إذا خولف الثقة في حَدِيْث من الأحاديث فهنا مسألة يأخذها النقاد بنظر الاعتبار فيوازنون ويقارنون بَيْنَ المختلفين فإذا خولف الثِّقَة من قِبَلِ ثقة آخر فيحكم حينئذٍ لرواية من الروايات بحكم يليق بِهَا وكذا تأخذ المقابلة الحكم بالضد أما إذا خولف الثقة برواية ضعيف من الضعفاء، فلا يضر حينئذ الاختلاف لرواية الثقة؛ إذ إن رِوَايَة الثقات لا تعل برواية الضعفاء (^٢)؛ فرواية الثقة معروفة ورواية الضعيف منكرة فعلى هَذَا المنكر من الْحَدِيْث هُوَ: المنفرد المخالف لما رَوَاهُ الثقات (^٣) قَالَ الإمام مُسلِم: "وعلامة المنكر في
_________________
(١) النكت عَلَى كِتَاب ابن الصلاح ٢/ ٧٠٠ - ٧٠١.
(٢) انظر: فتح الباري ٣/ ٢١٣.
(٣) هكذا عرفه ابن الصَّلَاحِ في مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ١٧٠، وَهُوَ ما اشتهر وانتشر عِنْدَ المتأخرين من الْمُحَدِّثِيْنَ، فهو عِنْدَ المتأخرين: ما رَوَاة الضعيف مخالفًا للثقات، لَكِنْ ينبغي التنبيه عَلى أن المتقدمين من الْمُحَدِّثِيْنَ لَمْ يتقيدوا بِذَلِكَ، وإنما عندهم كُلّ حَدِيْث لَمْ يعرف عن مصدره ثقة كَانَ راويه أم ضعيفًا، خالف غيره أم تفرد، إذن فالمنكر في لغة المتقدمين أعم مِنْه عِنْدَ المتأخرين، وَهُوَ أقرب إلى معناه اللغوي، فإن المنكر لغة: نكر الأمر نكيرًا وأنكره إنكارًا ونكرًا، معناه: جهله. وجاء إطلاقه عَلَى هَذَا المعنى في مواضع من القرآن = [*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع «الخامس»
[ ١ / ٢٣٥ ]
حَدِيْث المحدّث إذا ما عرضت روايته للحديث علَى رِوَايَة غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم أو لَمْ تكد توافقها" (^١).
وعليه فإن رِوَايَة الضعيف شبه لا شيء أمام رِوَايَة الثقات الأثبات ولا تعل الرِّوَايَة الصحيحة بالرواية الضعيفة، وقَدْ وجدنا خلال البحث والسبر أن بعض العلماء قَدْ عملوا بأحاديث بعض الضعفاء وَهِيَ مخالفة لرواية الثقات، ومثل هَذَا يحمل علَى حسن ظنهم برواية الضعيف وعلى عدم اطلاعهم علَى رِوَايَة الثقات.
_________________
(١) = الكريم، كقوله تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨]، وقوله تَعَالَى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣] وعلى هَذَا فإن المتأخرين خالفوا المتقدمين في مصطلح المنكر بتضييق ما وسعوا فِيْهِ. وانظر في المنكر: الإرشاد ١/ ٢١٩، والتقريب: ٦٩، والاقتراح: ١٩٨، والمنهل الروى: ٥١، والخلاصة: ٧٠، والموقظة: ٤٢، واختصار علوم الْحَدِيْث: ٥٨، والمقنع ١/ ١٧٩، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥١ طبعتنا، ونزهة النظر: ٩٨، والمختصر: ١٢٥، وفتح المغيث ١/ ١٩٠، وألفية السيوطي: ٣٩، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي: ١٧٩، وفتح الباقي ١/ ٢٣٧ بتحقيقنا، وتوضيح الأفكار ٢/ ٣، وظفر الأماني: ٣٥٦، وقواعد التحديث: ١٣١، والحديث المعلول قواعد وضوابط: ٦٦ - ٧٧.
(٢) صَحِيْح مُسْلِم ١/ ٥. فائدة: كتاب الحافظ أبي أحمد بن عدي المسمى بـ: "الكامل في ضعفاء الرجال" أصل في مَعْرِفَة المنكرات من الأحاديث. نكت الزركشي ٢/ ١٥٦ - ١٥٧.
[ ١ / ٢٣٦ ]
مثال ذَلِكَ:
ما رَوَاهُ أبو سعيد يحيى بن سليمان الجعفي (^١)، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن وهب (^٢)، قَالَ: أخبرني يحيى بن أيوب (^٣)، عن يحيى بن سعيد، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري (^٤)، عن أبيه (^٥): "أن الصعب بن جَثامة أهدى للنبي - ﷺ -
_________________
(١) هُوَ يَحْيَى بن سليمان بن يَحْيَى الجُعفي، أبو سعيد الكوفي، نزيل مصر: صدوق يخطئ، توفي سنة (٢٣٧ هـ). تهذيب الكمال ٨/ ٤٩ (٧٤٣٧)، والكاشف ٢/ ٣٦٧ (٦١٨١)، والتقريب (٧٥٦٤).
