انطلاقًا من العلوم التي وضعها العلماء المسلمون لدراسة السنة، فقد استقرأوا ولم تكن هذه الشروط التي يجب توفرها في الراوي شروط طارئة، بل كانت مستقرة عند المحدثين منذ بدأوا نقل السنة وروايتها في زمن الصحابة ومن بعدهم ومما يدل على رسوخ هذه الشروط أن الإمام الشافعي - وهو من العلماء المتقدمين - قد جمعها في قوله: "ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة - أي خبر الآحاد وهو ما لم يبلغ حد التواتر - حتى يجمع أمورًا منها: أن يكون حدث به ثقة في دينه، معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يحدث به، عالمًا لما يحيل معاني الحديث من اللفظ وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به عن المعنى، لأنه إذا به على المعنى وهو غير عالم بما يُحيل معناه حافظًا إن حدث به من حفظه، حافظًا لكتابه إن حدث من كتابه" (^١) لم يدر لعله يُحيلُ الحلال إلى الحرام وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يُخاف فيه إحالته الحديث.
إلا أن هذه المباحث لا تكفي لأن يعد الشافعي أول من تكلم في مصطلح الحديث؛ بل إن الرامهرمزي هوَ أول من تكلم بذلك.
إن من أهم ما اتصف به عرب الصحراء في الجزيرة العربية، قوة الذاكرة، فقد اشتهر العرب بقوة الحفظ (^٢)، لذا كانت الذاكرة هي الوسيلة الأولى في حفظ نصوص الشرع مع الاستيثاق بالكتابة. وقد أشار الله تعالى
_________________
(١) الرسالة: (١٠٠٠) و(١٠٠١) بتحقيقنا.
(٢) السنة للسباعي: ٧٢.
[ ١ / ١٠٨ ]
إلى هاتين الوسيلتين لحفظ الوحي المنزل على محمد - ﷺ -، فقد سمى ذَلِكَ (الكتاب)، قالَ الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^١)، للدلالة على أنه سوف يكتب في السطور، كما سماه (قرآنًا) للتدليل على أنه سوف يحفظ في الصدور، تعبدًا بتلاوته، وتقربًا لله تعالى بحفظه، قد الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (^٢) ومصداق ذلك الكثرة الكاثرة من الذين يحفظون القرآن الكريم كاملًا، بل إنه ما من مسلم إلا ويحفظ شيئًا من القرآن الكريم.
وكذلك الحال بالنسبة للسنة النبوية، فقد سلك الصحابة - رضوان الله عليهم - الوسيلتين لحفظهما، وحثهم على ذلك الرسول - ﷺ - حيث قال: انضر الله امرء سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلّغ أوعى من سامع، ورب حامل علم إلى من هو أعلم منه" (^٣) فأشار - ﷺ - بذلك إلى أهمية حفظ الصدور، أما الكتابة، فقد ثبتت عن الكثير من الصحابة حيث إن النبي - ﷺ - اتخذ كتبة للوحي، إضافة إلى أن الكثير من الصحابة كانوا يكتبون لأنفسهم، فقد ثبت أن عبد الله عمرو - ﵁ - كان يكتب عن النبي - ﷺ - حديثه، فقال له بعض الصحابة: لا تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله - ﷺ - فإنه بشر يفرح ويغضب، فربما كتبت عنه ما ليس بوحي، فأخبر عبد الله بن عمرو - ﵁ -
_________________
(١) البقرة: ١
(٢) العنكبوت: ٤٩
(٣) أخرجه الحميدي (٨٨)، وأحمد ١/ ٤٣٦، وابن ماجه (٢٣٢)، والترمذي (٢٦٥٧)، وأبو يعلى (٥١٢٦) و(٥٢٩٦)، والشاشى (٢٧٥) و(٢٧٦)، وابن حبان (٦٦) و(٦٨) و(٦٩).
[ ١ / ١٠٩ ]
رسول الله - ﷺ - ذلك فقال - ﷺ - " اكتب، فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه إلا حق" (^١).
بناء على ما سبق فإن كتابة السنة النبوية كانت مشهورة ومعروفة منذ عهده - ﷺ -، فقد كان لكثير من الصحابة صحائف خاصة كتبوا فيها ما سمعوه من حديث رسول الله - ﷺ - فقد كان لعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي بن كعب وعبادة بن الصامت وغيرهم - ﵁ - كان جميعهم لهم صحف كتبوا فيها عددًا كبيرًا من الأحاديث، حتى إن الصحابي الجليل واثلة بن الأسقع - ﵁ - المتوفى سنة (٨٣ هـ) كان يملى حديث رسول الله - ﷺ - من صحيفته على طلابه، وقد روت كتب السنة الأحاديث الواردة في صحف هؤلاء الصحابة - ﵃ -. إلا أن مرحلة التدوين الرسمي للسنة النبوية بدأت في عصر عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، حيث كتب إلى ولاته في الأمصار (^٢): "انظروا حديث رسول الله - ﷺ - فاكتبوه، فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله". فقد كتب إلى إمام أهل الحديث محمد بن شهاب الزهري، المتوفي سنة (١٤٢ هـ) يأمره بجمع السنة، فقد قال الزهري: "أمرنا عمر بن عبد العزبز بجمع السنة فكتبناها دفترًا دفترا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا" (^٣) بعد ذلك انطلق العلماء في تأليف وتصنيف الكتب الجامعة لأحاديث الرسول - ﷺ -، فكان أول من صنف في الحديث أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز المتوفى سنة (١٥٠ هـ) ثم معمر بن راشد المتوفى سنة
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٤١٩)، وأحمد ٢/ ١٦٢، أبو داود (٣٦٤٦)، والخطيب في تقييد العلم: ٨٠، والمزي في تهذيب الكمال ٧/ ٤٧٥.
