٢٣ - حدِّثنا العبَّاسُ بنُ محمَّدٍ، ثنا منصورُ بنُ سَلَمةَ، ثنا ليثُ بنُ سعدٍ، عن بُكيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأشجِّ، عن نابلِ صاحبِ العَباءِ، عن ابنِ عُمَرَ، عن صُهيبٍ قال: سلَّمتُ على رسولِ اللهِ ﷺ وهو يُصلِّي، فردَّ عليَّ إشارةً قال: كنتُ أَحسَبُه قال: بأصبعِه هكذا، وأشارَ إلى سبَّابِه.
٢٤ - وحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، ثنا أبو الوليدِ، ثنا اللَّيثُ، عن بُكيرِ بنِ عبدِ اللهِ بمثلِه.
٢٥ - حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، ومحمَّدُ بنُ إسحاقَ، قالَا: ثنا عفَّانُ، ثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ، ثنا ثابتٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي ليلَى، عن صُهيبٍ أنَّ رسولَ اللهَ ﷺ قال: «كان مَلِكٌ مِمَّنْ كان قبلَكُم، وكان له ساحرٌ، فلمَّا كَبُرَ السَّاحرُ قال للمَلِك: إنِّي قد كَبُرَتْ سِنِّي، وحضرَ أَجلِي، فادفعْ إليَّ غُلامًا، فلأعلِّمَه السِّحْرَ، فدفعَ إليه غُلامًا، وكان يُعلِّمُه، وكان بينَ السَّاحرِ وبينَ الغلامِ راهبٌ، فأتَى الغلامُ علَى الرَّاهبِ، فسمِعَ مِنْ كلامِه، فأعجبَه نحوُه وكلامُه، فكان إذا أتَى السَّاحرَ ضربَهُ وقال: ما حَبَسَكَ؟ وإذا أتَى أهلَه جلسَ عندَ الرَّاهبِ، فيُبطِئُ، فإذا أتَى أهلَه ضربوهُ، وقالوا: ما حَبَسَكَ؟ فشكَى ذلك إلى الرَّاهبِ، فقال: إذا أرادَ السَّاحرُ أن يضرِبَك فقل: حبَسَنِي أهلي، وإذا أرادَ أهلُكَ أن يضربُوك فقل: حبَسنِي السَّاحرُ.
[ ٤٨ ]
قال: فبينما هو كذلكَ، إذ أتَى ذاتَ يومٍ على دابَّةٍ فظيعةٍ عظيمةٍ، قد حبستِ النَّاسَ، فلا يستطيعونَ أن يَجُوزُوا، فقال: اليومَ أعلمُ أمرُ الرَّاهبِ أحبُّ إلى اللهِ أَمْ أمرُ السَّاحرِ؟ فأخذَ حجرًا فقال: اللَّهُمَّ إنْ كان أمرُ الرَّاهبِ أحبَّ إليكَ، وأرضَى لكَ مِنْ أمرِ السَّاحرِ، فاقْتُلْ هذه الدَّابَّةَ حتَّى يَجوزَ النَّاسُ، ورَماها، فقتلَها ومضَى النَّاسُ، فأخبرَ الرَّاهبَ بذلِك، وقال: أيْ بُنيَّ، إنَّكَ أفضلُ منِّي، وإنَّك ستُبتَلَى، فإنِ ابتُلِيتَ فلا تَدُلَّ عليَّ، وكان الغُلامُ يُبرِئُ الأَكْمَه والأَبرَصَ وسائرَ الأدواءِ وسقيمَهُم، وكان جليسٌ للمَلِكَ قد عَمِيَ فسَمِعَ به، فأتَى بهدايا كثيرةٍ، فقال له: اشفنِي ولك ما هاهُنا أجمعُ. قال: ما أَشفِي أنا أحدًا، إنَّما يَشفِي اللهُ، فإن آمنتَ باللهِ دعوتُ اللهَ تعالَى فشفاكَ، فآمَنَ، فدَعا له فشفاهُ، ثمَّ أتَى المَلِكَ فجلسَ معه نحوَ ما كان يجلِسُ، فقال له المَلِكُ: يا فلانُ، مَنْ رَدَّ عليكَ بَصَرَكَ؟ قال: ربِّي. قال: أنا؟ قال: لا، ولكن ربِّي وربُّكَ اللهُ. قال: أَوَ لَك ربٌّ غيرِي؟! قال: نَعَم. فلم يَزَلْ يُعذِّبْه حتَّى دلَّ على الغُلامِ، فبعثَ إليه فقال: أيْ بُنيَّ، قد بلغَ مِنْ سِحرِكَ أنْ تُبرِئَ الأَكْمَه والأَبرَصَ وهذهِ الأدواءَ؟ قال: ما أشفِي أنا أحدًا، إنَّما يشفِي اللهُ. قال: أنا؟ قال: لا. قال: وإنَّ لكَ ربًّا غيرِي؟ قال: نَعَم ربِّي وربُّكَ اللهُ، فأخذَهُ أيضًا بالعذابِ، فلم يَزَلْ به حتَّى دَلَّ على الرَّاهبِ، فأتَى بالرَّاهبِ، فقال: ارجِعْ عن دِينِكَ (^١)، فوضَعَ المِنْشارَ في مَفْرِقِ رأسِه حتَّى وقعَ شِقَّاهُ، فقال للأعمَى: ارجِعْ عن دِينِكَ فأبَى، فوضَعَ المِنْشارَ في مَفْرِقِ رأسِه حتَّى وقعَ شِقَّاهُ إلى الأرضِ. فقال للغُلامِ: ارجِعْ عن دِينِكَ فأبَى، فبَعَثَ به مع نفرٍ إلى جبلِ كذا وكذا وقال: إذا بلغتُمْ ذُرْوتَه، فإنْ رجعَ عن دينِه، وإلَّا فدَهْدِهُوهُ مِنْ فوقِه، فذهبُوا به فلمَّا عَلَوا بهِ الجَبَلَ قال: اللَّهُمَّ اكفينِهِم بما شئتَ، فرجَفَ بهمُ الجَبَلُ فتدَهْدَهُوا أَجمعِينَ، وجاءَ الغُلامُ يتلَمَّسُ حتَّى دخلَ على المَلِكِ فقال: ما فعلَ أصحابُكَ؟ قال: كفانِيهِمُ اللهُ، فبعثَ به معَ نفرٍ في قُرْقُورٍ (^٢) وقال: إذا لَجَجْتُمْ به البحرَ، فإنْ رجعَ عن دينِه وإلَّا فغرِّقوهُ، فلجَجُوا البحرَ، فقال الغُلامُ: اللَّهُمَّ اكفنيِهِم بما شئتَ، فغرقُوا أجمعونَ، وجاءَ
_________________
(١) بالحاشية: «لعله: فأبى».
(٢) القرقور: ضرب من السفن، عربي معروف. «الجمهرة» (١/ ١٩٩)
[ ٤٩ ]
الغُلامُ يتلمَّسُ حتَّى دخلَ على المَلِكِ، فقال: ما فعلَ أصحابُكَ؟ فقال: كفانِيهِمُ اللهُ، ثمَّ قال للمَلِكِ: لستَ بقاتلِي حتَّى تفعلَ ما آمُركَ وإلَّا فإنَّكَ لم تستطعْ قتلِيَ. قال: وما هو؟ قال: تجمعُ النَّاسَ في صعيدٍ، ثمَّ تصلِبُنِي على جذعٍ، فتأخذُ سَهْمًا مِنْ كِنانَتِي، ثمَّ قلْ: بِسْمِ اللهِ ربِّ الغُلامِ، فإنَّكَ إذا فعلتَ ذلكَ قتلتَنِي، ففعلَ ووَضعَ السَّهمَ في كبِدِ قَوسِه، ثمَّ رمَى، وقال: بِسْمِ اللهِ ربِّ الغُلامِ، فوقعَ السَّهمُ في صُدْغِه، فوضَعَ الغُلامُ يدَه على موضِعِ السَّهمِ، وماتَ، فقال النَّاسُ: آمنَّا برَبِّ الغُلامِ. قيلَ للمَلِكِ: أَرأَيتَ ما كنتَ تحذَرُ؟ قد -واللهِ- نزلَ بك، قد آمَنَ النَّاسُ كلُّهُم، فأَمَرَ بأفواهِ السِّكَكِ فخُدَّتْ فيها الأُخدودُ، وأُضرمَتْ فيها النِّيرانُ، وقال: مَنْ رجعَ عن دِينِه فدَعُوهُ، وإلَّا فأَقحِمُوهُ فيها، وكانوا يتقادَعُونَ فيها ويَتَدافَعُونَ، فجاءَتِ امرأةٌ بابنٍ لها تُرضِعه، فكأنَّها تقاعَسَتْ أنْ تقعَ في النَّارِ، فقال الصَّبيُّ: يا أُمَّه، اصبرِي، فإنَّكِ على الحقِّ».
واللفظُ لابنِ إسحاقَ.
٢٦ - أخبرنا ابنُ إسحاقَ، ثنا سعيدُ بنُ عُفيرٍ، ثنا ابنُ لَهيعةَ، عن ابنِ الهاد، عن عثمانَ بنِ صُهيبٍ، عن أبيه، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لعليِّ بنِ أبي طالبٍ: «مَنْ أشقَى
[ ٥٠ ]
الأوَّلِينَ؟» قال: عاقِرُ النَّاقةِ. قال: «فمَن أشقَى الآخرينَ؟» قال: لا أدرِي. قال: «الذي يضربُك على هذا»، وأشارَ إلى رأسِه. قال: فكان عليٌّ يقولُ: «يا أهلَ العِراقِ، ولوددتُ لو قدِ انْبعَثَ أشقاها، فخضبَ هذه مِنْ هذا».
