إنَّ الحمدَ للهِ، نحمَدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفُسِنا، ومن سيِّئاتِ أعمالِنا. مَنْ يهدِه اللهُ فلا مُضلَّ له، ومَنْ يضلِلْ فلا هاديَ له. وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهَ، وحدَه لا شريكَ له، وأشهَدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
أمَّا بعدُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]
الإمامُ الحافظُ أبو بكرٍ محمدُ بنُ هارونَ الرُّويانيُّ (ت: ٣٠٧ هـ) أحدُ أعلامِ هذه الأمَّةِ المجيدةِ، المشهودِ لهم بالثِّقةِ والحفظِ والدِّيانةِ.
[ ٧ ]
صاحبُ المُسنَدِ المشهورِ، عالي الطَّبقةِ؛ أدركَ شيوخَ شيوخِه، وعُمِّر دهرًا طويلًا، حتى سَمِعَ منه المُسنَدَ الجَمُّ الغفيرُ مِنْ أصحابِ الحديثِ.
امتازَ مُسْنَدُه ﵀ بعُلوِّ إسنادِه، وعِزَّةِ مروياتِه ونُدرتِها في المصادرِ الحديثيَّةِ الأخرَى.
لم يصلْنا مِنْ مسندِه إلَّا قطعةٌ وحيدةٌ، وهذا النَّقصُ وقعَ قديمًا في القرْنِ الخامسِ الهجريِّ وبعدَه.
قال ابنُ نُقطةَ (ت: ٦٢٩ هـ): «وجمَع مُسنَدًا وقع إلينا بعضُه
بأصبَهانَ» (^١).
وقال أيضًا: «حدَّث ببغدادَ وبأصبهانَ ببعضِ مُسنَدِ أبي بكرٍ محمدِ بنِ هارونَ الرُّويانيِّ، وهو القدْرُ المسموعُ من أبي الفضلِ الرَّازيِّ» (^٢).
وقال أيضًا: «وسُمِعَ من أبي عبدِ اللهِ الخلَّالِ ما رَوَى من مُسنَدِ محمدِ ابنِ هارونَ الرُّويانيِّ» (^٣)
وقال الحافظُ ابنُ حجَرٍ: «ووقفتُ أيضًا على قِطَعٍ من عدَّةِ مسانيدَ، كمُسنَدِ .. ومحمدِ بنِ هارونَ الرُّويانيِّ» (^٤)
_________________
(١) «التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد» (ص: ١١٧).
(٢) «التقييد» (ص: ٢٩).
(٣) «التقييد» (ص: ٤٨١).
(٤) «المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية» (٢/ ٢١).
[ ٨ ]
أخي القارئَ الكريمَ:
هذا الجزءُ الذي بينَ يدَيكَ هو منتَقًى مِنْ هذا المُسنَدِ المبارَكِ، يُنشَرُ لأوَّلِ مرَّةٍ، انتقاه الإمامُ الحافظُ الكبيرُ ضياءُ الدِّينِ محمدُ بنُ عبدِ الواحدِ المَقدسيُّ ﵀ (ت: ٦٤٣ هـ).
ترجِعُ أهميتُه إلى كونِ أسانيدِه غيرَ موجودةٍ بالقطعةِ المطبوعةِ منْ مُسنَدِ الرُّويانيِّ، فهي تُنشَرُ لأوَّلِ مرَّةٍ، ولعلَّ اللهَ سبحانَه يمُنُّ علينا بما تبقَّى من هذا المُسنَدِ المبارَكِ.