(٢) أخرجه البخاري ١/ ٣٦، والخطيب في تقييد العلم: ١٠٥.
(٣) جامع بيان العلم وفضله: ١/ ٧٦.
[ ١ / ١١٠ ]
(١٥٣ هـ) باليمن وغيرهم، وكانت كتب هؤلاء تجمع الحديث مع فتاوى التابعين (^١) إلا أن أول من صنف في الحديث خاصة هو. الربيع بن صبيح المتوفى سنة (١٦٠ هـ)، ثم استمر التصنيف بعده حتى عهود المصنفين الكبار كالإمام مالك بن أنس (٩٣ - ١٧٩ هـ) الذي صنف (الموطأ).
والإمام أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١ هـ) الذي صنف (المسند)، والإمام البخاري (١٩٤ - ٢٥٦ هـ) الذي صنف (صحيح البخاري)، والإمام مسلم (٢٠٤ - ٢٦١ هـ) الذي صنف (صحيح مسلم)، وغيرهم من أئمة السنة، وبذلك جمعت السنة في هذه المدونات.
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم، ينقلون خبر الرسول - ﷺ - ويعظمونه، ويستشعرون مسؤولية روايته، ويهابون قول النبي - ﷺ -: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (^٢) مع أن النبي - ﷺ - قد زكاهم بقوله: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (^٣).
وكذلك كان الحال بالنسبة لكبار التابعين، فقد كانت العدالة هي السمة البارزة فيهم، فلم يكونوا يتشددون في قبول حديث الرسول - ﷺ - بعضهم عن بعض إلا ما روي من تثبت بعضم تحوطًا.
_________________
(١) انظر: الحديث النبوي: ٤٣، والإمام الزهري وأثره في السنة: ٢٩٣، وتدوين السنة النبوية: ٨٧.
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ١١٦ و١٦٦، والدارمي (٢٤٢)، والبخاري ١/ ٣٨ (١٠٧)، وأبو داود (٣٦٥١).
(٣) أخرجه الطيلسي (٢٩٩)، وأحمد ١/ ٣٧٨ و٤١٧ و٤٣٤، وابن ماجه (٢٣٦٢)، والترمذى (٣٨٥٩)، وابن أبي عاصم (١٤٦٦) و(١٤٦٧)، والنسائى في الكبرى (٦٠٣١).
[ ١ / ١١١ ]
بعد وقوع الفتنة بمقتل عثمان - ﵁ - وظهور الفرق والأهواء جعل الصحابة والتابعون يتشددون في قبول الحديث حتى ينظروا في حال الراوي، فإن عرفوه بالعدالة قبلوا روايته وإلا تركوها، فقد روى الإمام مسلم عن مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث، ويقول: قال رسول الله - ﷺ -، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس، ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله - ﷺ - ولا تسمع؟، فقال ابن عباس: إنا كنا إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله - ﷺ -، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول؟ أي تغير الحال بعد الفتنة لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف" (^١)، وبمثل هذا عمل كبار التابعين، فقد قال محمد بن سيرين: "لم يكونوا، أي التابعين يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفللة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" (^٢).
وعلى هذا الأساس وضع المحدثون قواعد الحكم على الحديث عن طريق النظر في سلسلة رجال الإسناد، فيرجع إلى كل راو في السند للتحقق من توفر الشروط الخاصة بقبول روايته، ومن ثم صحة سند الحديث (^٣)، وهذه الشروط هي:
أ: عدالة الراوي ب: ضبطه ج: ثبوت سماعه من شيخه.
_________________
(١) أخرجه الدارمي في سننه ١/ ١٢٤، ومسلم ١/ ١٣، والحاكم في المستدرك ١/ ١٩٦، وابن عبد البر في التمهيد ١/ ٤٣.
(٢) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١٥.
(٣) انظر في الصحيح: معرفة علوم الحديث: ٥٨، وجامع الأصول ١/ ١٦٠، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٧٩.
[ ١ / ١١٢ ]
أولًا: عن طريق كتب الجرح والتعديل يعلم حال الراوي من حيث العدالة والضبط.
ثانيًا: عن طريق كتب علم الرجال ليعرف الراوي من حيث ولادته ووفاته وموطنه، ورحلاته، وشيوخه وطلابه، وبذلك يعرف إن كان الراوي قد ذكر ضمن تلاميذ من روى عنهم الحديث.
كما أن العلماء وضعوا شرطين آخربن لصحة الحديث وذلك بالنظر إلى نصه وموضوعه، احتياطًا للخطأ الوارد على الر اوى باعتباره بشرًا، والشرطان هما:
أ/ من حيث الموضوع: اشترط عدم العلة القادحة، مثل اضطراب المتن، أو مخالفة أصل من أصول الشرع.
ب/ ومن حيث النص، فقد اشترط عدم الشذوذ، ويراد به ألا يخالص الراوي بحديثه من هو أوثق منه.
وبتطبيق هذه الشروط الخمسة مجتمعة على الحديث يمكن الحكم عليه من حيث الصحة أو الضعف.
