنْ يَرُدَّهما صِفْرًا خائِبَتَينِ».
١٠ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ آدَمَ، ثنا أشعثُ بنُ أشعثَ، ثنا عِمرانُ أبو العَوَّامِ، ثنا سُليمانُ التَّيمِيُّ، عن أبي عثمانَ النَّهدِيُّ، عن سَلمانَ الفارسِيِّ قال: قال النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ المُسلمَ يُصلِّي وخطاياهُ تُوضَعُ على رأسِه، كُلَّما سجدَ تَحاتَتْ، فيفرُغُ حينَ يَفرُغُ مِنْ صلاتِه وقد تحاتَتْ خطاياهُ».
_________________
(١) النمط: ثوب من صوفٍ يطرح على الهودج. «المغرب في ترتيب المعرب» (ص: ٤٧٣).
[ ٤٣ ]
١١ - حدَّثنا العبَّاسُ بنُ محمَّدٍ، ثنا يونسُ بنُ محمَّدٍ، ثنا صالحٌ، عنِ الجُريريِّ، عن أبي عثمانَ النَّهدِيِّ قال: كتبَ سَلمانُ إلى أبي الدَّرداءِ: يا أخي! ليكُن بيتُكَ المسجدَ، فإنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «المسجدُ بيتُ كلِّ تقيٍّ، وقد ضمنَ اللهُ لمَن كانتِ المساجدُ بيوتَهم بالرَّوحِ والرَّحمةِ والجَوازِ على الصِّراطِ إلى رِضوانِ الرَّبِّ».
١٢ - حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، ثنا عمِّي ابنُ وهبٍ، ثنا داودُ ابنُ عبدِ الرَّحمنِ المَكيُّ، عن أبي عبدِ اللهِ البصريِّ، عن سُليمانَ التَّيْميِّ، عن أبي عثمانَ النَّهديِّ، عن سلمانَ الفارسِيِّ، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: «البركةُ في ثلاثٍ: الجَماعةِ، والثَّريدِ، والسَّحورِ».
١٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ إسحاقَ، ثنا سعيدُ بنُ سُليمانَ، ثنا سيفُ بنُ هارونَ، ثنا سُليمانُ التَّيمِيُّ، حدَّثنِي أبو عثمانُ النَّهديُّ، قال: سَمعتُ سَلمانَ الفارسِيَّ قال: سُئل رسولُ اللهِ ﷺ عنِ الجُبْنِ والسَّمْنِ والفِرَاءِ (^١)؟ فقال: «الحَلالُ ما أَحلَّ اللهُ في كتابِه، وما سكتَ عنه فهو مِمَّا عفَى اللهُ عنه».
_________________
(١) في حاشية الأصل: «الفراء: حمار الوحش».
[ ٤٤ ]
١٤ - حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، ثنا عبدُ الأَعلَى، ثنا بُرْدٌ، عن سُليمانَ بنِ موسَى، عن شُرَحْبيلَ بنِ السِّمْطِ أنَّه كان نازلًا على حِصنٍ من حُصونِ فارسَ مُرابِطًا قد أصابتْهم خَصاصةٌ (^١)، فمرَّ بهم سَلمانُ الفارسِيُّ فقال: أَلَا أُحدِّثُكُم حديثًا سمعتُه مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ يكونُ عونًا لكم على منزلِكُم هذا؟ قالوا: بلَى يا أبا عبدِ اللهِ. فحدَّثنا، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «رِباطُ يومٍ في سبيلِ اللهِ خيرٌ مِنْ قيامِ شهرٍ وصيامِه، ومَن ماتَ مُرابِطًا في سبيلِ اللهِ جرَى له أجرُ المُجاهِدِ إلى يومِ القيامَةِ».
١٥ - حدثنا محمَّدُ بنُ إسحاقَ، ثنا الحكمُ بنُ موسَى، ثنا الهيثمُ بنُ حُميدٍ، ثنا النُّعمانُ، عن مكحولٍ، عن شُرَحبيلَ بنِ السِّمْطِ، عن سَلمانَ، أنَّه سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «مَنْ ماتَ مُرابِطًا في سبيلِ اللهِ أُومِنَ مِنْ عذابِ القَبْرِ، ونُمِّيَ له أجرُه إلى يومِ القِيامَةِ».
١٦ - حدَّثنا أحمدُ، ثنا عمِّي، حدَّثنِي اللَّيثُ، عن أيوبَ بنِ موسَى القُرَشِيِّ، عن مَكْحولٍ، عن شُرَحبيلَ بنِ السِّمْطِ، عن سَلمانَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ رابطَ يومًا وليلةً في سبيلِ اللهِ كان له أجرُ صيامِ شهرٍ، ومَن ماتَ مُرابِطًا جرَى له مِثْلُ ذلك مِنَ الأَجرِ، وأُجرِيَ عليه الرِّزقُ، وأُومِنَ الفتَّانَ».
