الحمد لله الخالق البارئ المُبْدئ المُعيد، ذي القوّة والعزّة والعرش المجيد، الظّاهر القادر الفعّال لما يريد، الّذي أوحى لرسله التّوراة والإنجيل والقرآن المجيد، وأنزل من السّماء ماء مباركا فأنبت به جنّات وحبّ الحصيد، والنّخل باسقات لها طلع نضيد، وأنزل الحديد فيه منافع للنّاس وبأس شديد، وبسط من رزقه وعلمه على العباد وجعل منهم الفائد والمستفيد، الّذي لا مانع لما أعطى وبسط ووهب، ولا معطي لما رفع وقبض وسلب، طاعته للعاملين أَعْظَمُ شَرف وأَفْضَلُ مُكْتَسب، سَهَّل لهم في جانب بِرِّه وعبادته كلَّ صعوبة ومشقة ونصب
وأشهد أن لا إله إلاّ الله الواحد الأحد الفرد الصّمد، وأشهد أنّ محمَّدًا عبده ورسوله اصطفاه الله على سائر خلقه وانتخب، صلّى الله عليه وعلى آله وأزواجه الطّاهرات ذوات الحجب، وعلى أصحابه والتّابعين لهم بإحسان عدد ما حدّث شيخ بالأحاديث الفوائد وانتخب أمَّا بَعد:
فالعلم الشرعيّ الموروث عن خاتم الأنبياء ورسول ربّ العالمين صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم أشرف العلوم وأعلاها، وأعلى ما خصّ بمزيد العناية والاهتمام، وأولى ما صُرِفت إليه وفيه العناية ونفائس اللّيالي، والأيّام.
وَعِلم السّنّة النّبويّة من أشرف هذه العلوم وأجلّها قَدْرًا بعد الذِّكر الحكيم؛ إذ هي المُبَيّنة لكتاب الله ﷿ ففيها أَسْند الله إلى رسوله ﷺ بيان القرآن، قال جلّ وعلا:
[ ١ / ٨ ]
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١)، فبيّن الرّسول ﷺ أكمل، وأتمّ بيان ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢)، ففسّر القرآن بأقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته، وأبان عن مشكل آياته، وما يفصّل مجمله، ويخصّص عامّه، ويقيّد مُطلقِه.
ومن رحمة الله سبحانه، وتعالى بأمّة خاتم رسله ﷺ أَنْ تكفّل لها بحفظ كتابها، وسنّة رسولها ﷺ فَقَالَ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ (٣)، فدلالتها على حفظ السّنّة إما اقتضاء؛ لأنّ لفظة الذّكر عنى بها الوحي، وإما لزومًا؛ لأنّ السّنّة هي المبيِّنة للكتاب الشّارحة له، فلا يتمّ حفظ المبيَّن المفسَّر إلاّ بحفظ المبيِّن المفسِّر، ومن فضله أنْ أقام لهذه السّنّة علماء جهابذة نُقّادا، صانوها وحفظوها، ورحلوا في طلبها وكتبوها، فدوّنوها أكمل تدوين، وذادوا عنها بألسنتهم وأقلامهم في كلّ زمان ومكان ونفوا عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وبذلوا وسعهم في روايتها، وضبطها، وبيان كَتَبَتِها ورواتها، وأسانيدها ومتونها، وعللها، وتحمّلوا في ذلك مشقّة الدّأب والكَلاَل، وصعوبة الانتقال والتَّرْحَال، وبذل النّفوس والأموال
يقول ابن حبّان ﵀ (ت: ٣٥٤هـ) في مدحه لأهل الحديث، ووصفه لهم: ".. ثمّ اختار الله طائفة لصفوته، وهداهم لزوم
_________________
(١) سورة النّحل، الآية: (٤٤) .
(٢) سورة النّجم، الآية: (٣، ٤) .
(٣) سورة الحجر، الآية: (٩) .