إن التوثيق والتدوين في الإسلام يعد مطلبًا شرعيًا مهمًا، لذا قال الله تعلى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] كان النبي - ﷺ - يتخذ كتابًا للوحي، كما أنه اتخذ خاتمًا له يختم به مكاتباته، وقد نقش على ختمه (محمد رسول الله) (^١). وقد
_________________
(١) أخرجه الحميدي (٦٧٥)، والبخاري ٧/ ٢٠٠ (٥٨٦٥) و٧/ ٢٠١ (٥٨٦٦) و٧/ ٢٠٢ (٥٨٧٣) و٧/ ٢٠٣ (٥٨٧٦) و٨/ ١٦٥ (٦٦٥١)، ومسلم ٦/ ١٤٩ (٢٠٩١)، وأبو داود (٤٢١٨) و(٤٢١٩) و(٤٢٢٠).
[ ١ / ١١٣ ]
كاتب الرسول - ﷺ - عدد من الملوك والعظماء يدعوهم إلى الإسلام (^١)، ولا تزال بعض أصول هذه المكاتبات موجودة حتى اليوم.
إن تداول السنة النبوية منذ عهده - ﷺ - وحتى تدوين السنة في المدونات الحديثية لم ينقطع، فقد سمع الصحابة ﵃ من النبي - ﷺ -. وبعد وفاته - ﷺ - جاء التابعون وعاصروا الصحابة وقد تأخرت وفاة كثير من الصحابة، فكان أخرهم وفاة هو عامر بن واثلة أبو الطفيل الذي توفى سنة (١٠٠ هـ) (^٢) وبذلك يتضح لنا جليًا اتصال مصدر تلقي السنة النبوية.
إن تدوين السنة حتى في صورته الرسمية بأمر الخليفة عمر بن عبد العزبز الذي أمر الزهري وغيره من التابعين بكتابة السنة، إن ذلك التدوين قد تم في عهد الصحابة ﵃، فإن عمر بن عبد العزيز قد توفى سنة ١٠١ هـ (^٣) أي بعد سنة من وفاته الصحابي الجليل أبو الطفيل - ﵁ -، ومعلوم بالضرورة أن التدوين يكون قد شرع فيه قبل وفاته.
إن ظاهرة حفظ النصوص ليست من الأمور الغريبة فإنه حتى اليوم لا يزال المسلمون يحفظون الكثير من نصوص الكتاب والسنة، فإذا أمكن ذلك
_________________
(١) فقد روى الترمذي في الجامع الكبير بإسناده عن أنس - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - كتب قبل موته إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشى الذي صلى عليه النبي - ﷺ -، والحديث أخرجه أحمد ٣/ ١٣٣، ومسلم ٥/ ١٦٦ (١٧٧٤)، وأبو يعلى (٢٩٥٤) و(٣٠٧١)، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٤٥.
(٢) وقيل: سنة (١٠٧ هـ)، وقيل: سنة (١١٠ هـ). تهذيب الكمال ٤/ ٣٨ - ٣٩ (٣٠٥١).
(٣) تاريخ الإسلام: ٢٠٥.
[ ١ / ١١٤ ]
في هذا العصر الذي كثرت فيه الشواغل، فإن إمكانه أوعى في زمن الصحابة والتابعين الذين كانت أحوالهم أقرب إلى الصفاء وقلة الشواغل.
ولم تهتم الأمة الإسلامية بشيء بعد اهتمامها بكتاب الله - ﷿ -، كاهتمامها بحديث رسول الله - ﷺ -، وسعيها في ذلك السعي العجيب الفذ، الذي أذهل الأعداء قبل الأصدقاء، وعدّ المستشرقون ذلك مفخرة كبرى يفتخر بها المسلمون.
وانطلاقًا من كون السنة النبوية الركن الثاني لهذا الدين العظيم، وما لذلك من آثار وخلفيات، فإن علماء المسلمين منذ السنوات الأولى لفجر الإسلام وعلى مر العصور واختلاف الدهور كان لهم في شتى علوم السنة النبوية شغل شاغل وعمل علمي متواصل وتفرغ كامل، وخدمة واسعة عامة.
فكانوا تارة يحفظون الحديث، وتارة يدونونه وتارة يتحملونه، وتارة يحضون الناس على تحمله، وتارة يقسمونه إلى أقسام بحسب مواضيعه أو بحسب مراتبه، وتارة يذبون الشبهات عنه، وتارة يكشفون أمر الوضاعين فيه، وتارة يبينون القواعد العامة والأصول التي يقبل بها الحديث أو يرد، قيل لعبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة، قال: تعيش لها الجهابذة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^١).
وهكذا تولدت علوم جمة ومعارف كثيرة، حملتها صدور أولئك الرجال الأفذاذ، وسطرتها أقلامهمم النشطة، وطوتها كتبهم النفيسة القيمة التى أفنوا في تحصيلها أعمارهم فكانت شموعًا أضاءت لنا الطريق.
_________________
(١) الحجر: ٩.
[ ١ / ١١٥ ]
ونحن عندما نقول (علوم الحديث) نعني بذلك كمّا كبيرًا ضخمًا من المؤلفات والمواضيع، ملأ من المكتبة الإسلامية الكبيرة مساحات واسعة، وكان بفضل الله سبحانه من فوائد هذه الأمة ومزاياها القيمة.
وإذا أردنا بادئ ذي بدء تعريفًا شاملًا لعلوم الحديث، نجد أنفسنا مضطرة إلى إتباع طريقة العلماء في تقسيم تلك العلوم إلى قسمين أساسين هما: علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية.
وأقدم من ألَّف بعض المباحث في علم مصطلح الحديث إليه هو الرامهرمزي (^١).
إذ العصر الأول لتدوين السنة النبوية إنما كان القرن الثالث الهجري (^٢).
