[ ٦٥ ]
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ، قَالَ: ح أَبُو بَكْرٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ، ح أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: ح عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرٍ ﵁ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ: حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْوِيهِ عَنْكَ، فَقَالَ جَابِرٌ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ فِيهِ، فَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَطْعَمُ شَيْئًا، وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَعَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ كُدْيَةٌ، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: هَذِهِ كُدْيَةٌ قَدْ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ، وَقَدْ رَشَشْتُ عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَبَطْنُهُ مَعْصُوبَةٌ بِحَجَرٍ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، ثُمَّ سَمَلَهَا، ثُمَّ ضَرَبَ، فَعَادَتْ كَثِيبًا أَهْيَلَ قَالَ الشَّيْخُ ﵀: مَعْنَى عَصَبَ النَّبِيِّ ﷺ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ عِنْدَ الْجُوعِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ أَوْ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إِذَا خَلَتْ أَجْوَافُهُمْ، وَغَارَتْ بُطُونُهُمْ، فَشَدُّوا عَلَيْهَا حَجَرًا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَصَابَهُمُ الْجُوعُ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَفَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مُوَافَقَةً لَهُمْ، وَلِيَعْلَمَ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ طَعَامٌ اسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَهُمْ، وَأَرَاهُمْ خَلَاءَ جَوْفِهِ كَخَلَاءِ أَجْوَافِهِمْ، وَإِنْ كَانَ هُوَ ﷺ مَحْمُولًا فِي الْجُوعِ عَنِ الضَّعْفِ الَّذِي يَلْحَقُهُمْ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ ﷺ حِينَ وَاصَلَ فَوَاصَلَ أَصْحَابُهُ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: إِنَّكَ لَتُوَاصِلُ فَقَالَ ﷺ: «إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ، إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي فَيُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي» ⦗٦٦⦘ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ فِيمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ، وَمَا يُغْنِيهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَإِنَّمَا عَصَبَ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ عَلَى مَعْنَى الْمُسَاوَاةِ بِهِمْ، وَالْمُوَافَقَةِ مَعَهُمْ، الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي
[ ٦٥ ]
حَدَّثَنَا بِهِ نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ قَالَ: ح سَيَّارٌ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، ﵁ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُوعَ، وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ حَجَرَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا شَكَوْا إِلَيْهِ الْجُوعَ أَظْهَرَ لَهُمْ مَا أَظْهَرُوا لَهُ، وَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ لَمَّا خَرَجَا إِلَى الْمَسْجِدِ لَيْلًا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَرَآهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: " مَا أَخْرَجَكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَا: الْجُوعُ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا أَخْرَجَنِي إِلَّا الَّذِي أَخْرَجَكُمَا» أَخْبَرَهُمَا بِمَا شَكَوْا إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ تَطَيُّبًا لِنُفُوسِهِمَا، وَنُفُوسِ أَصْحَابِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ طَعَامًا كَمَا لَمْ يَجِدُوا، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ، وَأَطْيَبَ لِنُفُوسِهِمْ، وَأَرْضَى لَهُمْ بِأَحْوَالِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى عَصْبِ الْحَجَرِ مِنْهُ عَلَى بَطْنِهِ إِشَارَةً مِنْهُ لَهُمْ إِلَى أَنَّ الْقَوَامَ الَّذِي بِالطَّعَامِ لَيْسَ هُوَ مِنَ الطَّعَامِ، وَلَكِنَّ الْقَوَامَ بِاللَّهِ ﷿، لِأَنَّ الطَّعَامَ إِنَّمَا يَكُونُ ⦗٦٧⦘ مِنْهُ الْقُوَّةُ، وَالْقَوَامُ بِمَا يَصِلُ مِنْهُ إِلَى الْجَوْفِ، فَعَمَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبْعَدِ الْأَشْيَاءِ مِنْ مَعَانِي الْفِدَاءِ بِهِ، فَرَبَطَهُ مِنْ خَارِجٍ يُرِيهِمْ أَنَّ هَذَا يَقُومُ لَهُ مَقَامَ الطَّعَامِ الَّذِي يَصِلُ إِلَى الْأَجْوَافِ فَيَكُونُ مِنْهُ الْقَوَامُ لِيَقْطَعَهُمْ ذَلِكَ عَنِ الِاعْتِمَادِ فِي حَالِ الْجُوعِ عَلَى الطَّعَامِ، وَيَصْرِفَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّقْوِيَةِ بِمَا شَاءَ مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَيَكُونَ اعْتِمَادُهُمْ عَلَى اللَّهِ ﷿ دُونَ اعْتِمَادِهِمْ عَلَى الْأَسْبَابِ، وَيَكُونَ هُوَ أَوَّلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَيَكُونَ ذَلِكَ مِمَّنْ فَعَلَهُ تَأَسِّيًا بِهِ وَقُدْوَةً، فَيَحْمِلُهُمْ تَرْكُهُ الْأُسْوَةَ عَنِ الْجُوعِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ، وَلَمْ يَأْتِ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ عُيُونَ أَصْحَابِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا إِشَارَتَهُ فِي ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَرْبِطُوهَا عَلَى بُطُونِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَبْطُ الْحَجَرِ مِنْهُ مُقَابَلَةَ أَصْحَابِهِ بِمَا أَظْهَرُوهُ مِنَ الضَّعْفِ وَالْعَجْزِ وَالْحَاجَةِ إِلَى الطَّعَامِ، فَقَابَلَهُمْ بِمِثْلِهِ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ ضِعْفِ الْبَشَرِيَّةِ، وَعَجْزِ صِفَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ عَلَى جَلَالَةِ قَدْرِهِ، وَعُلُوِّ دَرَجَتِهِ، وَارْتِفَاعِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ ﷻ، كَمَا قَالَ ﷻ ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء: ٨]، وَقَالَ ﷿ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٢٠] الْآيَةَ، ثُمَّ لَمَّا أَظْهَرُوا الْقُوَّةَ مِنْ نُفُوسِهِمْ مِنَ الْوِصَالِ أَرَاهُمْ ضَعْفَهُمْ فِي أَحْوَالِهِمْ، وَعَجْزَهُمْ فِي نُفُوسِهِمْ، فَنَهَاهُمْ عَنْهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ لَتُوَاصِلُ، فَقَالَ: «لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ، إِنَّ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي»، ثُمَّ وَاصَلَ ﷺ حَتَّى انْسَلَخَ الشَّهْرُ فَقَالَ: «لَوْ غُمَّ عَلَيَّ الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ»، قَالَ فِي الْحَدِيثِ كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَظْهَرُوا قُوَّةً مِنْ نُفُوسِهِمْ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى ضَعْفِ أَوْصَافِ الْبَشَرِيَّةِ، وَعَجْزِهَا بِالْوَارِدِ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ﷿، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: «إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ» ﷺ
[ ٦٦ ]