[ ١ / ٩ ]
طاعته، من اتّباع سبل الأبرار، في لزوم السّنن والآثار، فزيّن قلوبهم بالإيمان، وأنطق ألسنتهم بالبيان من كشف أعلام دينه، واتّباع سنن نبيّه بالدؤوب في الرِّحَلِ والأسفار، وفراق الأهل والأوطار، في جمع السّنن، ورفض الأهواء، والتّفقّه فيها بترك الآراء، فتجرّد القوم للحديث وطلبوه، ورحلوا فيه وكتبوه حتى حفظ الله بهم الدّين على المسلمين، وصانه من ثلب القادحين، وجعلهم عند التنازع أئمّة الهدى، وفي النّوازل مصابيح الدّجى، فهم ورثة الأنبياء، ومأنس الأصفياء" اهـ (١) .
وما هذه الصِّيانة، والحفظ، والسَّهر على تدوين الأحاديث، والآثار، وتحمّل المشاقّ إلاّ لما استقرّ في نفوسهم، وتشرّبته قلوبهم، وأفئدتهم من إيمان بالله، وطمع في رحمته، وجنّته، وحبّ لرسوله ﷺ ومصداقٍ لوعد الله بحفظ كتابه المُقْتَفى وسنّة نَبِيِّهِ ﷺ المُصْطفى، اللّذان عليهما مدار العلوم الشّرعية.
وقد أنتجت جهود أولئك العلماء في خدمة السّنّة، والعناية بها أمورًا من أهمّها: الدّواوين الكثيرة الّتي جمعوا فيها أحاديث رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وكتبوها وحرّروا ألفاظها وضبطوها.. . كالصّحف، والنّسخ الحديثيّة، والمصنّفات المبوّبة المرتّبة على الكتب، أو المسانيد، أو الموضوعات، وككتب الفوائدالحديثيّة، والأجزاء، والمشيخات، والأمالي، ونحوها
وظهرت كتب الفوائد الحديثيّة منها نتيجة اتّجاه أهل العلم وطلاّبه
_________________
(١) انظر مقدّمة صحيحه (الإحسان ١/١٠٠ ١٠١) . وانظر: المجروحين (١/٢٧)، وَشرف أصحاب الحديث للخطيب البغداديّ (ص / ٨ ٩) .
[ ١ / ١٠ ]
إلى الانتخاب والتّخريج من مرويّاتهم وسماعاتهم وإجازاتهم؛ أو من أصول وسماعات وإجازات شيوخهم، أو أقرانهم، أو تلاميذهم؛ ما حصّلوه من ثمرة طلبهم، وتحصيلهم، ورحلتهم، وسماعهم من القدماء، ومن نزل عليهم من العلماء الغرباء ما يرون أنّ فيه فائدة لا توجد عند غيرهم من الشّيوخ
قال الخطيب - ﵀ - في: (الجامع) (١): "كان بعض مشايخنا يقول: من أراد الفائدة فليكسِر قلم النّسخ، وليأخذ قلم التّخريج" (٢) .
وتتوقّف أهميّة الأحاديث المنتخبة وقيمتها على منزلة صاحب أحاديثها، ومنتخبها عليه، وقدرهما
لا سيّما إذا خُدمت هذه الأحاديث بالكلام على أسانيدها، ومتونها، والإبانة عن صحيحها وسقيمها، وطرقها وشواهدها، والكشف عن عللها، وأوهام رواتها من قِبَل أحد أئمّة هذا الشّأن وأربابه، وحفظته ونقّاده كالطّبرانيّ، والدّارقطنيّ، وخلف الواسطيّ الحافظ، وأبي بكر الخطيب البغداديّ، وأبي طاهر السّلفيّ، ومحمد عبد الواحد المقدسيّ، وأبي موسى المدينيّ، وأضرابهم من نَقَلَة الآثار، ونقّاد الأخبار.
والإمام، الحافظ، النّاقد، العَلم: أبو بكر الخطيب البغداديّ
_________________
(١) (٢/٤٢٨) .