أما القرن الرابع فهو عقد التآليف الجامعة التي لا تزال حتى الآن مراجع لا يستغنى عنها (^٣).
وفيما بين القرن السابع والقرن العاشر كان دور النضج والاكتمال وبلوغ الغاية القصوى والتمام.
وإذا أردنا من جانب آخر أن نستقصى جملة علوم الحديث الشريف نجدها كثيرة، وهي:
١. علوم رواة الحديث: وهو ما يتعلق بالتعريف بحال الراوي ومرتبته وتعريف كل مرتبة أو وصف ومتى تقبل روايته ومتى ترد، حيث لقبول الرواية شروط ولردها شروط.
_________________
(١) المتوفى سنة (٣٦٠ هـ)، واسم كتابه "المحدث الفاصل".
(٢) انظر: الإمام الزهري وأثره في السنة: ٢٩٣، وتدوين السنة النبوية: ٩٣.
(٣) انظر: تدوين السنة النبوية: ١٤٥.
[ ١ / ١١٦ ]
كذلك وفي هذا القسم من علوم الحديث يتعرض العلماء للتعريف بالصحابة وبطبقات الثقات والضعفاء وغير ذلك، كما يتعرضون لتواريخ رواة الحديث وطبقاتهم وأسمائهم وكناهم وألقابهم، وفي تلك المباحث تفريعات كثيرة لا حصر لها، ومن أهمها شروط العدالة ومسائلها، والجرح والتعديل وأدابه وكيفية قبول كل منهما وألفاظُهما وعدالة الصحابة وطبقاتهم.
وقد ألف في ابن قانع كتابه الفذ "معرفة الصحابة" وهو أضخم الكتب القديمة، وقد سبقه إلى نحوه الإمام أحمد بن حنبل، وألف أبو نعيم في معرفة الصحابة كتابًا وابن عبد البر كتابًا أسماه "الاستيعاب في أسماء الأصحاب" وابن الأئير واسم كتابه "أسد الغابة في معرفة الصحابة".
وكذلك من مباحث علوم رواة الحديث: معرفة الثقات والضعفاء.
وفيها كتب كثيرة منها كتاب "الثقات لابن حبان"، و"الكامل في الضعفاء "لابن عدي وكتاب "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم الرازي، وقد جمع شتات ما تفرق المزي في كتابه الفذ "تهذيب الكمال".
كما إن من علوم رواة الحديث معرفة المدلسين الذي ألف فيهم المحدثون مؤلفات منها: "التبيين في أسماء المدلسين "للبرهان الحلبى الحافظ، وكتاب "تعريفات أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس" لابن حجر.
وقد ألف العلماء في تواريخ الرواة كتبًا منها: "التاريخ الكبير" للإمام البخارى، والصغير والأوسط له، وتاريخ يحيى بن معين.
كما ألفوا في طبقات الرواة مثل كتاب "الطبقات الكبرى" لابن سعد، والذي يعرف به التابعون الذين جاءوا بعد الصحابة رضوان الله عليهم ومن جاء بعدهم.
٢. علوم رواية الحديث: وتشتمل على خمسة أنواع هي: أداب طالب الحديث، وآداب المحدث، وكيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه، وصفة
[ ١ / ١١٧ ]
رواية الحديث وشرط أدائه، وكتابة الحديث وكيفية ضبطه. وفي كل نوع فروع كثيرة عديدة.
فمن أداب طالب الحديث (^١) إخلاص النية لله تعالى، والجد في الأخذ عن العلماء، والعمل بالعلم، واحترام الأساتذة وتوقيرهم، وبذل الفائدة لزملائه طلاب الحديث، واتباع منهج علمى متدرج في طلب الحديث، والعناية بمصطلح الحديث، والعمل بالحديث النبوي، قال وكيع: إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به (^٢).
ومن أداب المحدث (^٣): الإخلاص، وتصحيح النية، والتحلي بالفضائل، ومراعاة الأهلية للتحديث، وترك التحديث متى خاف الغلط، وتوقير من هو أولى منه، وتوقير الحديث ومجلسه، والاشتغال بالتصنيت والإنتاج العلمي، وأداء زكاة الحديث، وهو تطبيقه وتنفيذه قال بشر الحافي: "يا أهل الحديث، أدوا زكاة الحديث، اعملوا من كل مئتي حديث بخمسة أحاديث" (^٤).
ونتيجة لذلك الاشتغال بالتأليف خرجت إلى الأمة الجوامعُ كصحيح البخارى ومسلم وجامع الترمذى، والسننُ كسنن أبى داود والنسائي وابن ماجه، والمصنفات كمصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة، والمستدركاتُ كمستدرك الحاكم، والمسانيد كمسند الإمام أحمد ومسند أبي يعلى الموصلي ومسند الطيالسي، والأطراف كتحفة الأشراف بمعرفة
_________________
(١) انظر في ذلك: الإلماع: ٤٥ وما بعدها، والإرشاد ١/ ٥٢١، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٣، والمنهل الروي: ١٠٨.
(٢) أخرجه الخطيب في الجامع (١٧٨٨) و(١٧٨٩).
(٣) انظر في ذلك: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٤.
(٤) الجامع لأخلاق الراوي ١/ ١٤٤ رقم (١٨١)، وأدب الإملاء: ١١٠.
