هيّأ الله ﷿ لحفظ سُنّة نَبِيِّهِ ﷺ رجالًا أفذاذًا، لدينه أمنةً وحرّاسا، طلبوها في الآفاق، وكتبوها، وحرّروا ألفاظها وضبطوها، وبذلوا في ذلك كلّ غال ونفيس، يأخذ المتأخّر منهم عن المتقدم أدبه، وسمته، وعلمه، وحرصه على حديث رَسُولَ اللَّهِ ﷺ..
وإذا رأى الواحد منهم أنّه قد أكثر من الرواية عن شيوخه وحصّل ما عندهم، أو أنّه لا يحتاج أن يروي عن شيخ منهم كلّ ما عنده؛ لتحمّله له عن أقران شيخه أو نحو ذلك، أو لرواية شيخه عن ضعفاء ومجاهيل أو لمراسيل ومقاطيع، أو تعسّر عليه سماع كلّ ما عند شيخه لأمر ما، احتاج إلى الانتقاء على شيخه، ورواية ما حصّله ذلك الشّيخ عمّن أخذ منهم من القدماء والعلماء الغرباء ممّا يَرَى أنّ فيه فائدة له؛ فظهرت كتب الفوائد الحديثيّة المنتقاة على الشّيوخ.
والتأليف فيها نشأ في وقت مبكّر في أوساط المحدّثين فهذا اللّيث بن سعد الفهميّ (ت: ١٧٥هـ) (١) يُخَرِّج كتابا في الفوائد أودعه خمسة أحاديث، وأثرًا واحدًا في آخره، وكلّها من طريق شيخه خالد بن
_________________
(١) انظر ص/٢٣١ رقم/٩٤.
[ ١ / ١١٦ ]
يزيد الجمحيّ، المصريّ.
وهذا الكتاب الوحيد الّذي وقفت على أنّه أُلّف في الفوائد إلى نهاية القرن الثّاني الهجريّ، وفي حدّ علمي أنّ هذا الكتاب أوّل كتاب ألّف في الفوائد مما وقفت عليه منها والله تعالى أعلم.
ثمّ جاء القرن الثّالث الهجريّ، فألّف في الفوائد: داود بن عمرو الضّبّيّ (ت: ٢٢٨هـ) (١)، ويحيى بن معين (ت: ٢٣٣هـ) (٢)، وهنّاد بن السّريّ الصّغير (ت: ٢٤٣هـ) (٣)، وهشام بن عمّار (ت: ٢٤٥هـ) (٤)، وغيرهم.
ونشط التأليف نسبيّا في النّصف الثّاني من هذا القرن، فألّف في الفوائد جماعة: كالبخاريّ (ت: ٢٥٦هـ) (٥)، وسمّويه (ت: ٢٦٧هـ) (٦)، وحنبل بن إسحاق (ت: ٢٧٣هـ) (٧)،وأبو زرعة الدّمشقيّ (ت: ٢٨١هـ) (٨)، وابن أبي الدّنيا (ت: ٢٨٣هـ) (٩) وجماعة آخرين.
_________________
(١) انظر ص/٢٤٩ رقم/٢٢.
(٢) انظر ص/٢٤٦ رقم/١١٨.
(٣) انظر ص/٢٩٤ رقم/٢٥.
(٤) انظر ص/٢٩٥ رقم/٢٦.
(٥) انظر ص/٢٩٦ رقم/٣٠.
(٦) انظر ص/٢٤٧ رقم/١١٩.
(٧) انظر ص/٢٨٦ رقم/١.
(٨) انظر ص/٢٤٧ رقم/١٢٠.
(٩) انظر ص/٣٠٠ رقم/٤٤.
[ ١ / ١١٧ ]
وبدأ في هذه الفترة ظهور الاعتناء بشكل أكثر، وأبرز بكتب الفوائد حيث نجد أنّ جماعة ممّن الّف رتّبوا كتبهم على الشّيوخ إلاّ أنّهم لم يراعوا في ترتيبها تسلسل حروف المعجم، ومنهم:
أبو شعيب الحرّانيّ (ت: ٢٩٥هـ) (١)، وابن علّويه القطّان (ت: ٢٩٨هـ) (٢) في فوائدهما.
وبلغ عدد كتب الفوائد المؤلّفة في هذه الفترة - ممّا علمتُ -: واحدًا وأربعين كتابا، وقفت على عشرة منها، ثمثّل ما مقداره: ٥.٥٢ % من مجموع ما وقفت عليه من كتب الفوائد (٣) .
