بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد -ﷺ- وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن الحديث النبوي الشريف من أشرف العلوم وأجلها وأنفعها وأبقاها ذكرًا وأعظمها أثرًا بعد علم القرآن الكريم الذي هو أصل الدين ومنبع الصراط المستقيم.
وقد عنيت الأمة الإسلامية ومنذ عصر الرسول -ﷺ- بحفظ الأحاديث وروايتها والالتزام بها علمًا وعملًا، وسلوكًا وأخلاقًا، ثمَّ عنيت بجمعها وتدوينها في كتب الأحاديث والسنن من الصحاح والمسانيد والمعاجم والجوامع والمشيخات والأجزاء ونحوها.
فقد بدأ تدوين السنة النبوية منذ عهد قديم وربما في حياة النبي -ﷺ- حين أذن لعبد الله بن عمرو بن العاص في أن يكتب حديثه -ﷺ- وكذلك أذن لغيره من الصحابة.
وأما بعض أحاديث النهي الواردة عن بعض الصحابة، فقد عللها العلماء إلى أن النهي قد ورد في بداية الإسلام مخافة اختلاط الحديث بالقرآن، فاما حين أمن هذا الجانب فقد أذن في الكتابة والتدوين.
لكن بقي هذا التدوين على نطاق ضيق ولم يتسع ليشمل السنة النبوية بأكملها.
وكان من الذين فكروا في تدوبن السنة النبوية الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب -﵁-، فعن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب -﵁- أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب النبي -ﷺ- في ذلك، فأشاروا عليه بأن يكتبها، فطفق
[ ١ / ٥ ]
عمر يستخير الله فيها شهرًا، ثمَّ أصبح يومًا وقد عزم الله له، فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قومًا كانوا فيكم كتبوا كتبًا، فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدًا (^١).
وقد عدل عنها للسبب المذكور آنفًا وهو خشية عزوف المسلمين عن كتاب الله وانشغالهم بغيره.
وبقي الأمر هكذا محاولات بسيطة في التدوين إلى حين تولي الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵀ الخلافة الأموية، حينها أحس بخطر أندراس حديث رسول الله -ﷺ- فكتب إلى أهل المدينة: (انظروا حديث رسول الله -ﷺ- فاكتبوه، فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله)، وفي كتابه لأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عامله على المدينة حيث يقول: (فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي -ﷺ-، وليفشوا العلم وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا) (^٢)، وكذلك أمره الزهرى وغيره بجمع السنن، وهكذا بدأت محاولات تدوين السنة تتوالى تباعًا شيئًا فشيئًا.
كذلك عنيت الأمة الإسلامية بالرواة والمرويات من حيث القبول والرد، ووضعوا في ذلك أدق وأحكم قواعد النقد العلمي الصحيح وتركوا لنا في تاريخ علم الرجال ثروة نادرة لا توجد في أية أَمة من الأمم الأخرى وفي علم الجرح والعديل ما لم يعرف عند أمة أخرى.
وليس غريبًا أن يصدر في هذا البلد الصابر المجاهد المؤمن مثل هذه الأعمال العظيمة، فقد كان للأئمة العراقيين العمليات الدائبة والدقيقة لفرز
_________________
(١) جامع بيان العلم: ٥٠.
(٢) فتح الباري ١/ ٢٠٤.
[ ١ / ٦ ]
وتمييز الثقات من الكذابين ويلاحظ المتتبع لأسماء علماء الجرح والتعديل أن أغلب هؤلاء كانوا من العراقيين، فحققوا للعراق وبفضل جهودهم النيرة فتحًا علميًا مشهودًا ومتميزًا ظهرت فيه مكانته العلمية بين الأمصار الإسلامية، فأصبح العراق مبرزًا في مجال الرواية والدراية، ومنار إشعاع علمي وفكري رصين، ومنهل علم، قصده طلبة العلم من أنحاء المعمورة كافة.