[ ١ / ١١٨ ]
الأطراف للمزي، وجامع المسانيد، وإتحاف المهرة، وإتحاف الخيرة، وذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث للنابلسي، والمعاجُم كالمعجم الكبير، والأوسط، والصغير للطبراني، والمصنفاتُ الجامعة للكتب مثل كتاب جامع الأصول من أحاديث الرسول - ﷺ - لابن الأثير بعد تهذيبها وترتيبها وتذليل صعابها وشرح غريبها، وكنزِ العمال في سنن الأقوال والأفعال للمتقي الهندي، والجامع الكبير للسيوطي، ومصنفات الزوائد كمجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي، والمطالب العالية بزاوئد المسانيد الثمانية لابن حجر، ومصباح الزجاجة، وكتبُ التخريج كنصب الراية لتخريج أحاديث الهداية للزيلعي، والمغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار للعراقي، والتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير لابن حجر، وتحفة المحتاج لابن الملقن، وغير ذلك كثير.
وبشكل إجمالي فإن المحدثين قد عنوا أشدَّ العناية بعلوم الروايةِ بتفصيلٍ يُدهش المطلع عليه، وهناك كتب تعتبر مصادر في هذا المجال، مثل كتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" للرامهرمزى، الذي هو أول كتاب يدون في مصطلح الحديث، و"الكفاية في علم الرواية"، و"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" كلاهما للخطيب البغدادي، و"الإلماع في أصول الرواية وتقييد السماع" لليحصبي.
٣. علم قبول الحديث ورده: ونتيجة لهذا العلم نستطيع الجزم بصحة نسبة الحديث المروي إلى النبي - ﷺ - أو بكذبها، أو نحكم له بالحسن أو الضعف.
[ ١ / ١١٩ ]
وفي هذا العلم يقسم الحديث إلى قسمين مقبول ومردود، فأقسام الحديث المقبول اثنان صحيح (^١) وحسن (^٢)، وتتفرع إلى أربعة أقسام: الصحيح، والحسن، والصحيح لغيره، والحسن لغيره، ولكل واحد منها تعريف وأبحاث عديدة، ومن أهمها على سبيل المثال لا الحصر تعريف الحديث الصحيح بأنه: الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذًا ولا معللًا.
ومصادره عديدة منها موطأ الإمام مالك، وصحيح الإمام أبي عبد الله البخاري، وصحيح مسلم بن الحجاج القشيري، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، والمختارة لضياء الدين المقدسى، والمستخرجات عليهما، وغيرها موجود في ثنايا كتب السنة المتنوعة.
وأما الحديث المردود فهو أنوع منها الضعيف (^٣) ويتفرع إلى المتروك والمطروح والمقلوب والشاذ والمنكر والمدلس والموضوع، وغيرها وكذلك لكل منها تعريف ومسائل.
_________________
(١) انظر في الصحيح: معرفة علوم الحديث: ٥٨، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٧٩، والموقظة: ٢٤، وفتح المغيث ١/ ١٧، وتوضيع الأفكار ١/ ٧، وقواعد التحديث: ٧٩.
(٢) انظر في الحسن: معرفة أنواع علم الحديث: ٩٩، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٣٧ - ١٥٢، والاقتراح: ١٦٢، والموقظة: ٢٦، والمقنع ١/ ٨٣، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٧، والمختصر: ٧٣، وظفر الأماني: ١٧٤.
(٣) انظر في الضعيف: معرفة علوم الحديث: ٥٨، والجامع لأخلاق الراوي وأداب السامع ٢/ ١٩٢، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١١١، وتوجيه النظر ٢/ ٥٤٦.
[ ١ / ١٢٠ ]
فمن ذلك أن الحديث الضعيف هو ما فقد شرطًا من شروط الحديث المقبول باختلال عدالة الراوي، أو ضبطه، أو انقطاع السند، أو شذوذ المتن، أو وجود العلة القادحة، أو عدم وجود العاضد عند الحاجة إليه.
وقد بين العلماء حكمَ الحديث الضعيف حيثُ أجاز جمهورهم العمل به في فضائل الأعمال فقط بشروط مذكورة مبينة وهي:
١. أن لا يكون شديد الضعف.
٢. أن يندرج تحت أصل معمول به.
٣. وأن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، ولكن يعتقد الاحتياط.
ومن أهم أبحاث الحديث المردود بحث الحديث الموضوع، الذي هو مخلتق ومصنوع ومنسوب كذبًا إلى رسول الله - ﷺ - إذ أن لهذا النوع أضرارًا كبيرة، وأثرًا سيئًا على الأمة الإسلامية.
ويتعلق بذلك معرفة أسباب الوضع، وأصناف الوضاعين، وكيفية محاربة الوضع في الحديث ووسائل ذلك، وعلامات الحديث الموضوع، وعلامات الوضع في الراوي أو المروى؛ ومعرفة هذه الأمور مهمة للحديثي.
ومن أهم المؤلفات في بيان الأحاديث الموضوعة كتاب "الموضوعات" لابن الجوزي، "واللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" للسيوطي، وكتاب "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة" لابن عِراق الكناني، و"المنار المنيف في الصحيح والضعيف" لابن القيم، و"المصنوع في الحديث الموضوع" للحافظ علي القاري، و"الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني، وغيرها.
٤. علوم المتن: والمتن في حديث رسول الله - ﷺ - هو ما انتهى إليه السند من الكلام. أي هو النص المنقول إلينا من خلال سلسلة الرواة وللقسم إلى أقسام.
[ ١ / ١٢١ ]
أولًا: علوم المتن من حيث قائله.
ثانيًا: علوم شارحة للمتن.
ثالثًا: علوم تنشأ من مقابلة المتن المروي بالروايات والأحاديث الأخرى.