ثمّ جاء القرن الرّابع، وازدهرت فيه العلوم الإسلاميّة عموما، وعلم الحديث خصوصا، فكثر فيه التّأليف، والتّصنيف لاسيّما أنّ الأحاديث النّبويّة قد دُوّنت في أمّهات كتبها من الصّحاح، والسّنن، والمسانيد، وغيرها فاتّجه بعض أهل العلم وطلاّبه بجانب روايتهم لكتب الحديث إلى الانتخاب على الشّيوخ، والانتقاء من مرويّاتهم، وممّا وقع لهم روايته من الكتب سواء أكان ذلك بالقراءة، أم السّماع، أم الأجازة وممّن الّف في الفوائد خلال هذا القرن: أبو بكر البرديجيّ (ت: ٣٠١هـ) (٤)، وأبو بكر بن خزيمة (ت:٣١١هـ) (٥)، وأبو العبّاس السّرّاج (ت:
_________________
(١) انظر ص/٢٣٥ رقم/١٠٠.
(٢) انظر ص/٢٣٤ رقم/٩٧.
(٣) لا تدخل الكتب الّتي لم أقف على سنة وفاة مؤلفيها، أو تحديد قرونهم الّتي عاشوا فيها في هذه الإحصائيّة، وغيرها ممّا سيأتي.
(٤) انظر ص/٣٠٢ رقم/٥١.
(٥) انظر ص/٣٠٣ رقم/٥٥.
[ ١ / ١١٨ ]
٣١٣هـ) (١)، وابن مروان (ت: ٣١٩هـ) (٢)، وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧هـ) (٣)، وقاسم بن أصبغ (ت: ٣٤٠هـ) (٤)، وأبو بكر القطيعيّ (ت: ٣٦٨) (٥)، وأبو الشّيخ الأصبهانيّ (ت: ٣٦٩هـ) (٦)، وابن منده (ت: ٣٩٥هـ) (٧)، وجماعة غيرهم.
وظهر خلال هذه الفترة اهتمام آخر بكتب الفوائد يتمثّل في تخريج أحاديثها، والكلام عليها كما في فوائد سليمان بن أحمد الطّبرانيّ (ت: ٣٦٠هـ) (٨)، والدّارقطنيّ (ت:٣٦٥هـ) (٩)، والمؤمّل بن أحمد (ت: ٣٩٣هـ) (١٠)، وغيرهم.
وفي ترتيبها على الأطراف ثمّ على الشّيوخ كما في: فوائد أبي بكر المطرّز (ت: ٣٠٥هـ) (١١) .
وفي إخراج حديث عن كلّ شيخ في أوّلها، ثمّ الانتقاء عن بعضهم كما في: فوائد أبي عليّ الصّفّار (ت: ٣٤١هـ) (١٢)، وعثمان بن أحمد
_________________
(١) انظر ص/٢٤٩ رقم/١٢٣.
(٢) انظر ص/٢٥٠ رقم/١٢٤.
(٣) انظر ص/٣٠٦-٣٠٧ رقم/٦٢- ٦٤.
(٤) انظر ص/١٨٧ رقم/٧٢.
(٥) انظر ص/١٨٥ رقم/٢٥.
(٦) انظر ص/٢٦٥ رقم/١٥٠.
(٧) انظر ص/٢٧٨ رقم/١٧٢.
(٨) انظر ص/٢١٥ رقم/٦٧.
(٩) انظر ص/١٨١ رقم/١٩، ٢٠.
(١٠) انظر ص/٢١٨ رقم/٧٢.
(١١) انظر ص/١٨٤ رقم/٢٤.
(١٢) انظر ص/٢٤٥ رقم/١١٦.
[ ١ / ١١٩ ]
السّمّاك (ت: ٣٤٤هـ) من رواية: أبي الحسن الحماميّ عنه (١) .
وفي عدم ترتيبها على أساس معيّن في أوّلها، ثمّ ترتيبها على الأطراف كما في: فوائد أبي الشّيخ (ت: ٣٦٩هـ) من رواية: أبي طاهر الكاتب عنه (٢) .
مع بقاء الاعتناء بالتّرتيب على الشّيوخ على ما هو عليه في القرن الثّالث، وسار على ذلك جماعة منهم: الطّبرانيّ، وأبو عمرو السّمرقنديّ (ت: ٣٤٥هـ) (٣)، وأبو أحمد الحاكم (ت: ٣٧٨هـ) (٤)، وغيرهم.
مع ظهور الاعتناء بترتيب أسماء الشّيوخ على تسلسل حروف المعجم، ويظهر هذا جليا عند أحمد بن نصر (ت: ٣٢٣هـ) في فوائده (٥) .