٢٧ - حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، ثنا يحيَى بنُ أبي بُكيرٍ، ثنا زُهيرُ بنُ محمَّدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ محمَّدِ بنِ عقيلٍ، عن حمزةَ بنِ صُهيبٍ، أنَّ صُهيبًا صاحبَ رسولِ اللهِ ﷺ كان يُكنَى أبا يحيَى، ويزعُمُ أنَّه مِنَ العربِ، ويُطعِمُ الطَّعامَ الكثيرَ، فقال له عمرُ بنُ الخَطَّابِ: يا صُهيبُ! ما لَكَ تكتَنِي بأبي يحيَى، وتزعُمُ أنَّكَ مِنَ العربِ، وتُطعِمُ الطَّعامَ الكثيرَ، وذلك سرفٌ في المالِ؟ فقال له صُهيبٌ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كنَّانِي أبا يحيَى. قال: وأمَّا قولُكَ في النَّسبِ، فأنا رجلٌ مِنْ النَّمرِ بنِ قاسِطٍ، مِنْ أهلِ مَوْصِلَ، ولكنِّي سُبيتُ غلامًا صغيرًا قد عَقَلْتُ أهلِي وقومِي. وأمَّا قولُكَ في الطَّعامِ، فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يقول: «خِيارُكُم مَنْ أَطعَمَ الطَّعامَ، وردَّ السَّلامَ» فذلك الذي حَمَلَنِي على أنْ أُطعِمَ الطَّعامَ.
[ ٥١ ]
٢٨ - حدَّثنا أحمدُ، ثنا عمِّي، ثنا حفصُ بنُ مَيسرةَ، عن موسَى بنِ عُقبةَ، عن عطاءِ بنِ أبي مرْوانَ، عن أبيه، أنَّ كعبًا حدَّثَه، أنَّ صُهيبًا صاحبَ النَّبيِّ ﷺ لم يرَ قريةً يُريد دخولَها إلَّا قال حينَ يراها: «اللَّهُمَّ ربَّ السَّماواتِ السَّبعِ وما أظْلَلْنَ، وربَّ الأرْضينِ السَّبعِ وما أقْللنَ، وربَّ الشَّياطينِ وما أضْللنَ، وربَّ الرِّياحِ وما ذَرَينَ، فإنَّا نسألُكَ خيرَ هذه القريةِ، وخيرَ أهلِها، وخيرَ ما فيها، ونعوذُ بك مِنْ شرِّها، وشرِّ ما فيها، وشرِّ أهلِها».
٢٩ - حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، ثنا بُندارٌ أبو بكرٍ البَصريُّ، ثنا سالمُ بنُ نوحٍ، ثنا سعيدُ الجُريريُّ، عن أبي السَّليلِ، عن صُهيبٍ قال: صنعتُ للنَّبيِّ ﷺ طعامًا فأتيتُه، فدَعَوتُه، فأومأتُ إليه، فقال: وهؤلاءِ؟ فقلتُ: لا، وإنَّما كان شيءٌ يسيرٌ قد صنعتُ للنَّبيِّ ﷺ، ثمَّ أَومأتُ إليه، فقال: هؤلاءِ؟ فقلتُ: نَعَم. فجاءُوا، فأَكَلوا، وفضَلتْ فضْلَةٌ.
٣٠ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشَّارٍ، ثنا عبدُ الوهاب، ثنا محمَّدُ بنُ عمرٍو، عن يحيَى بنِ عبدِ الرَّحمنِ، قال: قال عُمَرُ لصُهيبٍ: ما وجدتُ عليك في الإسلامِ إلَّا ثلاثًا: كُنِّيتَ
[ ٥٢ ]
بأبي يحيَى، وقال اللهُ: ﴿لَمْ نَجْعَل لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧] وإنَّك لا تُمسِكُ شيئًا، وإنَّك لتُدعَى إلى النَّمرِ بنِ قاسطٍ، وإنَّك مِمَّنْ أَنعَمَ اللهُ عليكَ. قال: أمَّا الكُنيةُ، فكنَّاني رسولُ اللهِ ﷺ أبا يحيَى. وأمَّا قولُك: إنِّي لا أُمسِكُ شيئًا، فإنَّ اللهَ يقول: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]. وأمَّا قولُك: إنِّي مِنْ النَّمرِ بنِ قاسطٍ، فلو كنتُ مِنْ روَثةِ الحمارِ ما انتسبتُ إلى غيرِها، ولكنِّي قد عَقلتُ آبائي ومولِدِي، وكانتِ العربُ تَسبِي بعضُها بعضًا، فسبانِي ناسٌ مِنَ العربِ، فباعُوني بسوادِ الكُوفةِ، فتكلَّمتُ بلُغاتِهم. فقال عُمَرُ: صدَقْتَ.