فأما علوم المتن من حيث قائله فإنها أربع:
أولها: الحديث القدسي: وهو ما أضيف إلى رسول الله - ﷺ - وأسنده إلى ربه - ﷿ - قال فيه: قال الله تعالى .. وهو غير القرآن الكريم.
وقد عني العلماء بجمع تلك الأحاديث في كتب خاصة منها "الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية" للإمام المناوي.
ثانيها: الحديث المرفوع: والمرفوع من الحديث ما أضيف إلى النبي - ﷺ - خاصة من قول أو فعل أو تقرير أو وصف، وهذا النوع له الخطوة الكبرى في كثرة المؤلفات.
وهذا النوع - أي الحديث المرفوع - يشمل نوعين آخرين ينضمان إلى النوعين السابقين، هما الحديث الموقوف الذي أضيف إلى الصحابة رضوان الله عليهم، والمقطوع وهو ما أضيف إلى التابعين.
ومن مصادر الحديث الموقوف والمقطوع المصنفات ومن أهمها: "مصنف عبد الرزاق"، و"مصنف ابن أبي شيبة" وكذلك الكتب التي اعتنت بالتفسير بالمأثور مثل "تفسير ابن جري"، وتفسير "ابن أبي حاتم".
وأما علوم المتن من حيث درايته فمنها علم غريب الحديث أي ما يتعلق بما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة عن الفهم، مثل شرح كلمة السقب في حديث: "الجار أحق بسقبه" وهو
[ ١ / ١٢٢ ]
اللزيق "رواه البخاري وغيره عن أبي رافع" (^١).
وقد عني العلماء بالتصنيف في شرح الغريب عناية كبيرة، منهم ابن الأثير في كتابه "النهاية في غريب الحديث"، وأبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه "غريب الحديث".
ومن علوم دراية المتن علم أسباب ورود الحديث، وهو مهم لفهم الحديث، كأهمية معرفة أسباب النزول بالنسبة للقرآن الكريم.
ومن المؤلفات في هذا العلم كتاب "اللمع" للإمام السيوطي، و"البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف" للمحدث ابن حمزة الحسيني.
ومن تلك العلوم علم ناسخ الحديث ومنسوخه.
وممن كتب فيه أبو بكر محمد بن موسى الحازمي في كتابه "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار".
ومن تلك العلوم علم مشكل الحديث أو مختلف الحديث. وهو ما تعارض ظاهره مع القواعد فأوهم معنى باطلًا، أو تعارض مع نص شرعي آخر وهو مهم مفيد لإزالة كثير من الشبه التي يتعلق بها بعض الواهمين.
وممن كتب فيه ابن قتيبة النيسابوري في كتابه "تأويل مختلف الحديث"، وأبو جعفر الطحاوي في كتابه "مشكل الآثار"، وابن فورك في كتابه "مشكل الحديث"، وللشافعي مباحاثات في هذا في كتابه "الرسالة" وغيرهم.
٥ - علوم السند: ومعلوم أن السند هو سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث واحدًا عن الآخر حتى يبلغوا به إلى قائله، قال ابن المبارك:
_________________
(١) أخرجه البخاري ٤/ ١١٣ (٢٢٥٨) و٩/ ٣٥ (٦٩٧٧) و(٦٩٧٨) و٩/ ٣٦ (٦٩٨٠) و٩/ ٣٧ (٦٩٨١).
[ ١ / ١٢٣ ]
الإسناد عندي من الدين، لولا الإسناد لذهب الدين ولقال من شاء ما شاء (^١).
وهذه العلوم تجمعها شعبتان:
شعبة علوم السند من حيث الاتصال، وهي تشمل الحديث المتصل والمسند والمعنعن والمؤنن والمسلسل والعالى والنازل والمزيد في متصل الأسانيد.
وشعبة علوم السند من حيث الانقطاع وهي تشمل المنقطع والمرسل والمعلق والمفصل والمدلس والمرسل الخفي.
ولم يعرف لأمة من الأمم خدمة حديث نبيهم وتتبع أحواله كما صنع المحدثون في حديث نبيهم - ﷺ - إذ قد بذلوا غاية الجهد في لتبع الأسانيد وتقصيها، حتى رحلوا من أجلها في البلاد، وجالوا في الآفاق، لكي يعثروا على سند، أو لكي يبحثوا في سند صعب عليهم أمره.
وقد قدموا الغالي والنفيس من أجل تمحيص السنة وبيان صحيح ما نسب.
وفي هذا القسم من الكتب كثير منها: "الأحاديث المسلسلة" للسخاوي، و"المراسيل" لأبي حاتم الرازي، و"تغليق التعليق" لابن حجر و"جامع التحصيل
_________________
(١) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١٥، والترمذي في العلل الصغير ٦/ ٢٣٢، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ١٦، والرامهومزي في المحدث الفاصل: ٢٠٩، وابن حبان في المجروحين ١/ ٢٦، والحاكم في معرفة علوم الحديث: ٦، والخطيب في شرف أصحاب الحديث: ٤١ وفي الجامع، له ٢/ ٢١٣ (١٦٤٣)، وابن عبد البر في التمهيد ١/ ٥٦، وابن طاهر في العلو والنزول رقم (٦).
[ ١ / ١٢٤ ]
لأحكام المراسيل "للحافظ العلائي، و"تمييز المزيد في متصل الأسانيد" للخطيب البغدادي.
ولكل واحد من علوم السند تعريف وأبحاث ومسائل؛ بل مؤلفات خاصة وعنايات متنوعة.