(٢) هُوَ عَبْد الله بن وهب بن مُسْلِم القرشى، مولاهم، أبو مُحَمَّد المصري: ثقة، حافظ، عابد، توفي سنة (١٩٧ هـ). الثقات ٨/ ٣٤٦، وتهذيب الكمال ٤/ ٣١٧ (٣٦٣٣)، والتقريب (٣٦٩٤).
(٣) هُوَ يَحْيَى بن أيوب الغافقى، أبو العباس المصري: صدوق رُبَّمَا أخطأ، توفي سنة (١٦٨ ج). التاريخ الكبير ٨/ ٢٦٠، وتهذيب الكمال ٨/ ١٧ - ١٨ (٧٣٨٧)، والتقريب (٧٥١١).
(٤) هُوَ جعفر بن عَمْرو بن أمية الضمرى المدني، أخو عَبْد الملك بن مروان من الرضاعة: ثقة، توفي سنة (٩٥ هـ)، وَقِيلَ: (٩٦ هـ). التاريخ الكبير ٢/ ١٩٣، وتهذيب الكمال ١/ ٤٦٨ (٩٢٩)، والتقريب (٩٤٦).
(٥) هُوَ الصَّحَابِيّ الجليل عَمْرو بن أمية بن خويلد، أبو أمية الضمري، توفي في خلافة معاوية. أسد الغابة ٤/ ٨٦، وتجريد أسماء الصَّحَابَة ١/ ٤٠٠ (٤٣٢٤)، والإصابة ٢/ ٥٢٤.
[ ١ / ٢٣٧ ]
عجز حمار وحش، وَهُوَ بالجُحْفَة (^١) فأكل مِنْه وأكل القوم" (^٢).
فهذا الْحَدِيْث مخالف لرواية الثقكات، وفيه راويان فيهما مقال:
الأول: يحيى بن أيوب الغافقي:
فهو وإن حسّن الرأي فيْه جَمَاعَة من الْمُحَدِّثِيْنَ فَقَدْ تَكلمَ فِيْه آخرون، فَقَدْ ضعّفه أبو زرعة (^٣)، والعَقيَلي (^٤)، وقالَ أحمد: كَانَ سئ الحَفظ (^٥)، وقالَ أبو حاتم: "محله الصدق يكتب حديثه ولا يحتج بِهِ" (^٦)، وقالَ النسائي: "ليس
_________________
(١) وَهِيَ قرية كبيرة، ذات منبر، تقَع علَى طريق مكة، وَكَانَ اسمها مَهْيَعة، وسميت بالجحفة؛ لأن السيل جَحَفها، وبينها وبين غدير خم ميلان. انظر: مراصد الاطلاع ١/ ٣١٥.
(٢) رَوَاه البيهقيّ في السنن الكبرى ٥/ ١٩٣، وقَالَ: "هَذَا إسناد صَحِيْح، فإن كَانَ محفوظًا فكأنه رد الحى وقبل اللحم" وقَدْ تعقبه ابن التركمانى فَقَال: "هَذَا في سنده يحيى بن سليمان الجعفي، عن ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب هوَ الغافقي المصري، ويحيى بن سليمان ذكره الذهبي في "الميزان"، و"الكاشف" عن النسائي أن ليس بثقة، وقالَ ابن حبان: ربما أغرب، والغافقى قَالَ النسائي: ليس بذاك القوي، وقالَ أبو حاتم: لا يحتج بهِ، وقَالَ أحمد: كَانَ سيء الحفظ يخطئ خطأ كثيرًا، وكذبه مالك في حديثين، فعلى هَذَا لا يشتغل بلَاويل هَذَا الْحَدِيْث لأجل سنده ولمخالفته للحديث الصَّحِيْح". الجوهر النقى ٥/ ١٩٣ - ١٩٤، وانظر: الميزان ٤/ ٣٨٢، والكاشف (٦١٨١)، والثقات لابن حبان ٩/ ٢٦٣، والجرح والتعديل ٩/ ١٥٤.
(٣) سؤالات البرذعي: ٤٣٣.
(٤) الضعفاء الكبير ٤/ ٣٩١.
(٥) الجرح والتعديل ٩/ ١٢٢، وتهذيب الكمال ٨/ ١٧.
(٦) الجرح والتعديل ٩/ ١٢٨.
[ ١ / ٢٣٨ ]
بذاك القوي" (^١)، وَقَالَ ابن سعد: "منكر الْحَدِيْث" (^٢)، وَقَالَ الذهبي: "حديثه فِيْهِ مناكير" (^٣)، وقالَ ابن القطان: "هُوَ ممن قَدْ علمت حاله، وأنه لا يحتج بِهِ لسوء حفظه" (^٤)، وقالَ: "يحيى بن أيوب يضع" (^٥)، وقالَ الدَّارقطْنِيّ: "في بعض حديثه اضطراب" (^٦)، وقَدْ ضعفه ابن حزم (^٧).
