قال الشافعي: لقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ (١) وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (٢).
١٤٤٩٠ - الزهري (خ م) (٣) حدثني سعيد، أن أبا هريرة أخبره أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فمن قال لا إله إلا اللَّه عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على اللَّه".
١٤٤٩١ - الأعمش (م) (٤) عن أبي سفيان، عن جابر. وعن أبي صالح، عن أبي هريرة قالا: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه؛ فإذا قالوها منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه".
١٤٤٩٢ - ابن عيينة، عن عبد الملك بن نوفل، عن رجل من مزينة يقال له: ابن عصام، عن أبيه: "أن النبي -ﷺ- كان إذا بعث سرية قال: إذا سمعتم مؤذنًا أو رأيتم مسجدًا فلا تقتلوا أحدًا".
١٤٤٩٣ - عقيل (خ م) (٥) عن الزهري، أخبرني عبيد اللَّه، عن أبي هريرة قال: "لما توفي رسول اللَّه -ﷺ- واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف
_________________
(١) التوبة: ٥.
(٢) البقرة: ١٩٣.
(٣) البخاري (٦/ ١٣٠ رقم ٢٩٤٦)، ومسلم (١/ ٥٢ رقم ٢١) [٣٣]. وأخرجه النسائي (٧/ ٧٧ رقم ٣٩٧٢) من طريق يونس وفي (٧/ ٧٨ رقم ٣٩٧٤) من طريق شعيب بن أبي حمزة كلاهما عن الزهري به.
(٤) مسلم (١/ ٥٢ - ٥٣ رقم ٢١) [٣٥]. وأخرجه النسائي (٧/ ٧٩ رقم ٣٩٧٧)، وابن ماجه (٢/ ١٢٩٥ رقم ٣٩٢٨) من طريق الأعمش به.
(٥) البخاري (١٢/ ٢٨٨ رقم ٦٩٢٤)، ومسلم (١/ ٥١ - ٥٢ رقم ٢٠) [٣٢]. وأخرجه أبو داود (٢/ ٩٣ رقم ١٥٥٦)، والترمذي (٥/ ٥ رقم ٢٦٠٧)، والنسائي (٧/ ٧٧ رقم ٣٩٧٠) كلهم من طريق عقيل به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٧ / ٣٧٤٢ ]
تقاتل الناس وقد قال رسول اللَّه -ﷺ-: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه؛ فمن قال: لا إله إلا اللَّه، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على اللَّه؟ ! فقال أبو بكر: واللَّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، واللَّه لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول اللَّه لقاتلتهم على منعه. قال عمر: فواللَّه ما هو إلا أن رأيت اللَّه قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق".
قال الشافعي: هذا مثل الحديثين قبله في المشركين مطلقًا والمراد مشركو الأوثان، ولم يكن بحضرة رسول اللَّه ولا بقربه أحد من مشركي أهل الكتاب إلا يهود المدينة، وكانوا حلفاء الأنصار ولم تكن الأنصار استجمعت أول ما قدم رسول اللَّه إسلامًا فوادعت يهود رسول اللَّه ولم تخرج إلى شيءٍ من عداوته بقول يظهر ولا فعل حتى كانت وقعة بدر فتكلم بعضها بعداوته والتحريض عليه فقتل رسول اللَّه فيهم ولم يكن بالحجاز علمته إلا يهودي أو نصاري قليل بنجران وكانت المجوس بهجر وبلاد البربر وفارس نائين عن الحجاز دونهم مشركون أهل أوثان كثير.
١٤٤٩٤ - شعيب، عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن أبيه "أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا وكان يهجو رسول اللَّه -ﷺ- ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان رسول اللَّه قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة رسول اللَّه -ﷺ- ومنهم المشركون، ومنهم اليهود وهم أهل الحلقة والحصون وهم حلفاء الحيين الأوس والخزرج، فأراد رسول اللَّه حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم، وكان الرجل يكون مسلمًا وأبوه مشرك، والرجل يكون مسلمًا وأخوه مشرك، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول اللَّه يؤذونه وأصحابه أشد الأذي فأمر اللَّه رسوله والمسلمين بالصبر والعفو فقال: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا. . .﴾ (١) الآية وفيهم نزلت: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ (٢) فلما أبي كعب أن ينزع عن أذى رسول اللَّه -ﷺ- وأذى المسلمين أمر رسول اللَّه سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا ليقتلون فبعث إليه سعد محمد بن مسلمة الأنصاري وأبا عبس الأنصاري والحارث ابن أخي سعد بن
_________________
(١) آل عمران: ١٨٦.
(٢) البقرة: ١٠٩.
[ ٧ / ٣٧٤٣ ]
معاذ في خمسة رهط. . . " وذكر الحديث في قتله "فلما قتلوه فزعت اليهود ومن كان معهم من المشركين، فغدوا على رسول اللَّه حين أصبحوا فقالوا: إنه طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من سادتنا فقتل. فذكر لهم رسول اللَّه -ﷺ- الذي كان يقول في أشعاره وينهاهم به، ودعاهم رسول اللَّه -ﷺ- إلى أن يكتب بينهم وبين المسلمين كتابًا ينتهوا إلى ما فيه، فكتب صحيفة تحت العذق الذي في دار بنت الحارث فكانت تلك الصحيفة بعد رسول اللَّه -ﷺ- عند علي" (١).
١٤٤٩٥ - ابن إسحاق، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: "لا أصاب رسول اللَّه -ﷺ- قريشا يوم بدر فقدم المدينة جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال: يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا فأنزلت: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ (٢) و﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أصحاب رسول اللَّه ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ. . .﴾ إلى قوله: ﴿الْأَبْصَارِ﴾ (٣) (٤) ".
١٤٤٩٦ - ابن إسحاق، حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر وصالح بن أبي أمامة قالا (٥): "بعث رسول اللَّه حين فرغ من بدر بشيرين إلى أهل المدينة زيد بن حارثة وعبد اللَّه بن رواحة، فلما بلغ ذلك كعب بن الأشرف قال: ويلكم أحق هذا هؤلاء ملوك العرب وسادة الناس -يعني قتلى قريش- ثم خرج إلى مكة فجعل يبكي على قتلى قريش ويحرض على رسول اللَّه -ﷺ-".
وتؤخذ الجزية من النصارى واليهود
قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٦).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ١٥٤ رقم ٣٠٠٠) من طريق شعيب به مختصرًا.
(٢) آل عمران: ١٢.
(٣) آل عمران: ١٣.
(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ١٥٤ رقم ٣٠٠١) من طريق ابن إسحاق به.
(٥) ضبب عليها المصنف للانقطاع.
(٦) التوبة: ٢٩.
[ ٧ / ٣٧٤٤ ]
١٤٤٩٧ - الثوري (م د س) (١) عن علقمه بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: "كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش أوصاه بتقوى اللَّه في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيرًا وقال: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال -أو خلال- فأيتهن أجابوك إليها فأقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام؛ فإن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون مثل أعراب المسلمين يجري عليهم حكم اللَّه الذي كان يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فأقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن باللَّه وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم اللَّه فلا تنزلهم فإنكم لا تدرون ما حكم اللَّه فيهم ولكن أنزلوهم على حكمكم، ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم". قال علقمة: فذكرته لمقاتل بن حيان فقال: حدثني مسلم بن هيصم، عن النعمان بن مقرن، عن النبي -ﷺ- مثله. ورواه عبيد اللَّه بن موسى ويحيى بن آدم، عن الثوري ولم يذكر عبيد اللَّه سند مقاتل ولفظه: "فأرادوك على أن تجعل لهم ذمة اللَّه وذمة نبيك فلا تجعل لهم ولكن اجعل لهم ذمتك وذمه آبائك وذمم أصحابك فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم أهون عليكم من أن تخفروا ذمة اللَّه وذمة رسوله" ولم يخرج (م) إسناد مقاتل.
شعبة (م) (٢) حدثني علقمة، أن سليمان بن بريدة حدثه، عن أبيه قال: "كان رسول اللَّه إذا بعث أميرًا على جيش. . . " الحديث. وقد رواه يحيى بن بكير، عن الليث، عن جرير بن حازم، عن شعبة.
١٤٤٩٨ - شعيب، عن الزهري، أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: "بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك (٣)، وأن لا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل: الحج الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج في العام القابل الذي حج فيه
_________________
(١) مسلم (٣/ ١٣٥٧ - ١٣٥٨ رقم ١٧٣١) [٣]، وأبو داود (٣/ ٣٧ رقم ٢٦١٢)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٢٠٧ - ٢٠٨ رقم ٨٦٨٠).
(٢) مسلم (٣/ ١٣٥٨ رقم ١٧٣١) [٤]. وسبق تخريجه.
(٣) كتب بالهامش: خ إلى قوله: مشرك.
[ ٧ / ٣٧٤٥ ]
رسول اللَّه -ﷺ- حجة الوداع مشرك وأنزل اللَّه في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ. . .﴾ إلى قوله: ﴿حَكِيمٌ﴾ (١) فكان المشركون يوافون بالتجارة وينتفع بها المسلمون، فلما حرم اللَّه على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام وجد المسلمون في أنفسهم فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ (١) ثم أحل في الآية التي تتبعها الجزية ولم يكن الأخذ قبل ذلك، فجعلها عوضًا مما منعهم من موافاة المشركين بتجاراتهم فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١) فلما أحل اللَّه ذلك للمسلمين عرفوا أنهم قد عاضهم أفضل مما كانوا وجدوا عليه مما كان المشركون يوافون به من التجارة" (٢) أظن غالبه من كلام الزهري.
١٤٤٩٩ - ابن أبي نجيج، عن مجاهد "في آية الجزية: نزلت حين أمر النبي -ﷺ- وأصحابه بغزوة تبوك". ابن إسحاق قال: "فلما انتهى رسول اللَّه إلى تبوك أتاه يُحَنّهْ بن رُؤْبَه صاحب أيلة فصالحه وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية".
١٤٥٠٠ - فضيل بن عياض، عن ليث، عن مجاهد قال: "يقاتل أهل الأوثان على الإسلام ويقاتل أهل الكتاب على الجزية".
من تنصر قبل نزول الفرقان
١٤٥٠١ - شعبة (د) (٣) عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ. . .﴾ (٤) قال: كانت المرأة من الأنصار لا يكاد يعيش لها ولد فتحلف لئن عاش لها ولد لتهودنه، فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم ناس من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: يا رسول اللَّه، أبناؤنا. فأنزل اللَّه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ. . .﴾ (٤) قال سعيد بن جبير: من شاء لحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام".
_________________
(١) التوبة: ٢٨.
(٢) أخرجه البخاري (٧/ ٦٨٣ رقم ٤٣٦٣)، ومسلم (٢/ ٩٨٢ رقم ١٣٤٧) [٤٣٥]، وأبو داود (٢/ ١٩٥ رقم ١٩٤٦) والنسائي (٥/ ٢٣٤ رقم ٢٩٥٨) كلهم من طرق الزهري به مختصرًا.
(٣) أبو داود (٣/ ٥٨ رقم ٢٦٨٢). وأخرجه النسائي في الكبرى (٦/ ٣٠٤ رقم ١١٠٤٨) من طريق شعبة به.
(٤) البقرة: ٢٥٦.
[ ٧ / ٣٧٤٦ ]
رواه أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد قوله ولفظه: " ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (١) نزلت في الأنصار. قلت: خاصة؟ قال: خاصة، كانت المرأة إذا كانت برزة أو مقلاة تنذر لئن ولدت ولدًا لتجعلنه في اليهود تلتمس بذلك طول بقائه، فجاء للإسلام وفيهم منهم، فلما أجليت النضير قالت الأنصار: يا رسول اللَّه، أبناؤنا وإخواننا فيهم؟ فسكت عنهم، فنزلت ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (١) فقال رسول اللَّه -ﷺ-: قد خُير أصحابكم؛ فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فأجلوهم معهم".
من قال يؤخذ منهم الجزية عربًا كانوا أو عجمًا
قال الشافعي: أخذ رسول اللَّه -ﷺ- الجزية من أكيدر دُومة وهو رجل يقال: من غسان أو كِندة.
١٤٥٠٢ - يحيى بن زكريا، نا ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن أنس بن مالك وعثمان بن أبي سليمان "أن النبي -ﷺ- بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة، فأخذوه فأتوه به فحقن له دمه وصالحه على الجزية" (٢).
١٤٥٠٣ - يونس، عن ابن إسحاق، حدثني يزيد بن رومان وعبد اللَّه بن أبي بكر (٣) "أن رسول اللَّه -ﷺ- بعث خالدًا إلى أكيدر بن عبد الملك -رجل من كندة كان ملكًا على دومة وكان نصرانيّا، فقال رسول اللَّه -ﷺ- لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه منظر العين وفي ليلة مقمرة صافية وهو على سطح ومعه امرأته، فأتته البقر تحك بقرونها باب القصر فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا واللَّه، قالت: فمن يترك مثل هذا؟ قال: لا أحد فنزل فأمر بفرسه فأسرج وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له: حسان، فخرجوا معه بمطاردهم، فتلقتهم خيل رسول اللَّه -ﷺ- فأخذته وقتلوا أخاه حسان وكان عليه قباء ديباج مخوص بالذهب فاستلبه إياه خالد، فبعث به إلى رسول اللَّه -ﷺ- قبل قدومه عليه، ثم إن خالدًا قدم بأكيدر على رسول اللَّه -ﷺ- فحقن له دمه وصالحه على الجزية وخلى سبيله فرجع إلى قومه" قال الشافعي: وأخذ رسول اللَّه -ﷺ- الجزية من أهل ذمة اليمن وعامتهم عرب، ومن أهل نجران وفيهم عرب.
١٤٥٠٤ - أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ "بعثني
_________________
(١) البقرة: ٢٥٦.
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ١٦٦ رقم ٣٠٣٧) من طريق يحيى بن أبي زائدة به.
(٣) ضبب عليها المصنف للانقطاع.
[ ٧ / ٣٧٤٧ ]
رسول اللَّه إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارًا أو عدله معافرَ" (١). قال يحيى بن آدم: وإنما هذه الجزية على أهل اليمن وهم عرب؛ لأنهم أهل كتاب ألا ترى أنه قال: "لا يفتن يهودي عن يهوديته" يعني: في روايته، عن جرير، عن منصور، عن الحكم (٢)، عن النبي -ﷺ- مرسلًا أنه كتب إلى معاذ بذلك.
١٤٥٠٥ - أسباط بن نصر (د) (٣) عن السدي، عن ابن عباس قال: "صالح رسول اللَّه أهل نجران على ألفي حُلة".
قال الشافعي: أخذ رسول اللَّه الجزية من أكيدر الغساني، ويروون أنه صالح رجالا من العرب على الجزية، فأما عمر ومن بعده إلى اليوم فقد أخذوا الجزية من بني تغلب وتنوخ وبهْرا وخِلْط من خلط العرب وهم إلى الساعة مقيمون على النصرانية يضاعف عليهم الصدقة وذلك جزية وإنما الجزية على الأديان لا على الأنساب، ولولا أن نأثم بتمني باطل وددنا أن الذي قال أبو يوسف كما قال وأن لا يجري صغار على عربي، ولكن اللَّه أجُّل في أعيننا من أن نحب غير ما قضى به.
١٤٥٠٦ - يحيى بن أبي بكر، نا عبد اللَّه بن عمر القرشي، حدثني سعيد بن عمرو بن سعيد "أنه سمع أباه يوم المرج يقول: سمعت أبي يقول: سمعت عمر يقول: لولا أني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: إن اللَّه سيمنع الدين بنصارى من ربيعة على شاطئ الفرات ما تركت عربيًّا إلا قتلته أو يسلم" (٤).
قلت: عبد اللَّه مجهول.
ابن إسحاق في قصة ورود خالد من جهة الصدّيق الحيرَة، ومحاورة هانئ بن قبيصة إياه "فقال خالد: أدعوكم إلى الإسلام وإلى أن تشهدوا أنه لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتقروا بأحكام المسلمين على أن لكم مثل ما لهم وعليكم مثل ما عليهم. فقال هانئ: فإن لم أشأ ذلك فمَهْ؟ قال: فإن أبيتم ذلك أديتم
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ١٠١ رقم ١٥٧٦)، والترمذي (٣/ ٢٠ رقم ٦٢٣) والنسائي (٥/ ٢٥ - ٢٦ رقم ٢٤٥٠)، وابن ماجه (١/ ٥٧٦ رقم ٨٠٣) كلهم من طريق أبي وائل به.
(٢) ضبب عليها المصنف للانقطاع.
(٣) أبو داود (٣/ ١٦٧ رقم ٣٠٤١).
(٤) أخرجه النسائي في الكبرى (٥/ ٢٣٥ رقم ٨٧٧٠) من طريق يحيى به، وقال أبو عبد الرحمن النسائي: عبد اللَّه ابن عمر القرشي هذا لا أعرفه.
[ ٧ / ٣٧٤٨ ]
الجزية عن يد. قال: فإن أبينا ذلك. قال: فإن أبيتم ذلك وطنتكم بقومٍ الموت أحب إليهم من الحياة إليكم. فقال: أجلنا هذه ننظر في أمرنا. قال: قد فعلت. فلما أصبح القوم غدا هانئ فقال: إنه قد اجتمع أمرنا على أن نؤدي الجزية فهلم فلأصالحك. فقال له خالد: كيف وأنتم قوم عرب تكون الجزية والذل أحب إليكم من القتال والعز، فقال: نظرنا فيما يقتل منا فإذا هم لا يرجعون، ونظرنا إلى ما يؤخذ منا من المال فقل ما نلبث حتى يُخِلَفه اللَّه لنا. فصالحهم على تسعين ألفًا".
من زعم أنما تؤخذ الجزية من العجم
١٤٥٠٧ - الثوري (ت س) (١) عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "عاد رسول اللَّه -ﷺ- أبا طالب وعنده ناس من قريش وعند رأسه مقعد رجل، فلما رآه أبو جهل فجلس فقال: ابن أخيك يذكر آلهتنا. فقال أبو طالب: ما شأن قومك يشكونك؟ قال: يا عم، أريدهم على كلمة تدين لهم العرب وتؤدي إليهم العجم الجزية. قال: ما هي؟ قال: شهادة أن لا إله إلا اللَّه. [فقاموا] (٢): وقالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ ! ونزلت "ص" (٣).
قلت: بعضهم رواه، فقال: يحيى بن عباد بدل عمارة، وحسنه (ت) وهو منكر؛ فإن الجزية إنما فرضت بعد أبي طالب بسنين.
ذكر كتب أنزلها اللَّه تعالى قبل نزول القرآن
قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (٤) قال الشافعي: وليس يعرف تلاوة كتاب إبراهيم وذكر زبور داود، فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ (٥).
١٤٥٠٨ - عمران القطان، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع أن النبي -ﷺ- قال: "نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان،
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٣٤١ رقم ٣٢٣٢)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٢٣٥ رقم ٨٧٦٩)، وقال الترمذي: حسن.
(٢) في "الأصل": فقالوا: والمثبت من "هـ".
(٣) ص: ٥.
(٤) النجم: ٣٦، ٣٧.
(٥) الشعراء: ١٩٦.
[ ٧ / ٣٧٤٩ ]
والقرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان" (١). وفيما روى:
١٤٥٠٩ - الربيع بن صبيح، عن الحسن قال: "أنزل اللَّه مائة وأربع (٢) كتب من السماء".
المجوس
١٤٥١٠ - ابن عيينة، عن أبي سعد بن المرزبان، عن نصر بن عاصم، قال: قال فروة بن نوفل الأشجعي: "علام تؤخذ الجزية من المجوس وليسوا بأهل كتاب؟ فقام إليه المستورد فأخذ (يُلَبّبهُ) (٣) فقال: يا عدو اللَّه، تطعن على أبي بكر وعمر وعلي، قد أخذوا منهم الجزية. فذهب به إلى القصر فخرج علي -﵁- عليهما، فقال: ألبدا. فجلسا في ظل القصر، فقال علي: أنا أعلم الناس بالمجوس، كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم. سكر فوقع على ابنته أو أخته، فاطلع عليه بعض أهل مملكته، فلما صحا جاءوا يقيمون عليه الحد فامتنع منهم فدعا أهل مملكته، فلما أتوه قال: تعلمون دينًا خيرًا من دين آدم وقد كان ينكح بنيه من بناته؟ وأنا على دين آدم، ما يرغب بكم [عن] (٤) دينه. قال: فتابعوه وقاتلوا الذين خالفوهم حتى قتلوهم، فأصبحوا وقد أسري على كتابهم فرفع من بين أظهرهم، وذهب العلم الذي في صدورهم، فهم أهل كتاب، وقد أخذ رسول اللَّه -ﷺ- وأبو بكر وعمر منهم الجزية" رواه الشافعي عنه، قال ابن خزيمة: وهم ابن عيينة، ليس بنصر؛ بل هو عيسى بن عاصم الأسدي كوفي.
١٤٥١١ - ابن عيينة (خ) (٥) عن عمرو سمع بجالة بن عبدة يقول: "كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف بن قيس، فأتاه كتاب عمر: اقتلوا كل ساحر وفرقوا بين كل ذي محرم من المجوس. ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللَّه -ﷺ- أخذها من مجوس هجر" قالت الشافعي: هذا متصل وحديث نصر بن عاصم، عن علي متصل، وبه نأخذ، وقد روى من حديث الحجاز حديثان منقطعان في أخذ الجزية من المجوس.
