ظهر لنا جليا ممّا تقدّم من ترجمة المهروانيّ ﵀ اتّصاله بعلماء عصره، وإفادته منهم، ثمّ روايته، وتحديثه عنهم، مع ثقته، وصلاحه، إلاّ أنّه لم يُخلّف من بعده كثيرًا من الآثار؛ لعدم اشتغاله بالتّصنيف - فيما يظهر - وكُلّ ما وقفت عليه أنّه أُثر عنه مُنتقَيَان:
- أوّلهما: الفوائد المنتخبة الصّحاح والغرائب، المشهور بالمِهْروانيّات، انتقاء: الخطيب البغداديّ له، وهو هذا الكتاب الّذي أنا بصدد دراسته، وتحقيقه.
- والثّاني: كتاب آخر في الفوائد، من انتقاء الحافظ: أبي الفضل ابن خيرون (١) .
قال السّمعانيّ: "انتقى عليه، وانتخب الفوائد الإمام أبو بكر أحمد ابن عليّ بن ثابت الخطيب الحافظ، وأبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون الأمير، البغداديّان" (٢) .
وما انتقاه ابن خيرون ﵀ ما يزال في حكم المفقود، فلم أقف عليه في المكتبات، أو فهارس المخطوطات مع اعتنائي، وحرصي الشّدِيْدَين على ذلك.
وقد وقع سماع هذا المنتقى لأبي موسى المقدسيّ ﵀ فأفادنا بمعلومات جيّدة عنه (تتعلّق باسم الكتاب الّذي يكشف عن نوع فوائده الحديثيّة، وراويه عن المهروانيّ، وسند أبي موسى إليه، وأوّل الكتاب، وآخره، وغير ذلك)
_________________
(١) تقدّمت ترجمته انظر: ص/٧٦.
(٢) الأنساب (٥/٤١٦) .
[ ١ / ٨٠ ]
قال في: (ثبَت مسموعاته) ما نصّه:
"سمعت على الشّيخ أبي الفتوح يوسف بن المبارك بن كامل الخفّاف (١) بقراءة: الفقيه عزّ الدّين أبي الفتح محمَّد بن الحافظ أبي محمَّد عبد الغنيّ بن عبد الواحد (٢)، وأخواه: عبد الله (٣)، وعبد الرّحمن (٤)، ومحمد بن أختي (٥) في يوم الأحد التّاسع من شهر ربيع الآخر، من سنة ثمان وتسعين وخمسمائة:
الجزء الثّاني من: الفوائد العوالي الصّحاح المخرّجة على كتابي البخاريّ ومسلم، تخريج: أبي الفضل بن خيرون للشّيخ أبي القاسم يوسف بْنُ محمَّد بْنِ أَحْمَدَ بْنِ محمَّد المهروانيّ من أصوله، وسماعاته، رواية الشّيخ المذكور (٦) عن أبي منصور عبد الرّحمن بن محمَّد بن عبد الواحد القزّاز عنه (٧) .
أوّله: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسول الله: "إنّ الله قال: مَن عَادى لِي وَليًا فقَد آذَنَني بِالحَرْب " الحديث.
وآخره:
شربنا بريق من هواها مكرر وليس يعاف الريق من كان صاريا
_________________
(١) البغداديّ، المقرئ صالح، حافظ، عَسِرٌ في الرّواية. مات سنة: إحدى وستّمائة. انظر: التّكملة للمنذريّ (٢/٦٠) ت/٨٧٧، والسّير (٢١/٤١٧) .
(٢) محدّث، حافظ، إمام انظر: السّير (٢١/٤٦٨) .
(٣) هو: أبو موسى نفسه.
(٤) انظر: السّير (٢١/٤٦٨) .
(٥) لم أقف على ترجمة له.
(٦) أي: الخفّاف.
(٧) أي: عن المهروانيّ.
[ ١ / ٨١ ]
الجزء للعزّ (١) " (٢) اهـ.
ويظهر ممّا سبق:
١- أنّ من المُحتمل أنّ الكتاب يقع في عِدّة أجزاء كبيرة نوعًاما (٣)؛ إذ تتابع على قراءة الثّاني منه أربعة من القرّاء.
٢- وأنّ أحاديثه من العوالي الصّحاح، المخرّجة على الصّحيحين، ولكن لا يُدرى هل تكلّم ابن خيرون على هذه الأحاديث أم لا؟
٣- وأنّ كلّ جزء خُتم بالأشعار، أو الآثار.
٤- ويظهر أيضًا: احتمال وجود أكثر من حديث من انتقاء ابن خيرون فيما انتقاه الخطيب.
وأنّ الحديث قد يُخرّج على الشّيخ أكثر من مرّة فالحديث الأوّل من الجزء الثّاني في انتقاء ابن خيرون هو الحديث الخامس نفسه من الجزء الثّاني في انتقاء الخطيب البغداديّ (٤) .
_________________
(١) محمَّد بن عبد الغنيّ، أخي أبي موسى.
(٢) [١٣٨/ب] .
(٣) نوع (ما) هنا زائدة، يُؤتى بها لِتَصْلاح اللّفظ، لازمة له، فهي زائدة في الأصل على الكلمة، وتفيد فيها معها معنىً يزول بزوالها وأفاد بعض أهل اللّغة أنّها اسم في معنى الصّفة؛ للتّعظيم والتّكثير، نقله المالَقيّ في رصف المباني (ص/٣٨٣)، وقال: "والصّحيح أنّها حرف يُفيد التّوكيد، كما تُفيد النّون".
(٤) انظر ص/٦٢٨ رقم الحديث/٣٨.
[ ١ / ٨٢ ]