[ ٣٢ ]
، فَوَكَّلُوا بِالْمَمْلَكَةِ رَجُلًا مِنَ السِّتَّةِ، وَانْطَلَقَ الثَّلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَى ذَلِكَ السَّائِحِ، فَاقْتَصُّوا عَلَيْهِ قِصَّتَهُمْ، وَأَعْلَمُوهُ رِضَاهُمْ بِمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُمُ السَّائِحُ: مَا أَرَانِي انْتَفَعْتُ بِاعْتِزَالِي عَنِ النَّاسِ، وَإِنِّي وَإِيَّاكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَ فِي مَنْزِلٍ غَشِيَهُ الذُّبَابُ فِيهِ، فَتَحَوَّلَ مِنْهُ إِلَى مَنْزِلٍ يَرْجُو فِيهِ السَّلَامَةَ فَغَشِيَهُ فِيهِ الْأَسَدُ، فَقَالَ: لَقَدْ كَانَ السَّبُعُ الَّذِي تَنَحَّيْتُ عَنْهُ أَيْسَرَ عَلَيَّ مِنَ السَّبُعِ الَّذِي غَشِيَنِي فِي مَنْزِلِي، وَمَا هَذَا لِي بَمَنْزِلٍ، قَالُوا: هَذَا أَمْرٌ دَعَانا إِلَيْهِ أَفَاضِلُ أَهْلِ مَمْلَكَتِكَ رَجَاءَ الْبَرَكَةِ، وَالرُّشْدِ، وَالْيُمْنِ فِي رَأْيِكَ، وَمَا عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ تُشِيرَ إِلَى أَفْضَلِنَا فِي نَفْسِكَ فَتُوَلِّيَهُ هَذَا الْأَمْرَ قَالَ: وَمَا عِلْمِي بِأَفْضَلِكُمْ؟ وَأَنْتُمْ جَمِيعًا تَطْلُبُونَ أَمْرًا وَاحِدًا أَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ، فَطَمِعَ بَعْضُهُمْ إِنْ هُوَ أَظْهَرَ الْكَرَاهِيَةَ لِلْمَلِكِ أَنْ يُشِيرَ إِلَيْهِ
[ ٣٣ ]
، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَغَيْرُ مُشَاحٍ صَاحِبَيَّ هَذَيْنِ، وَإِنَّ السَّلَامَةَ لَدَيَّ لَفِي اعْتِزَالِ هَذَا الْأَمْرِ. قَالَ السَّائِحُ: مَا أَظُنُّ صَاحِبَيْكَ يَكْرَهَانِ اعْتِزَالَكَ عَنْهُمَا فَأُشِيرُ إِلَى أَحَدِهِمَا وَأَتْرُكُكَ قَالَ: بَلْ تَخْتَارُ لِأُمَّتِكَ مَنْ بَدَا لَكَ. قَالَ لَهُ السَّائِحُ: مَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ نَزَعْتَ عَنْ قَوْلِكَ، وَصِرْتُمُ الْآنَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَأَعِظُكُمْ، وَأَضْرِبُ لَكُمْ أَمْثَالَ الدُّنْيَا، وَأَمْثَالَكُمْ فِيهَا، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ وَالْخِيَارُ لِأَنْفُسِكُمْ.
[ ٣٤ ]