_________________
(١) كتب في الحاشية: لم يخرجوه، ومتنه حسن.
(٢) في "هـ": وأربعة.
(٣) في "هـ": بلببه.
(٤) من "هـ".
(٥) البخاري (٦/ ٢٩٧ رقم ٣١٥٦، ٣١٥٧). وأخرجه أبو داود (٣/ ١٦٨ رقم ٣٠٤٣) والترمذي (٤/ ١٢٥ رقم ١٥٨٧)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٢٣٤ رقم ٨٧٦٨) كلهم من طريق سفيان به، قال الترمذي: حسن صحيح.
[ ٧ / ٣٧٥٠ ]
١٤٥١٢ - مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (١) "أن عمر ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال له ابن عوف: أشهد لسمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
١٤٥١٣ - مالك، عن ابن شهاب أنه بلغه "أن رسول اللَّه أخذ الجزية من مجوس البحرين، وأن عثمان أخذها من البربر، وأن عمر أخذها من مجوس فارس".
ابن وهب، أنا يونس، عن ابن شهاب، حدثني ابن المسيب "أن رسول اللَّه -ﷺ- أخذ الجزية من مجوس هجر، وأن عمر أخذها من مجوس السواد، وأن عثمان أخذها من مجوس بربر".
١٤٥١٤ - ثنا محمد بن مسكين (د) (٢) نا يحيى بن حسان، نا هشيم، أنا داود بن أبي هند، عن قشير بن عمرو، عن بجالة بن عبدة، عن ابن عباس قال: "جاء رجل من [الأسْبَذِيين] (٣) من أهل البحرين وهم مجوس أهل هجر إلى رسول اللَّه -ﷺ- فمكث عنده ثم خرج فسألته ما قضى رسول اللَّه -ﷺ- فيكم؟ قال: شرًّا. قلت: مه. قال: الإسلام أو القتل. قال: وقال عبد الرحمن ابن عوف: قبل منهم الجزية. قال ابن عباس: فأخذ الناس بقول عبد الرحمن وتركوا ما سمعت أنا من الأسبذي" قال المؤلف: نعم ما صنعوا إذا تركوا رواية مجوسي.
١٤٥١٥ - موسى بن عقبه (خ) (٤) قال: قال ابن شهاب (م) (٥): حدثني عروة أن المسور ابن مخرمة أخبرنا أن عمرو بن عوف -وهو حليف لبني عامر بن لؤي كان شهد بدرًا- أخبره "أن رسول اللَّه -ﷺ- بعث أبا عبيدة إلى البحرين فأتى بجزيتها وكان رسول اللَّه صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمالٍ من البحرين فسمعت الأنصار بقدومه فوافت صلاة الصبح مع رسول اللَّه -ﷺ- فلما انصرف تعرضوا له فتبسم حين رآهم وقال: أظنكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة وأنه جاء بشيء فقالوا: أجل يا رسول اللَّه. فقال:
_________________
(١) ضبب عليها المصنف للانقطاع.
(٢) أبو داود (٣/ ١٦٨ - ١٦٩ رقم ٣٠٤٤).
(٣) في "الأصل": الأسبذين. والمثبت من "هـ".
(٤) البخاري (١١/ ٢٤٧ رقم ٦٤٢٥).
(٥) مسلم (٤/ ٢٢٧٣ رقم ٢٩٦١) [٦]. وأخرجه الترمذي (٤/ ٥٥٢ رقم ٢٤٦٢)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٢٣٤ رقم ٨٧٦٦)، وابن ماجه (٢/ ١٣٢٤ رقم ٣٩٩٧) كلهم من طريق ابن شهاب به. وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٧ / ٣٧٥١ ]
أبشروا وأملوا ما يسركم، فواللَّه ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها وتلهيكم كما ألهتم".
وإبراهيم بن سعد (م) (١) عن صالح، عن ابن شهاب به.
١٤٥١٦ - معتمر بن سليمان، ثنا سعيد بن عبيد اللَّه، نا بكر بن عبد اللَّه وزياد بن جبير، عن جبير بن حية قال: "بعث عمر الناس من أفناء الأمصار يقاتلون المشركين -فذكر الحديث في إسلام الهرمزان- قال: فقال: إني مستشيرك في مغازي هذه فأشر علي في مغازي المسلمين. قال: نعم يا أمير المؤمنين. الأرض مثلها ومثل من فيها من الناس من عدو المسلمين مثل طائر له رأس وله جناحان وله رجلان؛ فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح والرأس، وإن كسر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس، وإن شدخ الرأس ذهبت الرجلان والجناحان والرأس، فالرأس كسرى والجناح قيصر والجناح الآخر فارس، فَمُر المسلمين أن ينفروا إلى كسرى. قال جبير: فندبنا عمر واستعمل علينا رجلًا من مزينة يقال له: النعمان بن مقرن وحشر المسلمين معه، قال: وخرجنا فيمن خرج من الناس حتى إذا دنونا من القوم وأداة الناس وسلاحهم الجحف والرماح الكسرة والنبل قال: فانطلقنا نسير ومالنا كثير خيول -أو مالنا خيول- حتى إذا كنا بأرض العدو وبيننا وبين القوم نهر، خرج علينا عامل لكسرى في أربعين ألفًا حتى وقفوا على النهر ووقفنا من حياله الآخر قال: يا أيها الناس، أخرجوا إلينا رجلا يكلمنا، فأخرج إليه المغيرة بن شعبة وكان رجلا قد اتجر وعلم الألسنة، فقام ترجمان القوم فتكلم دون ملكهم. قال: فقال الناس: ليكلمي رجل منكم، فقال المغيرة: سل عما شئت، فقال: ما أنتم؟ فقال: نحن ناس من العرب كنا في شقاء شديد وبلاء طويل، نمص [الجلد] (٢) والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر والحجر، فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السموات ورب الأرض إلينا نبيًا من أنفسنا نعرف أباه وأمه، فأمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا اللَّه وحده أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا عن رسالة ربنا أن من قتل منا صار إلى جنة ونعيم لم يَر مثله قط ومن بقي منا ملك رقابكم. قال: فقال الرجل: بيننا وبينكم بعد غد حتى نأمر بالجسر يجسر. قال: فافترقوا وجسروا الجسر، ثم إن أعداء اللَّه قطعوا إلينا في مائة ألف: ستون ألفًا يجرون الحديد وأربعون ألفًا رماة الحدق، فأطافوا بنا عشر مرات وكنا
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٢٧٣ رقم ٢٩٦١) [٦].
(٢) من "هـ".
[ ٧ / ٣٧٥٢ ]
اثني عشر ألفًا، فقالوا: هاتوا لنا رجلًا يكلمنا، فأخرجنا المغيرة، فأعاد عليهم كلامه الأول فقال الملك: أتدرون ما مثلنا ومثلكم؟ قال المغيرة: وما مثلنا ومثلكم قال: مثل رجل له بستان ذو رياحين، وكان له ثعلب قد آذاه، فقال له رب البستان: يا أيها الثعلب، لولا أن ينتن حائطي من جيفتك لهيأت ما قد قتلك، وإنا لولا أن تنتن بلادنا من جيفتكم لكنا قد قتلناكم بالأمس. قال له المغيرة: هل تدري ما قال الثعلب؟ قال: يا رب البستان، إن أموت في حائطك ذا بين الرياحين أحب إلى من أن أخرج إلى أرض قفر ليس بها شيء، وإنه واللَّه لو لم يكن دين وقد كنا من شقاء العيش فيما ذكرت ذلك ما عدنا في ذلك الشقاء أبدًا حتى نشارككم فيما أنتم فيه أو نموت، فكيف بنا ومن قتل منا صار إلى رحمة اللَّه وجنته ومن بقي منا ملك رقابكم؟ ! قال جبير: فأقمنا عليهم يومًا لا نقاتلهم ولا يقاتلونا، فقام المغيرة إلى النعمان بن مقرن، فقال: أيها الأمير، إن النهار قد صنع ما ترى، واللَّه لو وليت من أمر الناس مثل الذي وليت منهم لألحقت الناس بعضهم ببعض حتى يحكم اللَّه بين عباده بما أحب. فقال النعمان: ربما أشهدك اللَّه مثلها ثم لم يندمك ولم يخزك ولكني شهدت مع رسول اللَّه -ﷺ- كثيرًا كان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلاة، ألا أيها الناس إني لست لكلكم اسمع، فانظروا إلى دابتي هذه فإذا حركتها فاستعدوا، من أراد أن يطعن برمحه فلييسر رمحه، ومن أراد أن يضرب بعصاه فلييسر عصاه، ومن أراد أن يطعن بخنجره فلييسره، ومن أراد أن يضرب بسيفه فلييسر سيفه، ألا أيها الناس إني محركها الثانية فاستعدوا، ثم إني محركها الثَّالثة فشهدوا على بركة اللَّه، فإن قتلت فالأمير أخي، فإن قتل أخي فالأمير حذيفة، فإن قتل حذيفة فالأمير المغيرة بن شعبة. قال: وحدثني زياد بن جبير أن أباه قال: قتلهم اللَّه، فنظرنا إلى بغل موقرٍ عسلًا وسمنًا قد كدست القتلى عليه فما أشبهه إلا كومًا من كوم السمك يلقى بعضه على بعض فعرفت أنه إنما يكون القتل في الأرض ولكن هذا شيء صنعه اللَّه، وظهر المسلمون وقتل النعمان وأخوه، وصار الأمر إلى حذيفة" (١) فهذا حديث زياد وبكر، قال: وثنا أبو رجاء الحنفي قال: "كتب حذيفة إلى عمر أنه أصيب من المهاجرين فلان وفلان وممن لا نعرف أكثر، فلما قرأ الكتاب رفع صوته ثم بكى وبكى، فقال: بل اللَّه يعرفهم ثلاثًا" رواه البخاري مختصرًا، وفيه دلالة على أخذ الجزية من المجوس.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦/ ٢٩٨ رقم ٣١٥٩، ٣١٦٠) من طريق المعتمر به.
[ ٧ / ٣٧٥٣ ]
١٤٥١٧ - عمران القطان (د) (١) عن أبي جمرة، عن ابن عباس قال: "أن أهل فارس لما مات نبيهم كتب لهم إبليس المجوسية".
باب لا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم
١٤٥١٨ - الثوري، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد بن علي (٢) قال: "كتب رسول اللَّه -ﷺ- إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم قبل منه ومن أبي ضربت عليه الجزية على أن لا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة" إجماع الجمهور يؤكد هذا المرسل، ولا يصح ما روي عن حذيفة في نكاح مجوسيه.
كم الجزية
١٤٥١٩ - الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ "أن رسول اللَّه -ﷺ- بعثه إلى اليمن وأمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين بقرة تبيعًا ومن كل أربعين بقرة مسنة ومن كل حالم دينارًا أو عدله ثوب معافر" (٣). ورواه نا النفيلي (د) (٤) ثنا [أبو] (٥) معاوية، فأسقط مسروقًا. وقال: والمعافري ثياب باليمن. وزاد أبو معاوية: نا الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق، عن معاذ مرفوعًا مثله.
قال (د) (٦): هذا منكر، وبلغني عن أحمد أنه أنكره -يعني: رواية إبراهيم- والصواب أبو وائل، كذا رواه سفيان وشعبة ومعمر وجرير وأبو عوانة ويحيى بن سعيد وحفص بن غياث، وبعضهم قال عن مسروق "أن النبي -ﷺ- لما بعث معاذًا. . . ".
وأخبرنا الحسن بن علي بن المؤمل، نا عمرو بن عبد اللَّه البصري، نا محمد بن عبد الوهاب، أنا يعلى، نا الأعمش، عن شقيق، عن مسروق. والأعمش عن إبراهيم قالا: قال معاذ: "بعثني رسول اللَّه -ﷺ- إلى اليمن فأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة ثنية ومن كل
_________________
(١) أبو داود (٣/ ١٦٨ رقم ٣٠٤٢).
(٢) ضبب عليها المصنف للانقطاع.
(٣) تقدم.
(٤) أبو داود (٣/ ١٦٧ رقم ٣٠٣٨).
(٥) من "هـ".
(٦) لفظ أبي داود في المطبوع من السنن: رواه جرير ويعلى ومعمر وشعبة وأبو عوانة ويحيى بن سعيد عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق، قال يعلى ومعمر عن معاذ مثله.
[ ٧ / ٣٧٥٤ ]
ثلاثين تبيعًا أو تبيعة ومن كل حالم دينارًا أو عدله معافر" (١). فهذا هو المحفوظ أن حديث إبراهيم منقطع، وقد رويناه عن عاصم، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ، مرفوعًا.
١٤٥٢٠ - الشافعي، أنا إبراهيم بن محمد، أخبرني إسماعيل بن أبي حكيم، عن عمر بن عبد العزيز (٢) "أن النبي -ﷺ- كتب إلى أهل اليمن أن على كل إنسان منكم دينارًا كل سنة أو قيمته من المعافر يعني أهل الذمة منهم".
وأنا مطرف بن مازن وهشام بن يوسف بإسناد لا أحفظه غير أنه حسن "أن النبي -ﷺ- فرض على أهل الذمة من أهل اليمن دينارًا كل سنة. فقلت لمطرف: فإنه يقال: وعلى النساء أيضًا. فقال: ليس أن النبي -ﷺ- أخذ من النساء ثابتًا عندنا.
١٤٥٢١ - يحيى بن آدم، نا جرير، عن منصور، عن الحكم (٢) قال: "كتب رسول اللَّه -ﷺ- إلى معاذ باليمن: على كل حالم أو حالمة دينارًا أو قيمته، ولا يفتن يهودي عن يهودية" (٣) هذا منقطع. ولم يأت بهذا إلا عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ ومعمر إذا روي عن غْير الزهري يغلط كثيرًا. وحمله ابن خزيمة على أخذه إذا طابت بها نفسًا.
قلت: أوجبه على المرأة ابن حزم الأندلسي بخبر معمر.
ورواه أبو شيبة إبراهيم بن عثمان وهو ضعيف عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس "أن النبي -﵇- كتب إلى معاذ أن من أسلم من المسلمين فله ما للمسليمين وعليه ما عليهم ومن أقام على يهوديته أو نصرانيته فعلى كل حالم دينار أو عدله من المعافر، ذكر أو أنثى حر أو مملوك، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين بقرة مسنة، وفي كل أربعين من الإبل ابنة لبون، وفيما سقت السماء أو سقي [فيحًا] (٤) العشر، وفيما سقي بالغرب نصف العشر".
١٤٥٢٢ - الشافعي: سألت محمد بن خالد وعبد اللَّه بن عمرو بن مسلم وعددًا من علماء أهل اليمن فكلهم حكى لي، عن عدد منهم مضوا قبلهم يحكون، عن عدد مضوا قبلهم كلهم
_________________
(١) أخرجه النسائي (٥/ ٢٦ رقم ٢٤٥١) من طريق يعلى به، وتقدم.
(٢) ضبب عليها المصنف للانقطاع.
(٣) أخرجه أبو داود في المراسيل (١٣٣ - ١٣٤ رقم ١١٧) من طريق محمد بن قدامة عن جرير به.
(٤) في "الأصل": فتحًا. والمثبت من "هـ".
[ ٧ / ٣٧٥٥ ]
ثقة "أن صلح النبي -ﷺ- لهم كان لأهل ذمة اليمن على دينار كل سنة، ولا يثبتون أن النساء كن فيمن يؤخذ منه الجزية، وقال عامتهم: لم يؤخذ من زروعهم، وقد كانت لهم زروع ولا من مواشيهم شيء علمناه، وقال لي بعضهم: قد جاءنا بعض الولاة فخمس [زروعهم] (١) أو أرادها فأنكر ذلك عليه، فكل من وصفت أخبرني أن عامة ذمة أهل اليمن من حمير. قال: وسألت عددًا كثيرًا من ذمة أهل اليمن متفرقين في بلدان اليمن فكلم أثبت لي لا يختلف قولهم أن معاذًا أخذ منهم دينارًا عن كل بالغ منهم، وسموا البالغ: حالمًا، قالوا: وكان في كتاب النبي -ﷺ- مع معاذ أن على كل حالم دينارًا".
١٤٥٢٣ - ابن وهب، أخبرني مسلمة بن علي، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن رسول اللَّه -ﷺ- فرض الجزية على كل محتلم من أهل اليمن دينارًا دينارًا".
١٤٥٢٤ - يونس، عن ابن إسحاق، حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم قال: "هذا كتاب رسول اللَّه -ﷺ- عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن. . . " فذكره، وفي آخره: "وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلامًا خالصًا من نفسه فدان دين الإسلام؛ فإنه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يفتن عنها، وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف أو عوضه من الثياب، فمن أدى ذلك فإن له ذمة اللَّه وذمة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو اللَّه ورسوله والمؤمنين". هذا منقطع.
١٤٥٢٥ - وروى ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة قال: "هذا كتاب من محمد -ﷺ- إلى أهل اليمن. . . " فذكر نحو الذي قبله والآخر منقطع.
١٤٥٢٦ - وأخبرنا أبو سهل محمد بن نصرويه بن أحمد المروزي، ثنا محمد بن صالح
_________________
(١) في "الأصل": زورعهم. والمثبت من "هـ".
[ ٧ / ٣٧٥٦ ]
المعافري، ثنا أبو يزن إبراهيم بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد العزيز بن عفير بن عبد العزيز بن عفير بن زرعة ابن سيف بن ذي يزن الحميري، حدثني عمي أحمد بن حبيش بن عبد العزيز، حدثني أبي، حدثني أبي عبد العزيز، حدثني أبي عفير، حدثني أبي زرعة بن سيف قال: "كتب إلى رسول اللَّه -ﷺ- كتابًا هذا نسخته، فذكرها وفيها ومن يكن على يهوديته أو على نصرانيته، فإنه لا يغبر عنها وعليه الجزية على كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار أو قيمته من المعافر" في سنده مجاهيل. إبراهيم بن أبي يحيى، عن أبي الحويرث (١): "ضرب رسول اللَّه على نصارى بمكة دينارًا لكل سنة" كذا لفظ يحيى بن آدم عنه.
وقال الشافعي: أنا إبراهيم ولفظ: "ضرب على نصراني بمكة يقال له: موهب دينارًا كل سنة" وزاد فيه، "وأنه ﵇ ضرب على نصارى أيلة ثلاثمائة دينار كل سنة وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثًا، وأن لا يغشوا مسلمًا".
وأنا إبراهيم بن محمد، أنا إسحاق بن عبد اللَّه: "أنهم كانوا ثلاثمائة فضرب عليهم النبي -ﷺ- يومئذ ثلاثمائة دينار كل سنة" قال الشافعي: ثم صالح أهل نجران على حلل يؤدونها إليه فدل صلحه إياهم على غير الدنانير على أنه يجوز ما صولحوا عليه.
١٤٥٢٧ - أسباط بن نصر (د) (٢) عن السدي، عن ابن عباس قال: "صالح رسول اللَّه -ﷺ- أهل نجران على ألفي حُلة النصف في صفر والنصف في رجب يؤدونها إلى المسلمين وعارية ثلاثين درعًا وثلاثين فرسًا وثلاثين بعيرًا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلام يغزون بها والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد" قال الشافعي: قد سمعت بعض أهل العلم من المسلمين ومن الذمة من أهل نجران يذكر أن قيمة ما أخذ من كل واحد أكثر من دينار".
_________________
(١) ضبب عليها المصنف للانقطاع.
(٢) أبو داود (٣/ ١٦٧ رقم ٣٠٤١).
[ ٧ / ٣٧٥٧ ]
الزيادة على الدينار بالصلح
١٤٥٢٨ - ابن نمير (١)، ثنا عبيد اللَّه بن نمير، نا نافع، عن أسلم [أنه] (٢) أخبره "أن عمر كتب إلى أمراء أهل الجزية أن لا يضعوا الجزية إلا على من جرت -أو مرت- عليه المواسي، وجزيتهم أربعون درهمًا على أهل الورق منهم، وأربعة دنانير على أهل الذهب، وعليهم أرزاق المسلمين من الحنطة مدين وثلاثة أقساط زيت لكل إنسان كل شهر ومن الودك والعسل شيء لم يضبطه وعليهم من البز التي كان يكسوها أمير المؤمنين الناس شيء لم يحفظه ويضيفون من نزل بهم من أهل الإسلام ثلاثة أيام على أهل العراق خمسة عشر صاعًا لكل إنسان، وكان عمر لا يضرب الجزية على النساء، وكان يختم في أعناق رجال على الجزية".
عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد اللَّه، عن نافع، عن أسلم "أن عمر كتب إلى عماله أن لا يضربوا الجزية على النساء والصبيان ولا يضربوها إلا على كل من جرت عليه المواسي، ويختم في أعناقهم وتجعل جزيتهم على رءوسهم على أهل الورق أربعين درهمًا ومع ذلك أرزاق المسلمين وعلى أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الشام منهم مدي حنطة وثلاثة أقساط زيت، وعلى أهل مصر أردب حنطة وكسوة وعسل -لا يحفظه نافع كم ذاك- وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعًا حنطة" قال عبيد اللَّه: وذكر كسوة لا أحفظها.