_________________
(١) أي: فقر. «الصحاح» (٣/ ١٠٣٧).
[ ٤٥ ]
١٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشَّارٍ، ثنا عثمانُ بنُ عُمرَ، ثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن سعيدٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ وديعةَ، عن سَلمانَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنِ اغتسلَ يومَ الجمُعةِ فتَطَهَّرَ ما استطاعَ مِنْ طَهورِه، ثُمَّ يَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِه، أو مِنْ طِيبِ بيتِه، ثمَّ راحِ إلى المسجدِ، ثمَّ لم يُفرِّقْ بينَ اثنَينِ، ثمَّ صلَّى ما بَدَا له، فإذا خرجَ الإمامُ استمعَ وأنصتَ، غُفِرَ له ما بينَه وبينَ جُمَعِهِ الأُخرَى»
١٨ - حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، ثنا أبو داودَ، ثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن سعيدٍ المَقْبُريِّ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ وديعةَ، عن سَلمانَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ مِثلَه.
١٩ - حدَّثنا أبو بكرٍ بنِ عبدِ القدُّوسِ، ثنا سلْمُ بنُ قتيبةَ، ثنا قيسُ بنُ الرَّبيعِ، عن عثمانَ بنِ سابورٍ، عن شقيقِ بنِ سلمةَ، قال: دخلتُ على سلمانَ الفارسِيِّ، فأخرجَ إليَّ خُبزًا ومِلْحًا فقال لي: «لولا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نهانا أنْ يتكلَّفَ أحدٌ لأحدٍ لتكلَّفتُ لكَ».
٢٠ - حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، ثنا عمِّي، ثنا يحيَى بنُ أيوبَ، عن زيدِ بنِ جَبيرةَ الأنصارِيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ مَعْمَرٍ الأَنصارِيِّ، أنَّ سلمانَ الفارسِيَّ، وأبا سعيدٍ الخُدْرِيِّ أَمَّهُم حذيفةُ وهو أميرٌ على المَدائِنِ، وعندَه أُسامةُ بنُ زيدٍ، فصلَّى بهم حذيفةُ على شيءٍ أَشْرَفَ مِمَّا هم عليه، فأخذَ سَلمانُ بضَبْعيْه (^١) حتَّى أنزلَه، فلمَّا
_________________
(١) الضبع: العضد. «الصحاح» (ص ١٢٤٧).
[ ٤٦ ]
انصرفَ قال: مَنْ ذا؟ قال سلمانُ: أنا وما أدرِي أَطالَ العَهدُ عليكَ أَمْ نسيتَ؟ أَمَا سمعتَ رسولَ اللهَ ﷺ يقولُ: «لا يُصلِّي الإمامُ على أنشزَ (^١) مِمَّا هُمْ عليه».
قال أبو سعيدٍ: صدقَ.
٢١ - حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، ثنا عمِّي، ثنا اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ بنِ جبيرةَ الأَنصارِيِّ، عن أبي طُوَالةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، أنَّ حُذيفةَ بنَ اليَمانِ أمَّهم بالمَدائِنِ، فقام ليُصلِّي على دُكَّانٍ، فجبذَه سلمانُ، ثمَّ قال له: ما أدرِي أَطالَ العَهدُ أَمْ نسيتَ؟ أَمَا سمعتَ رسولَ اللهَ ﷺ يقولُ: «لا يُصلِّي الإمامُ على شيءٍ أنشزَ مِمَّا عليه أصحابُه».
٢٢ - حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، ثنا أبو داودَ، ثنا داودُ بنُ أبي الفُراتِ، عن محمَّدِ بنِ زيدٍ، عن أبي شُرَيحٍ، عن أبي مُسلِمٍ مولَى زيدِ بنِ صُوحانَ، أنَّه رأَى سلمانَ الفارسِيَّ، ورأى رجلًا يُريد أن يَنزِعَ خُفَّيهِ للوُضوءِ، وأمَرهُ سَلمانُ أنْ يمسحَ على خُفَّيه، وناصيتِه، وعِمامَتِه.
وقال سَلمانُ: «رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يمسَحُ على الخِمارِ والخُفَّينِ».
_________________
(١) النشز: المكان المرتفع. «الصحاح» (٣/ ٨٩٩).
[ ٤٧ ]