لم تسعفنا المصادر بترجمة مفصّلة، وافية للمِهروانيّ يرحمه الله فلا نجد فيها بالتّالي ما يدلّ على كيفيّة نشأته، إلاّ أنّ الرجل موصوف بالصّلاح، والزّهد، والعبادة، وهو مع ذلك ثقة، محدّث، والغالب على من كان بهذه الصِّفة أنّه نشأ نشأة جيّدة، في ظلّ أهل بيت غرسوا فيه هذه المبادئ السّامية، والقيم الرّفيعة، حتى كبر، وصار له شأنه، ومنزلته، فقصده الطلاّب، واهتمّ أهل العلم بالأخذ عنه، والانتقاء عليه.
أما طلبه للعلم: فلم تحدّد المصادر لنا أيضا بدء طلبه له، إلاّ أنّه يمكن أن أقول: إنّ المهرواني همذانيّ الأصل، نزل بغداد، وسكن بها، وكانت عاصمة الخلافة العبّاسيّة، ومركزًا مهما من مراكز العلم في ذلك العصر، يقصدها طلاّب العلم وإن تباعدت بهم الدّيار، ونأت بهم الأسفار والمهروانيّ حلّ بها في وقت مبكّر من عمره، وأخذ عن كبار علماء أهلها، ومحدّثيهم، ولعلّه ما شرع في الأخذ عنهم إلاّ في وقت متأخّر نوعا ما، حيث نجد أنّ أقدم شيخ له حدّدت المصادر تأريخ وفاته تحديدًا دقيقا هو: أبو أحمد الفرضيّ، المتوفّى سنة: (٤٠٦هـ)، ويكون عُمر المهروانيّ آنذاك: ستّ وعشرون سنة، مع أنّا لا نعلم متى أخذ عنه، وسمع منه، مع أنّ أحاديثه عنه عالية جدًّا كبقيّة مشايخه.
ولو أنّه طلب العلم في سنّ مبكّرة جدًّا لأخذ عن: أبي بكر الجوهريّ، وأبي بكر السّمسار، وابن حبّابة، وأبي بكر الهاشميّ، وأبي حفص الكتّانيّ، وابن أخي ميمي، وأبي إسحاق الطّبريّ، وأبي القاسم ابن
[ ١ / ٤٥ ]
زنجويه، وعثمان بن محمَّد المخرِّميّ، وأبي طاهر المخلّص، والإسماعيليّ، وأبي الفضل الهاشميّ، والحسين بن هارون، وأبي مسعود الدّمشقيّ الحافظ، وخلف الواسطيّ الحافظ، وأبي الحسن بن النّجّار، وابن البغداديّ، وابن شاذان، وغيرهم من البغداديّين، أو الواردين عليهم ممّن مات في أواخر القرن الرابع، أو أوائل الخامس، أو عن بعضهم على أقلّ تقدير.
ولو قيل: لعلّ سبب ذلك هو تأخّره في الخروج من همذان؛ لقلتُ: لأخذ عن مسند همذان في وقته: عبد الرّحمن بن محمَّد، المعروف بابن شبانه (ت: ٤٢٥هـ) (١) والله تعالى أعلم.
ثمّ إنّ المهرواني ﵀ لم يكتف بالأخذ في بغداد عن شيخه أبي أحمد الفرضيّ، بل أخذ عن جماعة آخرين كانوا من كبار المحدّثين في عصرهم، وصار يروي عنهم بعلوّ باهر فيما بعد.
_________________
(١) انظر ترجمته في: السّير (١٧/٤٣٢) .
[ ١ / ٤٦ ]