شعبة، أنا الحكم سمعت عمرو بن ميمون، عن عمر. . . فذكره، قال: "ثم أتاه عثمان بن خيف فجعل يكلمه من وراء الفسطاط يقول: واللَّه لئن وضعت على كل جريب من أرض درهمًا وقفيزًا من طعام وزدت على كل رأس درهمين لا يشق ذلك عليهم ولا يجهدهم. قال: نعم، فكانت ثمانية وأربعين فجعلها خمسين".
_________________
(١) في "هـ" أبي. وما أثبتناه هو الصواب، وابن نمير هو عبد اللَّه بن نمير من رجال التهذيب.
(٢) من "هـ".
[ ٧ / ٣٧٥٨ ]
الشافعي -في القديم- عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب (١) "أن عمر كان إذا استغنى أهل السواد زاد عليهم وإذا افتقروا وضع عنهم".
علي بن مسهر، عن الشيباني، عن أبي عون محمد بن عبيد اللَّه (٢) قال: "وضع عمر على رءوس الرجال على الغني ثمانية وأربعين درهمًا وعلى الوسط أربعة وعشرين وعلى الفقير اثني عشر درهمًا". وكذا روى قتادة عن أبي مجلز (١)، عن عمر والكل مرسل.
الضيافة في الصلح
مر حديث أبي الحويرث المرسل.
مالك، عن نافع، عن أسلم "أن عمر ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهمًا ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام".
ابن عيينة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب: "أن عمر فرض على أهل السواد ضيافة يوم وليلة فمن حبسه مطر أو مرض أنفق من ماله" قال الشافعي: حديث أسلم بضيافة ثلاث أشبه لأن رسول اللَّه -ﷺ- جعل الضيافة ثلاثًا، وقد يجوز أن يكون جعلها في قوم ثلاثًا، وعلى قوم يومًا وليلة ولم يجعل على آخرين ضيافة كما يختلف صلحه لهم فلا يرد بعض الحديث بعضًا.
مسلم بن إبراهيم، نا هشام، ثنا قتادة، عن الحسن، عن الأحنف: "أن عمر كان يشترط على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة وأن يصلحوا قناطر، وإن قتل بينهم قتيل فعليهم ديته" رواه غيره، عن هشام. وفيه: "وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته".
الضيافة ثلاثة أيام
١٤٥٢٩ - الليث (خ م) (٣) نا المقبري، عن أبي شريح العدوي سمعت أذناي وأبصرت
_________________
(١) ضبب عليها المصنف للانقطاع.
(٢) ضبب عليها المصنف للخلاف في اسمه وفي "هـ": عبد اللَّه الثقفي.
(٣) البخاري (١٠/ ٤٦٠ رقم ٦٠١٩)، ومسلم (٣/ ١٣٥٢ رقم ٤٨) [١٤]. وأخرجه الترمذي (٤/ ٣٠٤ رقم ١٩٦٧) من طريق الليث به، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه البخاري (١٠/ ٥٤٨ رقم ٦١٣٥)، وأبو داود (٣/ ٣٤١ رقم ٣٧٤٨)، والنسائي في الكبرى كما في التحفة (٩/ ٢٢٤ رقم ١٢٠٥٦) من طريق مالك. وأخرجه الترمذي (٤/ ٣٠٤ رقم ١٩٦٨)، وابن ماجه (٢/ ١٢١٢ رقم ٣٦٧٥) من طريق ابن عجلان، كلاهما -مالك وابن عجلان- عن المقبري له، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٧ / ٣٧٥٩ ]
عيناي رسول اللَّه -ﷺ- وهو يقول: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته. قيل: يا رسول اللَّه، وما جائزته؟ قال: يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام، فما كان أكثر من ذلك فهو صدقة ولا يثوى عنده حتى يحرجه، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت".
قال أشهب (د) (١): "سئل مالك عن قول النبي -ﷺ-: جائزته يوم وليلة. قال: يكرمه ويتحفه ويحفظه يومًا وليلة، وثلاثة أيام ضيافة".
١٤٥٣٠ - الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أن النبي -ﷺ- قال: "حق الضيافة ثلاثة أيام؛ فما زاد على ذلك فهو صدقة".
قلت: سنده حسن، رواه معمر عنه.
١٤٥٣١ - القطان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: "الضيافة ثلاثة أيام فما زاد على ذلك فهو صدقة".
ضيافة الوارد
١٤٥٣٢ - الليث (خ) (٢) عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة: "قلنا: يا رسول اللَّه، إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا، فما ترى؟ قال: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فأقبلوا؛ فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم".
١٤٥٣٣ - شعبة (د ق) (٣) عن منصور، سمعت الشعبي يحدث، عن أبي كريمة سمع النبي -ﷺ- يقول: "ليلة الضيف حق على كل مسلم من أصبح الضيف بفنائه فهو عليه حق - أو قال: دين إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه".
قلت: ورواه سفيان وأبو عوانة، عن منصور، وأبو كريمة هو المقدام بن معدي كرب.
١٤٥٣٤ - شعبة (د) (٤) أخبرني أبو الجودي الشامي، سمعت سعيد بن المهاجر يحدث،
_________________
(١) أبو داود (٣/ ٣٤٢ رقم ٣٧٤٨).
(٢) البخاري (١٠/ ٥٤٨ رقم ٦١٣٧). وأخرجه مسلم (٣/ ١٣٥٣ رقم ١٧٢٧) [١٧]، وأبو داود (٣/ ٣٤٣ رقم ٣٧٥٢)، والترمذي (٤/ ١٢٥ رقم ١٥٨٩)، وابن ماجه (٢/ ١٢١٢ رقم ٣٦٧٦) من طريق يزيد به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
(٣) أبو داود (٣/ ٣٤٢ رقم ٣٧٥٠) من طريق أبي عوانة، وابن ماجه (٢/ ١٢١٢ رقم ٣٦٧٧) من طريق سفيان. كلاهما عن منصور به.
(٤) أبو داود (٣/ ٣٤٣ رقم ٣٧٥١).
[ ٧ / ٣٧٦٠ ]
عن المقدام ابن معدي كرب أن النبي -ﷺ- قال: "ما من رجل ضاف قومًا وأصبح الضيف محرومًا إلا كان على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله".
١٤٥٣٥ - يعلى بن الحارث المحاربي ثنا غيلان بن جامع، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: "خرج قوم من الأنصار من الكوفة إلى المدينة، فأتوا على حي من بني أسد وقد أرملوا فسألوهم البيع وقد راح عليهم مال لهم حسن، قالوا: ما عندنا بيع فسألوهم القرى، قالوا: ما نطيق قراكم، فلم يزل بينهم وبين الإعراب حتى اقتتلوا، فتركت لهم الإعراب البيوت وما فيها فأخذوا لكل عشرة منهم شاة، قال: فأتوا عمر فذكروا ذلك له، فقام فحمد اللَّه وأثنى عليه، وقال: لو كنت تقدمت في هذا لفعلت وفعلت كذا وكذا، ثم كتب إلى أهل الأمصار وأهل الذمة بنزل ليلة الضيف".
١٤٥٣٦ - قال قيس: فأخبرني عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ أن أباه أخبره "أن رسول اللَّه -ﷺ- قسم غنمًا بين أصحابه، فأعطى كل عشرة شاة، وأنها كانت سنة، قال: وقد أمر رسول اللَّه -ﷺ- يومئذ بالقدور فأكفئت، وهو يومئذٍ بخيبر". وأخبرني ابن أبي ليلى "أن عمر كتب بنزل ليلة في المسلمين والمعاهدين" قال ابن أبي ليلى: قد أذكر أن أهل الأرض كانوا يستقبلوننا بنزل ليلة نقول بالفارسية: بشام: أي (عشاء) (١).
١٤٥٣٧ - يحيى بن أبي بكر، نا إسماعيل بن عياش، حدثني الأحوص بن حكيم وأبو بكر بن أبي مريم، عن حكيم بن عمير (٢) قال: "كتب عمر إلى أمراء الأجناد. . . " فذكره، وفيه: "وأيما رفقة من المهاجرين آواهم الليل إلى قرية من قرى المعاهدين من (مسافريهم) (٣) فلم يأتوهم بالقرى؛ فقد برئت منهم الذمة".
١٤٥٣٨ - حماد بن سلمة، عن أبي عمران الجوني، عن جندب قال: "كنا نصيب من ثمار أهل الذمة وأعلافهم ولا نشاركهم في نسائهم ولا أموالهم وكنا نسخر العلج (تهدينا الطريق) (٤) ".
١٤٥٣٩ - معاذ بن معاذ، نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن زيد بن صعصعة "قلت لابن عباس: إنا نأتي القرية بالسواد فنستفتح الباب؛ فإن لم يفتح لنا كسرنا الباب فأخذنا الشاة فذبحناها، قال: ولم تفعلون ذلك؟ قلت: إنا نراه لنا حلالًا، قال فتلا هذه الآية: ﴿ذَلِكَ
_________________
(١) في "هـ": شام.
(٢) ضبب عليها المصنف للانقطاع.
(٣) في "هـ": مسافرين.
(٤) في "هـ": تهدينا إلى الطريق.
[ ٧ / ٣٧٦١ ]
بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (١) وهذا وإن كان في المعاهدين فلأنهم لم يصالحوهم على الضيافة فلم يحل لهم تناولها".
من ترفع عنه الجزية
مر خبر معاذ أنه يأخذ من كل حالم دينارًا.
١٤٥٤٠ - الحسن بن الحر، عن نافع، عن أسلم، عن عمر "أنه كتب إلى أمراء أهل الجزية أن لا يضربونها إلا على من جرت عليه الموسى (٢) وكان لا يضرب الجزية على النساء والصبيان" قال يحيى بن آدم: هذا المعروف عند أصحابنا وروى عبيد اللَّه عن نافع، عن أسلم نحوه وزاد وكان عمر يختم أهل الجزية في أعناقهم.
الذمي يسلم فترفع عنه الجزية والعشر
١٤٥٤١ - أبو كدينة، عن قابوس بن أبي ظبيان (د ت) (٣) عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- قال: "ليس على مؤمن جزية، ولا تجتمع قبلتان في جزيرة العرب". تابعه جرير (د ت) عن قابوس.
١٤٥٤٢ - عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد اللَّه، عن جده أبي أمه، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنما العشور على اليهود والنصارى، وليس على مسلم عشور" (٤) ورواه جرير بن عبد الحميد، عن عطاء يقال عن حرب بن هلال، عن أبي أمه -رجل من بني تغلب- أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "ليس. . . ".
ورواه عبد السلام بن حرب (د) (٥) عن عطاء فقال: عن حرب بن عبيد اللَّه بن عمر الثقفي، عن جده قال: "أتيت النبي فأسلمت وعلمني الإسلام وكيف آخذ الصدقة من قومي ممن أسلم، ثم رجعت إليه فقلت: يا رسول اللَّه (كل ما) (٦) علمتني قد حفظت إلا الصدقة، أفأعشرهم؟ قال: لا إنما العشر على النصارى واليهود" وفي لفظ لأبي داود: "خراج" مكان "العشور".
_________________
(١) آل عمران: ٧٥.
(٢) في "هـ": المواس.
(٣) أبو داود (٣/ ١٦٥ رقم ٣٠٣٢)، والترمذي (٣/ ٢٧ رقم ٦٣٣).
(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ١٦٩ رقم ٣٠٤٦).
(٥) أبو داود (٣/ ١٦٩ رقم ٣٠٤٩) من طريق عطاء به.
(٦) في "الأصل": كلما.
[ ٧ / ٣٧٦٢ ]
ورواه سفيان (د) (١) عن عطاء، عن حرب، عن خال له. ورواه حماد بن سلمة، عن عطاء، عن حرب، عن خاله أحمد بن يونس، نا أبو بكر بن عياش، عن نصير، عن عطاء، عن حرب، عن أبيه، عن أبي جده أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: . . . فذكره. ورواه البخاري في تاريخه عن أحمد فأسقط عن أبيه ثم قال: وقال أبو حمزة، عن عطاء، عن الحارث الثقفي "أن أباه أخبره -وكان له وفادة- فإن صح فمراده تعشير أموالهم إذا تجروا".
١٤٥٤٣ - حماد بن سلمة، عن عبيد اللَّه بن رواحة حدثني مسروق "أن رجلًا من الشعوب (٢) أسلم فكانت تؤخذ منه الجزية فأتى عمر فأخبره، فكتب أن لا تؤخذ منه جزية".
الشروط التي يأخذها الإمام على أهل الذمة وما يكون منهم نقضًا للعهد يشترط عليهم أن لا يستنقصوا بالمرسلين بالنبي -ﷺ-
١٤٥٤٤ - مغيرة (د) (٣) عن الشعبي (٤)، عن علي "أن يهودية كانت تشتم النبي -ﷺ- وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول اللَّه -ﷺ- دمها".
١٤٥٤٥ - البخاري في تاريخه (٥) قال نعيم بن حماد، نا (ابن المبارك) (٦) أنا حرملة بن عمران، حدثني كعب بن علقمة "أن (غرفة) (٧) بن الحارث الكندي مر به نصراني فدعاه إلى الإسلام فتناول النبي -ﷺ- وذكره فرفع غرفة يده فدق أنفه فدفع إلى عمرو بن العاص. فقال عمرو: أعطيناهم العهد. فقال غرفة: معاذ اللَّه أن نكون أعطيناهم أن يظهروا شتم النبي -ﷺ- إنما أعطيناهم على أن نخلي بينهم وبين كنائسهم، يقولون فيها ما بدا لهم وأن لا نحملهم ما لا يطيقون، وإن أرادهم عدو قاتلناهم من ورائهم، ونخلي بينهم وبين أحكامهم إلا أن يأتونا راضين بأحكامنا فنحكم بينهم بحكم اللَّه وحكم رسوله، وإن غيبوا عنا لم نعرض لهم فيها. قال عمرو: صدقت" وكان غرفة له صحبة.
_________________
(١) أبو داود (٣/ ١٦٩ رقم ٣٠٤٧).
(٢) الشعوب: العجم.
(٣) أبو داود (٤/ ١٢٩ رقم ٤٣٦٢).
(٤) ضبب عليها المصنف للانقطاع.
(٥) التاريخ الكبير (٧/ ١١٠ رقم ٤٩١).
(٦) في "هـ": المبارك.
(٧) في "هـ": عرفة. والصواب بالمعجمة؛ قال الحافظ في التهذيب (٤/ ٤٧١): ذكره ابن نافع في المهملة، وكذا ذكره ابن حبان ثم أعاده في المعجمة وهو الصواب.
[ ٧ / ٣٧٦٣ ]
ويشترط عليهم أن من أصاب مسلمة بزنا أو نكاح أو قطع الطريق على مسلم أو فتن مسلمًا عن دينه أو أعان المحاربين علينا فقد نقض عهده. قال الشافعي في رواية أبي عبد الرحمن البغدادي عنه: لم يختلف أهل السير، ابن إسحاق وابن عقبة وجماعة "أن بني قينقاع كان بينهم وبين رسول اللَّه -ﷺ- موادعة وعهد فأتت امرأة من الأنصار إلى صائغ منهم ليصوغ لها حليًّا وكانت اليهود معادية للأنصار، فلما جلست عند الصائغ عهد إلى بعض حدائده فشد به أسفل ذيلها (وجنبها) (١) وهي لا تشعر، فلما قامت المرأة وهي في سوقهم نظروا إليها متكشفة، فجعلوا يضحكون منها ويسخرون، فبلغ ذلك رسول اللَّه -ﷺ- فنابذهم وجعل ذلك منهم نقضًا للعهد. . . " وذكر حديث بني النضير وما صنع عمر في اليهودي الذي استكره المرأة فوطئها.
موسى بن عقبة، قال ابن شهاب حديث رسول اللَّه "حين خرج إلى بني النضير يستعينهم في عقل [الكلابيين] (٢) وخرج رسول اللَّه -ﷺ- في رجال من أصحابه إلى بني النضير يستعينهم في عقل الكلابيين وكانوا زعموا قد دسوا إلى قريش حين نزلوا بأحد في قتال رسول اللَّه -ﷺ- فحضوهم على القتال ودلوهم على العورة، فلما كلمهم رسول اللَّه في عقل الكلابيين قالوا: اجلس أبا القاسم حتى تطعم وترجع بحاجتك ونقوم فنتشاور ونصلح أمرنا فيما جئتنا له. فجلس رسول اللَّه -ﷺ- ومن معه من أصحابه في ظل جدار ينتظر أن يصلحوا أمرهم، فلما خلوا والشيطان معهم لا يفارقهم ائتمروا بقتل رسول اللَّه -ﷺ- فقالوا: لن تجدوه أقرب منه الآن فاستريحوا منه (فأمنوا) (٣) في دياركم ويرفع عنكم البلاء. فقال رجل: إن شئتم ظهرت فوق البيت ودليت عليه حجرًا فقتلته. فأوحى اللَّه إليه فأخبره بما ائتمروا به من شأنه فعصمه اللَّه فقام رسول اللَّه -ﷺ- كأنه يريد يقضي حاجة وترك أصحابه في مجلسهم وانتظره أعداء اللَّه فراث عليهم وأقبل رجل من أهل المدينة فسألوه عنه، فقال: لقيته قد دخل أزقة المدينة. فقالوا لأصحابه: عجل أبو القاسم أن (نقيم) (٤) أمرنا في حاجته التي جاء بها، ثم قام أصحاب رسول اللَّه فرجعوا ونزل القرآن، واللَّه أعلم بالذي جاء أعداء اللَّه، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
_________________
(١) في "هـ": وجيبها.
(٢) في "الأصل": الكلابين. والمثبت من "هـ".
(٣) في "هـ": تأمنوا.
(٤) في "هـ": يقيم.
[ ٧ / ٣٧٦٤ ]
اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) فلما أظهر اللَّه رسوله على ما أرادوا به وعلى خيانتهم للَّه ورسوله أكثر بإجلائهم وإخراجهم من ديارهم، وأمرهم أن يسيروا حيث شاءوا. . . " الحديث.
١٤٥٤٦ - جرير بن حازم، عن مجالد، عن الشعبي، عن سويد بن غفلة قال: "كنا مع عمر بالشام فأتاه نبطي مضروب مشجج مستعدى عليه، فغضب غضبًا شديدًا، فقال [لصهيب] (٢): انظر من صاحب هذا. فانطلق صهيب فإذا هو عوف بن مالك الأشجعي، فقال له: إن أمير المؤمنين قد غضب غضبًا شديدًا، فلو أتيت معاذ بن جبل فمشى معك إلى أمير المؤمنين فإني أخاف عليك بادرته، فجاء معه معاذ فلما انصرف عمر من الصلاة قال: أين صهيب؟ قال: أنا هذا يا أمير المؤمنين، قال: أجئت بالرجل الذي ضرب؟ قال: نعم. فقام إليه معاذ بن جبل فقال له: يا أمير المؤمنين، إنه عوف بن مالك فاسمع منه ولا تعجل عليه، فقال له عمر: ما لك ولهذا؟ ! قال: يا أمير المؤمنين، رأيته يسوق بامرأة مسلمة (فنخس) (٣) الحمار ليصرعها فلم تصرع ثم دفعها فخرت عن الحمار فغشيها، ففعلت ما ترى. قال: ائتني بالمرأة لتصدقك. فأتى عوف المرأة، فذكر الذي قال له عمر، قال أبوها وزوجها: ما أردت فضحتها؟ ! فقالت المرأة واللَّه لأذهبن معه إلى أمير المؤمنين. فلما أجمعت على ذلك قال أبوها وزوجها: نحن نبلغ عنك، فأتيا فصدقا عوفًا، فقال عمر لليهودي: ما على هذا عاهدناكم. فأمر به فصلب، ثم قال: يا أيها الناس، فوا بذمة محمدٍ -ﷺ- فمن فعل هذا فلا ذمة له، قال سويد: فإنه لأول مصلوب رأيته" تابعه ابن أشوع، عن الشعبي، عن عوف بن مالك.
_________________
(١) المائدة: ١١.
(٢) في "الأصل": لصاحب. والمثبت من "هـ".
(٣) في "الأصل": فنحس.
[ ٧ / ٣٧٦٥ ]
ويشترط عليهم أن لا يحدثوا في بلد لنا كنيسة ولا ناقوسًا ولا حمل خمر ولا إدخال خنزير ولا تهدم كنائسهم
١٤٥٤٧ - معمر، عن زيد بن رفيع، عن حرام بن معاوية قال: "كتب إلينا عمر بن الخطاب أن أدبوا الخيل، ولا يرفعن بين ظهرانيكم الصليب، ولا تجاورنكم الخنازير".
١٤٥٤٨ - سليمان التيمي، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كل مصر مصره المسلمون لا يبنى فيه بيعة ولا كنيسة، ولا يضرب فيه بناقوس، ولا يباع فيه لحم خنزير".
أسباط (د) (١) عن السدي، عن ابن عباس قال: "صالح رسول اللَّه -ﷺ- أهل نجران على ألفي حلة. . . " الحديث وفيه: "ولا تهدم لهم بيعة، ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنون عن دينهم ما لم يحدثوا حدثًا أو يأكلوا الربا".