الثاني: يحيى بن سليمان الجعفي:
قَالَ عَنْهُ أبو حاتم: "شيخ" (^٨)، وقالَ النسائي: "ليس بثقة" (^٩).
وذكره ابن حبان في "الثقات" وقَالَ: "ربما أغرب" (^١٠).
ومع تفرد هذين الراويين بهذا الْحَدِيْث فَقَدْ خالفا الثقات في روايته قَالَ ابن القيم عن هَذِهِ الرِّوَايَة: "غلط بلا شك، فإن الواقعة واحدة، وقد اتفق الرُّوَاة أنه لَمْ يأكل مِنْهُ، إِلَّا هَذِهِ الرِّوَايَة الشاذة المنكرة" (^١١).
والرواية المعروفة الصَّحِيْحة هِيَ ما وردت برواية الجم الغفير عن ابن شهاب الزُّهري، عن عبيد الله بن عَبْد الله بن عتبة بن مسعود، عن عَبْد الله بن
_________________
(١) ضعفائه (٦٢٦).
(٢) طبقات ابن سعد ٧/ ٥١٦.
(٣) تذكرة الحفاظ ١/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٤) بيان الوهم والإيهام ٤/ ٦٩ عقب (١٥٠٤).
(٥) بيان الوهم والإيهام ٣/ ٤٩٥ عقب (١٢٦٩).
(٦) الميزان ٤/ ٣٦٢.
(٧) المحلى ١/ ٨٨ و٦/ ٧٢ و٧/ ٣٧.
(٨) الجرح والتعديل ٩/ ١٥٤.
(٩) تهذيب الكمال ٨/ ٤٩.
(١٠) الثقات ٩/ ٢٦٣، وانظر: تهذيب الكمال ٨/ ٤٩.
(١١) زاد المعاد ٢/ ١٦٤.
[ ١ / ٢٣٩ ]
عَبَّاسٍ، عن الصعب بن جثامة الليثي، أنه أهدى لرسول الله - ﷺ - حمارًا وحشيًا وَهُوَ بالأبواء (^١)، أو بودان (^٢)، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قَالَ: "إنا لَمْ نرده عليك إِلَّا أنا حرم" (^٣).
_________________
(١) بالفتح، ثُمَّ السكون، وفتع الواو وألف ممدودة: قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مِمَّا يلى المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا. مراصد الاطلاع ١/ ١٩.
(٢) قرية جامعة بَيْنَ مكة والمدينة في نواحي الفرع، بينها وبين الأبواء ثمانية أميال. انظر: معجم البلدان ٥/ ٣٦٥، ومراصد الاطلاع ٣/ ١٤٢٩.
(٣) هَذِهِ الرِّوَايَة أخرجها: مالك في الموطأ (٤٤١) برواية مَحُمَّد بن الحسن الشيبانى، و(٥٣) برواية عَبد الرحمان بن القاسم، و(٥٧١) برواية سويد بن سعيد، و(١١٤٦) برواية أبي مصعب الزُّهري، و(١٠١٥) (برواية الليثى)، والشافعى في المسند (٩٠٦) بتحقيقنا، والطيالسي (١٢٢٩)، وعبد الرزاق (٨٣٢٢)، والحميدي (٧٨٣)، وابن أبي شيبة (١٤٤٦٨) و(١٤٤٦٩) و(١٤٤٧١)، وأحمد ١/ ٢٨٠ و٢٩٠ و٣٣٨ و٣٤١ و٣٤٥ و٣٦٢ و٤/ ٣٧ و٣٨، والدارمي (١٨٣٥) و(١٨٣٧)، والبخاري ٣/ ١٦ (١٨٢٥) و٣/ ٢٠٣ (٢٥٧٣) و٣/ ٢٠٨ (٢٥٩٦)، ومسلم ٤/ ١٣ (١١٩٣) (٥٠) و(٥١) و(٥٢) و٤/ ١٤ (١١٩٤) (٥٣) و(٥٤)، وابن ماجة (٣٠٩٠)، والترمذي (٨٤٩)، وعبد الله بن أحمد في زياداته علَى مسند أبيه ٤/ ٧١ و٧٢ و٧٣، والنسائي ٥/ ١٨٣ و١٨٤ و١٨٥ وفي الكبرى، له (٣٨٠١) و(٣٨٠٢) و(٣٨٠٥) و(٣٨٠٦)، وابن الجارود (٤٣٦)، وابن خزيمة (٢٦٣٧)، والطحاوي في شرح المعاني ٢/ ١٧٠، وابن حبان (٣٩٧٠) و(٣٩٧٢) و(٣٩٧٣)، وطبعة الرسالة (٣٩٧٦) و(٣٩٦٩) و(٣٩٧٠)، والطبراني في الكبير (٧٤٣٠)، =
[ ١ / ٢٤٠ ]