٦. ومن علوم الحديث الشريف علوم توصف بأنها مشتركة بين سند الحديث ومتنه: وهي تنشأ من مقابلة الحديث سندًا ومتنًا مع غيره من الأحاديث والروايات الأخرى ليعرف تفرد الحديث وتعدده، ثم يعرف اتفاقه مع غيره أو اختلافه، وهو ما يمكن سرده ضمن ثلاثة أنواع:
النوع الأول في تفرد الحديث، وهو يشمل الحديث الغربب، والحديث الفرد، وكل واحد منهما له أقسام وتعاريف.
وممن كتب في هذا النوع الإمام أبو داود السجستاني في كتابه "التفرد" التي تفرد بكل سنة منها أهل بلدة. وكذلك الإمام الدارقطني في كتابه "الأفراد"، والطبراني في معجميه الصغير، والأوسط.
والنوع الثاني في تعدد رواة الحديث مع اتفاقهم، وهذا يشمل الحديث المتواتر، والمشهور، والمستفيض، والعزيز، والتابع، والشاهد ولكل منها - كذلك أقسام وأبحاث - فالمتواتر مثلًا هو الذي رواه جمع كثير يؤمن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى انتهاء السند وكان مستندهم الحس. ومن أمثلته حديث: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (متفق عليه عن المغيرة وغيره) فقد رواه عن النبي - ﷺ - بهذا اللفظ بضع وسبعون صحابيًا (^١).
_________________
(١) ورد هذا الحديث عن عدة من الصحابة - ﵃ - منهم: =
[ ١ / ١٢٥ ]
ومن المؤلفات في هذا النوع من العلوم: كتاب السيوطي "الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة"، وكتاب "نظم المتناثر في الحديث المتواتر" للعلامة الكتاني.
_________________
(١) = جابر بن عبد الله، عند أحمد ٣/ ٢٨٠، والدارمي (٢٣٧)، وابن ماجه (٣٣)، وخالد بن عرفطة، عند أحمد ٥/ ٢٩٢، وزيد بن أرقم، عند أحمد ٤/ ٣٦٦. وأبو سعيد الخدرى، عند أحمد ٣/ ١٢ و٢١ و٣٩ و٤٤ و٤٦ و٥٦، ومسلم ٨/ ٢٢٩ عقيب (٣٠٠٤). وسلمة بن الأكوع، عند أحمد ٤/ ٤٧ و٥٠، والبخاري ١/ ٣٨ عقيب (١٠٩). وابن عباس، عند أحمد ١/ ٢٣٣ و٢٦٩، والدارمي (٢٣٨)، والترمذي (٢٩٥٠) و(٢٩٥١). وعبد الله بن عمرو، عند أحمد ٢/ ١٧١. وابن مسعود، عند أحمد ١/ ٤٠٢ و٤٠٥ و٤٥٤، والترمذي (٢٦٥٩). وعقبة بن عامر، عند أحمد ٤/ ١٥٦. وعلى بن أبي طالب، عند أحمد ١/ ١٣٠. ومعاوية بن أبي سفيان، عند أحمد ٤/ ١٠٠. ويعلى بن مرة، عند الدارمي (٢٤٠). والمغيرة بن شعبة عند البخاري ٢/ ١٠٢، ومسلم ١/ ١٠ عقيب (٤). وأبو هريرة، عند أحمد ٢/ ٤١٣، والدارمي (٥٩٩)، والبخاري ١/ ٣٨ و٧/ ٥٤، ومسلم ١/ ٨ حديث (٣). وقد رواها جميعها، ابن الجوزي في تقدمة الموضوعات ١/ ٥٥ - ٩٣ وبسط الكلام في تخريجها اللكنوى في الآثار المرفوعة: ٢١ - ٣٦.
[ ١ / ١٢٦ ]
والنوع الثالث في اختلاف رواية الحديث وهو يضم أبحاث زيادة الثقات، والشاذ المحفوظ والمنكر والمعروف والمضطرب والمقلوب والمدرج والمصحف والمعلّ.
واختلاف الرواة ظاهرة مهمة تحتاج إلى بحث وتقص، لما يتكشف عنها للمحدث من فوائد في السند أو المتن أو فيهما، فربما تكشف وهم راو أو تقوي الحديث أو نحو ذلك.
على سبيل المثال ففي صنف الحديث المقلوب يذكر العلماء أن أشهر اختبار فعله المحدثون لامتحان قدرة شخص ومكانته في الحديث، حينما عمدوا إلى مئة حديث - وهم يمتحنون الإمام البخاري أول ما نزل بغداد - فقلبوا متونها وأسانيدها، ودفعوها إلى عشرة أنفس - إلى كل رجل عشرة أحاديث - ولما اطمأن مجلس البخاري بجلسائه انتدب إليه أول رجل من العشرة، فأورد عليه حديثه الأول بسنده المقلوب، فقال البخاري: لا أعرفه، ثم الثاني والثالث، وهكذا حتى انتهى من عشرته، والبخاري يجيبه: لا أعرفه. ثم انتدب الرجل الثاني ففعل مثل ما فعل الأول، وهكذا فعل الرجال العشرة والبخاري لا يزيد على (لا أعرفه) حتى إذا فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا وصوابه كذا، والثاني كذا وصوابه كذا، ثم رد على الرجل الثاني إلى تمام الرجال العشرة، حتى رد كل متن من متون المئة حديث المقلوبة إلى أسانيدها، وكل إسناد إلى متنه، فأقر الناس له بالحفظ وأذعنوا (^١).