معتمر، سمعت أبي يحدث، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "أيما مصر اتخذه العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة -أو قال: كنيسة- ولا يضربوا فيه بناقوس، ولا يدخلوا فيه خمرًا ولا خنزيرًا، وأيما مصرٍ اتخذه العجم فعلى العرب أن يفوا لهم بعهدهم فيه، ولا يكلفوهم ما لا طاقة لهم به".
الإمام يكتب كتاب الصلح على الجزية
١٤٥٤٩ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا علي بن محمد بن سختويه، نا يعقوب بن يوسف المطوعي، نا الربيع بن ثعلب، نا يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، عن سفيان والوليد بن روح (٢) والسري بن مصرف، عن طلحة بن مصرف، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غنم قال: "كتبت لعمر حين صالح أهل الشام: بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد اللَّه عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا: إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديرًا
_________________
(١) أبو داود (٣/ ١٦٧ رقم ٣٠٤١).
(٢) في "هـ": نوح.
[ ٧ / ٣٧٦٦ ]
ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها، ولا نحيي من كان منها في خطط المسلمين، وأن لا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار، ونوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ننزل من مر بنا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم، وأن لا نؤمن (١) في كنائسنا ولا منازلنا جاسوسًا ولا نكتم غشًّا للمسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نظهر شركًا، ولا ندعو إليه أحدًا، ولا نمنع أحدًا من قرابتنا الدخول في الإسلام إن أراده، وأن نوقر المسلمين، وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا جلوسًا، ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم من قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نتكنى بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئًا من السلاح ولا نحمله معنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا [نبيع] (٢) الخمور، وأن نجز مقاديم رءوسنا، وأن نلزم زيّنا حيثما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وأن لا نظهر صليبنا وكتبنا في شيء من طريق المسلمين ولا أسواقهم، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، وأن لا نضرب بناقوس في كنائسنا بين حضرة المسلمين، وأن لا نخرج سعانينًا ولا (باعوثًا) (٣)، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طريق المسلمين، ولا تجاورهم موتانا، ولا نتخذ من الرفيق ما جرى عليه سهام المسلمين، وأن نرشد المسلمين ولا نطلع عليهم في منازلهم، فلما أتيت عمر بالكتاب زاد فيه: وأن لا نضرب أحدًا من المسلمين - شرطنا لهم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا وقبلنا عنهم الأمان فإن نحن خالفنا شيئًا مما شرطناه لكم فضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا، وقد حل لكم منا ما يحل لكم من أهل المعاندة والشقاق".
قلت: يحيى بن عقبة، قال أبو حاتم: يفتعل الحديث. وقال النسائي وغيره: ليس بثقة.
ويشترط عليهم أن يفرقوا بين هيئتهم وهيئتنا
١٤٥٥٠ - الثوري، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن أسلم قال: "كتب عمر إلى أمراء الأجناد أن اختموا رقاب أهل الجزية في أعناقهم".
_________________
(١) كتب في الحاشية: نئوي.
(٢) في "الأصل": نبع. والمثبت من "هـ".
(٣) في "هـ": باعونا.
[ ٧ / ٣٧٦٧ ]
١٤٥٥١ - إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير" علقه البخاري (١) عنه وقد رواه حفص بن عبد اللَّه عنه.
ابن جريج (خ) (٢) أخبرني زياد أن ثابتًا مولى عبد الرحمن بن زيد أخبره، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير".
١٤٥٥٢ - روح (م) (٣) نا ابن جريج فأخبرني أبو الزبير سمع جابرًا يقول: "الماشيان إذا اجتمعا فأيهما بدأ بالسلام فهو أفضل".
١٤٥٥٣ - سفيان (خ م) (٤) عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا: "إنكم (لاقو) (٥) العدو غدًا فلا تبدءوهم بالسلام؛ فإن سلموا عليكم فقولوا: وعليكم".
١٤٥٥٤ - مالك (خ) (٦) عن ابن دينار، عن ابن عمر أن رسول اللَّه قال: "إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم إنما يقول: السام عليك، فقل: عليك".
١٤٥٥٥ - معمر (خ م) (٧) عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "دخل رهط من اليهود على رسول اللَّه -ﷺ- فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة، فقال: مهلًا يا عائشة، إن اللَّه يحبُّ الرفق في الأمر كله. فقلت: ألم تسمع ما قالوا؟ ! قال: فقد قلت: عليكم" قال أصحابنا: "هذه السنن لا يمكن استعمالها إلا بعد
_________________
(١) البخاري (١١/ ١٨ رقم ٦٢٣٤).
(٢) البخاري (١١/ ١٨ رقم ٦٢٣٤). وأخرجه مسلم (٤/ ١٧٠٣ رقم ٢١٦٠) [١]، وأبو داود (٤/ ٣٥١ رقم ٥١٩٩) كلاهما من فريق ابن جريج به.
(٣) أخرجه مسلم كما تقدم تخريجه في الحديث السابق من طريق روح عن ابن جريج بالإسناد السابق ولم يذكر فيه قول جابر: "الماشيان. . . " وراجع "هـ" (٩/ ٢٠٣).
(٤) البخاري (١٢/ ٢٩٣ رقم ٦٩٢٨)، ومسلم (٤/ ١٧٠٦ رقم ٢١٦٤) [٩]. قلت: وأخرجه النسائي في الكبرى (٦/ ١٠٢ رقم ١٠٢١١، ١٠٢١٢) من طريق سفيان به.
(٥) كذا في "الأصل"، وفي "هـ": لاقون.
(٦) البخاري (١٢/ ٢٩٣ رقم ٦٩٢٨).
(٧) البخاري (١١/ ١٩٧ رقم ٦٣٩٥)، ومسلم (٤/ ١٧٦ رقم ٢١٩٥) [٣]. وأخرجه النسائي في الكبرى (٦/ ١٠٣ رقم ١٠٢١٥) من طريق معمر به.
[ ٧ / ٣٧٦٨ ]
المعرفة، وليس كل أحد يعرفهم فلابد من غيار يتميزون به عن المسلمين".
١٤٥٥٦ - ابن وهب، حدثني عاصم بن حكيم، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبيه، عن عقبة بن عامر: "أنه مر برجل هيئته هيئة مسلم، فسلم فرد عليه عقبة وعليك ورحمة اللَّه وبركاته، فقال له الغلام: أتدري على من رددت؟ فقال: أليس برجلٍ مسلم؟ فقالوا: لا، ولكنه نصراني، فقام عقبة فتبعه حتى أدركه فقال: إن رحمة اللَّه وبركاته على المؤمنين؛ لكن أطال اللَّه حياتك وأكثر مالك" وروينا عن ابن عمر معناه في الابتداء بالسلام.
قلت: عاصم ثقة.
باب
١٤٥٥٧ - سهيل (م) (١) عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا لقيتم المشركين في الطريق فلا تبدءوهم بالسلام، واضطروهم إلى أضيقه". وفي لفظ (م) (١): "إذا لقيتموهم فلا تبدءوهم بالسلام، واضطروهم إلى أضيق الطرق" قال: هذا للنصارى في النعت، ونحن نراه للمشركين".
ولا يدخلوا مساجدنا بلا إذن
١٤٥٥٨ - أسباط بن نصر، عن سماك، عن عياض الأشعري، عن أبي موسى: "أن عمر أمره أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان لأبي موسى كاتب نصراني يرفع إليه ذلك، فعجب عمر وقال: إن هذا لحافظ. وقال: إن لنا كتابًا في المسجد وكان جاء من الشام فادعه فليقرأ. قال أبو موسى: إنه لا يستطيع أن يدخل المسجد، قال عمر: أجنب هو؟ قال: لا؛ بل نصراني. قال: فانتهرني وضرب فخذي وقال: أخرجه. وقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). . . " وذكر الحديث.
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٧٠٧ رقم ٢١٦٧) [١٣].
(٢) المائدة: ٥١.
[ ٧ / ٣٧٦٩ ]
وينصفون
١٤٥٥٩ - أشعث بن شعبة (د) (١) ثنا أرطاة بن المنذر، سمعت حكيم بن عمير أبا الأحوص يحدث، عن العرباض بن سارية قال: "كنا مع النبي -ﷺ- بخيبر ومعه من معه من أصحابه، وكان صاحب خيبر رجلًا ماردًا منكرًا فأقبل إلى النبي -ﷺ- فقال: يا محمد، ألكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمارنا وتضربوا نساءنا؟ فغضب النبي -ﷺ- وقال: يا ابن عوف، اركب فرسك ثم ناد: إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن، وأن اجتمعوا للصلاة. فاجتمعوا ثم صلى بهم، ثم قام فقال: أيحسب أحدكم متكئًا على أريكته قد يظن أن اللَّه لم يحرم شيئًا إلا ما في القرآن، ألا وإني واللَّه قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء وإنها لمثل القرآن وأكثر، وإن اللَّه لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم إذا [أعطوكم] (٢) الذي عليهم".
قلت: أشعث فيه ضعف.
١٤٥٦٠ - زائدة نا منصور (د) (٣) عن هلال بن يساف، عن رجل من ثقيف، عن رجل من جهينة، قال رسول اللَّه: "إنكم لعلكم تقاتلون قومًا وتظهرون عليهم فيعادونكم بأموالهم دون أنفسهم وأبنائهم وتصالحونهم على صلح فلا تصيبوا منهم فوق ذلك؛ فإنه لا يحل لكم" قال الثقفي: صحبت الجهني في سفر مكان من أعف الناس عن الأعداء". خرجه (د) من حديث أبي عوانة عن منصور.
١٤٥٦١ - ابن وهب، أخبرني أبو صخر المدني أن صفوان بن سليم أخبره، عن ثلاثين من أبناء الصحابة، عن آبائهم دنية، عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "ألا من ظلم معاهدًا وانتقصه وكلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة -وأشار رسول اللَّه -ﷺ-
_________________
(١) أبو داود (٣/ ١٧٠ رقم ٣٠٥٠).
(٢) في "الأصل": أعطوهم. والمثبت من "هـ".
(٣) أبو داود (٣/ ١٧٠ رقم ٣٠٥١).
[ ٧ / ٣٧٧٠ ]
بأصبعه إلى صدره- ألا ومن قتل معاهدًا له ذمة اللَّه وذمة رسوله حرم اللَّه [عليه] (١) ريح الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة سبعين خريفًا" (٢).
١٤٥٦٢ - أبو معاوية، وعبد الواحد بن زياد (خ) (٣) عن الحسن بن عمرو، عن مجاهد، عن عبد اللَّه بن عمرو قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من قتل معاهدًا بغير حق لم يرح رائحة الجنة وإنه لتوجد ريحها من مسيرة أربعين عامًا" وكذلك رواه عمرو بن عبد الغفار، عن حسن. ورواه مروان بن معاوية عنه فقال: عن مجاهد، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبد اللَّه بن عمرو وقال: "وإن ريحها لتوجد من كذا وكذا".
١٤٥٦٣ - الثوري، عن يونس، حدثني الحكم بن الأعرج، عن الأشعث بن ثرملة العجلي، عن أبي بكرة قال رسول اللَّه: "من قتل نفسًا معاهدة بغير حلها فقد حرم اللَّه عليه الجنة أن يشم ريحها" (٤).
قلت: أشعث وثقه ابن معين، وهذا إِسناد صالح.
ويرفق بهم في أخذ الجزية
١٤٥٦٤ - يونس (م) (٥) عن ابن شهاب، عن عروة: "أن هشام بن حكيم وجد رجلًا وهو على حمص يشمس ناسًا من النبط في أداء الجزية، فقال: ما هذا؟ ! إني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: إن اللَّه يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا".
١٤٥٦٥ - جعفر الأحمر، نا عبد المك بن عمير، أخبرني رجل من ثقيف قال: "استعملني علي على بُزرج سابور فقال: لا تضربن رجلًا سوطًا في جباية درهم ولا تبيعن لهم رزقًا ولا كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعتملون عليها ولا تقم رجلًا قائمًا في طلب درهم. قلت: يا أمير المؤمنين إذا أرجع إليك كما ذهبت من عندك. قال: وإن رجعت كما ذهبت ويحك إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو -يعني: الفضل". رواه يحيى بن آدم في الخراج عنه ثم قال:
_________________
(١) من "هـ".
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ١٧٠ رقم ٣٠٥٢) من طريق ابن وهب به.
(٣) البخاري (٦/ ٣١١ رقم ٣١٦٦). وأخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٩٦ رقم ٢٦٨٦) من طريق أبي معاوية به.
(٤) أخرجه النسائي في الكبرى (٥/ ٢٢٦ رقم ٨٧٤٣) من طريق يونس به.
(٥) مسلم (٤/ ٢٠١٨ رقم ٢٦١٣) [١١٩]. وأخرجه أبو داود (٣/ ١٦٩ رقم ٣٠٤٥)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٢٣٦ رقم ٨٧٧١) من طريق يونس به.
[ ٧ / ٣٧٧١ ]
١٤٥٦٦ - ونا ابن عيينة، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: "أن إبراهيم سأله: ما في أموال أهل الذمة؟ قال: العفو -يعني: الفضل".
ولا يؤخذ في الجزية خمر ولا خنزير
١٤٥٦٧ - إبراهيم بن بشار، نا سفيان، عن عبد المك بن عمير، عمن سمع ابن عباس يقول: "دخلت على عمر وهو يقلب يده هكذا فقلت له: مالك يا أمير المؤمنين؟ قال: عويمل لنا بالعراق خلط في فيء المسلمين أثمان الخمر وأثمان الخنازير، ألم يعلم أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: لعن اللَّه اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم أن يأكلوها فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها؟ قال سفيان: يقول: لا تأخذوا في جزيتهم الخمر والخنازير، ولكن خلوا بينهم وبين بيعها؛ فإذا باعوها فخذوا أثمانها في جزيتهم".
الوصاة بأهل الذمة
١٤٥٦٨ - حرملة بن عمران (م) (١) عن عبد الرحمن بن شماسة، سمعت أبا ذر يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرًا؛ فإن لهم ذمة ورحمًا، فإذا رأيتم رجلين يقتتلان على موضع لبنة فأخرج منها. قال: فمر بربيعة وعبد الرحمن ابن شرحبيل بن حسنة يتنازعان في موضع لبنة فخرج منها".
١٤٥٦٩ - شعبة (خ) (٢) نا أبو جمرة، سمعت جويرية بن قدامة التميمي يقول: "حججت فأتيت المدينة فسمعت عمر يخطب فقال: إني رأيت ديكًا نقرني نقرة أو نقرتين، قال: فما كانت إلا جمعة أو نحو ذلك حتى أصيب، ثم أذن لأصحاب النبي -ﷺ- ثم أذن لأهل المدينة ثم أذن لأهل الشام ثم أذن لأهل العراق فكنا في آخر من دخل فإذا عمامة سوداء -أو برد أسود- قد عصب على طعنته وإذا الدم يسيل، فقلنا: أوصنا يا أمير المؤمنين، قال: أوصيكم بكتاب اللَّه فإنكم لن تضلوا ما اتبعتموه، وأوصيكم بالمهاجرين فإن الناس يكثرون ويقلون، وأوصيكم بالأنصار فإنهم شعب الإسلام الذي نجا إليه، وأوصيكم بالأعراب فإنهم أصلكم
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٩٧٠ رقم ٢٥٤٣) [٢٢٦].
(٢) البخاري (٦/ ٣٠٨ رقم ٣١٦٢) مختصرًا.
[ ٧ / ٣٧٧٢ ]
ومادتكم -وقال مرة أخرى: فإنهم إخوانكم وعدو عدوكم- وأوصيكم بذمة اللَّه فإنهم ذمة نبيكم -ﷺ- ورزق عيالكم، ثم قال: قوموا عني".
أبو بكر بن عياش (خ) (١) عن حصين، عن عمرو بن ميمون، عن عمر أنه قال: "أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا أن يوفي لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم".
ولا يقرب المسجد الحرام مشرك للآية
١٤٥٧٠ - الزهري (خ) (٢) عن حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: "بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك وأن لا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر وإنما قيل: الحج الأكبر من أجل قول الناس. الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج في العام القابل الذي حج فيه رسول اللَّه -ﷺ- حجة الوداع مشرك، وأنزل اللَّه في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٣). . . " الحديث.
١٤٥٧١ - زهير، ثنا أبو إسحاق، عن [زيد] (٤) بن يثيع، عن علي قال: "أرسلت إلى أهل مكة بأربع: لا يطوفن بالكعبة عريان، ولا يقربن المسجد الحرام مشرك بعد عامه، ولا يدخل الجنه إلا نفس مؤمنة، ومن كان له عند رسول اللَّه -ﷺ- عهد فعهده إلى مدته" رواه ابن عيينة، عن أبي إسحاق لكن قال: "ولا يجتمع مسلم ومشرك بعد عامهم هذا في الحج، ومن لم يكن له عهد فأربعة أشهر".
_________________
(١) البخاري (٨/ ٤٩٩ رقم ٤٨٨٨). وأخرجه النسائي في الكبرى (٦/ ٤٨٥ رقم ١١٥٨١) من طريق حصين به.
(٢) البخاري (٦/ ٣٢٢ رقم ٣١٧٧). وأخرجه مسلم (٢/ ٩٨٢ رقم ١٣٤٧) [٤٣٥]، وأبو داود (٢/ ١٩٥ رقم ١٩٤٦)، والنسائي (٥/ ٢٣٤ رقم ٢٩٥٧) من طريق الزهري به.
(٣) التوبة: ٢٨.
(٤) في "الأصل": يزيد. وضبب عليها. والمثبت من "هـ". ويزيد بن يثيع من رجال التهذيب.
[ ٧ / ٣٧٧٣ ]
ويطرد المشرك من الحجاز
١٤٥٧٢ - نا أبو أحمد -هو مرار الهمذاني- (خ) (١) ثنا محمد بن يحيى الكناني أبو غسان، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: "لما فدعت بخيبر قام عمر خطيبًا فقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- عامل يهود خيبر على أموالها وقال: نقركم ما أقركم اللَّه وإن عبد اللَّه خرج إلى ماله هناك فعدي عليه من الليل ففدعت يداه وليس لنا هناك عدو غيرهم وهم تهمتنا وقد رأيت إجلاءهم فلما أجمع على ذلك أتاه أحد بني أبي الحقيق فقال: يا أمير المؤمنين، تخرجنا وقد أقرنا محمد وعاملنا على الأموال وشرط ذلك لنا؟ فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول اللَّه -ﷺ-؟ كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة فأجلاهم وأعطاهم قيمة مالهم من الثمر مالًا وإبلًا وعروضًا من أقتاب وحبال وغير ذلك".
فضيل بن سليمان (خ) (٢) نا موسى بن عقبة، أخبرني نافع، عن ابن عمر "أن عمر أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وكان رسول اللَّه لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض إذا ظهر عليها للَّه ولرسوله وللمسلمين، فسأل اليهود رسول اللَّه -ﷺ- أن يقرهم بها على أن يكفوا العمل لهم نصف الثمر فقال: أقركم على ذلك ما شئنا فأقروا بها. وأجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء وأريحا".
١٤٥٧٣ - ابن عيينة (خ م) (٣) عن سليمان بن أبي مسلم، سمعت سعيد بن جبير، سمعت ابن عباس يقول: "يوم الخميس وما يوم الخميس. ثم بكى ثم قال: اشتد وجع رسول اللَّه -ﷺ- فقال: ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده أبدًا فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع. فقال: ذروني؛ فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه. فقال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحوٍ مما كنت أجيزهم. والثالثة نسيتها".
_________________
(١) البخاري (٥/ ٣٨٥ رقم ٢٧٣٠). وأخرجه أبو داود (٣/ ١٥٧ رقم ٣٠٠٧) مختصرًا من طريق ابن إسحاق عن نافع به.
(٢) البخاري (٦/ ٢٩٠ رقم ٣١٥٢). وأخرجه مسلم (٣/ ١١٨٧ رقم ١٥٥١) [٦] من طريق موسى بن عقبة به.
(٣) البخاري (٦/ ١٩٦ رقم ٣٠٥٣)، ومسلم (٣/ ١٢٥٧ رقم ١٦٣٧) [٢٠]. وأخرجه أبو داود (٣/ ١٦٥ رقم ٣٠٢٩) ببعضه، والنسائي في الكبرى (٣/ ٤٣٤ رقم ٥٨٥٤) كلاهما من طريق سفيان به.
[ ٧ / ٣٧٧٤ ]
١٤٥٧٤ - الثوري (م) (١) عن أبي الزبير، عن جابر أن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أترك فيها إلا مسلمًا".
١٤٥٧٥ - يحيى القطان، عن إبراهيم بن ميمون، نا (سعيد) (٢) بن سمرة بن جندب، عن أبيه، عن أبي عبيدة بن الجراح قال: "آخر ما تكلم به رسول اللَّه -ﷺ- قال: أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شر الناس الذين اتخذوا قبورهم مساجد".
قلت: إسناده صالح.
١٤٥٧٦ - مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم سمع عمر بن عبد العزيز يقول: "بلغني أنه كان من أخرى ما تكلم به رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: قاتل اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين دينان بأرض العرب".
١٤٥٧٧ - مالك، عن ابن شهاب (٣) أن رسول اللَّه قال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب، قال مالك: قال ابن شهاب: ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى أتاه الثلج واليقين عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب. فأجلى يهود خيبر، قال مالك: وأجلي يهود (٤) نجران وفدك".
١٤٥٧٨ - قابوس بن أبي ظبيان (د) (٥) عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعًا: "لا يكون قبلتان في بلد واحد" ورويناه عن أبي كدينة، عن قابوس ولفظه: "لا يجتمع قبلتان في جزيرة العرب".
قلت: قابوس لين.
قال المؤلف: وأجلى رسول اللَّه يهود بني النضير ثم يهود المدينة. أخبرني الحاكم أخبرني أبو السري محمد بن أحمد بن حامد بالطابران، ثنا أحمد بن داود الحنظلي، ثنا سويد بن سعيد، نا حفص بن ميسرة.
١٤٥٧٩ - عن موسى بن عقبة (خ م) (٦) عن نافع عن ابن عمر "أن يهود بني النضير
_________________
(١) مسلم (٣/ ١٣٨٨ رقم ١٧٦٧) [٦٣]. وأخرجه أبو داود (٣/ ١٦٥ رقم ٣٠٣١)، والترمذي (٤/ ١٣٣ - ١٣٤ رقم ١٦٠٦)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٢١٠ رقم ٨٦٨٦) كلهم من طريق الثوري به.
(٢) في "هـ": سعد. انظر تعجيل المنفعة.
(٣) ضبب عليها المصنف للانقطاع.
(٤) كتب في الحاشية: نصارى.
(٥) أبو داود (٣/ ١٦٥ رقم ٣٠٣٢). وأخرجه الترمذي (٣/ ٢٧ رقم ٦٣٣) من طريق قابوس به، وتقدم.
(٦) تقدم قريبًا في أول الباب.
[ ٧ / ٣٧٧٥ ]
وقريظة حاربوا رسول اللَّه -ﷺ- فأجلى بني النضير وأقر قريظة. . . " الحديث، وفيه: "وأجلى يهود المدينة كلهم بني قينقاع وهم قوم عبد اللَّه بن سلام وبني حارثة وكل يهودي كان بالمدينة، وكان اليهود والنصارى ومن سواهم من الكفار لا يقرون فيها فوق ثلاثة أيام على عهد عمر، ولا أدري أكان عمر يفعل ذلك بهم أم لا".
قلت: صدر الحديث في الصحيحين.
١٤٥٨٠ - الليث (خ م) (١) حدثني المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: "بينما نحن جلوس في المسجد إذ خرج إلينا رسول اللَّه فقال: انطلقوا إلى يهود. فخرجنا معه حتى جئنا إلى بيت المدارس، فقام رسول اللَّه -ﷺ- فناداهم فقال: يا معشر يهود، أسلموا تسلموا. قالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال لهم: ذلك أريد، أسلموا تسلموا. قالوا: قد بلغت يا أبا القاسم. فقال لهم: ذلك أريد. ثم قالها الثالثة وقال: اعلموا أن الأرض للَّه ولرسوله وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن وجد منكم شيئًا من ماله فليبعه وإلا فاعلموا أنما الأرض للَّه ولرسوله".
حد الحجاز وهو جزيرة العرب
قال سعيد بن عبد العزيز (د) (٢): جزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصي اليمن إلى تخوم العراق إلى البحر. وقال أبو عبيدٍ: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن، وأما العرض فما بين رمل يَبْرين إلى منقطع السماوة. ثم قال: وقال الأصمعي: جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطرار الشام. وقال أبو عبد الرحمن المقرئ: هي من لدن القادسية إلى قعر عدن إلى البحرين.
١٤٥٨١ - أشهب (د) (٣) قال مالك: "أجلى عمر أهل نجران ولم يجلوا من تيماء؛ لأنها ليست من بلاد العرب فأما الوادي فإني أرى أنما لا يجلى من فيها من اليهود أنهم لم يروها من أرض العرب". قال الشافعي: وإن سأل من يؤخذ منه الجزية أن يعطيها ويجري عليه الحكم على أن يسكن الحجاز لم يكن ذلك له والحجاز مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها كلها ولم أعلم أحدًا أجلى ذميا من اليمن وليست اليمن بحجاز فلا يجليهم أحد من اليمن ولا بأس
_________________
(١) البخاري (٦/ ٣١٢ رقم ٣١٦٧)، ومسلم (٣/ ١٣٨٧ رقم ١٧٦٥) [٦١]. وأخرجه أبو داود (٣/ ١٥٤ رقم ٣٠٠٣)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٢١٠ رقم ٨٦٨٧) كلاهما من طريق الليث به.
(٢) أبو داود (٣/ ١٦٦ رقم ٣٠٣٣).
(٣) أبو داود (٣/ ١٦٣ رقم ٣٠٣٣).
[ ٧ / ٣٧٧٦ ]
بمصالحتهم على إقامتهم بها. قال المؤلف: قد جعلوا اليمن من أرض العرب والجلاء وقع على أهل نجران وذمة أهل الحجاز دون أهل ذمة اليمن؛ لأنها ليست بحجاز لا لأنهم لم يروها في أرض العرب، وفي الحديث تخصيص وفي خبر أبي عبيدة كالدليل على موضع الخصوص.
١٤٥٨٢ - الواقدي، حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "خرجنا مع رسول اللَّه من خيبر إلى وادي القري. . . " الحديث، وفيه: "فأقام رسول اللَّه بوادي القرى أربعة أيام وقسم ما أصاب على أصحابه بوادي القري وترك الأرض والنخل بأيدي يهود وعاملهم عليها، فلما كان عمر أخرج يهود خيبر وفدك و[لم] (١) يخرج أهل تيماء ووادي القرى؛ لأنهما داخلتان في أرض الشام، ونرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز وأن ما وراء ذلك من الشام". قال المؤلف: هذا أظنه من كلام الواقدي.
عبد العزيز بن يحيى، سمعت مالكًا يقول: "جزيرة العرب المدينه ومكه واليمن، فأما مصر فمن المغرب، والشام فمن الروم، والعراق من بلاد فارس".
الرخصة في إقامة الذمي بالحجاز إذا مر ثلاث ليال
١٤٥٨٣ - مالك، عن نافع، عن أسلم "أن عمر ضرب اليهود والنصارى والمجوس بالمدينة إقامة ثلاث ليال يتسوقون بها ويقضون حوائجهم ولا يقيم أحد منهم فوق ثلاث".
أخذ العشور من جلابة الذمة في العام
١٤٥٨٤ - ابن عيينة، عن هشام، عن أنس بن سيرين قال: "بعثني أنس بن مالك على العشور فقلت: تبعثني على العشور من بين عملك (٢) فقال: ألا ترضى أن أؤهلك على ما جعلني عليه عمر أمرني أن أجد من المسلمين ربع العشر ومن أهل الذمة نصف العشر وممن لا ذمه له العشر. ابن عون، عن أنس بن سيرين قال: أرسل إلى أنس فأبطأت عليه ثم أرسل إلى فأتيته فقال: إن كنت لأرى أني لو أمرتك أن تعض على حجر كذا وكذا ابتغاء مرضاتي لفعلت، اخترت لك خير عمل فكرهته إني أكتب لك سنة عمر، قلت: فاكتب لي سنة عمر. قال: فكتب: من المسلمين من كل أربعين درهمًا درهم، ومن أهل الذمة من كل عشرين درهمًا درهم، وممن لا ذمه له من كل عشرة دراهم درهم. قلت: من لا ذمة له؟ قال: الروم كانوا يقدمون الشام".
_________________
(١) في "الأصل": من. والمثبت من "هـ".
(٢) في "هـ": غلمك. وقال معلقه: كذا ولعله: غلمتك.
[ ٧ / ٣٧٧٧ ]
المقرئ، نا أبو حنيفة، عن الهيثم الصيرفي، عن أنس بن سيرين قال: "جعل عمر أنس بن مالك على صدقة البصرة، فقال لي أنس بن مالك: أبعثك على ما بعثني عليه عمر، فقلت: لا أعمك لك حتى تكتب لي عهد عمر الذي عهد إليك. فكتب لي أن خذ من أموال المسلمين ربع العشر ومن أموال أهل الذمة إذا اختلفوا بها للتجارة نصف العشر ومن أموال أهل الحرب العشر".
١٤٥٨٥ - مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه "أن عمر كان يأخذ من النبط من الحنطة والزيت نصف العشر يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة ويأخذ من القطنية العشر".
١٤٥٨٦ - مالك، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، قال: "كنت عاملًا مع عبد اللَّه ابن عتبة على سوق المدينة زمن عمر وكان يأخذ من النبط العشر".
١٤٥٨٧ - مالك "أنه سأل ابن شهاب: على أي وجه أخذ عمر من النبط العشر؟ فقال: كان ذلك يؤخذ منهم في الجاهلية فألزمهم ذلك عمر".
١٤٥٨٨ - معمر، عن الزهري، عن السائب قال: "كنت أعاشر مع ابن عتبة زمان عمر فكان يأخذ من أهل الذمة أنصاف عشور أموالهم فيما تجروا فيه".
١٤٥٨٩ - يحيى بن آدم، نا قيس، عن عاصم الأحول، عن الحسن قال: "كتب أبو موسى إلى عمر: أن تجار المسلمين إذا دخلوا دار الحرب أخذوا منهم العشر. فكتب إليه عمر: خذ منهم إذا دخلوا إلينا مثل ذلك العشر، وخذ من تجار أهل الذمة نصف العشر، ومن المسلمين من مائتين خمسة وما زاد فمن كل أربعين درهمًا درهمًا".
١٤٥٩٠ - يحيى، ونا قيس، عن مغلس، عن مقاتل بن حيان، عن أبي مجلز، عن زياد ابن حدير قال: "كتبت إلى عمر في أناس من أهل الحرب يدخلون أرضنا أرض أهل الإسلام فيقيمون فكتب إليَّ: إن أقاموا سنة أشهر فخذ منهم العشر وإن أقاموا سنة فخذ منهم نصف العشر".
الثوري، عن خالد بن عبد اللَّه بن العبسي، عن عبد اللَّه بن معقل، عن زياد بن حدير قال: "ما كنا نعشر مسلمًا ولا معاهدًا، قلت: فمن كنتم تعشرون؟ قال: تجار أهل الحرب كما يعشرونا إذا أتيناهم".
١٤٥٩١ - أبو بكر بن عياش، عن نصير، عن عطاء بن السائب، عن حرب ابن عبيد اللَّه، عن أبيه، عن أبي (جده) (١) قال رسول اللَّه: "ليس على المسلمين عشور إنما العشور على اليهود والنصارى" ورواه البخاري في تاريخه دون ذكر أبيه.
_________________
(١) في "هـ": حمدة.
[ ٧ / ٣٧٧٨ ]
١٤٥٩٢ - أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن زياد بن حدير قال: "كنت أعشر بني تغلب كلما أقبلوا وأدبروا، فانطلق شيخ منهم إلى عمر فقال: إن زيادًا يعشرنا كلما أقبلنا وأدبرنا! فقال: تكفى ذلك. ثم أتاه الشيخ بعد ذلك وعمر في جماعة فقال: يا أمير المؤمنين، أنا الشيخ النصراني. فقال: عمر وأنا الشيخ الحنيف، قد كفيت. قال وكتب إليَّ أن لا يعشرهم في السنة إلا مرة".
١٤٥٩٣ - مالك، عن يحيى بن سعيد، عن رزيق بن حيان "أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه ومن مر بك من أهل الذمة فخذ مما يديرون من التجارات من أموالهم من كل عشرين دينارًا دينارًا؛ فما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرة دنانير، فإن نقصت ثلث دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئًا واكتب لهم بما تأخذ منهم كتابًا إلى مثله من الحول".
السنة أن لا تقتل الرسل
١٤٥٩٤ - ابن إسحاق (د) (١) حدثني سعد بن طارق، عن سلمة بن نعيم بن مسعود، عن أبيه "سمعت رسول اللَّه -ﷺ- حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه ورسول اللَّه يقول لهما: وأنتما تقولان مثل ما يقول، فقالا: نعم، فقال: أما واللَّه لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما".
١٤٥٩٥ - الثوري (د) (٢) عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب "أنه أتى ابن مسعود فقال: ما بيني وبين أحد من العرب حنة وإني مررت بمسجد بني حنيفة فإذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبد اللَّه فجيء بهم فاستتابهم غير ابن النواحة، قال له: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: لولا أنك رسول لضربت عنقك فأنت اليوم لست برسول فأمر قرظة بن كعب فضرب عنقه في السوق ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلًا بالسوق".
الثوري، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، عن رسول اللَّه -ﷺ-: "أنه قال لابن النواحة: لولا أنك رسول لقتلتك".
المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه قال: "مضت السنة أن لا تقتل الرسل".
الحربي ومن عليه حد يأوي إلى الحرم
١٤٥٩٦ - مالك (خ م) (٣) عن ابن شهاب، عن أنس "أن النبي -ﷺ- دخل مكة عام الفتح
_________________
(١) أبو داود (٣/ ٨٣ رقم ٢٧٦١).
(٢) أبو داود (٣/ ٨٤ رقم ٢٧٦٢). وأخرجه النسائي في الكبرى (٥/ ٢٠٥ رقم ٨٦٧٥) من طريق الأعمش، عن أبي إسحاق بنحوه.
(٣) البخاري (٦/ ١٩١ رقم ٣٠٤٤)، ومسلم (٢/ ٩٨٩ رقم ١٣٥٧) [٤٥٠]. وأخرجه أبو داود (٣/ ٦٠ رقم ٢٦٨٣)، والترمذي (٤/ ١٧٤ رقم ١٦٩٣)، والنسائي (٥/ ٢٠٠ رقم ٢٨٦٧)، وابن ماجه (٢/ ٩٣٨ رقم ٢٨٠٥) كلهم من طريق مالك به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
[ ٧ / ٣٧٧٩ ]
وعلى رأسه مغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل معلق بأستار الكعبة. فقال: اقتلوه".
١٤٥٩٧ - أسباط (د س) (١) عن السدي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: "لما كان يوم الفتح آمن رسول اللَّه الناس إلا أربعة نفرٍ وامرأتين وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبدَ اللَّه بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح".
١٤٥٩٨ - زيد بن الحباب (د) (٢) ثنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن المخزومي، حدثني أبي، عن جده سعيد بن يربوع "أن رسول اللَّه -ﷺ- قال يوم فتح مكة: أربعة لا أؤمنهم في حل ولا حرم الحويرث بن نقيد ومقيس وهلال بن خطل وعبد اللَّه بن أبي سرح. فأما الحويرث فقتله علي، وأما قيس فقتله ابن عم له لحًا، وأما هلال بن خطل فقتله الزبير، وأما عبد اللَّه بن سعد فاستأمن له عثمان وكان أخاه من الرضاعة وقينتين كانت لمقيس تغنيان بهجاء رسول اللَّه قتلت إحداهما وأفلتت الأخرى فأسلمت".
قلت: عند أبي داود: نا عمر، حدثني جدي، عن أبيه.
١٤٥٩٩ - الليث (خ م) (٣) عن المقبري، عن أبي شريح "أنه قال لعمرو بن سعيد -وهو يبعث البعوث إلى مكة-: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولًا قام به رسول اللَّه -ﷺ- الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به حمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: إن مكة حرمها اللَّه ولم يحرمها الناس؛ فلا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم [الآخر] (٤) أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرة؛ فإن أحد ترخص لقتال رسول اللَّه -ﷺ- فقولوا: إن اللَّه قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلغ الشاهد الغائب. فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بدم ولا فارًا بخربة". قال الشافعي: معناه أنها لم
_________________
(١) أبو داود (٣/ ٥٩ رقم ٢٦٨٣)، والنسائي (٧/ ١٠٥ رقم ٤٠٦٧).
(٢) أبو داود (٣/ ٥٩ رقم ٢٦٨٤).
(٣) تقدم.
(٤) من "هـ".
[ ٧ / ٣٧٨٠ ]
تحلل أن ينصب عليها الحرب حتى تكون كغيرها فقد أمر النبي -ﷺ- عندما قتل عاصم بن ثابت وخبيب بقتل أبي سفيان في دار بمكة غيلة إن قدر عليه، وهذا في الوقت الذي كانت فيه محرمة فدل على أنها لا تمنع أحدًا من شيء وجب عليه وأنها إنما تمنع من أن ينصب عليها الحراب كما ينصب على غيرها.
١٤٦٠٠ - الواقدي، حدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، والواقدي، ثنا عبد اللَّه بن أبي عبيدة، عن جعفر بن عمرو بن أمية. ونا عبد اللَّه بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عون وزاد بعضهم على بعض فذكر قصة في بعث أبي سفيان: "من يقتل محمدًا -ﷺ- غيلة وأن اللَّه أطلع عليه نبيه وأسلم الرجل، فقال رسول اللَّه -ﷺ- لعمرو بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم ابن حريش: أخرجا حتى تأتيا أبا سفيان؛ فإن أصبتماه غرة فاقتلاه. . ." ثم ذكر قصة في رؤية معاوية عمرًا وإخباره إياه بذلك وأن عمرًا وسلمة أسندا في الجبل وتغيبا في غار ثم خرج عمرو فقتل عبد اللَّه بن مالك ابن أخي طلحة بن عبيد اللَّه وجاء إلى خبيب وهو مصلوب فأنزله وأهال عليه التراب.
قلت: إسناده منقطع والواقدي هالك.
١٤٦٠١ - زكريا (ت) (١) عن الشعبي، عن الحارث بن مالك بن برصاء قال: "قال رسول اللَّه -﵇- يوم فتح مكة: لا تغزى بعدها إلى يوم القيامة".
قلت: صححاه (ت) (٢).
١٤٦٠٢ - معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "من قتل أو سرق في الحل ثم دخل الحرم فإنه لا يجاس ولا يكلم ولا يؤذي ويناشد حتى يخرج؛ فإذا خرج أقيم عليه ما أصاب فإن قتل أو سرق في الحل ثم أدخل الحرم فأرادوا أن يقيموا عليه الحد أخرجوه من الحرم إلى الحل، وإن قتل أو سرق في الحرم أقيم عليه في الحرم". قال المؤلف: تركنا رأي ابن عباس بالظواهر التي وردت في إقامة الحدود دون تخصيص الحرم بتركها فيه من صاحب الشريعة.
_________________
(١) الترمذي (٤/ ١٣٦ رقم ١٦١١).
(٢) وفي النسخة المطبوعة: هذا حديث حسن صحيح. . إلخ
[ ٧ / ٣٧٨١ ]
هدية المشرك للإمام
١٤٦٠٣ - عبد الوهاب الخفاف، ثنا سعيد (خـ) (١) عن قتادة، عن أنس "أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي -ﷺ- جبة فلبسها". علقه (خ).
١٤٦٠٤ - معتمر (خ م) (٢) نا أبي، عن أبي عثمان أنه حدث، عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: "كنا مع النبي -ﷺ- ثلاثين ومائة فقال النبي -ﷺ-: هل مع أحد منكم طعام؟ فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن، ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها فقال: أبيع أم عطية -أو قال: أم هبة-؟ فقال: بل بيع. قال: فاشترى منها شاة فصنعت فأمر رسول اللَّه -ﷺ- بسواد البطن أن يشوى، وايم اللَّه ما من الثلاثين ومائة إلا قد حز له رسول اللَّه حزّة من سواد بطنها إن كان شاهدًا أعطاه، وإن كان غائبًا خبأ له. قال: وجعل منها قصعتين فأكلنا أجمعون وشبعنا، وفضل في القصعتين فحملناه على البعير - أو كما قال".
١٤٦٠٥ - وهيب (خ م) (٣) عن عمرو بن يحيى، عن العباس الساعدي، عن أبي حميد الساعدي قال: "سافرت مع رسول اللَّه -ﷺ- إلى تبوك. . ." فذكر الحديث، وفيه: "وأهدى ملك أيلة إلى رسول اللَّه بغلة بيضاء فكساه النبي -ﷺ- بردة وكتب له ببحرهم".
١٤٦٠٦ - معاوية بن سلام (د) (٤) عن زيد أنه سمع أبا سلام قال: حدثني عبد اللَّه الهوزني قال: "لقيت بلال مؤذن رسول اللَّه -ﷺ- فقلت: يا بلال. حدثني حصيف كانت نفقة رسول اللَّه -ﷺ-. . . " فذكر الحديث وفيه: "فإذا إنسان يسعى يدعو: يا بلال، أجب رسول اللَّه -ﷺ- فانطلقت حتى أتيته فإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن فاستأذنت، فقال لي
_________________
(١) البخاري (٥/ ٢٧٢ رقم ٢٦١٦).
(٢) البخاري (٥/ ٢٧٢ رقم ٢٦١٨)، ومسلم (٣/ ١٦٢٦ رقم ٢٠٥٦) [١٧٥].
(٣) البخاري (٦/ ٣٠٨ رقم ٣١٦١)، ومسلم (٤/ ١٧٨٦ رقم ١٣٩٢) [١٢]. وأخرج أبو داود (٣/ ١٧٩ رقم ٣٠٧٩) من طريق وهيب به.
(٤) أبو داود (٣/ ١٧١ رقم ٣٠٥٥).