ومعظم كتب الفوائد ألّفت في هذا القرن فألف فيه - فيما علمتُ -: اثنان وستون ومائة كتاب، وقفت على سبعة وسبعين كتابًا منها، تمثّل عند النّظر إلى مجموع ما وقفت عليه من كتب الفوائد ما نسبته: ٤٢.٥٤%.
ثمّ جاء القرنان الخامس، والسادس، واستمرّ الوضع فيهما على ما كان عليه في الّذي قبلهما، وحضّ أهل العلم طلاّبهم على العمل بطريقة الانتقاء، والتّخريج على الشّيوخ؛ لتحصل لهم الفائدة المرجوّة
_________________
(١) انظر ص/٢٥٤ رقم/١٣٢.
(٢) انظر ص/٢٤٥ رقم/١١٧.
(٣) انظر ص/٢٠٣ رقم/٥١.
(٤) انظر ص/٢٣٤ رقم/٩٩.
(٥) انظر ص/٢٣٣ رقم/٩٨.
[ ١ / ١٢٠ ]
فهذا الخطيب البغداديّ في: (الجامع) (١) ينقل عن بعض مشايخه قال: "من أراد الفائدة فليكسر قلم النّسخ، وليأخذ قلم التّخريج" وممّن ألّف في الفوائد خلال هذين القرنين:
أبو يعلى القزوينيّ (ت: ٤٠١هـ) (٢)، وأبو عبد الله الحاكم (ت: ٤٠٥هـ) (٣)، وابن رزقويه (ت: ٤١٢هـ) (٤)، وابن شاذان (ت: ٤٢٥هـ) (٥)، وأبو يعلى الخليليّ (ت: ٤٤٦هـ) (٦)، والحبّال (ت: ٤٨٢هـ) (٧)، وابن القيسرانيّ (ت: ٥٠٧هـ) (٨)، وخميس الحوزيّ (ت: ٥١٠هـ) (٩)، وابن العربيّ (ت: ٥٤٣هـ) (١٠)، وابن الجوزيّ (ت: ٥٩٧هـ) (١١)، في آخرين.
وكثر اعتناؤهم بتخريج أحاديثها، وترتيب أسماء الشّيوخ فيها على حروف المعجم كما في: فوائد أبي القاسم الحرفيّ (ت: ٤٢٣هـ) (١٢)،
_________________
(١) (٢/٤٢٨) .
(٢) انظر ص/٣٢٩ رقم/١٢٤.
(٣) انظر ص /٣٢٩-٣٣٠ رقم/١٢٥ ١٣٠.
(٤) انظر ص/٢٩٠ رقم/١٠.
(٥) انظر ص/٣٢٢ رقم/١٠٥.
(٦) انظر ص/٣٣٥ رقم/١٤٩.
(٧) انظر ص/٣٤٠-٣٤١ رقم/١٦٥، ١٦٧.
(٨) انظر ص/٣٤٤ رقم/١٧٧.
(٩) انظر ص/٣٤٥ رقم/١٧٩.
(١٠) انظر ص/٣٥٣ رقم/٢٠٤.
(١١) انظر ص/٣٥٦ رقم/٢١٦.
(١٢) انظر ص/٢٣٩ رقم/١٠٦.
[ ١ / ١٢١ ]
وأبي البركات الأنماطيّ (ت: ٥٣٨هـ) (١)، وابن الباغبان (ت: ٥٥٩هـ) (٢)، وشُهدة بنت أحمد (ت: ٥٧٤هـ) (٣)، وغيرهم.
وسار عدد منهم على ما سار عليه بعض أهل القرن الرّابع من تخريج أحاديث كتبهم، دون مراعاة لترتيبها على الشّيوخ كما يظهر عند جماعة منهم:
ابن الحماميّ (ت: ٤٣٧هـ) (٤)، وأبي القاسم الحنائيّ (ت: ٤٥٩هـ) (٥)، وجعفر بن أحمد السرّاج (ت: ٥٠٠هـ) (٦)، وابن المؤيّد بالله (ت: ٥٠٨هـ) (٧)، وغيرهم في فوائدهم.
وفي المقابل نجد منهم من رتّب كتابه على أسماء شيوخه: كالعيسويّ (ت: ٤١٥هـ) (٨)، وأبي القاسم الحرفيّ (ت: ٤٢٣هـ) من رواية: القاسم بن الفضل عنه (٩)،وأبي بكر الشّاشيّ (ت:٥٠٧هـ) وترتيب الشّيوخ عنده على تسلسل الحروف (١٠) والسّلفيّ (ت: ٥٧٦هـ) (١١)
_________________
(١) انظر ص/٢١٥ رقم/٦٨.
(٢) انظر ص/٢١٦ رقم/٦٩.