(٢) أي: قلم الانتقاء، والانتخاب ذلك أنّ من أراد الانتخاب على عالم أخذ القلم، ورسم على ما ينتخبه من أصول هذا العالم، سواء أكان هذا الرّسم حرفا أم حرفين، أم خطا بالسّواد، أو الحمرة، في المتن أو الحاشية. انظر: الجامع (٢/٢٢٤ - ٢٢٥) .
[ ١ / ١١ ]
معروف بجودة الانتخاب، وبراعة التصنيف، عارف بصحيح الحديث وغريبه، ومنتخباته، ومصنّفاته جديرة بأن تثنى عليها الخناصر، ويعضّ عليها بالنّواجذ.
وقد انتخب يرحمه الله أحاديث فوائد على جماعة من الشّيوخ الحفّاظ الثّقات الّذين كانوا في عصره ممّن يُعَدّ في طبقته، أو طبقة تلاميذه فانتخب على الشيخ الثّقة، الدّين أبي القاسم المهْروانيّ (٣٨٠ - ٤٦٨هـ) عددًا من الأحاديث الصّحاح، والغرائب، والآثار، والأشعار (١) .
وعلى الشّيخ، الثّبت أبي محمَّد السّرّاج (٤١٧ - ٥٠٠هـ) عددًا من الأحاديث الصّحاح العوالي، والآثار، والأشعار (٢) .
وعلى الشيخ، الثّقة أبي القاسم النّسيب (٤٢٤ - ٥٠٨هـ) عددًا من الأحاديث الصّحاح، والغرائب، والآثار، والأشعار كذلك (٣) .
وتكلّم على أحاديثها بكلام نفيس، تضمّن ذكرًا لمخرّجيها، وبيانا لعللها، وطرقها، والتّرجيح بينها، وكلامًا على رجالها توثيقا، وتضعيفا، وضبطًا لأسمائهم، وأنسابهم إلى غير ذلك من الفوائد العزيزة والنّكات البديعة المفيدة.
وما انتقاه - ﵀ - على أبي القاسم يوسف بن محمَّد المهروانيّ أسانيده عالية جدًّا، وَصَلَ إلينا تامّا، وعنه أربع نسخ خطّيّة جيّدة، وقيّمة، وهذا كلّه لا يوجد في بقيّة ما انتخبه على من تقدّم ذكرهم من
_________________
(١) وهو هذا الكتاب الّذي أنا بصدد دراسته، وتحقيقه.
(٢) انظر: ص/١٦٨ رقم / ٢.
(٣) انظر: ص/١٧٤ رقم/١١.
[ ١ / ١٢ ]
المشايخ، وغيرهم.
وقد طالعت هذا المنتخب المعنون له بالفوائد المنتخبة الصّحاح والغرائب، المشهور في أوساط أهل العلم بالمِهْرَوانِيَّات، فألفيته كتابا نافعا، قيّما، نفيسا، كثير الفوائد، غزير النّكات، والتّحقيقات، والفرائد، فيه منية للقاصد، وبغية للمطّلع، وللباحث، فاستخرت الله في القيام بخدمته خدمة لسنّة رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ومشاركة في حفظها، رجاء نيل المثوبة، وعظيم الأجر والخير، ثمّ استشرت عددًا من أهل العلم فشجّعوني، وحفّزوني، وشحذوا همّتي، فانشرح صدري له، واستعنت الله على العمل فيه، ووفّقت في تسجيله رسالة لنيل الشهادة العالمية (الماجستير) من قسم فقه السّنّة ومصادرها، في كليّة الحديث الشريف والدّارسات الإسلاميّة، بالجامعة الإسلاميّة بالمدينة النبويّة
وبالله أستعين لما قصدّت، وأسأله التّوفيق والإعانة والسّداد فيما رغبت وأردتّ، فهو حسبي ونعم الوكيل، والله يقول الحق، وهو يهدي السّبيل.
[ ١ / ١٣ ]