[ ٧ / ٣٧٨٢ ]
رسول اللَّه: أبشر، فقد جاءك اللَّه بقضائك". ثم قال: ألم تر إلى الركائب المناخات الأربع؟ فقلت: بلى، فقال: إن لك رقابهن وما عليهن فإن عليهن كسوة وطعامًا أهداهن إليّ عظيم فدك فاقبضهن واقض دينك. ففعلت.
١٤٦٠٧ - إسرائيل، عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، عن علي قال: "أهدى كسرى إلى رسول اللَّه فقبل منه، وأهدى قيصر إليه فقبل منه، وأهدت له الملوك فقبل منهم".
قلت: ثوير واه.
وقال الشافعي في القديم: "أهدى أبو سفيان إلى رسول اللَّه أدمًا فقبل منه، وأهدى إليه صاحب الإسكندرية مارية أم إبراهيم فقبلها، وغيرهما قد أهدى إليه ولم يجعل ذلك بين المسلمين".
١٤٦٠٨ - عمران القطان، عن قتادة، عن يزيد بن عبد اللَّه، عن عياض بن حمار قال: "أهديت إلى رسول اللَّه -ﷺ- ناقة أو هدية، فقال: أسلمت؟ قلت: لا. فقال: "إني نهيت عن زبْدِ المشركين" (١).
حماد بن زيد، نا أبو التياح، نا الحسن، عن عياض: "أهديت إلى رسول اللَّه فقال لي: أسلمت؟ فقلت: لا. فأبى أن يقبلها وقال: إنا لا نقبل زبْد المشركين. قلت للحسن: ما زبْد المشركين؟ قال: رِفدهم".
قال المؤلف: يحتمل رده هديته التنزيه، وقد يَغيظه برد هديته فيحمله ذلك على الإسلام، وأحاديث القبول أثبت.
نصاري العرب تضعّف عليهم الصدقة
١٤٦٠٩ - أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق الشيباني، عن السفاح، عن داود بن كردوس، قال: "صالح عمر بني تغلب على أن يضاعف عليهم الصدقة ولا يمنعوا أحدًا منهم أن يسلم وأن لا يغمسوا أولادهم" ورواه أبو معاوية، عن الشيباني ولفظه: "صالح بني تغلب على أن لا يَصْبَغوا في دينهم شيئًا، وعلى أن عليهم الصدقة مضاعفة، وعلى أن لا يُكرَهوا على دين غير دينهم فكان داود يقول: ما لبني تغلب ذمّة قد صبغوا".
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ١٧٣ رقم ٣٠٥٧)، والترمذي (٤/ ١١٩ رقم ١٥٧٧) من طريق عمران القطان به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
[ ٧ / ٣٧٨٣ ]
عبد السلام بن حرب، عن الشيباني، عن السفاح، عن داود بن كردوس، عن عبادة بن النعمان التغلبي "أنه قال لعمر: إن بني تغلب من قد علمتَ شوكتهم وإنهم بإزاء العدو فإن ظاهروا عليك العدو اشتدت مؤنتهم، فإن رأيت أن تعطيهم شيئًا فافعل. قال: فصالحهم على أن لا يغمسوا أحدًا من أولادهم في النصرانية وتضاعف عليهم الصدقة. فكان عبادة يقول: قد فعلوا فلا عهد لهم".
قال الشافعي عقيبه: هكذا حفظ أهل المغازي وساقوه أحسن من هذا السياق "فقالوا: رامهم على الجزية فقالوا: نحن عرب لا نؤدي ما تؤدي العجم، ولكن خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض. يعنون: الصدقة - فقال عمر: لا، هذا فرض على المسلمين فقالوا: فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية. ففعل فتراضى هو وهم على أن ضعّف عليهم الصدقة".
ذبيحة نصارى تغلِبَ
١٤٦١٠ - الشافعي، أنا إبراهيم (١) بن محمد، عن عبد اللَّه بن دينار، عن سعد الجاري أو عبد اللَّه بن سعد مولى عمر أن عمر قال: "ما نصارى العرب بأهل كتاب، وما يحل لنا ذبائحهم، وما أنا بتاركهم حتى يسلموا أو نضرب أعناقهم".
قال الشافعي: إنما تركنا أن نجبرهم على الإسلام أو نضرب أعناقهم؛ لأن رسول اللَّه -ﷺ- أخذ الجزية من نصارى العرب وأن عمر وعثمان وعليًّا أقروهم. وإن كان عمر قال هذا، وكذلك لا يحل لنا نكاح نسائهم؛ لأن اللَّه إنما أحل لنا من أهل الكتاب الذين عليهم نُزِّل.
١٤٦١١ - أيوب، عن محمد، عن عَبيدة قال علي: "لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب؛ فإنهم لم يتمسكوا من نصرانيتهم -أو من دينهم- إلا بشرب الخمر".
عثمان بن عمر، أنا هشام، عن محمد، عن عَبيدة: "سألت عليًّا عن ذبائح نصارى بني تغلب، قال: لا تأكلوه "فإنهم لم يتعلقوا عن دينهم بشيء إلا بشرب الخمر".
١٤٦١٢ - شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن زياد بن حُدير قال: قال علي: "لئن بقيت لنصارى بني تغلب لأقتلنّ المقاتلة ولأسبين الذرية؛ فإني كتبت الكتاب بين النبي -ﷺ- وبينهم على أن لا ينصِّروا أبناءهم".
قلت: إبراهيم صدوق حديثه حسن.
_________________
(١) كتب بالحاشية: إبراهيم ضعيف.
[ ٧ / ٣٧٨٤ ]
١٤٦١٣ - جبارة بن المغلس، حدثني عبد الحميد بن بهرام، حدثني شهر، حدثني ابن عباس قال: "نهى رسول اللَّه عن ذبيحة نصارى العرب" سنده ضعيف.
مالك، عن ثور الديلي (١)، عن ابن عباس "أنه سُئل عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا بأس بها. وتلا: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (٢) ". رواه ابن وهب، عن مالك، فقال: عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس.
قال الشافعي: والذي يروى من حديث ابن عباس في إحلال ذبائحهم إنما هو من حديث عكرمة أخبرنيه الدراوردي وابن أبي يحيى، عن ثور، عن عكرمة، عن ابن عباس "أنه سئل عن ذبائحهم، فقال قولًا حَكَياه هو إحلالها، وتلا: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (٢) " ولكن صاحبنا سكت عن اسم عكرمة، وثور لم يلق ابن عباس. قوله: "صاحبنا" يريد مالكًا. ونحن نرغب عنه؛ لقول عمر وعلي.
تعشير أموال بني تغلب إذا تجروا
١٤٦١٤ - شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن زياد بن حدير، قال: "بعثني عمر إلى نصارى بني تغلب وأسرني أن آخذ منهم، أَمَرَ في نصف عشر أموالهم، ونهاني أن أعشر مسلمًا أو ذا ذمة يؤدي الخراج. قال: يعني فيما أظن بقوله مسلمًا يقول: من أسلم منهم؛ لأنه إنما أرسل إلى نصارى بني تغلب" وقوله: أو ذا ذمة يؤدي الخراج يقول: إن أهل الذمة لا يعرض لهم في مواشيهم ولا في عشر زروعهم وثمارهم إلا بني تغلب؛ لأنهم صولحوا على ذلك.
قال المؤلف: ويحتمل أنه لم يكن في صلح أولئك الذين كانوا في ولايته من أهل الذمة تعشير أموالهم التي يتجرون بها".
أبو إسحاق الشيباني، عن جامع بن شداد، عن زياد بن حدير قال: "كتب إليَّ عمر أن لا تعشّر بني تغلب في السنة إلا مرة".
_________________
(١) ضبب عليها المصنف للانقطاع.
(٢) المائدة: ٥١.
[ ٧ / ٣٧٨٥ ]
الهدنة لمصلحة
١٤٦١٥ - معمر (خ) (١) قال: قال: الزهري، أخبرني عروة، عن المسور ومروان يصدق حديث كل واحد منهما صاحبَه قالا: "خرج رسول اللَّه -ﷺ- زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلّد رسول اللَّه الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينًا له من خزاعة يخبره عن قريش، وسار رسول اللَّه -ﷺ- حتى إذا كان بوادي الأشظاظ قريب من عسفان أتاه عينُه الخزاعي فقال: إني قد تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعًا، وإنهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت فقال: أشيروا عليّ أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم قال: فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين وإن نجوا تكن عنقًا قطعها اللَّه أو ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلاناه، فقال أبو بكر: اللَّه ورسوله أعلم يا نبي اللَّه، إنما جئنا معتمرين ولم نجىء نقاتل أحدًا ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه فقال النبي -ﷺ-: فروحوا إذًا. قال الزهري: وكان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحدًا قط كان أحسن مشورة لأصحابه من رسول اللَّه. قال الزهري في حديث المسور ومروان: فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي -ﷺ-: إن خالد بن الوليد بالغَمِيم في خيلٍ لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين. فواللَّه ما شعر بهما خالد حتى إذا هو بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرًا لقريش وسار رسول اللَّه -ﷺ- حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ فألحّت، فقال الناس: خلأت القصواء، خلأت القصواء! فقال النبي -ﷺ-: ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خُطة يعظمون فيها حرمات اللَّه إلا أعطيتهم إياها. ثم زجرها فوثبت به قال: فعدل عنها حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرّضه الناس تبرّضًا فلم يُلْبثه الناس أن نزحوه فشُكي إلى رسول اللَّه العطش،
_________________
(١) البخاري (٥/ ٣٨٨ رقم ٢٧٣١، ٢٧٣٢). وأخرجه النسائي في الكبرى (٥/ ٢٦٣ رقم ٨٨٤٠) من طريق معمر به، وأبو داود (٢/ ١٤٦ رقم ١٧٥٤) من طريق سفيان عن الزهري به.
[ ٧ / ٣٧٨٦ ]
فانتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه. قال: فواللَّه ما زال يجيش لهم بالريّ حتى صدروا عنه، فبينا هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه وكانوا عيبة نصح رسول اللَّه -ﷺ- من أهل تهامة فقال: تركت كعب بن لؤي نزلوا أعداد مياة الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال: إنّا لم نجىء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن اللَّه أمره. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشًا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا فإن شئتم نعرضه عليكم فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن يحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم هات ما سمعته يقول: فحدثهم فقال: عروة بن مسعود الثقفي: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أو لست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا لا. قال: ألستم تعلمون أني أستنفرت أهل عكاظ. فلما جمحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني. قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته، فقالوا: ائته فأتاه فجعل يكلم النبي -ﷺ- فقال له نحوًا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذاك: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك، وإن تكن الأخرى فواللَّه أني لأرى وجوهًا وأري أوشابًا من الناس خلقاء أن يفروا ويدعوك فقال له أبو بكر -﵁-: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه. فقال: من ذا؟ فقال: أبو بكر. فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندى لم أجزك بها بها لأجبتك. وجعل يكلم النبي -ﷺ- فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي -ﷺ- ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي -ﷺ- ضرب يده بنعل السيف وقال: آخر يدك عن لحية رسول اللَّه. فرفع عروة يده فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة. فقال: أي غدر أو لست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء وأسلم فقال النبي -ﷺ-: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء. ثم إن عروة جعل يرمق النبي -ﷺ- بعينه قال: فواللَّه ما تنخم رسول اللَّه -ﷺ- نخامة إلا وقعت في
[ ٧ / ٣٧٨٧ ]
كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون النظر إليه تعظميًا له. فرجع إلى أصحابه فقال: أي قوم واللَّه لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، واللَّه إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، واللَّه إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها جلده ووجهه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا [تكلموا] (١) خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظميًا له، واللَّه لقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته. قالوا: ائته. فلما أشرف على النبي -ﷺ- وأصحابه قال: النبي: هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له. فبعثت له واستقبله القوم يلبون فلما رأى ذلك قال: سبحان اللَّه، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأبت البدن قد قلدت، وأشعرت فلم أر أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص. فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي -ﷺ-: هذا مكرز، وهو رجل فاجر. فجعل يكلم النبي -ﷺ- فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو قال معمر: فأخبرني أيوب، عن عكرمة، أنه لما جاء سهيل قال النبي -ﷺ-: قد سهل لكم من أمركم. قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل. فقال: هات أكتب بيننا وبينكم كتابًا فدعا الكاتب. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: اكتب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن فواللَّه ما أدري ما هو. ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: لا نكتبها إلا بسم اللَّه الرحمن الرحيم. فقال النبي -ﷺ-: اكتب باسمك اللهم. ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه. فقال سهيل: واللَّه لو كنا نعلم أنك رسول اللَّه ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك. ولكن اكتب: محمد بن عبد اللَّه، فقال النبي -ﷺ-: واللَّه إني لرسول اللَّه وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد اللَّه، قال الزهري: وذلك لقوله: لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات اللَّه إلا أعطيتهم إياها - فقال النبي -ﷺ-: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به. فقال سهيل: واللَّه
_________________
(١) من "هـ"، وفي "الأصل": تكلم.
[ ٧ / ٣٧٨٨ ]
لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن لك من العام المقبل. فكتب فقال سهيل: على أن لا يأتينك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال المسلمون: سبحان اللَّه كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ ! فبينا هم كذلك إذا جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف -وعند ابن المبارك: - عن معمر يرصف- في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمي بنفسه بين المسلمين. فقال أبوه: هذا يا محمد أول ما ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ، فقال النبي -ﷺ-: إنا لم نقض الكتاب بعد. قال: فواللَّه لا نصالحك على شيء أبدًا. فقال النبي -ﷺ-: فأجزه لي. قال: ما أنا بمجيزه. قال: بلى فافعل. قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى، قد أجزناه لك. فقال أبو جندل: أي: معاشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا، ألا ترون ما قد أتيت وكان قد عذب عذابًا شديدًا في اللَّه -﷿- فقال عمر: فأتيت النبي -ﷺ- فقلت: "ألست نبي اللَّه؟ ". قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: إني رسول اللَّه ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطّوّف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي اللَّه حقًّا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل، إنه رسول اللَّه -ﷺ- وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه حتى تموت، فواللَّه إنه لعلى الحق. قلت: أوليس كان يحدثنا أنه سيأتي البيت ويطوف به؟ قال: بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه فتطوف به. قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا، فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول اللَّه -ﷺ- لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فواللَّه ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: يا رسول اللَّه، أتحب ذلك أخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فقام فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك ونحر هديه ودعا حالقه يعني -فحلقه- فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا ثم جاء نسوة
[ ٧ / ٣٧٨٩ ]
مؤمنات، فأنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ. . .﴾ حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (١) فطلق عمر يومئذٍ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع ﵇ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم".
"وفي رواية ابن المبارك، عن معمر: "فقدم عليه أبو بصير بن أسيد الثقفي مسلمًا مهاجرًا فاستأجر الأخنس بن شريق رجلا كافرًا من بني عامر بن لؤي ومولى معه وكتب معهما إلى رسول اللَّه -ﷺ- يسأله الوفاء، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا فيه. فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحدهما: واللَّه إني لأرى سيفك يا فلان هذا جيدًا. فاستله الآخر. فقال: أجل واللَّه إنه لجيد، لقد جربت فيه ثم جربت. قال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال النبي: لقد رأى هذا ذعرًا. فلما انتهى إلى النبي -ﷺ- قال: قُتل واللَّه صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا نبي اللَّه، قد واللَّه وفى اللَّه ذمتك: قد رددتني إليهم ثم أنجاني اللَّه منهم. فقال النبي -ﷺ-: ويلُ امِّه مِسْعَرَ حرب لو كان له أحد. فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر قال: وينفلت أبو جندل فلحق به، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فواللَّه ما يسمعون بعيرٍ خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي -ﷺ- تناشده اللَّه والرحم لمّا أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن، فأرسل إليهم وأنزل اللَّه: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ. . .﴾ حتى بلغ ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (١) وكانت حميتهم أكرهم لم يقروا أنه نبي اللَّه ولم يقروا ببسم اللَّه الرحمن الرحيم وحالوا بينهم وبين البيت".
وفي مغازي موسى بن عقبة معنى هذه القصة، وزاد: "ثم إن رسول اللَّه -ﷺ- دعا عمر
_________________
(١) الممتحنة: ١٠.
[ ٧ / ٣٧٩٠ ]
ليرسله إلى قريش وهو ببلدح فقال له عمر: يا رسول اللَّه، لا ترسلني إليهم؛ فإني أتخوفهم على نفسي ولكن أرسل عثمان. فأرسله إليهم فلقي أبان بن سعيد بن العاص فأجاره وحمله بين يديه على الفرس حتى جاء قريشًا فكلمهم بالذي أمره به رسول اللَّه -ﷺ- فأرسلوا معه سهيل ابن عمرو ليصالحه عليهم وبمكة يومئذ من المسلين ناس كثير من أهلها فدعوا عثمان ليطوف بالبيت فأبى أن يطوف وقال: ما كنت لأطوف به حتى يطوف به رسول اللَّه فرجع إلى رسول اللَّه ومعه سهيل. . .". وذكر الحديث وفيه: "فبعث رسول اللَّه بالكتاب إلى قريش مع عثمان. . ." ثم ذكر قصة فيما كان بين الفريقين من الترامي بالحجارة والنبل وارتهان المشركين عثمان وارتهان المسلمين سهيل بن عمرو ودعا رسول اللَّه المسلمين إلى البيعة "فلما رأت قريش ذلك رعبهم اللَّه فأرسلوا من كانوا ارتهنوه ودعوا إلى الموادعة والصلح، فصالحهم رسول اللَّه -ﷺ- وكاتبهم".
مدة الهدنة
قال الشافعي: كانت الهدنة بينه وبينهم عشر سنين.
ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن عروة، عن مروان والمسور بن مخرمة "في قصة الحديبية: فدعت قريش سهيلا فقالوا: اذهب إلى هذا فصالحه، ولا يكونن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة. فخرج من عندهم فلما رآه رسول اللَّه -ﷺ- مقبلا قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل فلما انتهى إلى رسول اللَّه جرى بينهما القول حتى وقع الصلح على أن توضع الحرب بينهم عشر سنين وأن يأمن الناس بعضهم من بعض، وأن يرجع عنهم عامهم ذلك حتى إذا كان العام المقبل قدمها خلوا بينه وبين مكة، فأقام بها ثلاثًا وأن لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب وأنه من أتانا من أصحابك بغير إذن وليه لم نرده عليك، وأنه من أتاك منا بغير إذن وليه رددته علينا وأن بيننا وبينك عيبة مكفوفة وأنه لا أسلال ولا أغلال".
١٤٦١٦ - وروى عاصم بن عمر بن حفص العمري -وهو واه- عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر قال: "كانت الهدنة بين النبي -ﷺ- وأهل مكة عام الحديبية أربع سنين".
_________________
(١) الفتح: ٢٤ - ٢٦.
[ ٧ / ٣٧٩١ ]
نزول الفتح
١٤٦١٧ - ابن أبي عروبة (م) (١) عن قتادة أن أنسًا حدثهم قال: "لما نزلت هذه الآية على النبي -ﷺ-: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (٢) مرجعهم من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة وقد نحروا الهدي، فقال: لقد أنزلت عليّ آيات هي أحب إليّ من الدنيا. قالوا: يا رسول اللَّه، قد علمنا ما يفعل اللَّه بك، فما يفعل اللَّه بنا؟ قال: فنزلت: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. . .﴾ (٣) الآية".
عثمان بن عمر (خ) (٤) نا شعبة، عن قتادة، عن أنس: " ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (٥) قال: فتح الحديبية. فقال رجل: يا رسول اللَّه، هنيئًا مريئًا، هذا لك فما لنا؟ فأنزل اللَّه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٣). قال شعبة: فقدمت الكوفة فحدثتهم ثم قدمت البصرة فذكرت ذلك لقتادة، فقال: أما الأول فعن أنس، وأما ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فعن عكرمة".
١٤٦١٨ - عبد العزيز بن سياه (خ م) (٦) نا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل قال: "قدم سهل بن حنيف يوم صفين فقال: أيها الناس، اتهموا أنفسكم لقد كنا مع رسول اللَّه يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا. وذلك في الصلح الذي كان بين رسول اللَّه -ﷺ- وبين المشركين
_________________
(١) مسلم (٣/ ١٤١٣ رقم ١٧٨٦) [٩٧].
(٢) الفتح: ١، ٢.
(٣) الفتح: ٥.
(٤) البخاري (٧/ ٥١٦ رقم ٤١٧٢).
(٥) الفتح: ١.
(٦) البخاري (٦/ ٣٢٤ رقم ٣١٨٢)، ومسلم (٣/ ١٤١١ - ١٤١٢ رقم ١٧٨٥) [٩٤]. وأخرجه النسائي في الكبرى (٦/ ٤٦٣ رقم ١١٥٠٤) من طريق عبد العزيز بن سياه به.
[ ٧ / ٣٧٩٢ ]
قال: فأتى عمر. فقال: يا رسول اللَّه، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في أنفسنا ونرجع ولما يحكم اللَّه بيننا وبينهم؟ قال: يا ابن الخطاب، إني رسول اللَّه ولن يضيعني اللَّه. فانطلق ولم يصبر متغيظًا فأتى أبو بكر فقال: يا أبا بكر، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم اللَّه بيننا وبينهم؟ قال: يا ابن الخطاب إنه رسول اللَّه ولن يضيعه اللَّه أبدًا. فنزل القرآن فأرسل إليه فأقرأه إياه. فقال: يا رسول اللَّه، أوفتح هو؟ قال: نعم. فطابت نفسه ورجع".