وتأسيًا بمذهب الأوائل واقتداءً بهم؛ فإن فكرة تأليف هذه الموسوعة يرجع إلى أربعة عشر عامًا، فقد كنت أفكر في هذا الأمر تفكيرًا عميقًا، ودرسته دراسة شاملة من كافة نواحيه، وكنت محيطًا وملمًا بالجهود الكبرى التى ترافق هكذا أعمال سواء كانت مالية أم بدنية، وسرت في تفكيري لهذا الأمر شيئًا فشيئًا حتى بدا لي ونعم ما بدا لي أن أجمع هذه الأفكار ومنها ما هو في عقلي ومنها ما هو مدون مكتوب في مباحث ولا زلت أهذب وأنقح وأقدم فيها وأؤخر وأزيد فيها وأعيد حتى جاءت على هذا الوضع الحسن المستطاب.
ورسمنا في مشوارنا العملاق هذا منهجًا علميًا دقيقًا وشاملًا في كل ما يخص الحديث النبوي الشريف من تخريج موسع، وبيان للغريب، وكشف للعلل، والإشارة إلى مخلتف الحديث ومشكله، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وأسماء ورود الحديث، والتلبيه إلى ما يرد في الحديث سندًا كان أو متنًا من تصحيف أو تحريف، وعنينا عناية فائقة بضبط متون الأحاديث ضبطًا محكمًا متقنًا، وتحقيق الروايات وتحريرها، فكانت هذه الموسوعة كالحديقة المزهرة المثمرة الغناء التي يتنقل إليها الباحث وطالب العلم والناظر فيها من روض إلى روض ومن ثمار إلى ثمار ومن زهور إلى زهور حتى غدت متع القلوب ومشتهى النفوس وانشر اح الصدور وقرأت العيون.
وختامًا هذه لمعة فكرية محورها السنة ومنهجها الموضوعية في استنتاج الأحكام وهدفها توحيد الأمة على مرجعية واحدة ومتزنة بعيدة عن التطرف
[ ١ / ٧ ]
البغيض والسلوك الخاطئ والتعصب الذميم، تجعل من المسلم المتبحر فيها والدارس لها ذا اتقاد ذهني يبهر الأبصار سناه، وله صوت يقرع الألباب صداه، فيعلو فوق التيار مسيطرًا ومهيمنًا مدركًا أهميته ورسالته في هذه الحياة، وأنه في المركز الأقوى بما معه من إيمان وأخلاق وجد وعلم.
فلنبذل وسعنا كلنا وأحسن ما نستطيع ولنتفائل بالخير فإن المستقبل لهذا الدين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه وسلم.
الفصل الأول: منهج العمل في الموسوعة وبيان هدفها
المبحث الأول: كيفية تعامل الموسوعة مع الأحاديث (تصحيحًا أو تضعيفًا) وبيان أنها الحكم الفيصل بين الفقهاء.
المبحث الثاني: الهدف من الموسوعة وتأثيرها على الأمة
المبحث الثالث: آلية العمل في الموسوعة
المبحث الرابع: أهمية مشروع الموسوعة
المبحث الخامس: أبعاد الموسوعة
المبحث السادس: منهج الموسوعة
المبحث السابع: موارد الموسوعة
المبحث الثامن: موضوع الموسوعة
المبحث التاسع: فهارس الموسوعة
المبحث العاشر: فوائد الموسوعة
المبحث الحادي عشر: فوائد جمع الطرق في الموسوعة
المبحث الثاني عشر: الجديد في الموسوعة
المبحث الثالث عشر: السبب في تسمية الموسوعة
المبحث الرابع عشر: تاريخ بدء العمل في الموسوعة
[ ١ / ٨ ]
المبحث الخامس عشر: تنسيق الموسوعة
المبحث السادس عشر: تعليمات الموسوعة
المبحث السابع عشر: مسانيد الموسوعة
[ ١ / ٩ ]