(٣) انظر ص/١٧١ رقم/٧.
(٤) انظر ص/١٧٢ رقم/٨.
(٥) انظر ص/١٧٣ رقم/٩.
(٦) انظر ص/١٦٨ رقم/٢.
(٧) انظر ص/١٦٧ رقم/١.
(٨) انظر ص/١٩٠ رقم/٣٢.
(٩) انظر ص/٢٣٩ رقم/١٠٦.
(١٠) انظر ص/٢٤٢ رقم/١١٠.
(١١) انظر ص/٣٥٦ رقم/٢١٢ ٢١٤.
[ ١ / ١٢٢ ]
في فوائدهم، في جماعة آخرين.
وهذا كلًّه دالّ على اعتنائهم بتصنيفها، وترتيبها، وممّا يبرزه بشكل أوضح: أنّ نسبة ما خُرِّج منها، أو رتّب على الشّيوخ يمثّل ما نسبته: ٥٤.٥٤ % من مجموع ما وقفت عليه منها خلال هذين القرنين.
هذا، وبلغ مجموع ما ألّف في الفوائد خلال هذه الفترة فيما علمتُ-: أربعة كتب ومئتي كتاب، كان نصيب القرن الخامس منها: أربعة وثلاثين ومائة كتاب.
ثمّ جاءت القرون: السّابع، والثّامن، والتّاسع فقلّ تأليف الفوائد فيها عن القرون الّتي تقدّمتها
ومع ذلك فإنّه اُعتني بتخريجها وترتيبها أكثر ممّا كان عليه ذلك في القرون السّالفة، وظهر خلالها التّرتيب على الأطراف من جديد بعد أن وجد في القرن الرّابع الهجريّ (١) كما في: فوائد أبي اليُمن الكنديّ (ت: ٦١٣هـ) (٢) .
هذا، وبلغ عدد ما خُرِّج من كتب الفوائد أو رُتّب خلال هذه الفترة: أربعة عشر كتابا من سبعة عشر هي مجموع ما وقفت على مخطوطاتها وهذا يمثّل ما نسبته: ٨٢.٣٥% وهي نسبة عالية.
_________________
(١) انظر ص/١٢٢.
(٢) انظر ص/٢١٣ رقم/٦٤.
[ ١ / ١٢٣ ]
وممّن ألّف في هذه الفترة: عفيفة الفارفانيّة (ت: ٦٠٦هـ) (١)، والعثمانيّ (ت: ٦١٨هـ) (٢)، وابن المقيّر (ت: ٦٤٣هـ) (٣)، وأبو حامد الصابونيّ (ت: ٦٨٠هـ) (٤)، وأبو الحسن الوانيّ (ت: ٧٢٧هـ) (٥)، والذّهبيّ (ت: ٧٤٨هـ) (٦)، والعلائيّ (ت: ٧٦١هـ) (٧)، وأمّ المساكين بنت اليافعيّ (ت: ٨٤٦هـ) (٨) وهي آخر من ألّف في الفوائد الحديثيّة ممّا وقفت عليه.
هذا، وبلغ مجموع ما أُلِّف في الفوائد خلال هذه الفترة - فيما علمت -: أربعة وثلاثين كتابا، كان نصيب القرن السّابع منها: أربعة وعشرين، والقرن التّاسع: كتابا واحدًا فقط.
ولعلّ قلّة تأليف الفوائد خلال هذه القرون عائد إلى كثرة التّأليف في الحديث، وانتشار المصنّفات فيه، وقلّة احتياج طلاّب العلم إلى الرّحلة، والانتقاء على الشّيوخ، وضعف الاهتمام بالرّواية بالسند، وانصباب الجهود على الاعتناء بكتب المتقدّمين، سماعا، وإجازة، وخدمة سواء أفي المتون أم الأسانيد؛ ليسهل الانتفاع بها، أو جمع ما جاء من الأحاديث فيها في موضوع واحد، وإيداعها مصنّفا مستقلًاّ، ونحو ذلك - والله تعالى أعلم -.
_________________
(١) انظر ص/٣٥٧ رقم/٢٢٠.
(٢) انظر ص/١٧٠ رقم/٥.
(٣) انظر ص/٢٤٣ رقم/١١٢.
(٤) انظر ص/٣٦٠ رقم/٢٢٧.
(٥) انظر ص/٢٠٨ رقم/٥٧.
(٦) انظر ص/٢٣٠ رقم/٩٣.
(٧) انظر ص/٣٦١ رقم/٢٣١.
(٨) انظر ص/٣٦٢ رقم/٢٣٤.
[ ١ / ١٢٤ ]