قال الشافعي: قال ابن شهاب: فما كان في الإسلام فتح أعظم منه كانت الحرب قد (أحجزت) (١) الناس فلما أمنوا لم يكلم بالإسلام أحد يعقل إلا قبله فلقد أسلم في سنتين من تلك الهدنة أكثر ممن أسلم قبل ذلك.
١٤٦١٩ - ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن عروة، عن مروان والمسور "وانصرف رسول اللَّه راجعًا، فلما كان بين مكة والمدينة نزلت عليه سورة الفتح كلها، وكانت القضية في سورة الفتح وما ذكر اللَّه من بيعة رسوله تحت الشجرة، فلما أمن الناس وتفاوضوا لم يكلم أحد بالإسلام إلا دخل فيه فقد دخل في تينك السنتين في الإسلام أكثر مما كان فيه قبل ذلك وكان صاح الحديبية فتحًا عظيمًا".
١٤٦٢٠ - إسرائيل (خ) (٣) عن أبي إسحاق، عن البراء قال: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فينًا فتحًا، ونعد نحن الفتح بيعة الرضوان، نزلنا في يوم الحديبية وهي بئر فوجدنا الناس قد نزحوها فلم يدعوا فيها قطرة، فذكر ذلك للنبي -ﷺ- فجلس فدعا بدلو فنزع منها ثم أخذ منه بفيه فمجه فيها ودعا اللَّه، فكثر ماؤها حتى صدرنا وروينا ونحن أربع عشرة مائة.
_________________
(١) في "هـ": أحجرت.
(٢) كتب في الحاشية صدق، ألا ترى عسكر النبي -ﷺ- كان يوم الحديبية ألف وأربعمائة، وبعد ذلك بعامين يوم الفتح كانوا عشرة آلاف.
(٣) البخاري (٧/ ٥٠٥ رقم ٤١٥٠).
[ ٧ / ٣٧٩٣ ]
مهادنة الأئمة عند النوازل
١٤٦٢١ - عبد الرحمن بن أبي الزناد (د) (١) عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنما الإمام جنة يقاتل به".
١٤٦٢٢ - الوليد بن مسلم (خ د) (٢) عن عبد اللَّه بن العلاء، سمعت بسر بن عبيد اللَّه سمع أبا إدريس يقول: سمعت عوف بن مالك يقول: "أتيت رسول اللَّه -ﷺ- في غزوة تبوك، وهو في قبة من أدم فقال لي: يا عوف، اعدد ستًّا بين يدي الساعة: موتي ثم فتح بيت المقدس ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم ثم استفاضة المال فيكم حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية كل غاية اثنا عشر ألفًا". قال الوليد: فذكرنا هذا فقال لنا شيخ مدني: أخبرني سعيد، عن أبي هريرة أنه كان يحدث بهذا الحديث عن رسول اللَّه ويقول: مكان "فتح بيت المقدس": "عمران بيت المقدس".
١٤٦٢٣ - الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية قال: مال مكحول وابن أبي زكريا إلى خالد ابن معدان فملت معهم، فحدثنا خالد، عن جبير بن نفير أنه قال: "انطلق بنا إلى ذي مخبر -رجل من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- فأتيناه فقال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: ستصالحكم الروم صلحًا آمنًا، ثم تغزون أنتم وهم عدوًّا فتنصرون وتسلمون وتغنمون ثم تنصرفون فتنزلون بمرخ ذي تلول، فيرفع رجل من النصرانية الصليب فيقول: غلب الصليب، فيغضب
_________________
(١) أبو داود (٣/ ٨٢ رقم ٢٧٥٧).
(٢) البخاري (٦/ ٣٢٠ رقم ٣١٧٦)، وأبو داود (٤/ ٣٠٠ رقم ٥٠٠٠). وأخرجه ابن ماجه (٢/ ١٣٤١ رقم ٤٠٤٢) من طريق الوليد بن مسلم به.
[ ٧ / ٣٧٩٤ ]
رجل من المسلمين، فيقوم إليه فيدقه، فعند ذلك تغضب الروم ويجمعون الملحمة" (١).
المهادنة إلى غير مدة
١٤٦٢٤ - موسى بن عتبة (خ م) (٢) عن نافع، عن ابن عمر "أن عمر أجلى اليهود والنصارى من الحجاز، وكان رسول اللَّه -ﷺ- لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها فكانت الأرض حين ظهر عليها للَّه ولرسوله وللمسلمين فأراد إخراج اليهود منها، فسألوه ليقرهم على أن يكفوه عملها ولهم نصف التمر، فقال لهم: نتركم لها على ذلك ما شئنا. فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحا" لفظ ابن جريج عن موسى، وكذا رواه الفضيل بن سليمان عن موسى "نقركم على ذلك ما شئنا" وكذا رواه أسامة بن زيد عن نافع، ولفظ عبيد اللَّه عن نافع "ما بدا لرسول اللَّه" ولفظ مالك عن نافع: "نقركم ما أقركم اللَّه" وكذا في رواية ابن شهاب عن ابن المسيب مرسلًا، ورواه صالح بن أبي الأخضر عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة موصولًا كما مر.
قال الشافعي: فإن قيل: فلم لا تقول: "أقركم ما أقركم اللَّه" يعني: كل إمام بعد رسول اللَّه، قيل: الفرق بينه وبين رسول اللَّه في أن أمر اللَّه كان يأتي رسوله بالوحي ولا يأتي أحدًا غيره وحي.
مهادنة من نقوى على قتاله
١٤٦٢٥ - سفيان بن حسين، عن الحكم، عن القاسم، عن ابن عباس "أن رسول اللَّه -ﷺ- بعث أبا بكر على الموسم فأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، قال: فبينا أبو بكر نازل في بعض الطريق إذا سمع رغاء ناقة رسول اللَّه -ﷺ- القصواء، فخرج فزعًا وظن أنه رسول اللَّه فإذا علي، فدفع إليه كتاب رسول اللَّه -ﷺ- فأتى على الموسم وأمر عليًا أن ينادي بهؤلاء الكلمات، فانطلقنا فحجَّا فقام علي فنادى في وسط أيام التشريق: إن اللَّه ورسوله بريء من كل مشرك، فسيحوا
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٨٦ - ٨٧ رقم ٢٧٦٧)، وابن ماجه (٢/ ١٣٦٩ رقم ٤٠٨٩) كلاهما من طريق الأوزاعي به.
(٢) البخاري (٧/ ٣٨٣ رقم ٤٠٢٨)، ومسلم (٣/ ١٣٨٧ - ١٣٨٨ رقم ١٧٦٦) [٦٢].
[ ٧ / ٣٧٩٥ ]
في الأرض أربعة أشهر، واعلموا أنكم غير معجزي اللَّه، لا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن. كان ينادي بهذا فإذا بحّ قام أبو هريرة فنادى بها".
١٤٦٢٦ - شعبة، عن مغيرة، عن الشعبي، عن المحرر بن أبي هريرة، عن أبيه أنه قال: "كنت مع على حين بعثه النبي -ﷺ- ببراءة إلى أهل مكة، فكنت أنادي حتى صَحِلَ صوتي، فقيل له: بأي شيء كنت تنادي؟ فقال: أمرنا أن ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ومن كان بينه وبين رسول اللَّه -ﷺ- عهد فأجله إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأشهر فإن اللَّه بريء من المشركين ورسوله، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك" (١) مر في حديث زيد بن يثيع عن علي" ومن كان له عهد (فعهدته) (٢) إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأربعة أشهر".
قال الشافعي: وجعل رسول اللَّه -ﷺ- لصفوان بن أمية بعد فتح مكة تسيير أربعة أشهر، وقد مر هذا في حديث الزهري في النكاح.
ولا خير في بذل ما لهم ليكفوا عنا
قال الشافعي: لأن القتل للمسلم شهادة، وأن الإسلام أعز من ذلك وأهله ظاهرون على الحق قاتلين ومقتولين. ومر في حديث المغيرة "في قصة الأهواز: أخبرنا نبينا عن ربنا أن من قتل منا صار إلى الجنة ومن بقي منا ملك رقابكم".
١٤٦٢٧ - همام (خ) (٣) عن إسحاق بن عبد اللَّه، حدثني أنس "أن رسول اللَّه -ﷺ- بعث خاله -وكان اسمه: حرام- أخا أم سليم في سبعين رجلًا فقتلوا يوم بئر معونة وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل وكان أتى النبي -ﷺ- فقال: أخيرك بين ثلاث خصال: أن يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، وأكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء. قال: فطعن في بيت امرأة من بني فلان فقال: غدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني فلان، ائتوني بفرسي. فركبه، فمات على ظهر فرسه، فانطلق حرام أخو أم سليم ورجلان معه رجل أعرج، ورجل من بني فلان فقال: كونا -يعني: قريبًا مني- حتى آتيهم، فإن أمنوني
_________________
(١) أخرجه النسائي في الكبرى (٢/ ٤٠٧ رقم ٣٩٤٩) من طريق شعبة به.
(٢) في "هـ": فعهده.
(٣) البخاري (٦/ ٢٣ رقم ٢٨٠١).
[ ٧ / ٣٧٩٦ ]
كنتم كذا، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم. فأتاهم حرام. فقال: أتؤمنوني أبلغكم رسالة رسول اللَّه -ﷺ-؟ قالوا: نعم. فجعل يحدثهم وأومئوا إلى رجل فأتاه من خلفه فطعنه -قال همام أحسبه قال: فأنفذه بالرمح- فقال: اللَّه أكبر، فزت ورب الكعبة، فلحق الرجل فقتل كلهم إلا الأعرج كان في رأس الجبل، فحدثني أنس قال: أنزل علينا ثم كان من المنسوخ: "إنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" فدعا رسول اللَّه -ﷺ- سبعين صباحًا على رعل وذكوان وبني لحيان، وعصية عصت اللَّه ورسوله".
معمر (خ) حدثني ثمامة بن عبد اللَّه سمع أنسًا يقول: "لما طعن حرام بن ملحان وكان خاله يوم بئر معونة فقال: بالدم هكذا فنضحه على وجهه ورأسه ثم قال: فزت ورب الكعبة".
١٤٦٢٨ - هشام (خ) (٢) عن أبيه، عن عائشة قالت: "استأذن أبو بكر النبي -ﷺ- في الخروج من مكة -الحديث في الهجرة- ومعهما عامر بن فهيرة، فقتل عامر يوم بئر أمية، فقال له بن الطفيل: من هذا -وأشار إلى قتيل؟ قال: هذا عامر بن فهيرة. فقال: لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض! قال: فأتى النبي -ﷺ- خبرهم، فنعاهم وقال: إن أصحابكم أصيبوا وإنهم قد سألوا ربهم فقالوا: ربنا أخبر عنا إخواننا بما رضينا عنك ورضيت عنا، فأخبرهم عنهم. قال: وأصيب منهم يومئذ عروة بن أسماء بن الصلت سمي به عروة، ومنذر بن عمرو سمي به منذر".
١٤٦٢٩ - أيوب (م) (٣) عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال رسول اللَّه: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر اللَّه وهم كذلك".
_________________
(١) البخاري (٧/ ٤٤٦ رقم ٤٠٩٢). وأخرجه النسائي في الكبرى (٥/ ٨٠ رقم ٨٢٩٧) من طريق معمر به.
(٢) البخاري (٧/ ٤٤٩ - ٤٥٠ رقم ٤٠٩٣).
(٣) مسلم (٣/ ١٥٢٣ رقم ١٩٢٠) [١٧٠]. وأخرجه الترمذي (٤/ ٤٣٧ رقم ٢٢٢٩)، وابن ماجه (١/ ٥ رقم ١٠) كلاهما عن أبي قلابة به، وقال الترمذي حسن صحيح.
[ ٧ / ٣٧٩٧ ]
الرخصة في الإعطاء في الفداء ونحوه
١٤٦٣٠ - أيوب (م) (١) عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين "أن النبي -ﷺ- فدا رجلا برجلين" ومر حديث سلمة بن الأكوع "في التي استوهبها رسول اللَّه منه وبعث بها إلى مكة ففدى بها أسرى بها".
١٤٦٣١ - منصور (خ) (٢) عن أبي وائل، عن أبي موسى أن النبي -ﷺ- قال: "أطعموا الجائع وفكوا العاني وعودوا المريض".
١٤٦٣٢ - زهير (خ) (٣) عن مطرف، عن الشعبي، عن أبي جحيفة "قلت لعلي: هل عندكم من الوحي شيء؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهمًا يعطيه اللَّه رجلا، وما في الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مؤمن بقتل مشرك. قلت لمطرف: ما فكاك الأسير؟ قال: أن يفك من العدو جرت بذلك السنة، والعقل المعقلة".
_________________
(١) مسلم (٣/ ١٢٦٢ - ١٢٦٣ رقم ١٦٤١) [٨]. وأخرجه الترمذي (٤/ ١١٥ رقم ١٥٦٨)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٢٠١ رقم ٨٦٦٤) من طريق أيوب به. وأخرجه أبو داود (٣/ ٢٣٩ رقم ٣٣١٦)، والنسائي في الكبرى (٥/ ١٧٥ رقم ٨٥٩٢) من طريق أيوب به مطولًا.
(٢) البخاري (٦/ ١٩٣ رقم ٣٠٤٦). وأخرجه أبو داود (٣/ ١٨٧ رقم ٣١٠٥)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٢٠٢ رقم ٨٦٦٦) من طريق منصور به.
(٣) البخاري (١٢/ ٢٧٢ رقم ٦٩١٥). وأخرجه الترمذي (٤/ ١٧ رقم ١٤١٢)، والنسائي (٨/ ٢٣ رقم ٤٧٤٤)، وابن ماجه (٢/ ٨٨٧ رقم ٢٦٥٨) كلهم من طريق مطرف به.
[ ٧ / ٣٧٩٨ ]
الهدنة على رد من جاء مسلمًا
١٤٦٣٣ - الثوري (خ) (١) عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: "صالح النبي -ﷺ- المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء على أن من أتاه من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه وعلى أن يدخلها من قابل فيقيم بها ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح: السيف والقوس، ونحوه، فجاء أبو جندل يحجل في قيوده فرده إليهم".
١٤٦٣٤ - حماد بن سلمة (م) (٢) عن ثابت عن أنس: "أن رسول اللَّه -ﷺ- لما صالح قريشًا يوم الحديبية قال لعلي: اكتب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. فقال سهيل بن عمرو: لا نعرف الرحمن الرحيم، أكتب: باسمك اللهم. فقال النبي -ﷺ- لعلي: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه. فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول اللَّه لصدقناك ولم نكذبك، اكتب اسمك واسم أبيك. فقال النبي -ﷺ- لعلي: اكتب: محمد بن عبد اللَّه. وكتب: من أتانا منكم رددناه عليكم، ولمن أتاكم منا تركناه عليكم. فقالوا: يا رسول اللَّه، نعطيهم هذا؟ قال: من أتاكم منا فأبعده اللَّه، ومن أتانا منهم فرددناه جعل اللَّه له فرجًا ومخرجًا".
١٤٦٣٥ - ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن عروة، عن مروان والمسور "في قصة الحديبية قال: حتى وقع الصلح على أن توضع الحرب بينهما عشر سنين وأن يأمن الناس بعضهم من بعض وأن يرجع عنهم عامهم ذلك حتى إذا كان العام المقبل قدمها خلوا بينه وبين مكة، فأقام بها ثلاثًا وأنه لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب، وأنه من أتانا من أصحابك بغير إذن وليه لم نرده عليك، وأنه من أتاك منا بغير إذن وليه رددته علينا. . . إلى أن قال: فإن الصحيفة لتكتب إذ طلع أبو جندل يرسف في الحديد وقد كان أبوه حبسه فأفلت،
_________________
(١) البخاري (٥/ ٣٥٨ - ٣٥٩ رقم ٢٧٠٠) معلقًا.
(٢) مسلم (٣/ ١٤١١ رقم ١٧٨٤) [٩٣].
[ ٧ / ٣٧٩٩ ]
فلما رآه سهيل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بلبته فتله، وقال: يا محمد، قد ولجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقت. وصاح أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني! فقال رسول اللَّه -ﷺ- له: أبا جندل، اصبر واحتسب؛ فإن اللَّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد صالحنا هؤلاء القوم وجرى بيننا وبينهم العهد وإنا لا نغدر. فقام عمر يمشي إلى جنب أبي جندل وأبوه مثله وهو يقول: أبا جندل، اصبر واحتسب؛ فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب. وجعل عمر يدني منه قائم السيف، فقال عمر: رجوت أن يأخذه فيضرب به أباه فضن بأبيه. . ." وذكر الحديث، فلما قدم رسول اللَّه المدينة واطمأن بها أفلت إليه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية الثقفي حليف بني زهرة، فكتب إلى رسول اللَّه -ﷺ- فيه الأخنس بن شريق والأزهر بن عبد عوف وبعثا بكتابهما مع مولى لهما ورجل من بني عامر بن لؤي استأجره ليرد عليهما أبا بصير فقدما على رسول اللَّه فدفعا إليه كتابهما فدعا رسول اللَّه أبا بصير فقال له: يا أبا بصير، إن هؤلاء القوم قد صالحونا على ما قد علمت وإنا لا نغدر؛ فالحق بقومك. فقال: يا رسول اللَّه، تردني إلى المشركين يفتنوني في ديني ويعبثون بي! قال: اصبر أبا بصير واحتسب؛ فإن اللَّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين من المؤمنين فرجًا ومخرجًا. فخرج أبو بصير وخرجا حتى إذا كانوا بذي الحليفة جلسوا إلى سور جدار، فقال أبو بصير للعامري: أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ قال: نعم. قال: انظر إليه. قال: إن شئت فاستله فضرب به عنقه، وخرج المولى يشتد فطلع على رسول اللَّه -ﷺ- وهو جالس في المسجد، فلما رآه رسول اللَّه قال: هذا رجل قد رأى فزعًا! فلما انتهى إليه قال: ويحك، ما لك؟ قال: قتل صاحبكم صاحبي. فما برح حتى طلع أبو بصير متوشحًا السيف، فوقف فقال: يا رسول اللَّه، وفت ذمتك وأدى اللَّه عنك وقد امتنعت بنفسي من المشركين أن يفتنوني في ديني أو أن يعبثوا بي. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: ويلُ أمِّه مِحَشُّ (١) حرب لو كان معه رجال. فخرج أبو بصير حتى نزل بالعيص -وكان طريق أهل مكة إلى الشام- فسمع به من كان بمكة من المسلمين قريب من
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٤١٣): وقع في رواية ابن إسحاق: محش - بحاء مهملة وشين معجمة وهو بمعنى مسعر، وهو العود الذي يحرك به النار.
[ ٧ / ٣٨٠٠ ]
الستين -أو السبعين- فكانوا لا يظفرون برجل من قريش إلا قتلوه، ولا تمر عليهم عير إلا اقتطعوها حتى كتبت فيهم قريش إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقدموا عليه المدينة".
موسى بن عقبة في هذه القصة: "فقال رسول اللَّه: ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد. وجاء أبو بصير بسلبه إلى النبي -ﷺ- فقال: خمس يا رسول اللَّه. فقال: إني إذا خمسته لم أوف بالذي عاهدتهم عليه ولكن شأنك بسلب صاحبك واذهب حيث شئت. فخرج أبو بصير معه خمسة نفر كانوا قدموا معه من المسلمين من مكة حتى كانوا بين العيص وذى المروة من أرض جهينة على طريق عيرات قريش مما يلي سيف البحر لا تمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، وانفلت أبو جندل بن سهيل في سبعين راكبًا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير وكرهوا أن يقدموا على رسول اللَّه -ﷺ- في هدنة المشركين".
نقض الصلح فيما لا يجوز كرد النساء
١٤٦٣٦ - الليث (خ) (١) عن عقيل، عن ابن شهاب أنه قال: "بلغنا أن رسول اللَّه -ﷺ- قاضي مشركي قريش على المدة التي جعل بينه وبينهم يوم الحديبية أنزل اللَّه فيما قضى به بينهم فأخبرني عروة أنه سمع مروان والمسور يخبران عن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- أن رسول اللَّه -ﷺ- لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترطه سهيل أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا فخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وألغطوا به، أو قال كلمة أخرى -قال البيهقي: ورأيته في نسخة. وامتعظوا- وأبى سهيل إلا ذلك فكاتب رسول اللَّه -ﷺ- ورد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلمًا وجاء المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول اللَّه يومئذ وهي عاتق فجاء أهلها يسألون رسول اللَّه -ﷺ- أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم، فلما أنزل اللَّه فيهن: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ
_________________
(١) البخاري (٥/ ٣٦٨ رقم ٢٧١١، ٢٧١٢، ٢٧١٣).
[ ٧ / ٣٨٠١ ]
مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (١) قال عروة: فأخبرتني عائشة أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يمتحنهن بهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ. . .﴾ (١) الآية قالت: فمن أقر بهذا الشرط منهن قال لها: قد بايعتك. كلامًا يكلمها به واللَّه ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة ما بايعهن إلا بقوله".
