[ ٤٨ ]
قَالُوا: وَمَا الَّذِي أَصَابَ صَاحِبَ الدَّيْرِ؟ قَالَ أَنْطُونِسُ: زَعَمُوا أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَبِيعُ الْعَسَلَ، وَالسَّمْنَ، وَالزَّيْتَ، وَالْخَمْرَ، وَكَانَ يَشْتَرِيهِ طَيِّبًا نَقِيًّا، وَيَبِيعُهُ غَالِيًا مَغْشُوشًا، وَكَانَ ذَا لِحْيَةٍ عَظِيمَةٍ جَمِيلَةٍ، وَكَانَ أَكْثَرُ مَنْ يَرَاهُ إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: لَوْ كُنْتَ أُسْقُفًا، فَمَا صَلُحَتْ لِحْيَتُكَ إِلَّا لِلْأَسَاقِفَةِ، فَلَمَّا كَثُرَ قَوْلُهُمْ ذَلِكَ لَهُ وَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ الرَّهْبَانِيَّةُ لِرَجَاءِ مَنْزِلَةٍ يُصِيبُهَا، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ ذَاتَ يَوْمٍ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَكْثَرُوا فِي لِحْيَتِي، وَلَا يَعْلَمُونَ عَمَلِي، وَلَوْ أَنِّي تَرَهَّبْتُ لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ مَالًا وَمَنْزِلَةً، فَجَزِعَتْ لِذَلِكَ امْرَأَتُهُ جَزَعًا شَدِيدًا، وَقَالَتْ: لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تُؤَيِّمَنِي وَتُيَتِّمَ أَوْلَادِي. قَالَ: وَيْحَكِ، لَمْ أَرُدْ ذَلِكَ لِنِيَّةٍ فِي الْعِبَادَةِ، وَلَكِنْ رَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ لِي مَنْزِلَةٌ، وَأَنَالَ فَضِيلَةً فِي أَهْلِ مِلَّتِي. قَالَتْ: أَخَافُ أَنْ تُدَاخِلَكَ حَلَاوَةُ الْعِبَادَةِ إِذَا صِرْتَ مَعَ الرُّهْبَانِ، فَتَلِجَ وَتَتْرُكَنِي، فَحَلَفَ لَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى تَعَلُّمِ الْإِنْجِيلِ وَالْمَزَامِيرِ وَأَشْيَاءَ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى دَيْرٍ عَظِيمٍ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّهْبَانِ فَنَزَلَهُ، فَلَمْ يُقِمْ فِيهِ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أَعْجَبَ الرُّهْبَانَ مَا رَأَوْا مِنْ جَمَالِهِ وَنُبلِ لِحْيَتِهِ، فَأَجْمَعُوا عَلَى رِئَاسَتِهِ، وَوَلَّوْهُ أَمْرَهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ هِمَّتَهُ، وَأَمْكَنَتْهُ الْأُمُورُ مِنْ أَمْوَالِ الدَّيْرِ وَخَزَانَتِهِ لَاطَفَ عُظَمَاءَ النَّاسِ وَأَشْرَافَهُمْ، فَعَظُمَتْ مَنْزِلَتُهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَصَغُرَتْ مَنْزِلَةُ الرُّهْبَانِ فِي عَيْنِهِ فَأَذَلَّهُمْ، وَنَقَصَ أَرْزَاقَهُمْ، وَغَيَّرَ مَرَاتِبَهُمْ، وَعَمَدَ إِلَى أَهْلِ الْعِبَادَةِ مِنْهُمْ فَوَلَّاهُمْ غَلَّاتِ الدَّيْرِ وَخَزَانَتِهِ، وَتَفَرَّغَ يُنَعِّمُ نَفْسَهُ، وَالْتَذَّ بِالنِّسَاءِ، وَشَرِبَ الْخَمْرَ، وَأَكَلَ الطَّيِّبَ، وَلَبِسَ
[ ٤٩ ]
اللَّيِّنَ، فَلَمَّا رَأَى الرُّهْبَانُ ذَلِكَ غَاظَهُمْ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ سَنَّاطٌ كَانَ يَحْسُدُهُ عَلَى نُبْلِ لِحْيَتِهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ هَذَا الْفَاسِقَ يُذِلَّكُمْ، وَيَسْتَعِينُ بِكُمْ عَلَى فِسْقِهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُمْ، قَالُوا: قَدِ اعْتَزَلْنَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَتَفَرَّغْنَا لِلْعِبَادَةِ فَابْتُلِينَا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ بِالشُّغُلِ، وَالْهَمِّ، وَالْحَزَنِ. قَالَ السَّنَّاطُ: هَذَا مَا عَمِلَ بِكُمْ سُوءُ رَأْيِكُمْ، وَحُسْنُ نَظَرِكُمْ فِي طُولِ اللِّحَى، وَمَنْ قَلَّدَ أَمْرَهُ أَهْلَ اللِّحَى وَالرِّيَاءِ، وَتَرَكَ أَهْلَ الْعَفَافِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ فَلْيَصْبِرْ لِمَا جَنَى عَلَى نَفْسِهِ، فَأَجْمَعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى أَنْ يَعِظُوهُ، فَأَتَاهُ السَّنَّاطُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ قَدْ أَسْرَفْتَ عَلَى نَفْسِكَ، وَقَدْ ظَهَرَ لِأَصْحَابِكَ مَا تَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ، فَاحْذَرْ عُقُوبَةَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ رُبَّمَا عَجَّلَهَا فِي الدُّنْيَا لِلْعَبْدِ قَبْلَ الْآخِرَةِ، فَقَالَ لَهُمُ الرَّاهِبُ: أَلَيْسَ إِنَّ الْخَطِيئَةَ قَدْ أَحَاطَتْ بِبَنِي آدَمَ حَتَّى نَالَتِ
[ ٥٠ ]
الْأَنْبِيَاءَ؟ فَقَدْ أَخْطَأَ دَاوُدُ، وَسُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ، وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا. قَالَ السَّنَّاطُ: أَرَاكَ عَالِمًا بِخَطَايَا الْأَنْبِيَاءِ، جَاهِلًا بِالتَّوْبَةِ الَّتِي كَانَتْ مِنْهُمْ، إِنَّمَا كَانَتْ خَطِيئَةُ دَاوُدَ نَظْرَةً وَاحِدَةً، فَخَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَإِنَّمَا سَهَا سُلَيْمَانُ عَنْ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَأَخَّرَ وَقْتَهَا لِلَذَّةٍ فِي الْخَيْلِ، فَتَابَ وَاسْتَغْفَرَ وَضَرَبَ أَعْنَاقَهَا وَعَرْقَبَهَا، وَإِنَّمَا تَرَكَ يَحْيَى صَلَاةً وَاحِدَةً مِنْ نَوَافِلِ اللَّيْلِ، اتَّهَمَ بِذَلِكَ كَثْرَةَ طَعَامِهِ، فَمَا مَلَأَ بَطْنَهُ مِنَ الطَّعَامِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ﷿، وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَرَقًا مِنَ اللَّهِ ﷿، وَخَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ، وَرَجَاءً لِثَوَابِهِ، قَالَ صَاحِبُ الدَّيْرِ: أَرْجُو التَّوْبَةَ، قَالَ السَّنَّاطُ: رُبَّمَا عَاجَلَ الْمَوْتُ صَاحِبَ الْخَطِيئَةِ عَنِ التَّوْبَةِ. فَأَقَامَ صَاحِبُ الدَّيْرِ عَلَى خَطِيئَتِهِ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِي هَلَاكِهِ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنَ اللُّصُوصِ، كَانَ لَهُ أَصْحَابٌ مُتَفَرِّقُونَ فِي الْقُرَى فَبَعَثَ رَأْسُ اللُّصُوصِ أَصْحَابَهُ يُبَيِّتُونَ الْقَرْيَةَ الَّتِي فِيهَا امْرَأَةُ الرَّاهِبِ صَاحِبِ الدَّيْرِ، فَلَمَّا بَيَّتُوهُمْ وَجَدُوا الرَّاهِبَ مَعَ امْرَأَتِهِ فِي لِحَافٍ، فَأَتَوْا بِهِ رَأْسَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ رَاهِبًا لَعَذَرْنَاهُ، وَلَكِنَّمَا نُقِيمُ فِيهِ حَدَّ اللَّهِ فِيمَنْ حَرَّمَ النِّسَاءَ ثُمَّ رَكِبَهُنَّ
[ ٥١ ]
، فَسَأَلَ عَنْ عُقُوبَتِهِ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَقِيلَ عُقُوبَتُهُ أَنْ يُحْرَقَ بِالنَّارِ، فَأُلْقِيَ فِي تَنُّورٍ مَسْجُورٍ، وَكَفَى اللَّهُ الرُّهْبَانَ مَؤُنَتَهُ، وَعَجَّلَهُ لِلنَّارِ فِي الدُّنْيَا، لِعَبَادَتِهِ الَّتِي نَوَاهَا لِلدُّنْيَا.
[ ٥٢ ]