_________________
(١) رواها ابن عدي في جزء أسامي من روى عنهم البخاري من مشايخه ٢/ أ ومن طريقه رواها الخطيب في تاريخ بغداد ٢/ ٢٠. وانظر وفيات الأعيان ٤/ ١٨٩، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٤٠٨، وطبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٦، والبداية والنهاية ١/ ٢٥.
[ ١ / ١٢٧ ]
وممن ألف من العلماء في هذا النوع من علوم الحديث ابن حجر في كتابه "المقترب في بيان المضطرب" و"الفصل للوصل المدرج في النقل" للخطيب البغدادي و"إصلاح خطأ المحدثين" لأبي سليمان الخطابي و"علل الحديث" للرازي و"التصحيف" للدارقطني.
وهكذا ومن خلال هذا التطواف السريع المختصر في علوم الحديث النبوي الشريف نجد أن الأمة الإسلامية خلال عصورها المتعاقبة بذلت جهودًا جبارة ومضنية في خدمة الأساس الثاني لدينها، حتى حررته صافيًا من كل شائبة، وخاليًا من كل عائبة، فكان بحمد الله كالصبح واضحًا وكالشمس ظاهرًا.
ومن تلك التدوينات المهمة في علم الحديث التدوين في مصطلح الحديث وهو العلم الذي يشرح مصطلحات المحدثين.
والكتب المؤلفة في هذا العلم:
المحدّث الفاصل: للرامهرمزي، (ت ٣٦٠ هـ)، طبع سنة ١٩٧١ م، دار الفكر.
معرفة علوم الحديث: للحاكم ت (٤٠٥ هـ)، طبع سنة ١٩٧٩ م، دار الآفاق الجديدة.
المدخل إلى كتاب الإكليل: للحاكم، (ت ٤٠٥ هـ)، المكتبة التجارية - مكة المكرمة - مصطفى أحمد الباز.
المسند المستخرج: لأبي نعيم الأصبهاني، (ت ٤٣٠ هـ).
الكفاية في علم الرواية: للخطيب البغدادي، (ت ٤٦٣ هـ)، دار الكتب العلمية.
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: للخطيب البغدادي، (ت ٤٦٣ هـ)، مكتبة المعارف - الرياض، ١٩٨٣ م.
[ ١ / ١٢٨ ]
الإلماع: للقاضي عياض، (ت ٥٤٤ هـ)، طبع الطبعة الثانية سنة ١٩٧٨ م.
ما لا يسع المحدّث جهله: للميانشي، (ت ٥٨١ هـ) طبع سنة ١٩٦٧ م في بغداد.
معرفة أنواع علم الحديث: لابن الصلاح، (ت ٦٤٣ هـ)، طبع بتحقيقنا في دار الكتب العلمية، ٢٠٠٢.
إرشاد طلاب الحقائق: للنووي، (ت ٦٧٦ هـ)، طبعته الأولى سنة (١٩٨٧ م) مكتبة الإيمان، المدينة المنورة.
التقريب: للنووي، (ت ٦٧٦ هـ)، طبع بتحقيق: مصطفى الخن.
الاقتراح: لابن دقيق العيد، (ت ٧٠٢ هـ)، مطبعة الرشاد، بغداد ١٩٨٢.
الموقظة: للذهبي، (ت ٧٤٨ هـ)، طبع سنة ١٤٠٥ هـ في مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب.
الباعث الحثيث: لابن كثير، (٧٧٤ هـ)، طبع بدار العاصمة في السعودية سنة ١٤١٥ هـ.
النكت على مقدمة لابن الصلاح: للزركشى، (ت ٧٩٤ هـ)، طبعته الأولى ١٩٩٨ م، مكتبة أضواء السنة.
الشذا الفياح: الأبناسي، (ت ٨٠٢ هـ)، الطبعة الأولى ١٩٨٨، مكتبة الرشد، الرياض.
المقنع: لابن الملقن، (٨٠٤ هـ)، طبعته الأولى ١٩٩٢، دار فواز للنشر السعودية.
محاسن الاصطلاح: للبلقيني، (ت ٨٠٥ هـ).
[ ١ / ١٢٩ ]
التقييد والإيضاح: للعراقي، (ت ٨٠٦ هـ)، وقد قمنا بتحقيقه وما زال منضدًا على الحاسوب.
شرح التبصرة والتذكرة: للعراقي، (ت ٨٠٦ هـ)، بتحقيقنا، طبع بدار الكتب العلمية بيروت ٢٠٠٢ م.
النكت على كتاب ابن الصلاح: لابن حجر، (٨٥٢ هـ)، طبعة دار الراية ١٩٨٨ م.
نخبة الفكر: لابن حجر، (ت ٨٥٢ هـ).
فتح المغيث: للسخاوي، (ت ٩١١ هـ)، طبع المكتبة السلفية، السعودية ١٩٦٨ م.
البحر الذي زخر: للسيوطي، (ت ٩١١ هـ)، مكتبة الغرباء الأثرية.
ألفية السيوطي: للسيوطي، (ت ٩١١ هـ)، دار المعرفة.
تدريب الراوي: للسيوطي، (ت ٩١١ هـ)، دار الكتب العلمية.
فتح الباقي: لزكريا الأنصارى، (ت ٩٢٦ هـ)، بتحقيقنا، وقد طبع بدار الكتب العلمية، بيروت ٢٠٠٢ م.
ظفر الأماني: لللكنوي، (ت ١٣٠٤ هـ)، طبع دار القلم، دبي ١٩٩٥ م.
[ ١ / ١٣٠ ]