محمد بن ثور (د) (٢) عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة قال: "خرج رسول اللَّه زمن الحديبية. . ." الحديث وزاد: "ثم جاء نسوة مؤمنات مهاجرات فنهاهم اللَّه أن يردوهن، وأمرهم أن يردوا الصداق".
ابن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني الزهري قال: "دخلت على عروة وقد كتب إليه ابن أبي هنيدة يسأله عن قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ (١) فكتب إليه عروة (٣): إن رسول اللَّه -ﷺ- كان صالح أهل الحديبية وشرط لهم أن من أتاه بغير إذن وليه رده عليهم، فلما هاجر المسلمات إلى رسول اللَّه -ﷺ- أمره اللَّه بامتحانهن؛ فإن كن جئن رغبة في الإسلام لم يردهن عليهم. قال اللَّه: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (١) فحبس رسول اللَّه -ﷺ- النساء ورد الرجال".
١٤٦٣٧ - وحدثني الزهري وعبد اللَّه بن أبي بكر قالا: "هاجرت أم كلثوم بنت عقبة إلى رسول اللَّه -ﷺ- عام الحديبية فجاء أخواها الوليد وفلان ابنا عقبة إلى رسول اللَّه -ﷺ- يطلبانها فأبى أن يردها عليها" وقد مر في رواية معتمر "فقال سهيل: على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته" ففيه دلالة على أن النساء لم يدخلن.
_________________
(١) الممتحنة: ١٠.
(٢) أبو داود (٢/ ١٤٦ رقم ١٧٥٤) وقد تقدم.
(٣) ضبب فوقها المصنف للانقطاع.
[ ٧ / ٣٨٠٢ ]
من جاء من العبيد مسلمًا
١٤٦٣٨ - عطاء (خ) (١) عن ابن عباس قال: "وإن هاجر عبد أو أمة للمشركين أهل العهد لم يردوا وردت أثمانهم".
١٤٦٣٩ - عبد العزيز بن يحيى الحراني، نا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق (د ت) (٢) عن أبان بن صالح، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن علي قال: "خرج عبدان إلى رسول اللَّه يوم الحديبية قبل الصلح فكتب إليه مواليهم فقالوا: واللَّه يا محمد ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربًا من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول اللَّه ردهم إليهم فغضب. وقال: ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث اللَّه عليكم من يضرب رقابكم على هذا. وأبى أن يردهم وقال: هم عتقاء اللَّه".
قلت: ورواه (ت) وصححه من حديث شريك، عن منصور.
١٤٦٤٠ - ابن إسحاق، عن عبد اللَّه ابن المكدم الثقفي قال: "لما حاصر رسول اللَّه -ﷺ- أهل الطائف خرج إليه رقيق من رقيقهم أبو بكرة وكان عبدًا للحارث بن كلدة [المنبعث] (٣) ويحنس ووردان في رهط من رقيقيهم فأسلموا، فلما قدم وفد أهل الطائف على رسول اللَّه، فأسلموا سألوا يا رسول اللَّه، رد علينا رقيقنا الذين أتوك، قال: لا، أولئك عتقاء اللَّه. ورد على كل رجل ولاء عبده فجعله إليه" هذا منقطع.
١٤٦٤١ - حجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: "أن رسول اللَّه -ﷺ- أعتق من خرج إليه يوم الطائف من عبيد المشركين. رواه أبو معاوية عنه هكذا، ولفظ حماد بن سلمة عنه "أن أربعة أعبد وثبوا إلى رسول اللَّه زمن الطائف فأعتقهم".
وقال حفص بن غياث، عن حجاج بسنده "أن عبدين خرجا من الطائف فأسلما
_________________
(١) البخاري (٩/ ٣٢٧ رقم ٥٢٨٦).
(٢) أبو داود (٣/ ٦٥ رقم ٢٧٠٠) من طريق ابن إسحاق به، والترمذي (٥/ ٥٩٢ رقم ٣٧١٥) من طريق شريك عن منصور به، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ربعي عن علي.
(٣) في "الأصل" المُشْعَث. والمثبت من "هـ". وانظر ترجمته المنبعث من كتب تراجم الصحابة.
[ ٧ / ٣٨٠٣ ]
فأعتقهما رسول اللَّه أحدهما أبو بكرة".
١٤٦٤٢ - ابن جريج (خ) (١) قال عطاء، عن ابن عباس قال: "وإن هاجر عبد منهم -يعني: أهل الحرب- أو أمة فهما حران ولهما ما للمهاجرين".
١٤٦٤٣ - الليث (م) (٢) عن أبي الزبير، عن جابر قال: "جاء عبد فبايع النبي -ﷺ- على الهجرة ولم يشعر أنه عبد فجاء سيده يريده فقال له النبي -ﷺ-: بعنيه. فاشتراه بعبدين أسودين ثم لم يبابع أحد بعد حتى يسأله: أعبد هو؟ ". قال الشافعي: ولو كان الإسلام يعتقه لم يشتر منه حرًّا ولكنه أسلم غير خارج من بلاد منصوب عليها الحرب.
التشديد في نقض العهد
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣).
١٤٦٤٤ - الأعمش (خ م) (٤) عن عبد اللَّه بن مرة، عن مسروق، عن عبد اللَّه بن عمرو قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر".
_________________
(١) البخاري (٩/ ٣٢٧ رقم ٥٢٨٦).
(٢) مسلم (٣/ ١٢٢٥ رقم ١٦٠٢) [١٢٣]. وأخرجه أبو داود (٣/ ٢٥٠ رقم ٣٣٥٨)، والترمذي (٤/ ١٢٩ رقم ١٥٩٦)، والنسائي (٧/ ٢٩٢ رقم ٤٦٢)، وابن ماجه (٢/ ٩٥٨ رقم ٢٨٦٩) من طريق الليث به. وقال الترمذي: حديث جابر حديث حسن غريب صحيح.
(٣) المائدة: ١.
(٤) البخاري (١/ ١١١ رقم ٣٤)، ومسلم (١/ ٧٨ رقم ٥٨) [١٠٦]. وأخرجه أبو داود (٤/ ٢٢١ رقم ٤٦٨٨)، والترمذي (٥/ ٢٠ رقم ٢٦٣٢)، والنسائي (٨/ ١١٦ رقم ٥٠٢٠) من طريق الأعمش به.
[ ٧ / ٣٨٠٤ ]
١٤٦٤٥ - مالك (خ د) (١) وإسماعيل بن جعفر (م) (٢) عن عبد اللَّه بن دينار، سمع ابن عمر يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان" زاد مالك: "غدرة فلان بن فلان".
١٤٦٤٦ - شعبة (د ت س) (٣) عن أبي الفيض، عن سليم بن عامر الحميري قال: "كان بين معاوية وبين الروم، عهد فكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس -أو برذون- فقال: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، وفاء لا غدر، فنظروا فإذا عمرو بن عبسة فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: سمعت رسول اللَّه يقول: من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقده ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء" فرجع معاوية. رواه عدة عن شعبة.
قلت: صححه (ت).
١٤٦٤٧ - الطيالسي نا عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن (د س) (٤) عن أبيه، عن أبي بكرة قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "من قتل معاهدًا فِي غير (كنهه) (٥) حرم اللَّه عليه الجنة".
١٤٦٤٨ - عبيد اللَّه بن موسى، أنا بشير بن مهاجر، عن ابن بريدة، عن أبيه قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما نقض قوم العهد قط إلا كان القتل بينهم ولا ظهرت الفاحشة في قوم قط إلا سلط اللَّه عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة إلا حبس اللَّه عنهم القطر".
قلت: سنده صالح.
قال: وخالفه الحسين بن واقد فرواه عن عبد اللَّه بن بريدة، عن ابن عباس قوله.
وفي الباب عن ابن عمر مرفوعًا.
١٤٦٤٩ - أبو هلال، عن قتادة، عن أنس قال: "خطبنا رسول اللَّه -ﷺ- فقال: لا إيمان لمن لا أمان له، ولا دين لمن لا عهد له".
قلت: سنده قوي. وفي القرآن آيات في وفاء العهد.
_________________
(١) البخاري (١٠/ ٥٧٨ رقم ٦١٧٨)، وأبو داود (٣/ ٨٢ رقم ٢٧٥٦).
(٢) مسلم (٣/ ١٣٦٠ رقم ١٧٣٥) [١٠].
(٣) أبو داود (٣/ ٨٣ رقم ٢٧٥٩)، والترمذي (٤/ ١٢١ - ١٢٢ رقم ١٥٨٠)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٢٢٣ - ٢٢٤ رقم ٨٧٣٢).
(٤) أبو داود (٣/ ٨٣ رقم ٢٧٦٠)، والنسائي (٨/ ٢٤ - ٢٥ رقم ٤٧٤٧).
(٥) كتب في الحاشية: أي حقه.
[ ٧ / ٣٨٠٥ ]
لا يوفى بما يكون معصية
١٤٦٥٠ - لحديث طلحة بن عبد الملك الأيلي (خ) (١) عن القاسم، عن عائشة، عن النبي -ﷺ- قال: "من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي اللَّه فلا يعصه". قال الشافعي: أسر المشركون امرأة وأخذوا ناقة للنبي -ﷺ- فانفلتت الأنصارية على الناقة فنذرت أن تنحرها، فذكر ذلك للنبي -ﷺ- فقال: لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم.
١٤٦٥١ - أتاه عبد الوهاب (م) (٢) ثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران. وقال الشافعي: وقال رسول اللَّه -ﷺ-: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر".
١٤٦٥٢ - إسماعيل بن أبي أويس (م) (٣) نا عبد العزيز بن المطلب، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه" قال الشافعي: فاعلم أن طاعة اللَّه أن لا يفي باليمين إذا كان غيرها خيرًا منها، وأن يكفر بما فرض اللَّه من الكفارة وكل هذا يدل على أنه إنما يوفى بكل عقد نذر وعهد مسلم أو مشرك كان مباحًا لا معصية للَّه فيه.
_________________
(١) البخاري (١١/ ٥٨٩ رقم ٦٦٩٦). وأخرجه أبو داود (٣/ ٢٣٢ رقم ٣٢٨٩)، والترمذي (٤/ ٨٨ رقم ١٥٢٦)، والنسائي (٧/ ١٧ رقم ٣٨٠٦ - ٣٨٠٨)، وابن ماجه (١/ ٦٨٧ رقم ٢١٢٦) كلهم من طريق طلحة به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) مسلم (٣/ ١٢٦٢ - ١٢٦٣ رقم ١٦٤١) [٨].
(٣) مسلم (٣/ ١٢٧٢ رقم ١٦٥٠) [١٣].
[ ٧ / ٣٨٠٦ ]
نقض أهل العهد أو بعضهم العهد
١٤٦٥٣ - معمر (د) (١) عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- "في قصة بني النضير، وما أجمعوا عليه من المكر بالنبي -ﷺ- قال: فلما كان الغد غدا عليهم بالكتائب فحصرهم، فقال لهم: إنكم واللَّه لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه. فأبوا أن يعطوه عهدًا فقاتلهم يومهم ذلك ثم غدا على بني قريظة بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء فهذا عهد بني قريظة فأما نقضهم العهد" فقال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة ح. وحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرضي وعثمان بن يهوذا القرظي، عن رجال من قومه قالوا: "كان الذين حزبوا الأحزاب نفر من بني النضير ونفر من بني وائل وكان من بني النضير حيي بن أخطب وكنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق وأبو عمار ومن بني وائل حيي من الأنصار من أوس اللَّه وحوح بن عمرو، ورجال منهم خرجوا حتى قدموا على قريش فدعوهم إلى حرب رسول اللَّه -ﷺ- فنشطوا لذلك -ثم ذكر القصة في خروج أبي سفيان والأحزاب- قال: وخرج حيي بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، فلما سمع به كعب أغلق حصنه دونه فقال: ويحك يا كعب، افتح لي حتى أدخل عليك. فقال: ويحك يا حيي إنك، امرؤ مشئوم وإنه لا حاجة لي بك، ولا بما جئتني به إني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاء وقد وادعني ووادعته، فدعني وارجع عني. فقال: واللَّه إن علقت دوني إلا عن (جشيشتك) (٢) أن آكل معك منها فاحفظه ففتح له، فلما دخل عليه قال: ويحك يا كعب، جئتك بعز الدهر بقريش معها قادتها حتى أنزلتها برومة وجئتك بغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتها إلى جانب أحد جئتك ببحر
_________________
(١) أبو داود (٣/ ١٥٦ رقم ٣٠٠٤).
(٢) الجشيشة: هي أن تطحن الحنطة طحنًا جليلا ثم تجعل في القدور ويلقى عليها لحم أو تمر وتطبخ، وقد يقال لها: دشيشة - بالدَّال، النهاية (١/ ٢٧٣).
[ ٧ / ٣٨٠٧ ]
طام لا يرده شيء قال: جئتني واللَّه بالذل ويلك فدعني وما أنا عليه؛ فإنه لا حاجة لي بك ولا بما تدعوني إليه. فلم يزل حيي يفتله في الذروة والغارب حتى أطاع له وأعطاه حيي العهد والميثاق لئن رجعت قريش وغطفان قبل أن يصيبوا محمدًا لأدخلن معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك فنقض كعب العهد وأظهر البراءة من رسول اللَّه، وما كان بينه وبينه".
١٤٦٥٤ - قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر (١) قال: "لما بلغ رسول اللَّه -ﷺ- خبر كعب ونقض بني قريظة بعث إليهم سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وخوات بن جبير وعبد اللَّه بن رواحة ليعلموا خبرهم، فلما انتهوا إليهم وجدوهم في أخبث ما بلغهم" وحدثني عاصم بن عمر، عن شيخ من بني قريظة. . . فذكر "قصة سبب إسلام ثعلبة وأسد ابني سعيد وأسد بن عبيد ونزولهم عن حصن بني قريظة وإسلامهم وخرج في تلك الليلة -فيما ذكر ابن إسحاق عن عمرو بن سعدي القرظي- فمر بحرس رسول اللَّه -ﷺ- وعليه محمد بن مسلمة تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا؟ قال: أنا عمرو بن سعدي. وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم وقال: لا أغدر [بمحمد] (١) أبدًا. فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمني عثرات الكرام. ثم خلى سبيله فخرج حتى بات في مسجد رسول اللَّه -ﷺ- تلك الليلة، ثم ذهب فلم يدر أين ذهب من الأرض، فذكر شأنه لرسول اللَّه -ﷺ- فقال: ذاك رجل نجاه اللَّه بوفائه".
وذكر ابن عقبة في هذه القصة "أن حييًّا لم يزل بهم حتى شأمهم، فاجتمع ملاؤهم على الغدر على أمر رجل واحد غير أسد وأسيد وثعلبة خرجوا إلى رسول اللَّه -ﷺ-".
١٤٦٥٥ - ابن جريج (خ م د) (٣) عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر "أن يهود النضير وقريظة حاربوا رسول اللَّه فأجلى بني النضير وأقر قريظة ومنَّ عليهم حتى حاربوا بعد،
_________________
(١) ضبب عليها المصنف للانقطاع.
(٢) لكن "هـ"، وفي "الأصل": محمد.
(٣) البخاري (٧/ ٣٨٣ رقم ٤٠٢٨)، ومسلم (٣/ ١٣٨٧ - ١٣٨٨ رقم ١٧٦٦) [٦٢]، وأبو داود (٧/ ١٥٧ رقم ٣٠٠٥).
[ ٧ / ٣٨٠٨ ]
فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأموالهم وأولادهم بين المسلمين إلا بعضهم لحقوا برسول اللَّه فأمّنهم وأسلموا". قال الشافعي: وكذلك إن نقض رجل منهم فقاتل كان للإمام قتال جماعتهم قد أعان خزاعة وهم في عقد النبي -ﷺ- ثلاثة نفر من قريش فشهدوا قتالهم فغزا النبي -ﷺ- قريشًا عام الفتح بغدر النفر الثلاثة، وترك الباقين معونة خزاعة وإيوائهم من (قابل) (١) خزاعة.
١٤٦٥٦ - ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن عروة، عن مروان بن الحكم والمسور أنهما حدثاه جميعًا قالا: "كان صلح رسول اللَّه -ﷺ- يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالت: نحن ندخل في عهد قريش وعهدهم فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرًا ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم وثبوا على خزاعة الذين دخلوا في عقد رسول اللَّه -ﷺ- ليلًا بماء لهم يقال له: الوَتير قريب من مكة، فقالت قريش: ما يعلم بنا محمد وهذا الليل وما يرانا أحد. فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح فقاتلوهم معهم [للضغن] (٢) على رسول اللَّه، وأن عمرو بن سالم ركب إلى رسول اللَّه -ﷺ- يخبره الخبر، وقد قال آيات شعر، فلما قدم على رسول اللَّه أنشده:
اللهم إني ناشد محمدًا حِلفَ أبينا وأبيه الأتلدا
كنا والدًا وكنتَ ولدًا ثمت أسلمنا ولم ننزع يدًا
فانصر رسول اللَّه نصرًا عتدًا وادع عباد اللَّه يأتوا مددا
فيهم رسول اللَّه قد تجردا أن سيم خسفًا وجهه تربدًا
في فيلق كالبحر يجري مُزبدا إن قريشًا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا زعموا أن لست أدعو أحدا
_________________
(١) في "الأصل": قابل. وفي "هـ": قاتل.
(٢) في "الأصل" للظغن والمثبت من "هـ".
[ ٧ / ٣٨٠٩ ]
فهم أذل وأقل عددا قد جعلوا لي بكداء مرصدا
هم بيتونا بالوتير هُجّدا فقتلونا ركعًا وسُجّدًا
فقال النبي -ﷺ-: نصرت يا عمرو بن سالم. فما برح حتى مرت عنانة في السماء فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب. وأمر الناس بالجهاز وكتمهم مخرجه وسأل اللَّه أن يعمي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم. قال موسى بن عقبة: ثم إن بني نفاثة من بني الديل أغاروا على بني كعب وهم في المدة التي بين رسول اللَّه وبين قريش وكانت بنو كعب في صلح رسول اللَّه -ﷺ- وكانت بنو نفاثة في صلح قريش فأعانت بنو بكر بني نفاثة وأعانتهم قريش بالسلاح والرقيق واعتزلهم بنو مدلج ووفوا بالعهد، قال: ويذكرون أن ممن أعانهم صفوان بن أمية وشيبة بن عثمان وسهيل بن عمرو، فأغارت بنو الديل على بني عمرو وعامتهم زعموا النساء والصبيان وضعفاء الرجال فأثخنوهم وقتلوا منهم حتى أدخلوهم دار بديل بن ورقاء بمكة قال: فخرج ركب من بني كعب حتى أتوا على رسول اللَّه وذكروا له الذي أصابهم وما كان من قريش عليهم في ذلك والذي أعانوا به عليهم، ثم ذكر جهاز النبي -ﷺ- ودخول أبي بكر عليه، فقال: يا رسول اللَّه، أتريد أن تخرج مخرجًا؟ قال: نعم. قال: لعلك تريد بني الأصفر؟ قال: لا. قال: أفتريد أهل نجد؟ قال: لا. قال: فلعلك تريد قريشًا؟ قال: نعم. قال: أليس بينك وبينهم مدة؟ ! قال: ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب. وأذَّن رسول اللَّه -ﷺ- في الناس بالغزو" وأما الحكم بين المعاهدين فمر في الحدود والغصب وغيرهما.
كراهية الدخول على أهل الذمة في كنائسهم والتشبه بهم يوم نيروزهم ومهرجانهم
قلت: وفي الخميس والميلاد.
١٤٦٥٧ - الثوري، عن ثور بن يزيد، عن عطاء بن دينار (١) قال عمر: "لا تعلَّموا بطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم؛ فإن السخطة تنزل عليهم".
١٤٦٥٨ - نافع بن يزيد سمع سليمان بن أبي زينب وعمرو بن الحارث سمع سعيد بن
_________________
(١) ضبب عليها المصنف للانقطاع.
[ ٧ / ٣٨١٠ ]
سلمة سمع أباه سمع عمر بن الخطاب قال: "اجتنبوا أعداء اللَّه في عيدهم".
١٤٦٥٩ - الفريابي قال: ذكر سفيان عن عوف عن الوليد -أو أبي الوليد- عن عبد اللَّه بن عمرو قال: "من (بنى) (١) ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة" قال الخطابي: الصواب: تَنَى: أقام.
أبو أسامة، نا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: "من بنى في بلاد الأعاجم فصنع نوروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة". وكذا رواه القطان وابن أبي عدي وغندر عن عوف مرفوعًا.
١٤٦٦٠ - أبو أسامة، عن حماد بن زيد، عن هشام، عن محمد قال: "أتي علي -﵁- بهدية النيروز فقال: ما هذه؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين هذا يوم النيروز. قال: فاصنعوا كل يوم فيروز. قال أبو أسامة: كره أن يقول: نيروز". قال المؤلف: في هذا كالكراهة لتخصيص يوم بذلك لم يجعله الشرع مخصوصًا به.
تم كتاب الجزية
* * *
_________________
(١) كتب بالحاشية. تَنَى: أي أقام. والصواب: تنأ. انظر النهاية (١/ ١٩٨).
[ ٧ / ٣٨١١ ]